«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٢٤

الحديث رقم ٢٠٢٤ من كتاب «كتاب فضل ليلة القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب العمل في العشر الأواخر من رمضان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٢٤ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.»

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

بَابُ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠٢٤

٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٢٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوِ اثْنَيْنِ بِحَسَبِ تَمَامِ الشَّهْرِ وَنُقْصَانِهِ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ أَيْ: فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥ - بَاب الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ

٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي يَعْفُورَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ وَهُوَ أَبُو يَعْفُورَ الْمَذْكُورُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَلَهُمْ أَبُو يَعْفُورَ آخَرُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ اسْمُهُ وَقْدَانُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيِ: الْأَخِيرُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (شَدَّ مِئْزَرَهُ) أَيِ: اعْتَزَالَ النِّسَاءَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي، أَيْ: تَشَمَّرْتُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّشْمِيرُ وَالِاعْتِزَالُ مَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، كمن يَقُولُ: طَوِيلُ النِّجَادِ، لِطَوِيلِ الْقَامَةِ، وَهُوَ طَوِيلُ النِّجَادِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ الْمُرَادُ شَدَّ مِئْزَرَهُ حَقِيقَةً فَلَمْ يَحُلَّهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ الْمَذْكُورَةِ: شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ فَعَطَفَهُ بِالْوَاوِ فَيَتَقَوَّى الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ: سَهِرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اتِّسَاعًا؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا أَيْ: لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُونَ بُيُوتُكُمْ كَالْقُبُورِ.

قَوْلُهُ: (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يُطِيقُ الْقِيَامَ إِلَّا أَقَامَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اعْتِزَالَهُ النِّسَاءَ كَانَ بِالِاعْتِكَافِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَلَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا لَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ: اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ أَحَدٌ مِنْهُنَّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوقِظَهُنَّ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُوقِظَهُنَّ عِنْدَمَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: كَانَ هُبَيْرَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ يُجْهِزُ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ لِهَذَا، وَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَامَّةَ حَدِيثِهِ مُضْطَرِبٌ انْتَهَى. وَأَرَادَ بِحَدِيثِ هُبَيْرَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي

شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَرَادَ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هُبَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْمُخْتَارَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِمَّنْ كَانَ يُوَالِي أَهْلَ الْبَيْتِ، فَقَتَلَ الْمُخْتَارُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا مِمَّنِ اتُّهِمَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ خَلَائِقَ كَثِيرَةً، وَكَأَنَّ مَنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ عِنْدَهُ قَدْحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا؛ وَلِذَلِكَ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ، وَمِمَّنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ (١). وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُجْهِزُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ وَزَايٍ: يُكْمِلُ الْقَتْلَ. وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهُوَ كُوفِيٌّ نَخَعِيٌّ قَدَّمَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ صَالِحٌ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا يُقَاسُ بِالْأَعْمَشِ. انْتَهَى. وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَصَحَّحَ حَدِيثَهُ لِشَوَاهِدِهِ عَلَى عَادَتِهِ، وَتَجَنَّبَ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَلَى هَذَا فَمَحَلُّ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَا قَبْلَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْحِرْصُ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْقِيَامِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَجْوِيدِ الْخَاتِمَةِ، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَيْرٍ آمِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سنةٍ إلى ليلةٍ من ليالي العشر الأخير، واختاره النَّوويُّ في «الفتاوى» و «شرح المُهذَّب»، وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -الصَّحيح أنَّها لا تُعلَم- فأنكره (١) النَّوويُّ بأنَّ الأحاديث قد تظاهرت بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعةٌ من الصَّالحين، فلا معنى لإنكار ذلك، وقد جزم ابن حبيبٍ من المالكيَّة ونقله (٢) الجمهور وحكاه صاحب «العدَّة» من الشَّافعيَّة ورجَّحه: أنَّ ليلة القدر خاصَّةٌ بهذه الأمَّة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وهو مُعترَضٌ بحديث أبي ذرٍّ عند النَّسائيِّ حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفِعت؟ قال: «بل (٣) هي باقيةٌ»، وعمدتهم قول مالكٍ السَّابق: بلغني أنَّ رسول الله تقاصر أعمار (٤) أمَّته … إلى آخره، وهذا محتملٌ للتَّأويل فلا يدفع الصَّريح في حديث أبي ذرٍّ، كما قاله الحافظان ابن حجرٍ في «فتح الباري»، وابن كثيرٍ في «تفسيره».

(٥) (بابُ) الاجتهاد في (العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «في» (رَمَضَانَ).

٢٠٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين المهملة وضمِّ الفاء آخره راءٌ منصرفًا، عبد الرَّحمن بن عبيدٍ البَّكَّائيِّ العامريِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ مُصغَّر صبحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ) أي: الأخير -كما صرَّح به في حديث عليٍّ عند ابن أبي شيبة- من رمضان (شَدَّ مِئْزَرَهُ) بكسر الميم وسكون الهمزة، أي: إزاره، ولـ «مسلمٍ»: «جدَّ، وشدَّ المئزر»، قيل: هو كنايةٌ عن شدَّة جدِّه واجتهاده في

العبادة كما يُقال: فلانٌ يشدُّ وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّها قالت: جدَّ وشدَّ المئزر، فعطفت «شدَّ المئزر» على الجدِّ، والعطف يقتضي التَّغاير، والصَّحيح: أن المراد به اعتزاله للنِّساء (١)، وبذلك فسَّره السَّلف والأئمَّة المتقدِّمون (٢)، وجزم به عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ واستشهد بقول الشَّاعر:

قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم … عن النِّساء ولو باتت بأطهار

ويحتمل أن يُراد الاعتزال والتَّشمير معًا، فلا ينافي شدَّ المئزر حقيقةً، وقد كان يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثمَّ يعتزل النِّساء ويتفرَّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر، وعند ابن أبي عاصمٍ بإسنادٍ مقاربٍ عن عائشة: «كان رسول الله إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدَّ المئزر واجتنب النِّساء»، وفي حديث أنسٍ عند الطَّبرانيِّ: «كان إذا (٣) دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النِّساء» (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) استغرقه بالسَّهر في الصَّلاة وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصَّحيح: «ما علمته قام ليلة حتَّى الصَّباح»، وقوله: «أحيا ليله» من باب الاستعارة، شبَّه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التَّامِّ، أي: أحيا ليله بالطَّاعة أو أحيا نفسه بالسَّهر (٤) فيه؛ لأنَّ النَّوم أخو الموت، وأضافه إلى اللَّيل اتِّساعًا لأنَّ النَّائم إذا حييَ باليقظة حييَ ليله بحياته، وهو نحو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات وتكون بيوتكم كالقبور (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي: للصَّلاة والعبادة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّوم»، وأبو داود في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الصَّوم».

((٣٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. أَبْوابُ الاِعْتِكَافِ) سقط لغير المُستملي «أبواب الاعتكاف»، وثبت له تأخير البسملة، ولابن عساكر: «كتاب الاعتكاف» بدل «أبواب الاعتكاف».

(١) (بابُ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وهو لغةً: اللُّبث والحبس والملازمة على الشَّيء، خيرًا كان أو شرًّا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال : ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وشرعًا: اللُّبث في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ بنيَّته (والاعْتِكَافِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا) قيَّده بالمساجد؛ إذ لا يصحُّ في غيرها، وجَمَعَ المساجد وأكَّدها بلفظ «كلِّها» ليعمَّ جميعها خلافًا لمن خصَّه بالمساجد الثَّلاثة، ومن خصَّه بمسجدٍ بُنِي، ومن خصَّه بمسجدٍ تُقام فيه الجمعة، وهذا الأخير قول مالكٍ في «المُدوَّنة»، وهو مذهب الحنابلة، وقال في «الإنصاف»: لا يخلو المعتكف إمَّا أن يأتي عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ وهو ممَّن تلزمه الصَّلاة أوَّلًا؛ فإن لم يأت عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ فهذا يصحُّ اعتكافه في كلِّ مسجدٍ، وإن أتى عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ لم يصحَّ إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الجماعة على الصَّحيح من المذهب، وعن أبي حنيفة: لا يجوز إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس لأنَّ الاعتكاف عبارةٌ عن انتظار الصَّلاة، فلا بدَّ من اختصاصه بمسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس، والأوَّل هو قول الشَّافعيِّ في الجديد ومالكٍ في «المُوطَّأ»، وهو المشهور من مذهبه، وبه قال محمَّدٌ وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) معتكفون فيها، والمراد بالمباشرة: الوطء؛ لِمَا تقدَّم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَوِ اثْنَيْنِ بِحَسَبِ تَمَامِ الشَّهْرِ وَنُقْصَانِهِ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: الْتَمِسُوهَا فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِ وَالْخَمْسِ أَيْ: فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥ - بَاب الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ

٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَمَلِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي يَعْفُورَ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ وَهُوَ أَبُو يَعْفُورَ الْمَذْكُورُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَلَهُمْ أَبُو يَعْفُورَ آخَرُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ اسْمُهُ وَقْدَانُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيِ: الْأَخِيرُ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (شَدَّ مِئْزَرَهُ) أَيِ: اعْتَزَالَ النِّسَاءَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:

قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ نَحْوَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ: شَدَدْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي، أَيْ: تَشَمَّرْتُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ التَّشْمِيرُ وَالِاعْتِزَالُ مَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، كمن يَقُولُ: طَوِيلُ النِّجَادِ، لِطَوِيلِ الْقَامَةِ، وَهُوَ طَوِيلُ النِّجَادِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ الْمُرَادُ شَدَّ مِئْزَرَهُ حَقِيقَةً فَلَمْ يَحُلَّهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ الْمَذْكُورَةِ: شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ فَعَطَفَهُ بِالْوَاوِ فَيَتَقَوَّى الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ: سَهِرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اتِّسَاعًا؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا أَيْ: لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُونَ بُيُوتُكُمْ كَالْقُبُورِ.

قَوْلُهُ: (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يُطِيقُ الْقِيَامَ إِلَّا أَقَامَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اعْتِزَالَهُ النِّسَاءَ كَانَ بِالِاعْتِكَافِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَلَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا لَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ: اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ أَحَدٌ مِنْهُنَّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوقِظَهُنَّ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُوقِظَهُنَّ عِنْدَمَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي آخِرِ بَابُ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا نَصُّهُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: كَانَ هُبَيْرَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ يُجْهِزُ عَلَى الْقَتْلَى، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ هُبَيْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ لِهَذَا، وَلَمْ أُخْرِجْ حَدِيثَ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَامَّةَ حَدِيثِهِ مُضْطَرِبٌ انْتَهَى. وَأَرَادَ بِحَدِيثِ هُبَيْرَةَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ بِوَزْنِ عَظِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي

شَيْبَةَ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَرَادَ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هُبَيْرَةَ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ الْمُخْتَارَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَدَعَا إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَطَاعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِمَّنْ كَانَ يُوَالِي أَهْلَ الْبَيْتِ، فَقَتَلَ الْمُخْتَارُ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا مِمَّنِ اتُّهِمَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ خَلَائِقَ كَثِيرَةً، وَكَأَنَّ مَنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ عِنْدَهُ قَدْحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا؛ وَلِذَلِكَ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ، وَمِمَّنْ وَثَّقَ هُبَيْرَةَ (١). وَمَعْنَى قَوْلِهِ: يُجْهِزُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَجِيمٍ وَزَايٍ: يُكْمِلُ الْقَتْلَ. وَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَهُوَ كُوفِيٌّ نَخَعِيٌّ قَدَّمَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ صَالِحٌ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَلَا يُقَاسُ بِالْأَعْمَشِ. انْتَهَى. وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَصَحَّحَ حَدِيثَهُ لِشَوَاهِدِهِ عَلَى عَادَتِهِ، وَتَجَنَّبَ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا أَخْرَجَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَلَى هَذَا فَمَحَلُّ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَا قَبْلَهُ وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْحِرْصُ عَلَى مُدَاوَمَةِ الْقِيَامِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ إِشَارَةً إِلَى الْحَثِّ عَلَى تَجْوِيدِ الْخَاتِمَةِ، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَيْرٍ آمِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

سنةٍ إلى ليلةٍ من ليالي العشر الأخير، واختاره النَّوويُّ في «الفتاوى» و «شرح المُهذَّب»، وقيل غير ذلك ممَّا يطول استقصاؤه، وأمَّا قول ابن العربيِّ: -الصَّحيح أنَّها لا تُعلَم- فأنكره (١) النَّوويُّ بأنَّ الأحاديث قد تظاهرت بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعةٌ من الصَّالحين، فلا معنى لإنكار ذلك، وقد جزم ابن حبيبٍ من المالكيَّة ونقله (٢) الجمهور وحكاه صاحب «العدَّة» من الشَّافعيَّة ورجَّحه: أنَّ ليلة القدر خاصَّةٌ بهذه الأمَّة، ولم تكن في الأمم قبلهم، وهو مُعترَضٌ بحديث أبي ذرٍّ عند النَّسائيِّ حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رُفِعت؟ قال: «بل (٣) هي باقيةٌ»، وعمدتهم قول مالكٍ السَّابق: بلغني أنَّ رسول الله تقاصر أعمار (٤) أمَّته … إلى آخره، وهذا محتملٌ للتَّأويل فلا يدفع الصَّريح في حديث أبي ذرٍّ، كما قاله الحافظان ابن حجرٍ في «فتح الباري»، وابن كثيرٍ في «تفسيره».

(٥) (بابُ) الاجتهاد في (العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ) وللحَمُّويي والمُستملي: «في» (رَمَضَانَ).

٢٠٢٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين المهملة وضمِّ الفاء آخره راءٌ منصرفًا، عبد الرَّحمن بن عبيدٍ البَّكَّائيِّ العامريِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيحٍ مُصغَّر صبحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ) أي: الأخير -كما صرَّح به في حديث عليٍّ عند ابن أبي شيبة- من رمضان (شَدَّ مِئْزَرَهُ) بكسر الميم وسكون الهمزة، أي: إزاره، ولـ «مسلمٍ»: «جدَّ، وشدَّ المئزر»، قيل: هو كنايةٌ عن شدَّة جدِّه واجتهاده في

العبادة كما يُقال: فلانٌ يشدُّ وسطه ويسعى في كذا، وهذا فيه نظرٌ؛ فإنَّها قالت: جدَّ وشدَّ المئزر، فعطفت «شدَّ المئزر» على الجدِّ، والعطف يقتضي التَّغاير، والصَّحيح: أن المراد به اعتزاله للنِّساء (١)، وبذلك فسَّره السَّلف والأئمَّة المتقدِّمون (٢)، وجزم به عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ واستشهد بقول الشَّاعر:

قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزرهم … عن النِّساء ولو باتت بأطهار

ويحتمل أن يُراد الاعتزال والتَّشمير معًا، فلا ينافي شدَّ المئزر حقيقةً، وقد كان يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثمَّ يعتزل النِّساء ويتفرَّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر، وعند ابن أبي عاصمٍ بإسنادٍ مقاربٍ عن عائشة: «كان رسول الله إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدَّ المئزر واجتنب النِّساء»، وفي حديث أنسٍ عند الطَّبرانيِّ: «كان إذا (٣) دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النِّساء» (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) استغرقه بالسَّهر في الصَّلاة وغيرها، أو أحيا معظمه لقولها في الصَّحيح: «ما علمته قام ليلة حتَّى الصَّباح»، وقوله: «أحيا ليله» من باب الاستعارة، شبَّه القيام فيه بالحياة في حصول الانتفاع التَّامِّ، أي: أحيا ليله بالطَّاعة أو أحيا نفسه بالسَّهر (٤) فيه؛ لأنَّ النَّوم أخو الموت، وأضافه إلى اللَّيل اتِّساعًا لأنَّ النَّائم إذا حييَ باليقظة حييَ ليله بحياته، وهو نحو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تناموا فتكونوا كالأموات وتكون بيوتكم كالقبور (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي: للصَّلاة والعبادة.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّوم»، وأبو داود في «الصَّلاة» وكذا النَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الصَّوم».

((٣٣)) (بسم الله الرحمن الرحيم. أَبْوابُ الاِعْتِكَافِ) سقط لغير المُستملي «أبواب الاعتكاف»، وثبت له تأخير البسملة، ولابن عساكر: «كتاب الاعتكاف» بدل «أبواب الاعتكاف».

(١) (بابُ الاعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ) أي: من رمضان، وهو لغةً: اللُّبث والحبس والملازمة على الشَّيء، خيرًا كان أو شرًّا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال : ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وشرعًا: اللُّبث في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ بنيَّته (والاعْتِكَافِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه (فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا) قيَّده بالمساجد؛ إذ لا يصحُّ في غيرها، وجَمَعَ المساجد وأكَّدها بلفظ «كلِّها» ليعمَّ جميعها خلافًا لمن خصَّه بالمساجد الثَّلاثة، ومن خصَّه بمسجدٍ بُنِي، ومن خصَّه بمسجدٍ تُقام فيه الجمعة، وهذا الأخير قول مالكٍ في «المُدوَّنة»، وهو مذهب الحنابلة، وقال في «الإنصاف»: لا يخلو المعتكف إمَّا أن يأتي عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ وهو ممَّن تلزمه الصَّلاة أوَّلًا؛ فإن لم يأت عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ فهذا يصحُّ اعتكافه في كلِّ مسجدٍ، وإن أتى عليه في مدَّة اعتكافه فعل صلاةٍ لم يصحَّ إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الجماعة على الصَّحيح من المذهب، وعن أبي حنيفة: لا يجوز إلَّا في مسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس لأنَّ الاعتكاف عبارةٌ عن انتظار الصَّلاة، فلا بدَّ من اختصاصه بمسجدٍ تُصلَّى فيه الصَّلوات الخمس، والأوَّل هو قول الشَّافعيِّ في الجديد ومالكٍ في «المُوطَّأ»، وهو المشهور من مذهبه، وبه قال محمَّدٌ وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]) معتكفون فيها، والمراد بالمباشرة: الوطء؛ لِمَا تقدَّم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل