الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٦٢
الحديث رقم ٢٣٦٢ من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب شرب الأعلى إلى الكعبين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا حَكَمَ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فِي حَالِ غَضَبِهِ - مَعَ نَهْيِهِ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ وَهُوَ غَضْبَانُ - لِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُخَافُ عَلَى الْحَاكِمِ مِنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ حَالَ السَّخَطِ.
٨ - بَاب شِرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ ليَسْقِي بِه النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِله إِلَى جَارِكَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: آن كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حتى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ - وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ. وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يُشِيرُ إِلَى مَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ بِلَفْظِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِمْرَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِ الشُّرْبِ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ وَالْأَمْرِ الْوَسَطِ مُرَاعَاةً لِلْجِوَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ، وَمِثْلُهَا لِمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يُسَامِحَ بِبَعْضِ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الصُّلْحِ إِذَا أَشَارَ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ الْأَنْصَارِيُّ بِذَلِكَ اسْتَقْصَى الْحُكْمَ وَحَكَمَ بِهِ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ فَسْخِ الْحَاكِمِ حُكْمَهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ فَقَدَّمَ الْأَسْهَلَ إِيثَارًا لِحُسْنِ الْجِوَارِ، فَلَمَّا جَهِلَ الْخَصْمُ مَوْضِعَ حَقِّهِ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ الْأَوَّلِ وَحَكَمَ بِالثَّانِي لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ: وَقِيلَ بَلِ الْحُكْمُ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلِ الْخَصْمُ ذَلِكَ عَاقَبَهُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ثَانِيًا عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ اهـ.
وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسِيَاقُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صْرِيحِ الْحُكْمِ وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ وَمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، فَمَجْمُوعُ الطُّرُقِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَوَّلًا أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَثَانِيًا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حَقِّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدَّرَتِ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْجَدْرَ يَخْتَلِفُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ قَاسُوا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّةُ فَوَجَدُوهُ يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِعْيَارًا لِاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُنَا مَنْ يَكُونُ مَبْدَأُ الْمَاءِ مِنْ نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُرَادُ بِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي الوقت: «هو ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (١) وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «مخلد بن يزيد الحرَّانيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو حاطبٌ أو حُمَيدٌ أو ثابت بن قيسٍ، كما مرَّ [خ¦٢٣٥٩] (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ (٢) الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، و «الحَرَّة»: بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء، أي: مجاري الماء الذي يسيل منها (يَسْقِي (٣) بِهَا) بفتح أوَّله، أي: يسقي بالشِّراج، ولأبي ذرٍّ: «لِيَسقيَ (٤) به» أي: بالماء (النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اِسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشُّرب، أو أمره بالقصد، وهو (٥) الأمر الوسط، وأن يترك بعض حقِّه، وهذه الجملة المعترضة (٦) من كلام الرَّاوي، وضبط في جميع الرِّوايات «فأَمَرَه» فعلٌ ماضٍ، وضبطه الكِرمانيُّ: بكسر الميم وتشديد الرَّاء، على أنَّه فعل أمرٍ، من الإمرار، قال في «الفتح»: وهو محتملٌ (ثُمَّ أَرْسِلْ) أي: الماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ أرسله» (إِلَى جَارِكَ) والهمزة مقطوعةٌ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة حَكَمْتَ له بالتَّقديم؟! وهمزة «آنْ» ممدودةٌ في الفرع، وقد مرَّ ما فيها في «باب سَكْر الأنهار» [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) من كلامه وجرأته على منصب النُّبوَّة، ولم يعاقبه لصبره على الأذى، ومصلحة تألُّف النَّاس
صلوات الله وسلامه عليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للزُّبير: (اسْقِ) نخلك (ثُمَّ احْبِسْ) نفسك عن السَّقي (١) (حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ وَاسْتَوْعَى) بالعين، وفي نسخةٍ: «واستوفى» ﵊ (لَهُ) أي: للزُّبير (حَقَّهُ) كاملًا، أي: استوفاه واستوعبه حتَّى كأنَّه جمعه كلَّه في وعاءٍ، بحيث (٢) لم يترك منه شيئًا، وكان أوَّلًا أمره أن يسامح ببعض حقِّه، فلمَّا لم يرض الأنصاريُّ استقصى الحكم وحكم به، وأمَّا قول ابن الصَّبَّاغ وغيره: -إنَّه لمَّا لم يقبل الخصم ما حكم به أوَّلًا، ووقع منه ما وقع أَمَرَهُ أن يستوفيَ أكثرَ من حقِّه؛ عقوبةً للأنصاريِّ لمَّا كانت العقوبة بالأموال- ففيه نظرٌ، لأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك لا سيَّما قوله: «واستوعى للزُّبير حقَّه في صريح الحكم» كما في رواية شعيبٍ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨] ومَعْمَرٍ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٥] فمجموع الطُّرق قد دلَّ على أنَّه أمر الزُّبير أوَّلًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكِرمانيِّ تبعًا للخطَّابيِّ -ولعلَّ قوله: «واستوعى له حقَّه» من كلام الزُّهريِّ، إذ عادته الإدراج- فيه شيءٌ؛ لأنَّ الأصل في الحديث أن يكون حكمه كلُّه واحدًا حتَّى يرد ما يُبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وسقط قوله «﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقد جزم هنا بأنَّ الآية نزلت في ذلك، وشكَّ فيما سبق [خ¦٢٣٥٩] حيث قال: «أَحْسِب»، وجُمِع بينهما: بأنَّ الشَّخص قد يشكُّ، ثمَّ يتحقَّق الأمر عنده، وبالعكس، قال ابن جريجٍ: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لِي ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: للزُّبير: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي: قوله: «اسق … » إلى آخره، (إِلَى الكَعْبَيْنِ) يعني: قدَّروا الماء الذي يرجع إلى الجدر، فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختصِّ إذا تزاحموا عليه، وضاق عنهم، فيسقي (٣)
الأوَّل فالأوَّل، فيحبس كلُّ واحدٍ الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لأنَّه ﷺ قضى بذلك في مسيل مَهْزُورٍ -بفتح الميم وسكون الهاء وضمِّ الزَّاي وبعد الواو السَّاكنة راءٌ- ومُذَيْنِب-بذالٍ معجمةٍ ونونٍ، مُصغَّرًا: واديان بالمدينة- أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يُرسل الأعلى قبل (١) الأسفل، رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» (٢) من مرسل عبد الله بن أبي بكرٍ، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وإسناده حسنٌ، وعن الماورديِّ: الأَولى التَّقدير بالحاجة في العادة؛ لأنَّ الحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ، وبوقت الزِّراعة ووقت السَّقي، ثمَّ يرسله الأوَّل إلى الثَّاني، وهكذا، فإن انخفض بعضٌ من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها؛ أُفِرد كلٌّ منهما بسقيٍ بأن يسقي أحدهما، ثمَّ يسدَّه، ثمَّ يسقي الآخر، فإن احتاج الأوَّل إلى السَّقي مرَّةً أخرى قُدِّم، أمَّا إذا اتَّسع الماء فيسقي كلٌّ منهما متى شاء، وهل (٤) الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ الذي ذكره أصحاب الشَّافعيِّ: الأوَّل، وهو قول مطرِّفٍ وابن الماجِشُون من المالكيِّة، وقال ابن القاسم: يرسله كلّه ولا يحبس منه شيئًا، ورجَّح ابن حبيبٍ الأوَّل بأنَّ مطرِّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصَّة، فهما أقعد بذلك، لكنَّ ظاهر الحديث مع ابن القاسم؛ لأنَّه قال: «احبس الماء حتَّى يبلغ الجدر» والذي يبلغ الجدر (٥) هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللَّفظ أنَّه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بعد قوله: «إلى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَغَيْرُهُ: وَإِنَّمَا حَكَمَ ﷺ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ فِي حَالِ غَضَبِهِ - مَعَ نَهْيِهِ أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ وَهُوَ غَضْبَانُ - لِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُخَافُ عَلَى الْحَاكِمِ مِنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ حَالَ السَّخَطِ.
٨ - بَاب شِرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنْ الْحَرَّةِ ليَسْقِي بِه النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ - فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ - ثُمَّ أَرْسِله إِلَى جَارِكَ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: آن كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حتى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ - وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتْ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ. وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يُشِيرُ إِلَى مَا حَكَاهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَحَكَى الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ بِلَفْظِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِمْرَارِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَمَرَهُ بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمْ فِي مِقْدَارِ الشُّرْبِ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ وَالْأَمْرِ الْوَسَطِ مُرَاعَاةً لِلْجِوَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ، وَمِثْلُهَا لِمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا أَنْ يُسَامِحَ بِبَعْضِ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ، وَبِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الصُّلْحِ إِذَا أَشَارَ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ الْأَنْصَارِيُّ بِذَلِكَ اسْتَقْصَى الْحُكْمَ وَحَكَمَ بِهِ.
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ فَسْخِ الْحَاكِمِ حُكْمَهُ، قَالَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ فَقَدَّمَ الْأَسْهَلَ إِيثَارًا لِحُسْنِ الْجِوَارِ، فَلَمَّا جَهِلَ الْخَصْمُ مَوْضِعَ حَقِّهِ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ الْأَوَّلِ وَحَكَمَ بِالثَّانِي لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ الْحُكْمُ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، قَالَ: وَقِيلَ بَلِ الْحُكْمُ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ أَوَّلًا، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلِ الْخَصْمُ ذَلِكَ عَاقَبَهُ بِمَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ثَانِيًا عَلَى مَا بَدَرَ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ اهـ.
وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسِيَاقُ طُرُقِ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ كَمَا تَرَى، لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صْرِيحِ الْحُكْمِ وَهِيَ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ وَمَعْمَرٍ فِي التَّفْسِيرِ، فَمَجْمُوعُ الطُّرُقِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ أَوَّلًا أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَثَانِيًا أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حَقِّهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدَّرَتِ الْأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يَعْنِي أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْجَدْرَ يَخْتَلِفُ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ قَاسُوا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْقِصَّةُ فَوَجَدُوهُ يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِعْيَارًا لِاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُنَا مَنْ يَكُونُ مَبْدَأُ الْمَاءِ مِنْ نَاحِيَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُرَادُ بِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) ولأبي الوقت: «هو ابن سلامٍ» قال: (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة (١) وفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «مخلد بن يزيد الحرَّانيُّ» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) هو حاطبٌ أو حُمَيدٌ أو ثابت بن قيسٍ، كما مرَّ [خ¦٢٣٥٩] (خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ (٢) الحَرَّةِ) بكسر الشِّين المعجمة آخره جيمٌ، و «الحَرَّة»: بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء، أي: مجاري الماء الذي يسيل منها (يَسْقِي (٣) بِهَا) بفتح أوَّله، أي: يسقي بالشِّراج، ولأبي ذرٍّ: «لِيَسقيَ (٤) به» أي: بالماء (النَّخْلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اِسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (فَأَمَرَهُ بِالمَعْرُوفِ) من العادة الجارية بينهم في مقدار الشُّرب، أو أمره بالقصد، وهو (٥) الأمر الوسط، وأن يترك بعض حقِّه، وهذه الجملة المعترضة (٦) من كلام الرَّاوي، وضبط في جميع الرِّوايات «فأَمَرَه» فعلٌ ماضٍ، وضبطه الكِرمانيُّ: بكسر الميم وتشديد الرَّاء، على أنَّه فعل أمرٍ، من الإمرار، قال في «الفتح»: وهو محتملٌ (ثُمَّ أَرْسِلْ) أي: الماء، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ أرسله» (إِلَى جَارِكَ) والهمزة مقطوعةٌ (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كَانَ) الزُّبير (ابْنَ عَمَّتِكَ) صفيَّة حَكَمْتَ له بالتَّقديم؟! وهمزة «آنْ» ممدودةٌ في الفرع، وقد مرَّ ما فيها في «باب سَكْر الأنهار» [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع (فَتَلَوَّنَ) أي: تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ) من كلامه وجرأته على منصب النُّبوَّة، ولم يعاقبه لصبره على الأذى، ومصلحة تألُّف النَّاس
صلوات الله وسلامه عليه (ثُمَّ قَالَ) ﵊ للزُّبير: (اسْقِ) نخلك (ثُمَّ احْبِسْ) نفسك عن السَّقي (١) (حَتَّى يَرْجِعَ المَاءُ إِلَى الجَدْرِ وَاسْتَوْعَى) بالعين، وفي نسخةٍ: «واستوفى» ﵊ (لَهُ) أي: للزُّبير (حَقَّهُ) كاملًا، أي: استوفاه واستوعبه حتَّى كأنَّه جمعه كلَّه في وعاءٍ، بحيث (٢) لم يترك منه شيئًا، وكان أوَّلًا أمره أن يسامح ببعض حقِّه، فلمَّا لم يرض الأنصاريُّ استقصى الحكم وحكم به، وأمَّا قول ابن الصَّبَّاغ وغيره: -إنَّه لمَّا لم يقبل الخصم ما حكم به أوَّلًا، ووقع منه ما وقع أَمَرَهُ أن يستوفيَ أكثرَ من حقِّه؛ عقوبةً للأنصاريِّ لمَّا كانت العقوبة بالأموال- ففيه نظرٌ، لأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك لا سيَّما قوله: «واستوعى للزُّبير حقَّه في صريح الحكم» كما في رواية شعيبٍ في «الصُّلح» [خ¦٢٧٠٨] ومَعْمَرٍ في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٥] فمجموع الطُّرق قد دلَّ على أنَّه أمر الزُّبير أوَّلًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفيه، وقول الكِرمانيِّ تبعًا للخطَّابيِّ -ولعلَّ قوله: «واستوعى له حقَّه» من كلام الزُّهريِّ، إذ عادته الإدراج- فيه شيءٌ؛ لأنَّ الأصل في الحديث أن يكون حكمه كلُّه واحدًا حتَّى يرد ما يُبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال. (فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وسقط قوله «﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾» لأبي ذرٍّ، وقد جزم هنا بأنَّ الآية نزلت في ذلك، وشكَّ فيما سبق [خ¦٢٣٥٩] حيث قال: «أَحْسِب»، وجُمِع بينهما: بأنَّ الشَّخص قد يشكُّ، ثمَّ يتحقَّق الأمر عنده، وبالعكس، قال ابن جريجٍ: (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (لِي ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ: (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) من عطف العامِّ على الخاصِّ (قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ) أي: للزُّبير: (اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ) بهمزة وصلٍ فيهما (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي: قوله: «اسق … » إلى آخره، (إِلَى الكَعْبَيْنِ) يعني: قدَّروا الماء الذي يرجع إلى الجدر، فوجدوه يبلغ الكعبين، وهذا هو الذي عليه الجمهور في سقي الأرض بالماء غير المختصِّ إذا تزاحموا عليه، وضاق عنهم، فيسقي (٣)
الأوَّل فالأوَّل، فيحبس كلُّ واحدٍ الماء إلى أن يبلغ الكعبين؛ لأنَّه ﷺ قضى بذلك في مسيل مَهْزُورٍ -بفتح الميم وسكون الهاء وضمِّ الزَّاي وبعد الواو السَّاكنة راءٌ- ومُذَيْنِب-بذالٍ معجمةٍ ونونٍ، مُصغَّرًا: واديان بالمدينة- أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يُرسل الأعلى قبل (١) الأسفل، رواه مالكٌ في «المُوطَّأ» (٢) من مرسل عبد الله بن أبي بكرٍ، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ من حديث عائشة، وصحَّحه الحاكم (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وإسناده حسنٌ، وعن الماورديِّ: الأَولى التَّقدير بالحاجة في العادة؛ لأنَّ الحاجة تختلف باختلاف الأرض، وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ، وبوقت الزِّراعة ووقت السَّقي، ثمَّ يرسله الأوَّل إلى الثَّاني، وهكذا، فإن انخفض بعضٌ من أرض الأعلى بحيث يأخذ فوق الحاجة قبل سقي المرتفع منها؛ أُفِرد كلٌّ منهما بسقيٍ بأن يسقي أحدهما، ثمَّ يسدَّه، ثمَّ يسقي الآخر، فإن احتاج الأوَّل إلى السَّقي مرَّةً أخرى قُدِّم، أمَّا إذا اتَّسع الماء فيسقي كلٌّ منهما متى شاء، وهل (٤) الماء الذي يرسله هو ما يفضل عن الماء الذي حبسه، أو الجميع المحبوس وغيره بعد أن يصل في أرضه إلى الكعبين؟ الذي ذكره أصحاب الشَّافعيِّ: الأوَّل، وهو قول مطرِّفٍ وابن الماجِشُون من المالكيِّة، وقال ابن القاسم: يرسله كلّه ولا يحبس منه شيئًا، ورجَّح ابن حبيبٍ الأوَّل بأنَّ مطرِّفًا وابن الماجشون من أهل المدينة، وبها كانت القصَّة، فهما أقعد بذلك، لكنَّ ظاهر الحديث مع ابن القاسم؛ لأنَّه قال: «احبس الماء حتَّى يبلغ الجدر» والذي يبلغ الجدر (٥) هو الماء الذي يدخل الحائط، فمقتضى اللَّفظ أنَّه هو الذي يرسله بعد هذه الغاية، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي بعد قوله: «إلى