الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2361
الحديث رقم 2361 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شرب الأعلى قبل الأسفل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ:
أخبر عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن رجلًا من الأنصار تشاجر مع أبيه الزبير بن العوام عند النبي صلى الله عليه وسلم في مسايل وسواقي الماء التي يَسْقُون بها النخل، فقال الأنصاري للزبير رضي الله عنه: أطلق الماء ليمر ولا تحبسه في أرضك، فرفض الزبير، فترافعا عند النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: اسق نخلك يا زبير بشيء يسير دون حقك، ثم أرسل الماء إلى جارك الأنصاري، فغضب الأنصاري فقال: لكون الزبير ابن عمتك حكمت له بالتقديم عليّ؟ فتغير وجه النبي عليه الصلاة والسلام وظهر فيه آثار الغضب؛ لانتهاك حرمات النبوة وقبيح كلام هذا الرجل، ولكنه غضبٌ لا يُخرج عن الاعتدال، ثم قال: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء تحت الشجر حتى يصل إلى ارتفاع قَدَمٍ، أو حتى يصل إلى أصول النخل، فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65]، وفي لفظ للبخاري: فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: اسق نخلك يا زبير، ثم احبس الماء، فاستوفى صلى الله عليه وسلم بهذا الحق للزبير كاملًا، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك أخبر الزبير برأي فيه توسيع ومسامحة له وللأنصاري، فلما أغضب الأنصاري النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الزبير باستيفاء تمام حقه، فإنه أصلح له، وأبلغ في الزجر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ الْمُنَافِقَ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَسْمِيَةِ عُمَرَ الْفَارُوقَ.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ تَقَوَّى بِطَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ لِإِمْكَانِ التَّعَدُّدِ، وَأَفَادَ الْوَاحِدِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ اسْمَ الْأَنْصَارِيِّ الْمَذْكُورِ قَيْسٌ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَعَزَاهُ إِلَى أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَهْذِيبِهِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا هَذِهِ الْقِصَّةُ لِيَتَّسِقَ نِظَامُ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي سَبَبٍ وَاحِدٍ، قَالَ وَلَمْ يَعْرِضْ بَيْنَهَا مَا يَقْتَضِي خِلَالَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ الزُّبَيْرِ وَخَصْمِهِ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ فَيَتَنَاوَلُهَا عُمُومُ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ أَحَدٌ يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا اللَّيْثَ فَقَطْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَهُوَ الْقَائِلُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ هُوَ السُّلَمِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ وَتَأَخَّرَ بَعْدَهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِتَفَرُّدِ اللَّيْثِ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي إِسْنَادِهِ فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا ورد عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَيْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ بَلْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَمُسَلَّمٌ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ فِيهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا تَق دَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ نَحْوَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ.
٧ - بَاب شُرْبِ الْأَعْلَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: اسْقِ يَا زُبَيْرُ حتى يَبْلُغُ الْمَاءُ الْجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ قَبْلَ السُّفْلَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْقِيَ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشُّرْبُ مِنْ نَهَرٍ أَوْ مَسِيلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يُقَدَّمُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَلَا حَقَّ لِلْأَسْفَلِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ الْأَعْلَى، وَحَدُّهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَاءَ الْأَرْضَ حَتَّى لَا تَشْرَبَهُ وَيَرْجِعَ إِلَى الْجِدَارِ ثُمَّ يُطْلِقَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَرْسِلْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْجَدْرَ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ذِكْرُ الْمَاءِ، زَادَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ فَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حِينَئِذٍ حَقَّهُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَةٌ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ فَقَوْلُهُ اسْتَوْعَى أَيِ اسْتَوْفَى، وَهُوَ مِنَ الْوَعْيِ كَأَنَّهُ جَمَعَهُ لَهُ فِي وِعَائِهِ، وَقَوْلُهُ: أَحْفَظَهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ أَغْضَبَهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَصِلَ بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَعْنَى الشَّرْحِ وَالْبَيَانِ.
قُلْتُ: لَكِنِ الْأَصْلُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كُلُّهُ وَاحِدًا حَتَّى يَرِدَ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِدْرَاجُ بِالِاحْتِمَالِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالوجهين على الاحتمال؛ لأنَّ عروة صحَّ سماعه من أبيه، فيجوز أن يكون سمعه من أبيه وثبَّته فيه أخوه، فالحديث كيفما دار فهو على ثقةٍ، وقد اشتمل على أمرٍ يتعلَّق بالزُّبير، فدواعي أولاده متوفِّرةٌ على ضبطه، فاعتمد تصحيحه لهذه القرينة القويَّة، وقد وافق البخاريَّ على تصحيح حديث اللَّيث هذا مسلمٌ وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبَّان وغيرهم، مع أنَّ في سياق ابن الجارود له التَّصريحُ بأنَّ عبد الله بن الزُّبير رواه عن أبيه، وهي رواية يونس عن الزُّهريِّ. وزعم الحُميديُّ في «جَمْعِه»: أنَّ الشَّيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وليس كما قال، فإنَّه بهذا السِّياق في رواية يونس المذكورة، ولم يُخرِجها من أصحاب الكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسائيُّ، وأشار إليها التِّرمذيُّ خاصَّةً. انتهى.
(٧) (باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قبل السُّفلى».
٢٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، أنَّه (١) (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) بن العوَّام (رَجُلٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «خاصم الزُّبير رجلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ الأَنْصَارِ) قد سبق في الباب قبله [خ¦٢٣٥٩] ما قيل في اسمه، زاد في الرِّواية السَّابقة: في شِرَاج الحَرَّة التي يَسقُون بها النَّخل (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ) بهمزة وصلٍ، أي: شيئًا يسيرًا دون حقّك (ثُمَّ أَرْسِلْ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «الماء» أي: إلى
جارك كما في الحديث السَّابق، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ إرسال الماء لا يكون إلَّا من الأعلى إلى الأسفل (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) له ﵊: (إِنَّهُ) أي: الزُّبيرُ (ابْنُ عَمَّتِكَ) صفيَّة، وهمزة «إِنَّه» بالفتح والكسر (١)، والكسر في فرع «اليونينيَّة»، قال ابن مالكٍ: لأنَّها واقعةٌ بعد كلامٍ تامٍّ مُعلَّلٍ بمضمون ما صُدِّر بها، فإذا كُسِرت قُدِّر ما (٢) قبلها الفاء، وإذا فُتِحت قُدِّر ما قبلها اللَّام، والكسر أجود، قال في «التَّنقيح»: ويمكن ترجيح الفاء بكونه كلامًا مستقلًّا من متكلِّمٍ آخر يبتدئ به كلامه، وجاء (٣) الفتح لكونه علَّةً لما قبله، قال: وقوله -أي: ابن مالكٍ-: «إذا كُسِرت قُدِّر (٤) ما (٥) قبلها الفاء» كلامٌ مُشكِلٌ؛ لأنَّ تقدير الفاء إنَّما يكون للتَّعليل، والتَّعليل يقتضي الفتح لا الكسر، قال في «المصابيح»: هذا كلامُ من لم يُلِمَّ بفهم (٦) كلام القوم؛ وذلك أنَّ الكسر منوطٌ بكون المحلِّ محلَّ الجملة لا المفرد، والفتحُ بكون المحلِّ للمفرد لا للجملة، وأمَّا التَّعليل فلا مدخل له من حيث خصوص التَّعليل لا في فتحٍ ولا في (٧) غيره، ولكنَّه رآهم يقولون في (٨) مثل: «أكرم زيدًا أَنَّه فاضلٌ» -بالفتح-: فُتِحت «أنَّ» لإرادة التَّعليل مثلًا، فظنَّ أنَّه الموجب للفتح، وليس كذلك، وإنَّما أرادوا فتحة «أنَّ» لأجل أنَّ لام الجرِّ مرادةٌ، وهي في الواقع للتَّعليل، فالفتح إنَّما هو لأجل أنَّ حرف الجرِّ مطلقًا لا يدخل إلَّا على مفردٍ، ففُتِحت «إنَّ» من حيث دخول اللَّام باعتبار كونها حرف جرٍّ، لا باعتبار كونها للتَّعليل، ولا بدَّ، ألا ترى أنَّ حرف الجرِّ المقدَّر لو لم يكن للتَّعليل أصلًا لكانت «أنَّ» مفتوحةً، ثمَّ ليس كلُّ حرفٍ دلَّ على التَّعليل تُفتَح «أنَّ» معه، وإنَّما قدَّر ابنُ مالكٍ الفاء مع الكسر ليأتي بحرفٍ دالٍّ على
السَّببيَّة، ولا يدخل إلَّا على الجمل (١)، فيلزم كسر «أن» بعده، ولا شكَّ أنَّ الفاء الموضوعة للسَّببيَّة كذلك، أي: تختصُّ بالجمل. انتهى. وقوله في «فتح الباري»: -ولم يُقرَأ هنا إلَّا بالكسر، وإن جاء (٢) الفتح في العربيَّة- فيه شيءٌ، فقد وجدت الفتح في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، وليس للحصر (٣) وجهٌ، فليُتأمَّل. (فَقَالَ ﵇ وفي نسخةٍ: «فقال ﷺ»: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (ثُمَّ يَبْلُغُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حتَّى يبلغ» (المَاءُ الجَدْرَ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت (٤) لفظ «الماء» (ثُمَّ أَمْسِكْ) بهمزة قطعٍ، أي: نفسك عن السَّقي (فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى [خ¦٢٣٦٢].
(٨) (باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الكَعْبَيْنِ) بكسر الشِّين المعجمة لأبي ذرٍّ، أي: نصيب الأعلى.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المَاء قَلِيلا وَانْقطع بعد سقِِي الثَّانِي، وَقد صرح النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : بِأَن المُرَاد بِالْأولِ الَّذِي يَلِي المَاء إلَاّ لمحيي الأول، فَقَالَ عِنْد ذكر حَدِيث الزبير: فَلصَاحِب الأَرْض الأولى الَّتِي تلِي المَاء الْمُبَاح أَن يحبس المَاء ويسقي أرضه إِلَى هَذَا الْحَد، ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى جَاره الَّذِي وَرَاءه. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بقوله: ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك؟ فَهَل هُوَ مَا فضل عَن المَاء الَّذِي حَبسه أَو إرْسَال جَمِيع المَاء الْمَحْبُوس أَو غَيره بعد أَن يصل فِي أرضه إِلَى الْكَعْبَيْنِ؟ قلت: قَالَ شَيخنَا: الصَّحِيح الَّذِي ذكره أَصْحَاب الشَّافِعِي الأول، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، وَاخْتَارَهُ ابْن وهب، وَقد كَانَ ابْن الْقَاسِم يَقُول: إِذا انْتهى المَاء فِي الْحَائِط إِلَى مِقْدَار الْكَعْبَيْنِ من الْقَائِم أرْسلهُ كُله إِلَى من تَحْتَهُ، وَلَا يحبس مِنْهُ شَيْئا فِي حَائِطه. قَالَ ابْن وهب: وَقَول مطرف وَابْن الْمَاجشون أحب إِلَيّ فِي ذَلِك، وهما أعلم بذلك، لِأَن الْمَدِينَة دارهما وَبهَا كَانَت الْقَضِيَّة وفيهَا جرى الْعَمَل بِالْحَدِيثِ. وَفِيه: حجَّة على مَا حُكيَ عَن أبي حنيفَة من أَن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، وَإِنَّمَا يسقون بِقدر حصصهم، قَالَه بعض الشَّافِعِيَّة. قلت: هَذَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن الداركي، وَلَيْسَ مُرَاد أبي حنيفَة من قَوْله: إِن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، أَنه يخْتَص بِالْمَاءِ وَيحرم الْأَسْفَل، بل كلهم سَوَاء فِي الِاسْتِحْقَاق، غير أَن الأول يسْقِي ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث وهلم جراً، وَالِانْتِفَاع فِي حق كل وَاحِد بِقدر أرضه، وَقدر حَاجته، فَيكون بِالْحِصَصِ. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: وَلَو كَانَ نهيراً صَغِيرا وسيل فتشاح أهل الْأَرْضين الشاربة عَنهُ، فَإِنَّهُ يبْدَأ بالأعلى ويسقي حَتَّى يبلغ الكعب، ثمَّ يُرْسل إِلَى الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِك إِلَى انْتِهَاء الْأَرَاضِي، فَإِن لم يفضل عَن الأول شَيْء أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث لَا شَيْء للباقين، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم إلَاّ مَا فضل فهم كالعصبة فِي الْمِيرَاث، وَهَذَا قَول فُقَهَاء الْمَدِينَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَلَا نعلم فِيهِ مُخَالفا، وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي حَدِيث الْبَاب: إِن الأولى بِالْمَاءِ الْجَارِي الأول فَالْأول حَتَّى يَسْتَوْفِي حَاجته، وَهَذَا مَا لم يكن أَصله ملكا للأسفل مُخْتَصًّا بِهِ، فَإِن كَانَ ملكه فَلَيْسَ للأعلى أَن يشرب مِنْهُ شَيْئا وَإِن كَانَ يمر عَلَيْهِ. وَفِيه: الِاكْتِفَاء للخصوم بِمَا يفهم عَنْهُم مقصودهم أَن لَا يكلفوا النَّص على الدعاوي وَلَا تَحْرِير الْمُدعى فِيهِ وَلَا حصره بِجَمِيعِ صِفَاته. وَفِيه: إرشاد الْحَاكِم إِلَى الْإِصْلَاح، وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب الْجُمْهُور أَن القَاضِي يُشِير بِالصُّلْحِ إِذا رَآهُ مصلحَة، وَمنع ذَلِك مَالك، وَعَن الشَّافِعِي فِي ذَلِك خلاف، وَالصَّحِيح جَوَازه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يستوعي لكل وَاحِد من المتخاصمين حَقه إِذا لم يَرَ قبولاً مِنْهُمَا للصلح وَلَا رضى بِمَا أَشَارَ بِهِ كَمَا فعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: توبيخ من جَفا على الإِمَام وَالْحَاكِم ومعاقبته لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عاقبه بِمَا قَالَ، بِأَن استوعى للزبير حَقه، ووبخه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بِأَن نفى عَنْهُم الْإِيمَان حَتَّى يرْضوا بالحكم فَقَالَ: {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ ... } (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة. وَقيل: وَقعت عُقُوبَته فِي مَاله وَقد كَانَت تقع الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال، كأمره بشق الزقاق وَكسر الجرار عِنْد تَحْرِيم الْخمر، تَغْلِيظًا للتَّحْرِيم. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم على الْأنْصَارِيّ فِي حَال غَضَبه مَعَ نَهْيه أَن يحكم الحكم وَهُوَ غَضْبَان، لِأَنَّهُ يُفَارق غَيره من الْبشر، إِذْ الْعِصْمَة قَائِمَة فِي حَقه فِي حَال الرِّضَا والسخط أَن لَا يَقُول إلَاّ حَقًا. وَفِيه: دَلِيل أَن للْإِمَام أَن يعْفُو عَن التَّعْزِير، كَمَا لَهُ أَن يقيمه.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ قَالَ أبُو عَبْدِ الله: لَيْسَ أحَدٌ يَذْكرُ عُرْوَةَ عنْ عَبْدِ الله إلَاّ اللَّيْثُ فَقَطْ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده عَن الْفربرِي، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيره، وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس السّلمِيّ الْأَصْبَهَانِيّ، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وَتَأَخر بعده، مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، يَعْنِي: هُوَ الَّذِي صرح بتفرد اللَّيْث بِذكر عبد الله بن الزبير فِي إِسْنَاده، وَفِيه نظر، لِأَن ابْن وهب روى عَن اللَّيْث وَيُونُس جَمِيعًا عَن ابْن شهَاب: أَن عُرْوَة حَدثهُ عَن أَخِيه عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، أخرجه النَّسَائِيّ، وَذكر الْحميدِي فِي (جمعه) : أَن الشَّيْخَيْنِ أَخْرجَاهُ من طَرِيق عُرْوَة عَن أَخِيه عبد الله عَن أَبِيه، وَفِيه نظر أَيْضا، لِأَنَّهُ بِهَذَا السِّيَاق فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُور، وَلم يُخرجهَا من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ كَمَا ذكرنَا وَالله أعلم، وَمِنْه الْمَنّ علينا.
٧ - (بابُ شُرْبِ الأعْلَى قَبْلَ الأسْفَلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شرب الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: قبل السفلي، قَالَ بَعضهم: وَالْأول
أولى. قلت: لَا أَوْلَوِيَّة هُنَا، لِأَن معنى السفلي قبل صَاحب الأَرْض السُّفْلى، وَيجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع الْأَعْلَى: الْعليا، على تَقْدِير شرب صَاحب الأَرْض الْعليا، فتذكير الْأَعْلَى والأسفل بِاعْتِبَار الصاحب، وتأنيثهما بِاعْتِبَار الأَرْض بالتقدير الْمَذْكُور.
١٦٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خاصَمَ الزُّبَيْرُ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أرْسِلْ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ أنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ علَيْهِ السَّلامُ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أمْسِكْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلَا وربُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٥٦) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زبير أسق ثمَّ أرسل) فَإِنَّهُ يعلم مِنْهُ أَن الزبير هُوَ الْأَعْلَى، لِأَن إرْسَال المَاء لَا يكون إلَاّ من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
قَوْله: (ثمَّ أرسل) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر مَفْعُوله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ أرسل المَاء) . قَوْله: (ثمَّ يبلغ المَاء الْجدر) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أسق يَا زبير حَتَّى يبلغ المَاء الْجدر) وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر ذكر المَاء، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة من وَجه آخر عَن معمر: (ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك) ، ومعاني بَقِيَّة الْأَلْفَاظ وَالْحكم تقدّمت فِي الْبَاب السَّابِق.
٨ - (بابُ شُرْبِ الأعْلى إِلَى الكَعْبَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى بَيَان مِقْدَار المَاء للأعلى.
١٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مخلد قَالَ أَخْبرنِي ابْن جريج قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه حَدثهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج من الْحرَّة يسْقِي بهَا النّخل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ يَا زبير فَأمره بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ قَالَ اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع المَاء إِلَى الْجدر واستوعي لَهُ حَقه فَقَالَ الزبير وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم} قَالَ لي ابْن شهَاب فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي رُجُوع المَاء إِلَى الْجدر وُصُوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت صرح بِهِ ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَفِي آخِره دَال مُهْملَة هُوَ ابْن يزِيد وَقد مر فِي الْجُمُعَة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ قَوْله " فَأمره بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أمره بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جرت بَينهم فِي مِقْدَار الشّرْب وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله اسْقِ يَا زبير وَبَين قَوْله ثمَّ أرسل قَوْله " واستوعي لَهُ " أَي استوفي للزبير حَقه واستوعب وَهُوَ من الْوِعَاء كَأَنَّهُ جمعه لَهُ فِي وعائه وَأبْعد من قَالَ أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ حَكَاهُ ابْن الصّباغ وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقصي فِيهِ تَغْلِيظًا على الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من كَلَام الزُّهْرِيّ وَكَانَت عَادَته أَن يصل بِالْحَدِيثِ من كَلَامه مَا يظْهر لَهُ من معنى الشَّرْح وَالْبَيَان قيل الأَصْل فِي الحَدِيث أَن يكون حكمه كُله وَاحِدًا حَتَّى يرد مَا يبين ذَلِك وَلَا يثبت الإدراج بِالِاحْتِمَالِ قَوْله قَالَ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن عُرْوَة وَهَذَا إِلَى آخِره من كَلَام ابْن شهَاب حكى عَنهُ ابْن جريج الرَّاوِي عَنهُ قَوْله وَالنَّاس من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص أَو مَعْهُود غير الْأَنْصَار قَوْله
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ قَتَلَ الْمُنَافِقَ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَتَسْمِيَةِ عُمَرَ الْفَارُوقَ.
وَهَذَا الْإِسْنَادُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ تَقَوَّى بِطَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ لِإِمْكَانِ التَّعَدُّدِ، وَأَفَادَ الْوَاحِدِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ اسْمَ الْأَنْصَارِيِّ الْمَذْكُورِ قَيْسٌ، وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَعَزَاهُ إِلَى أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَهْذِيبِهِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا هَذِهِ الْقِصَّةُ لِيَتَّسِقَ نِظَامُ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي سَبَبٍ وَاحِدٍ، قَالَ وَلَمْ يَعْرِضْ بَيْنَهَا مَا يَقْتَضِي خِلَالَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَانِعَ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ الزُّبَيْرِ وَخَصْمِهِ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ فَيَتَنَاوَلُهَا عُمُومُ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَيْسَ أَحَدٌ يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا اللَّيْثَ فَقَطْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَهُوَ الْقَائِلُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ هُوَ السُّلَمِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ الْبُخَارِيِّ وَتَأَخَّرَ بَعْدَهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُصَرِّحٌ بِتَفَرُّدِ اللَّيْثِ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي إِسْنَادِهِ فَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا ورد عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَيْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ بَلْ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَمُسَلَّمٌ، فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ وَهْبٍ فِيهَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا تَق دَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنِ اللَّيْثِ، وَيُونُسَ نَحْوَ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ.
٧ - بَاب شُرْبِ الْأَعْلَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلا مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: اسْقِ يَا زُبَيْرُ حتى يَبْلُغُ الْمَاءُ الْجَدْرَ ثُمَّ أَمْسِكْ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ شُرْبِ الْأَعْلَى قَبْلَ الْأَسْفَلِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، والْكُشْمِيهَنِيِّ قَبْلَ السُّفْلَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْقِيَ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشُّرْبُ مِنْ نَهَرٍ أَوْ مَسِيلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ يُقَدَّمُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَلَا حَقَّ لِلْأَسْفَلِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ الْأَعْلَى، وَحَدُّهُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَاءَ الْأَرْضَ حَتَّى لَا تَشْرَبَهُ وَيَرْجِعَ إِلَى الْجِدَارِ ثُمَّ يُطْلِقَهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَرْسِلْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَبْلُغَ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْجَدْرَ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ذِكْرُ الْمَاءِ، زَادَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ فِي الصُّلْحِ فَاسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حِينَئِذٍ حَقَّهُ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ فِيهِ سَعَةٌ لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ فَقَوْلُهُ اسْتَوْعَى أَيِ اسْتَوْفَى، وَهُوَ مِنَ الْوَعْيِ كَأَنَّهُ جَمَعَهُ لَهُ فِي وِعَائِهِ، وَقَوْلُهُ: أَحْفَظَهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ أَغْضَبَهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَصِلَ بِالْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِهِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ مَعْنَى الشَّرْحِ وَالْبَيَانِ.
قُلْتُ: لَكِنِ الْأَصْلُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ كُلُّهُ وَاحِدًا حَتَّى يَرِدَ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِدْرَاجُ بِالِاحْتِمَالِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالوجهين على الاحتمال؛ لأنَّ عروة صحَّ سماعه من أبيه، فيجوز أن يكون سمعه من أبيه وثبَّته فيه أخوه، فالحديث كيفما دار فهو على ثقةٍ، وقد اشتمل على أمرٍ يتعلَّق بالزُّبير، فدواعي أولاده متوفِّرةٌ على ضبطه، فاعتمد تصحيحه لهذه القرينة القويَّة، وقد وافق البخاريَّ على تصحيح حديث اللَّيث هذا مسلمٌ وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبَّان وغيرهم، مع أنَّ في سياق ابن الجارود له التَّصريحُ بأنَّ عبد الله بن الزُّبير رواه عن أبيه، وهي رواية يونس عن الزُّهريِّ. وزعم الحُميديُّ في «جَمْعِه»: أنَّ الشَّيخين أخرجاه من طريق عروة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وليس كما قال، فإنَّه بهذا السِّياق في رواية يونس المذكورة، ولم يُخرِجها من أصحاب الكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسائيُّ، وأشار إليها التِّرمذيُّ خاصَّةً. انتهى.
(٧) (باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قبل السُّفلى».
٢٣٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير، أنَّه (١) (قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) بن العوَّام (رَجُلٌ) بالرَّفع على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ: «خاصم الزُّبير رجلًا» بالنَّصب على المفعوليَّة (مِنَ الأَنْصَارِ) قد سبق في الباب قبله [خ¦٢٣٥٩] ما قيل في اسمه، زاد في الرِّواية السَّابقة: في شِرَاج الحَرَّة التي يَسقُون بها النَّخل (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا زُبَيْرُ اسْقِ) بهمزة وصلٍ، أي: شيئًا يسيرًا دون حقّك (ثُمَّ أَرْسِلْ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: «الماء» أي: إلى
جارك كما في الحديث السَّابق، وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ إرسال الماء لا يكون إلَّا من الأعلى إلى الأسفل (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) له ﵊: (إِنَّهُ) أي: الزُّبيرُ (ابْنُ عَمَّتِكَ) صفيَّة، وهمزة «إِنَّه» بالفتح والكسر (١)، والكسر في فرع «اليونينيَّة»، قال ابن مالكٍ: لأنَّها واقعةٌ بعد كلامٍ تامٍّ مُعلَّلٍ بمضمون ما صُدِّر بها، فإذا كُسِرت قُدِّر ما (٢) قبلها الفاء، وإذا فُتِحت قُدِّر ما قبلها اللَّام، والكسر أجود، قال في «التَّنقيح»: ويمكن ترجيح الفاء بكونه كلامًا مستقلًّا من متكلِّمٍ آخر يبتدئ به كلامه، وجاء (٣) الفتح لكونه علَّةً لما قبله، قال: وقوله -أي: ابن مالكٍ-: «إذا كُسِرت قُدِّر (٤) ما (٥) قبلها الفاء» كلامٌ مُشكِلٌ؛ لأنَّ تقدير الفاء إنَّما يكون للتَّعليل، والتَّعليل يقتضي الفتح لا الكسر، قال في «المصابيح»: هذا كلامُ من لم يُلِمَّ بفهم (٦) كلام القوم؛ وذلك أنَّ الكسر منوطٌ بكون المحلِّ محلَّ الجملة لا المفرد، والفتحُ بكون المحلِّ للمفرد لا للجملة، وأمَّا التَّعليل فلا مدخل له من حيث خصوص التَّعليل لا في فتحٍ ولا في (٧) غيره، ولكنَّه رآهم يقولون في (٨) مثل: «أكرم زيدًا أَنَّه فاضلٌ» -بالفتح-: فُتِحت «أنَّ» لإرادة التَّعليل مثلًا، فظنَّ أنَّه الموجب للفتح، وليس كذلك، وإنَّما أرادوا فتحة «أنَّ» لأجل أنَّ لام الجرِّ مرادةٌ، وهي في الواقع للتَّعليل، فالفتح إنَّما هو لأجل أنَّ حرف الجرِّ مطلقًا لا يدخل إلَّا على مفردٍ، ففُتِحت «إنَّ» من حيث دخول اللَّام باعتبار كونها حرف جرٍّ، لا باعتبار كونها للتَّعليل، ولا بدَّ، ألا ترى أنَّ حرف الجرِّ المقدَّر لو لم يكن للتَّعليل أصلًا لكانت «أنَّ» مفتوحةً، ثمَّ ليس كلُّ حرفٍ دلَّ على التَّعليل تُفتَح «أنَّ» معه، وإنَّما قدَّر ابنُ مالكٍ الفاء مع الكسر ليأتي بحرفٍ دالٍّ على
السَّببيَّة، ولا يدخل إلَّا على الجمل (١)، فيلزم كسر «أن» بعده، ولا شكَّ أنَّ الفاء الموضوعة للسَّببيَّة كذلك، أي: تختصُّ بالجمل. انتهى. وقوله في «فتح الباري»: -ولم يُقرَأ هنا إلَّا بالكسر، وإن جاء (٢) الفتح في العربيَّة- فيه شيءٌ، فقد وجدت الفتح في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، وليس للحصر (٣) وجهٌ، فليُتأمَّل. (فَقَالَ ﵇ وفي نسخةٍ: «فقال ﷺ»: (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بهمزة وصلٍ (ثُمَّ يَبْلُغُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حتَّى يبلغ» (المَاءُ الجَدْرَ) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت (٤) لفظ «الماء» (ثُمَّ أَمْسِكْ) بهمزة قطعٍ، أي: نفسك عن السَّقي (فَقَالَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «قال» (الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]) وتأتي صفة إرسال الماء من الأعلى إلى الأسفل في الباب اللَّاحق إن شاء الله تعالى [خ¦٢٣٦٢].
(٨) (باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الكَعْبَيْنِ) بكسر الشِّين المعجمة لأبي ذرٍّ، أي: نصيب الأعلى.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ المَاء قَلِيلا وَانْقطع بعد سقِِي الثَّانِي، وَقد صرح النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) : بِأَن المُرَاد بِالْأولِ الَّذِي يَلِي المَاء إلَاّ لمحيي الأول، فَقَالَ عِنْد ذكر حَدِيث الزبير: فَلصَاحِب الأَرْض الأولى الَّتِي تلِي المَاء الْمُبَاح أَن يحبس المَاء ويسقي أرضه إِلَى هَذَا الْحَد، ثمَّ يُرْسِلهُ إِلَى جَاره الَّذِي وَرَاءه. فَإِن قلت: مَا المُرَاد بقوله: ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك؟ فَهَل هُوَ مَا فضل عَن المَاء الَّذِي حَبسه أَو إرْسَال جَمِيع المَاء الْمَحْبُوس أَو غَيره بعد أَن يصل فِي أرضه إِلَى الْكَعْبَيْنِ؟ قلت: قَالَ شَيخنَا: الصَّحِيح الَّذِي ذكره أَصْحَاب الشَّافِعِي الأول، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن الْمَاجشون من الْمَالِكِيَّة، وَاخْتَارَهُ ابْن وهب، وَقد كَانَ ابْن الْقَاسِم يَقُول: إِذا انْتهى المَاء فِي الْحَائِط إِلَى مِقْدَار الْكَعْبَيْنِ من الْقَائِم أرْسلهُ كُله إِلَى من تَحْتَهُ، وَلَا يحبس مِنْهُ شَيْئا فِي حَائِطه. قَالَ ابْن وهب: وَقَول مطرف وَابْن الْمَاجشون أحب إِلَيّ فِي ذَلِك، وهما أعلم بذلك، لِأَن الْمَدِينَة دارهما وَبهَا كَانَت الْقَضِيَّة وفيهَا جرى الْعَمَل بِالْحَدِيثِ. وَفِيه: حجَّة على مَا حُكيَ عَن أبي حنيفَة من أَن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، وَإِنَّمَا يسقون بِقدر حصصهم، قَالَه بعض الشَّافِعِيَّة. قلت: هَذَا وَجه حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن الداركي، وَلَيْسَ مُرَاد أبي حنيفَة من قَوْله: إِن الْأَعْلَى لَا يقدم على الْأَسْفَل، أَنه يخْتَص بِالْمَاءِ وَيحرم الْأَسْفَل، بل كلهم سَوَاء فِي الِاسْتِحْقَاق، غير أَن الأول يسْقِي ثمَّ الثَّانِي ثمَّ الثَّالِث وهلم جراً، وَالِانْتِفَاع فِي حق كل وَاحِد بِقدر أرضه، وَقدر حَاجته، فَيكون بِالْحِصَصِ. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: وَلَو كَانَ نهيراً صَغِيرا وسيل فتشاح أهل الْأَرْضين الشاربة عَنهُ، فَإِنَّهُ يبْدَأ بالأعلى ويسقي حَتَّى يبلغ الكعب، ثمَّ يُرْسل إِلَى الَّذِي يَلِيهِ كَذَلِك إِلَى انْتِهَاء الْأَرَاضِي، فَإِن لم يفضل عَن الأول شَيْء أَو الثَّانِي أَو الثَّالِث لَا شَيْء للباقين، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم إلَاّ مَا فضل فهم كالعصبة فِي الْمِيرَاث، وَهَذَا قَول فُقَهَاء الْمَدِينَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، وَلَا نعلم فِيهِ مُخَالفا، وَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي حَدِيث الْبَاب: إِن الأولى بِالْمَاءِ الْجَارِي الأول فَالْأول حَتَّى يَسْتَوْفِي حَاجته، وَهَذَا مَا لم يكن أَصله ملكا للأسفل مُخْتَصًّا بِهِ، فَإِن كَانَ ملكه فَلَيْسَ للأعلى أَن يشرب مِنْهُ شَيْئا وَإِن كَانَ يمر عَلَيْهِ. وَفِيه: الِاكْتِفَاء للخصوم بِمَا يفهم عَنْهُم مقصودهم أَن لَا يكلفوا النَّص على الدعاوي وَلَا تَحْرِير الْمُدعى فِيهِ وَلَا حصره بِجَمِيعِ صِفَاته. وَفِيه: إرشاد الْحَاكِم إِلَى الْإِصْلَاح، وَقَالَ ابْن التِّين: مَذْهَب الْجُمْهُور أَن القَاضِي يُشِير بِالصُّلْحِ إِذا رَآهُ مصلحَة، وَمنع ذَلِك مَالك، وَعَن الشَّافِعِي فِي ذَلِك خلاف، وَالصَّحِيح جَوَازه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يستوعي لكل وَاحِد من المتخاصمين حَقه إِذا لم يَرَ قبولاً مِنْهُمَا للصلح وَلَا رضى بِمَا أَشَارَ بِهِ كَمَا فعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: توبيخ من جَفا على الإِمَام وَالْحَاكِم ومعاقبته لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عاقبه بِمَا قَالَ، بِأَن استوعى للزبير حَقه، ووبخه الله تَعَالَى فِي كِتَابه بِأَن نفى عَنْهُم الْإِيمَان حَتَّى يرْضوا بالحكم فَقَالَ: {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ ... } (النِّسَاء: ٥٦) . الْآيَة. وَقيل: وَقعت عُقُوبَته فِي مَاله وَقد كَانَت تقع الْعُقُوبَات فِي الْأَمْوَال، كأمره بشق الزقاق وَكسر الجرار عِنْد تَحْرِيم الْخمر، تَغْلِيظًا للتَّحْرِيم. وَفِيه: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم على الْأنْصَارِيّ فِي حَال غَضَبه مَعَ نَهْيه أَن يحكم الحكم وَهُوَ غَضْبَان، لِأَنَّهُ يُفَارق غَيره من الْبشر، إِذْ الْعِصْمَة قَائِمَة فِي حَقه فِي حَال الرِّضَا والسخط أَن لَا يَقُول إلَاّ حَقًا. وَفِيه: دَلِيل أَن للْإِمَام أَن يعْفُو عَن التَّعْزِير، كَمَا لَهُ أَن يقيمه.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ العَبَّاسِ قَالَ أبُو عَبْدِ الله: لَيْسَ أحَدٌ يَذْكرُ عُرْوَةَ عنْ عَبْدِ الله إلَاّ اللَّيْثُ فَقَطْ
هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَحده عَن الْفربرِي، وَلم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة غَيره، وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس السّلمِيّ الْأَصْبَهَانِيّ، وَهُوَ من أَقْرَان البُخَارِيّ وَتَأَخر بعده، مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، يَعْنِي: هُوَ الَّذِي صرح بتفرد اللَّيْث بِذكر عبد الله بن الزبير فِي إِسْنَاده، وَفِيه نظر، لِأَن ابْن وهب روى عَن اللَّيْث وَيُونُس جَمِيعًا عَن ابْن شهَاب: أَن عُرْوَة حَدثهُ عَن أَخِيه عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، أخرجه النَّسَائِيّ، وَذكر الْحميدِي فِي (جمعه) : أَن الشَّيْخَيْنِ أَخْرجَاهُ من طَرِيق عُرْوَة عَن أَخِيه عبد الله عَن أَبِيه، وَفِيه نظر أَيْضا، لِأَنَّهُ بِهَذَا السِّيَاق فِي رِوَايَة يُونُس الْمَذْكُور، وَلم يُخرجهَا من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ كَمَا ذكرنَا وَالله أعلم، وَمِنْه الْمَنّ علينا.
٧ - (بابُ شُرْبِ الأعْلَى قَبْلَ الأسْفَلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم شرب الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ والكشميهني: قبل السفلي، قَالَ بَعضهم: وَالْأول
أولى. قلت: لَا أَوْلَوِيَّة هُنَا، لِأَن معنى السفلي قبل صَاحب الأَرْض السُّفْلى، وَيجوز أَن يُقَال فِي مَوضِع الْأَعْلَى: الْعليا، على تَقْدِير شرب صَاحب الأَرْض الْعليا، فتذكير الْأَعْلَى والأسفل بِاعْتِبَار الصاحب، وتأنيثهما بِاعْتِبَار الأَرْض بالتقدير الْمَذْكُور.
١٦٣٢ - حدَّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عَن الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ قَالَ خاصَمَ الزُّبَيْرُ رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زُبَيْرُ أسقِ ثُمَّ أرْسِلْ فَقَالَ الأنْصَارِيُّ أنَّهُ ابنُ عَمَّتِكَ فَقَالَ علَيْهِ السَّلامُ اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ يَبْلُغُ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أمْسِكْ فَقَالَ الزُّبَيْرُ فأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلَا وربُّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النِّسَاء: ٥٦) . .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا زبير أسق ثمَّ أرسل) فَإِنَّهُ يعلم مِنْهُ أَن الزبير هُوَ الْأَعْلَى، لِأَن إرْسَال المَاء لَا يكون إلَاّ من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل، وعبدان هُوَ عبد الله بن عُثْمَان الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَمعمر، بِفتْحَتَيْنِ: هُوَ ابْن رَاشد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
قَوْله: (ثمَّ أرسل) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِغَيْر ذكر مَفْعُوله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (ثمَّ أرسل المَاء) . قَوْله: (ثمَّ يبلغ المَاء الْجدر) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (أسق يَا زبير حَتَّى يبلغ المَاء الْجدر) وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر ذكر المَاء، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَشْرِبَة من وَجه آخر عَن معمر: (ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك) ، ومعاني بَقِيَّة الْأَلْفَاظ وَالْحكم تقدّمت فِي الْبَاب السَّابِق.
٨ - (بابُ شُرْبِ الأعْلى إِلَى الكَعْبَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان شرب الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى بَيَان مِقْدَار المَاء للأعلى.
١٠ - (حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا مخلد قَالَ أَخْبرنِي ابْن جريج قَالَ حَدثنِي ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير أَنه حَدثهُ أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير فِي شراج من الْحرَّة يسْقِي بهَا النّخل فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ يَا زبير فَأمره بِالْمَعْرُوفِ ثمَّ أرسل إِلَى جَارك فَقَالَ الْأنْصَارِيّ إِن كَانَ ابْن عَمَّتك فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثمَّ قَالَ اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع المَاء إِلَى الْجدر واستوعي لَهُ حَقه فَقَالَ الزبير وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك {فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم} قَالَ لي ابْن شهَاب فقدرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي رُجُوع المَاء إِلَى الْجدر وُصُوله إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله وَمُحَمّد هُوَ ابْن سَلام وَفِي رِوَايَة أبي الْوَقْت صرح بِهِ ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَفِي آخِره دَال مُهْملَة هُوَ ابْن يزِيد وَقد مر فِي الْجُمُعَة وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ قَوْله " فَأمره بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أمره بِالْعَادَةِ الْمَعْرُوفَة الَّتِي جرت بَينهم فِي مِقْدَار الشّرْب وَهِي جملَة مُعْتَرضَة بَين قَوْله اسْقِ يَا زبير وَبَين قَوْله ثمَّ أرسل قَوْله " واستوعي لَهُ " أَي استوفي للزبير حَقه واستوعب وَهُوَ من الْوِعَاء كَأَنَّهُ جمعه لَهُ فِي وعائه وَأبْعد من قَالَ أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ حَكَاهُ ابْن الصّباغ وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقصي فِيهِ تَغْلِيظًا على الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْخطابِيّ هَذِه الزِّيَادَة تشبه أَن تكون من كَلَام الزُّهْرِيّ وَكَانَت عَادَته أَن يصل بِالْحَدِيثِ من كَلَامه مَا يظْهر لَهُ من معنى الشَّرْح وَالْبَيَان قيل الأَصْل فِي الحَدِيث أَن يكون حكمه كُله وَاحِدًا حَتَّى يرد مَا يبين ذَلِك وَلَا يثبت الإدراج بِالِاحْتِمَالِ قَوْله قَالَ ابْن شهَاب هُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي عَن عُرْوَة وَهَذَا إِلَى آخِره من كَلَام ابْن شهَاب حكى عَنهُ ابْن جريج الرَّاوِي عَنهُ قَوْله وَالنَّاس من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص أَو مَعْهُود غير الْأَنْصَار قَوْله
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56