«بَيْنَا رَجُلٌ⦗١١٢⦘يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2363

الحديث رقم 2363 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل سقي الماء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بينا رجل⦗١١٢⦘يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل…

«بَيْنَا رَجُلٌ

⦗١١٢⦘

يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».

تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ.

سند حديث: ٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بينا رجل⦗١١٢⦘يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل…

بينا رجل يمشي في الطريق مسافرًا، أصابه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، وانتهى عطشه، فلما خرج وجد كلباً يأكل الطين المبتل الرطب بسبب العطش، من أجل أن يمص ما فيه من الماء، من شدة عطشه، فقال الرجل: والله لقد أصاب الكلب من العطش ما أصابني، ثم نزل البئر وملأ خفه ماء وأمسكه بفيه، وجعل يصعد بيديه، حتى صعد من البئر، فسقى الكلب، فلما سقى الكلب شكر الله له ذلك العمل وغفر له، وأدخله الجنة بسببه.
ولَمَّا حَدَّثَ صلى الله عليه وسلم الصحابةَ بهذا الحديث، سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ يعني: تكون سببًا لنا في الأجر إذا سقيناها، قال: (في كل كبدٍ رطبةٍ أجر)؛ أي: في إروائها، فالكبد الرطبة تحتاج إلى الماء؛ لأنه لولا الماء ليبست وهلك الحيوان.
وفي رواية: أن امرأة زانية من بني إسرائيل رأت كلباً يدور حول بئر عطشان، لكن لا يمكن أن يصل إلى الماء؛ فنزعت خفها فملأته ماء وسقت الكلب فغفر الله لها بسبب ذلك العمل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل الإحسان إلى كل مخلوق ذي حياة والحث عليه، وأن ذلك من أعمال الخير التي يكافئ الله عليها بالثواب العظيم.
  • فضل سقي الماء.
  • عموم رحمة الله -تعالى- حتى شملت الحيوان.
  • سعة فضل الله -سبحانه وتعالى- فقد يغفر الذنوب الكبيرة بعمل الخير اليسير.
  • لا ينبغي احتقار شيء من أعمال البر؛ لأنها قد تكون سبب غفران الذنوب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «بينا رجل⦗١١٢⦘يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ فِي الْغِرَاسِ بِطَرِيقِ الْإِحْيَاءِ، وَالَّذِي يَلِيهِ مَنْ أَحْيَا بَعْدَهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا.

قَالَ: وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى مَجْرَى الْمَاءِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَنْ يُمْسِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَخَصَّهُ ابْنُ كِنَانَةَ بِالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ، قَالَ: وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَإِلَى الشِّرَاكِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَرَاضِي مُخْتَلِفَةٌ، فَيُمْسِكُ لِكُلِّ أَرْضٍ مَا يَكْفِيهَا، لِأَنَّ الَّذِي فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: هَلْ يُرْسِلُ الْأَوَّلُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ جَمِيعَ الْمَاءِ، أَوْ يُرْسِلُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مَسِيلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلَ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. وَمَهْزُورٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ، وَمُذَيْنِبٍ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ بِالتَّصْغِيرِ: وَادِيَانِ مَعْرُوفَانِ بِالْمَدِينَةِ وَلَهُ إِسْنَادٌ مَوْصُولٌ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِهِ: احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اهـ.

وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ الزُّهْرِيِّ يَقُولُ: نَظَرُوا فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَكَأَنَّ مَعْمَرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأَرْسَلَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ احْبِسِ الْمَاءَ إِلَى الْجَدْرِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَهُوَ شَكٌّ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِلَى الْجَدْرِ أَيْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ الْجَدْرُ مُرَادِفًا لِلْكَعْبِ.

قَوْلُهُ: (الْجَدْرُ هُوَ الْأَصْلُ) كَذَا هُنَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مِيَاهِ الْأَوْدِيَةِ وَالسُّيُولِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِذَا اسْتَغْنَى أَنْ يَحْبِسَ الْمَاءَ عَنِ الَّذِي يَلِيهِ. وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِيرَ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَيَأْمُرَ بِهِ وَيُرْشِدَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْزِمُهُ بِهِ إِلَّا إِذَا رَضِيَ. وَأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْتَوْفِي لِصَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ إِذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا، وَأَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ لِمَنْ تَوَجَّهَ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ مِنَ الْمُخَاصِمِ بِمَا يُفْهَمُ عَنْهُ مَقْصُودُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الدَّعْوَى وَلَا تَحْدِيدِ الْمُدَّعِي وَلَا حَصْرِهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ.

وَفِيهِ تَوْبِيخُ مَنْ جَفَى عَلَى الْحَاكِمِ وَمُعَاقَبَتُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ التَّعْزِيرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبِ النَّبِيُّ ﷺ صَاحِبَ الْقِصَّةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْلِيفِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَوْ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا مِنْ أَحَدٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي حَقِّ شَرِيعَتِهِ لَقُتِلَ قِتْلَةَ زِنْدِيقٍ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ

٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجدر» (١): «الجَدْرُ هو الأصل»، وقد مرَّ ما فيه قريبًا [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع، والله الموفِّق والمعين.

(٩) (باب فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ) للمحتاج إليه.

٢٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام الأعظم (٢) (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة (٣) وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، زاد في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦]: مولى أبي بكرٍ، أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (يَمْشِي) وللدَّارقطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق رَوْحٍ عن مالكٍ: «يمشي بفلاةٍ»، وله من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ) أي: إذا اشتدَّ، فالفاء هنا وقعت (٤) موضع «إذا» كما وقعت «إذا» موضعها في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] (فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ) (٥) من البئر (فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ) حال كونه (يَلْهَثُ) بفتح الهاء وبالثَّاء المُثلَّثة، أي: يرتفع نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بفتح المُثلَّثة، أي: يكدُِم بفيه (٦)

الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «من العُطَاشِ» بضمِّ العين كـ «غُرَابٍ»، قال في «القاموس»: هو داءٌ لا يروى صاحبه، وقال السَّفاقسيُّ: داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا (١) تروى، وهذا موضعُ ذكر هذه الرِّواية، وسها الحافظ ابن حجرٍ فذكرها في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ عند اشتداد العطش على الرَّجل، وعبارته (٢) قوله: فاشتدَّ عليه العطش، كذا للأكثر، وكذا هو في «المُوطَّأ»، ووقع في رواية المُستملي: «العُطَاش»، قال ابن التِّين: هو داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهو غير مناسبٍ هنا، قال: وقيل: يصحُّ على تقدير: أنَّ العطش يحدث عنه (٣) هذا الدَّاء كالزُّكام، قلت: وسياق الحديث يأباه، فظاهره: أنَّ الرَّجل سقى الكلب حتَّى روي، ولذلك جُوزِي بالمغفرة. انتهى (٤). فتأمَّله (٥). (فَقَالَ) الرَّجل: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا) أي (٦): الكلب (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي) أي: من شدَّة العطش، وزاد ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي صالحٍ: «فرحمه»، وقوله: «مثلُ» بالرَّفع في فرع «اليونينيَّة» والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرهما ممَّا وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وحكاه ابن الملقِّن عن ضبط الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ: على أنَّه فاعلُ «بلغ» (٧)، وقوله: «هذا» مفعولٌ به مُقدَّمٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ كالزَّركشيِّ: «مثلَ» بالنَّصب، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ بي، قال في «المصابيح»: وهذا لا يتعيَّن لجواز أن يكون المحذوف مفعولًا به، أي: عطشًا، زاد أبو ذرٍّ هنا في روايته: «فنزل بئرًا» (فَمَلأَ خُفَّهُ) ولابن حبَّان: «فنزع إحدى خُفَّيه» (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) ليصعد من البئر لعسر المُرتقَى منها (ثُمَّ رَقِيَ) منها، بفتح الرَّاء وكسر القاف كـ «صَعِد» وزنًا ومعنًى، ومقتضى كلام ابن التِّين أنَّ الرِّواية: «رَقَى» بفتح القاف، وذلك أنَّه قال: «ثمَّ رقى» كذا وقع، وصوابه: «رَقِي» على وزن «عَلِم»، ومعناه: صعد، قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء﴾ [الإسراء: ٩٣] وأمَّا «رقَى» -بفتح القاف- فمن الرُّقية، وليس هذا موضعه،

وخرَّجه على لغة طيِّئ في مثل: بقَى يبقَى، ورضَى يرضى، يأتون بالفتحة مكان الكسرة، فتنقلب الياء ألفًا، وهذا دأبهم في كلِّ ما هو من هذا الباب. انتهى. قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: ولعلَّ المقتضيَ لإيثار الفتح هنا -إن صحَّ- قصدُ المزاوجة بين «رَقَى» و «سَقَى»، وهي (١) من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغييرَ الكلمة عن وضعها الأصليِّ. انتهى. (فَسَقَى الكَلْبَ) زاد عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ فيما سبق في «كتاب الوضوء» (٢) [خ¦١٧٣]: «حتَّى أرواه» أي: جعله ريَّان (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عمله ذلك (٣)، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فَغَفَرَ لَهُ) وفي رواية عبد الله بن دينارٍ: «فأدخله الجنَّة» بدل قوله: «فغفر له» (قَالُوا) أي: الصَّحابة، وسُمِّي منهم سُراقة بن مالك بن جعشمٍ، فيما رواه أحمد وابنا ماجه (٤) وحبَّان (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما ذكرت (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ) أو الإحسان إليها (أَجْرًا؟) أتوا بالاستفهام المُؤكَّد للتَّعجُّب (قَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ) ذي (كَِبِْدٍ) بفتح الكَاف وكسر الموحَّدة، ويجوز سكونها، وكسر الكاف وسكون الموحَّدة (رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات، أو هو من باب وصف الشَّيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه: في كلِّ كبدٍ حرَّى (٥) لمن سقاها حتَّى تصير رطبةً (أَجْرٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، والتَّقدير: أجرٌ حاصلٌ أو كائنٌ في إرواء كلِّ ذي كبدٍ حيٍّ في جميع الحيوانات، لكن قال النَّوويُّ: إنَّ عمومه مخصوصٌ بالحيوان المحترم وهو ما لم يُؤمَر بقتله، فيحصل الثَّواب بسببه ويلتحق به إطعامه.

وفي هذا الحديث: الحثُّ على الإحسان وأنَّ الماء من أعظم القربات. وعن بعض الصَّالحين (٦): من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٩]، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد» (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح السِّين المهملة واللَّام (وَالرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة (بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المُخفَّفة، البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) وسقطت هذه المتابعة من بعض النُّسخ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

" وَكَانَ ذَلِك " أَي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر قَوْله " إِلَى الْكَعْبَيْنِ " أَي يقدر إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي يكون مِقْدَار المَاء الَّذِي يرجع إِلَى الْجدر يبلغ الْكَعْبَيْنِ وَقد ذكرنَا أَحَادِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحكم وَقَالَ ابْن التِّين الْجُمْهُور على أَن الحكم أَن يمسك إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَخَصه ابْن كنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجر قَالَ وَأما الزَّرْع فَإلَى الشرَاك وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْأَرَاضِي مُخْتَلفَة فَيمسك لكل أَرض مَا يكفيها لِأَن الَّذِي فِي قصَّة الزبير وَاقعَة عين وَقيل معنى قَوْله إِلَى الْجدر أَي إِلَى الْكَعْبَيْنِ قلت إِن كَانَ مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا يَصح تَفْسِير الْجدر بالكعبين (الْجدر هُوَ الأَصْل) هَذَا تَفْسِير لفظ الْجدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من عِنْد البُخَارِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَهَذَا هُنَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده -

٩ - (بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سقِِي المَاء لكل من لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك.

٣٦٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ بَيْنَا رَجُلٍ يَمْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فنَزلَ بِئْرا فَشَرِبَ منْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقدْ بلغَ هَذَا مثلُ الَّذِي بلَغَ بِي فَمَلأَ خفَّهُ (ثمَّ أمْسكهُ بغيه) ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنا فِي البَهَائِمِ أجْراً قالَ فِي كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُمَي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي، أربعتهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (رجل يمشي) . قَوْله: (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) ، الْفَاء فِيهِ وَقعت هُنَا موقع: إِذا، تَقْدِيره: بَينا رجل يمشي إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطش، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم: بَيْنَمَا، وَكِلَاهُمَا سَوَاء فِي الحكم، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي الموطآت. من طَرِيق روح عَن مَالك: يمشي بفلاة، وَله من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك: يمشي بطرِيق مَكَّة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: الْفَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْأَفْصَح أَن يَقع جَوَاب: بَينا وبينما بِلَا كلمة، إِذْ وَإِذا، وَلَكِن وُقُوعه بهما كثير. قَوْله: الْعَطش، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: العطاش، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فيشرب فَلَا يرْوى، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب الْعَطش، قَالَ: وَقيل: يَصح على تَقْدِير أَن الْعَطش يحدث مِنْهُ دَاء فَيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (يَأْكُل الثرى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ، وَهُوَ التُّرَاب الندي. قَوْله: (يَلْهَث) ، جملَة وَقعت حَالا من الْكَلْب، قَالَ ابْن قرقول: لهث الْكَلْب بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا إِذا أخرج لِسَانه من الْعَطش أَو الْحر، واللهاث، بِضَم اللَّام: الْعَطش، وَكَذَلِكَ الطَّائِر. ولهث الرجل إِذا أعيى. وَيُقَال: مَعْنَاهُ يبْحَث بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ فِي الأَرْض، وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ ارْتِفَاع النَّفس يَلْهَث لهثاً ولهاثاً، ولهث بِالْكَسْرِ يَلْهَث لهثاً ولهاثاً مثل: سمع سَمَاعا إِذا عَطش. قَوْله: (بلغ هَذَا مثل الَّذِي بلغ بِي) ، أَي: بلغ هَذَا الْكَلْب مثل الَّذِي،

بِنصب اللَّام على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: بلغ هَذَا مبلغا مثلَ الَّذِي بلغ بِي، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ بِضَم: مثل، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تَوْجِيهه. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على تَوْجِيهه، وَهُوَ أَن يكون لفظ: هَذَا، مفعول بلغ، وَقَوله: مثل الَّذِي بلغ بِي، فَاعله فارتفاعه حِينَئِذٍ على الفاعلية. قَوْله: (فَمَلَأ خفه) فِيهِ مَحْذُوف قبله تَقْدِيره: (فَنزل فِي الْبِئْر فَمَلَأ خفه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (فَنزع أحد خفيه) . قَوْله: (ثمَّ أمْسكهُ بِفِيهِ) ، أَي: بفمه. وَإِنَّمَا أمسك خفه بفمه لِأَنَّهُ كَانَ يعالج بيدَيْهِ ليصعد من الْبِئْر، فَدلَّ هَذَا أَن الصعُود مِنْهَا كَانَ عسراً. قَوْله: (ثمَّ رقي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْقَاف على مِثَال: صعد وزنا وَمعنى، يُقَال: رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ: إِذا صعدت، وَذكره ابْن التِّين بِفَتْح الْقَاف على مِثَال: مضى، وَأنْكرهُ. وَقَالَ عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : هِيَ لُغَة طيىء، يفتحون الْعين فِيمَا كَانَ من الْأَفْعَال معتل اللَّام، وَالْأول أفْصح وَأشهر. قَوْله: (فسقى الْكَلْب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح: حَتَّى أرواه من الإرواء من الرّيّ، وَقد مَضَت هَذِه الرِّوَايَة فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَنهُ إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا رأى كَلْبا يَأْكُل الثرى من الْعَطش، فَأخذ الرجل خفه فَجعل يغْرف لَهُ بِهِ حَتَّى أرواه، فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَو قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ، كَمَا فِي قَوْلك: إِن يسلم فَهُوَ فِي الْجنَّة، أَي: بِسَبَب إِسْلَامه هُوَ فِي الْجنَّة، وَيجوز أَن تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: ٤٥) . على قَول من فسر التَّوْبَة بِالْقَتْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أظهر مَا جازاه بِهِ عِنْد مَلَائكَته، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: لَا يَصح هَذَا هُنَا، لِأَن شكر الله لهَذَا الرجل عبارَة عَن مغفرته إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة، من جُمْلَتهمْ سراقَة بن مَالك ابْن جعْشم، روى حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن مَالك بن جعْشم، قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فَهَل لي من أجر إِن سقيتها؟ فَقَالَ: نعم، فِي كل ذَات كبد حرى أجر. قَوْله: (وَإِن لنا) ، هُوَ مَعْطُوف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: الْأَمر كَمَا ذكرت، وَإِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا، أَي: فِي سقيها أَو فِي الْإِحْسَان إِلَيْهَا. قَوْله: (فِي كل كبد) ، يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: فتح الْكَاف وَكسر الْبَاء وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف، كَمَا قَالُوا فِي الْفَخْذ فَخذ، وَكسر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الكبد يذكر وَيُؤَنث، وَلِهَذَا قَالَ: رطبَة، وَالْجمع أكباد وأكبد وكبود. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي كبد كل حَيّ من ذَوَات الْأَنْفس، وَالْمرَاد بالرطبة رُطُوبَة الْحَيَاة أَو هُوَ كِنَايَة عَن الْحَيَاة. قَوْله: (أجر) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما قَوْله: (فِي كل كبد) ، تَقْدِيره: أجر حَاصِل أَو كَائِن فِي إرواء كل ذِي كبد حَيّ. وَأبْعد الْكرْمَانِي فِي سُؤَاله هُنَا حَيْثُ يَقُول: الكبد لَيست ظرفا لِلْأجرِ، فَمَا معنى كلمة الظَّرْفِيَّة؟ ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره الْأجر ثَابت فِي إرواء أَو فِي رِعَايَة كل حَيّ وَجه الإبعاد: أَن كل من شم شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة يعرف أَن الْجَار وَالْمَجْرُور لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِشَيْء، إِمَّا ظَاهرا أَو مُقَدرا، فَإِذا لم يصلح الْمَذْكُور أَن يتَعَلَّق بِهِ يقدر لفظ: كَائِن أَو حَاصِل أَو نَحْوهمَا، فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال وَالْجَوَاب، ثمَّ قَالَ: أَو الْكَلِمَة للسَّبَبِيَّة، يَعْنِي: كلمة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَمَعَ هَذَا الْمُتَعَلّق مَحْذُوف، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة الْوَاجِب مائَة إبل، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا: بِسَبَب إرواء كل كبد أجر حَاصِل. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، وَأما الْإِسْلَام فقد أَمر بقتل الْكلاب فِيهِ. وَأما قَوْله: (فِي كل كبد) ، فمخصوص بِبَعْض الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ لِأَن الْمَأْمُور بقتْله كالخنزير لَا يجوز أَن يقوى لِيَزْدَادَ ضَرَره، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم، وَهُوَ مَا لم يُؤمر بقتْله فَيحصل الثَّوَاب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وَغير ذَلِك من وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قلت: الْقلب الَّذِي فِيهِ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة يجنح إِلَى قَول الدَّاودِيّ، وَفِي الْقلب من قَول أبي عبد الْملك حزازة، وَيتَوَجَّهُ الرَّد على كَلَامه من وُجُوه: الأول: قَوْله: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَمَا الْمَانِع أَن أحدا من هَذِه الْأمة قد فعل هَذَا، وكوشف للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك وَأخْبرهُ بذلك حثاً لأمته على فعل ذَلِك، وصدور هَذَا الْفِعْل من أحد من أمته يجوز أَن يكون فِي زَمَنه، وَيجوز أَن يكون بعده، بِأَن يفعل أحد

هَذَا. وَأعلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَنه سَيكون كَذَا وَأخْبرهُ بذلك فِي صُورَة الْكَائِن، لِأَن الَّذِي يُخبرهُ عَن الْمُسْتَقْبل كالواقع لِأَنَّهُ مخبر صَادِق، وكل مَا يُخبرهُ من المغيبات الْآتِيَة كَائِن لَا محَالة. وَالثَّانِي: قَوْله: وَأما الْإِسْلَام، فقد أَمر بقتل الْكلاب لَا يقوم بِهِ دَلِيل على مدعاه، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتل الْكلاب فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ ذَلِك بِإِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا للصَّيْد وللماشية وَالزَّرْع، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه. وَالثَّالِث: دَعْوَى الْخُصُوص تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، لِأَن تَخْصِيص الْعَام بِلَا دَلِيل إِلْغَاء لحكمه الَّذِي تنَاوله، فَلَا يجوز، وَالْعجب من النَّوَوِيّ أَيْضا أَنه ادّعى عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور للحيوان الْمُحْتَرَم، وَهُوَ أَيْضا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وأصل الحَدِيث مَبْنِيّ على إِظْهَار الشَّفَقَة لمخلوقات الله تَعَالَى من الْحَيَوَانَات، وَإِظْهَار الشَّفَقَة لَا يُنَافِي إِبَاحَة قتل المؤذي من الْحَيَوَانَات، وَيفْعل فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن التَّيْمِيّ: لَا يمْتَنع إجراؤه على عُمُومه، يَعْنِي: فيسقي ثمَّ يقتل، لأَنا أمرنَا بِأَن نحسن القتلة ونهينا عَن الْمثلَة، فعلى قَول مدعي الْخُصُوص: الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ الَّذِي اسْتمرّ على ارتداده إِذا قدما للْقَتْل، وَكَانَ الْعَطش قد غلب عَلَيْهِمَا، يَنْبَغِي أَن يَأْثَم من يسقيهما لِأَنَّهُمَا غير محترمين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا يمِيل قلب شفوق فِيهِ رَحْمَة إِلَى منع السَّقْي عَنْهُمَا، يسقيان ثمَّ يقتلان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: فِيهِ: جَوَاز السّفر مُنْفَردا وَبِغير زَاد. قلت: قد ورد النَّهْي عَن سفر الرجل وَحده، والْحَدِيث لَا يدل على أَن رجلا كَانَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: (بَينا رجل يمشي) ، فَيجوز أَن يكون مَاشِيا فِي أَطْرَاف مَدِينَة أَو عمَارَة، أَو كَانَ مَاشِيا فِي مَوضِع فِي مدينته. وَكَانَ خَالِيا من السكان. فَإِن قلت: قد مضى فِي أَوَائِل الْبَاب أَن فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: يمشي بفلاة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يمشي بطرِيق مَكَّة؟ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الرجل الْمَذْكُور مُسَافِرًا، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ مُسَافِرًا لَكِن يحْتَمل أَنه كَانَ مَعَه قوم فَانْقَطع مِنْهُم فِي الفلاة لضَرُورَة عرضت لَهُ، فَجرى لَهُ مَا جرى فَلَا يفهم مِنْهُ جَوَاز السّفر وَحده فَافْهَم. وَأما السّفر بِغَيْر زَاد، فَإِن كَانَ فِي علمه أَنه يحصل لَهُ الزَّاد فِي طَرِيقه فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ يتَحَقَّق عَدمه فَلَا يجوز لَهُ بِغَيْر الزَّاد. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ إِذا حصلت الْمَغْفِرَة بِسَبَب سقِِي الْكَلْب، فسقي بني آدم أعظم أجرا. وَفِيه: أَن سقِِي المَاء من أعظم القربات. قَالَ بعض التَّابِعين: من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بسقي المَاء، فَإِذا غفرت ذنُوب الَّذِي سقى كَلْبا فَمَا ظنكم بِمن سقى مُؤمنا موحداً وأحياه بذلك؟ وَقَالَ ابْن التِّين: وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا: أَنه دخل على رجل فِي السِّيَاق، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يتأخران وأسودين يدنوان، وأري الشَّرّ ينمى وَالْخَيْر يضمحل، فأعني مِنْك بدعوة يَا نَبِي الله، فَقَالَ: أللهم أشكر لَهُ الْيَسِير، واعف عَنهُ الْكثير، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يدنوان والأسودين يتأخران، وَأرى الْخَيْر ينمي وَالشَّر يضمحل. قَالَ: فَمَا وجدت أفضل عَمَلك؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِي حَدِيث سُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ على جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْركين لعُمُوم قَوْله: أجر. وَفِيه: أَن المجازاة على الْخَيْر وَالشَّر قد يكون يَوْم الْقِيَامَة من جنس الْأَعْمَال، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من قتل نَفسه بحديدة عذب بهَا فِي نَار جَهَنَّم، وَقَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي أَن يكون مَحَله، مَا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ مُسلم، فالمسلم أَحَق. قلت: هَذَا قيد لَا يعْتَبر بِهِ، بل تجوز الصَّدَقَة على الْكَافِر، سَوَاء يُوجد هُنَاكَ مُسلم أَو لَا، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَكَذَا إِذا دَار الْأَمر بَين الْبَهِيمَة والآدمي الْمُحْتَرَم واستويا فِي الْحَاجة، فالآدمي أَحَق. قلت: إِنَّمَا يكون أَحَق فِيمَا إِذا قسم بَينهمَا، يخَاف على الْمُسلم من الْهَلَاك، إو إِذا أَخذ جُزْءا للبهيمة يخَاف على الْمُسلم، فَأَما إِذا لم يُوجد وَاحِد مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَن لَا تحرم الْبَهِيمَة أَيْضا، لِأَنَّهَا ذَات كبد رطبَة.

تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ

٤٦٣٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مرْيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ أيْ رَبِّ وأنَا مَعَهُمْ فإذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تخْدِشُها هِرَّةٌ قَالَ مَا شأْنُ هَذِهِ قَالُوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧) .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ فِي الْغِرَاسِ بِطَرِيقِ الْإِحْيَاءِ، وَالَّذِي يَلِيهِ مَنْ أَحْيَا بَعْدَهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا.

قَالَ: وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى مَجْرَى الْمَاءِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَنْ يُمْسِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَخَصَّهُ ابْنُ كِنَانَةَ بِالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ، قَالَ: وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَإِلَى الشِّرَاكِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَرَاضِي مُخْتَلِفَةٌ، فَيُمْسِكُ لِكُلِّ أَرْضٍ مَا يَكْفِيهَا، لِأَنَّ الَّذِي فِي قِصَّةِ الزُّبَيْرِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: هَلْ يُرْسِلُ الْأَوَّلُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ جَمِيعَ الْمَاءِ، أَوْ يُرْسِلُ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مَسِيلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلَ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ. وَمَهْزُورٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ، وَمُذَيْنِبٍ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ بِالتَّصْغِيرِ: وَادِيَانِ مَعْرُوفَانِ بِالْمَدِينَةِ وَلَهُ إِسْنَادٌ مَوْصُولٌ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَإِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ مَوْصُولٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: نَظَرْنَا فِي قَوْلِهِ: احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اهـ.

وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ الزُّهْرِيِّ يَقُولُ: نَظَرُوا فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَكَأَنَّ مَعْمَرًا سَمِعَ ذَلِكَ مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأَرْسَلَهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ احْبِسِ الْمَاءَ إِلَى الْجَدْرِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَهُوَ شَكٌّ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِلَى الْجَدْرِ أَيْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ الْجَدْرُ مُرَادِفًا لِلْكَعْبِ.

قَوْلُهُ: (الْجَدْرُ هُوَ الْأَصْلُ) كَذَا هُنَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مِيَاهِ الْأَوْدِيَةِ وَالسُّيُولِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إِذَا اسْتَغْنَى أَنْ يَحْبِسَ الْمَاءَ عَنِ الَّذِي يَلِيهِ. وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِيرَ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَيَأْمُرَ بِهِ وَيُرْشِدَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْزِمُهُ بِهِ إِلَّا إِذَا رَضِيَ. وَأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْتَوْفِي لِصَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ إِذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا، وَأَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ لِمَنْ تَوَجَّهَ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَفِيهِ الِاكْتِفَاءُ مِنَ الْمُخَاصِمِ بِمَا يُفْهَمُ عَنْهُ مَقْصُودُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الدَّعْوَى وَلَا تَحْدِيدِ الْمُدَّعِي وَلَا حَصْرِهِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ.

وَفِيهِ تَوْبِيخُ مَنْ جَفَى عَلَى الْحَاكِمِ وَمُعَاقَبَتُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ التَّعْزِيرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى هَتْكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُعَاقِبِ النَّبِيُّ ﷺ صَاحِبَ الْقِصَّةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْلِيفِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَلَوْ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا مِنْ أَحَدٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِي حَقِّ شَرِيعَتِهِ لَقُتِلَ قِتْلَةَ زِنْدِيقٍ. وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ

٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجدر» (١): «الجَدْرُ هو الأصل»، وقد مرَّ ما فيه قريبًا [خ¦٢٣٥٩] فليُراجَع، والله الموفِّق والمعين.

(٩) (باب فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ) للمحتاج إليه.

٢٣٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام الأعظم (٢) (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة (٣) وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، زاد في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦]: مولى أبي بكرٍ، أي: ابن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (يَمْشِي) وللدَّارقطنيِّ في «المُوطَّآت» من طريق رَوْحٍ عن مالكٍ: «يمشي بفلاةٍ»، وله من طريق ابن وهبٍ عن مالكٍ: «يمشي بطريق مكَّة» (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ) أي: إذا اشتدَّ، فالفاء هنا وقعت (٤) موضع «إذا» كما وقعت «إذا» موضعها في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] (فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ) (٥) من البئر (فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ) حال كونه (يَلْهَثُ) بفتح الهاء وبالثَّاء المُثلَّثة، أي: يرتفع نَفَسُه بين أضلاعه، أو يُخرج لسانه من العطش، حال كونه (يَأْكُلُ الثَّرَى) بفتح المُثلَّثة، أي: يكدُِم بفيه (٦)

الأرض النَّديَّة (مِنَ العَطَشِ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «من العُطَاشِ» بضمِّ العين كـ «غُرَابٍ»، قال في «القاموس»: هو داءٌ لا يروى صاحبه، وقال السَّفاقسيُّ: داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا (١) تروى، وهذا موضعُ ذكر هذه الرِّواية، وسها الحافظ ابن حجرٍ فذكرها في «فتح الباري» وتبعه العينيُّ عند اشتداد العطش على الرَّجل، وعبارته (٢) قوله: فاشتدَّ عليه العطش، كذا للأكثر، وكذا هو في «المُوطَّأ»، ووقع في رواية المُستملي: «العُطَاش»، قال ابن التِّين: هو داءٌ يصيب الغنم تشرب فلا تروى، وهو غير مناسبٍ هنا، قال: وقيل: يصحُّ على تقدير: أنَّ العطش يحدث عنه (٣) هذا الدَّاء كالزُّكام، قلت: وسياق الحديث يأباه، فظاهره: أنَّ الرَّجل سقى الكلب حتَّى روي، ولذلك جُوزِي بالمغفرة. انتهى (٤). فتأمَّله (٥). (فَقَالَ) الرَّجل: (لَقَدْ بَلَغَ هَذَا) أي (٦): الكلب (مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي) أي: من شدَّة العطش، وزاد ابن حبَّان من وجهٍ آخر عن أبي صالحٍ: «فرحمه»، وقوله: «مثلُ» بالرَّفع في فرع «اليونينيَّة» والنُّسخة المقروءة على الميدوميِّ وغيرهما ممَّا وقفت عليه من الأصول المعتمدة، وحكاه ابن الملقِّن عن ضبط الحافظ الشَّرف الدِّمياطيِّ: على أنَّه فاعلُ «بلغ» (٧)، وقوله: «هذا» مفعولٌ به مُقدَّمٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ كالزَّركشيِّ: «مثلَ» بالنَّصب، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: بلغ مبلغًا مثلَ الذي بلغ بي، قال في «المصابيح»: وهذا لا يتعيَّن لجواز أن يكون المحذوف مفعولًا به، أي: عطشًا، زاد أبو ذرٍّ هنا في روايته: «فنزل بئرًا» (فَمَلأَ خُفَّهُ) ولابن حبَّان: «فنزع إحدى خُفَّيه» (ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ) ليصعد من البئر لعسر المُرتقَى منها (ثُمَّ رَقِيَ) منها، بفتح الرَّاء وكسر القاف كـ «صَعِد» وزنًا ومعنًى، ومقتضى كلام ابن التِّين أنَّ الرِّواية: «رَقَى» بفتح القاف، وذلك أنَّه قال: «ثمَّ رقى» كذا وقع، وصوابه: «رَقِي» على وزن «عَلِم»، ومعناه: صعد، قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء﴾ [الإسراء: ٩٣] وأمَّا «رقَى» -بفتح القاف- فمن الرُّقية، وليس هذا موضعه،

وخرَّجه على لغة طيِّئ في مثل: بقَى يبقَى، ورضَى يرضى، يأتون بالفتحة مكان الكسرة، فتنقلب الياء ألفًا، وهذا دأبهم في كلِّ ما هو من هذا الباب. انتهى. قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: ولعلَّ المقتضيَ لإيثار الفتح هنا -إن صحَّ- قصدُ المزاوجة بين «رَقَى» و «سَقَى»، وهي (١) من مقاصدهم التي يعتمدون فيها تغييرَ الكلمة عن وضعها الأصليِّ. انتهى. (فَسَقَى الكَلْبَ) زاد عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ فيما سبق في «كتاب الوضوء» (٢) [خ¦١٧٣]: «حتَّى أرواه» أي: جعله ريَّان (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) أثنى عليه، أو قَبِل عمله ذلك (٣)، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته (فَغَفَرَ لَهُ) وفي رواية عبد الله بن دينارٍ: «فأدخله الجنَّة» بدل قوله: «فغفر له» (قَالُوا) أي: الصَّحابة، وسُمِّي منهم سُراقة بن مالك بن جعشمٍ، فيما رواه أحمد وابنا ماجه (٤) وحبَّان (يَا رَسُولَ اللهِ) الأمر كما ذكرت (وَإِنَّ لَنَا فِي) سقي (البَهَائِمِ) أو الإحسان إليها (أَجْرًا؟) أتوا بالاستفهام المُؤكَّد للتَّعجُّب (قَالَ) ﵊: (فِي) إرواء (كُلِّ) ذي (كَِبِْدٍ) بفتح الكَاف وكسر الموحَّدة، ويجوز سكونها، وكسر الكاف وسكون الموحَّدة (رَطْبَةٍ) برطوبة الحياة من جميع الحيوانات، أو هو من باب وصف الشَّيء باعتبار ما يؤول إليه، فيكون معناه: في كلِّ كبدٍ حرَّى (٥) لمن سقاها حتَّى تصير رطبةً (أَجْرٌ) بالرَّفع مبتدأٌ قُدِّم خبره، والتَّقدير: أجرٌ حاصلٌ أو كائنٌ في إرواء كلِّ ذي كبدٍ حيٍّ في جميع الحيوانات، لكن قال النَّوويُّ: إنَّ عمومه مخصوصٌ بالحيوان المحترم وهو ما لم يُؤمَر بقتله، فيحصل الثَّواب بسببه ويلتحق به إطعامه.

وفي هذا الحديث: الحثُّ على الإحسان وأنَّ الماء من أعظم القربات. وعن بعض الصَّالحين (٦): من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وأخرجه أيضًا في «المظالم» [خ¦٢٤٦٦] و «الأدب» [خ¦٦٠٠٩]، ومسلمٌ في «الحيوان»، وأبو داود في «الجهاد» (تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتح السِّين المهملة واللَّام (وَالرَّبِيعُ) بفتح الرَّاء وكسر المُوحَّدة (بْنُ مُسْلِمٍ) بكسر اللَّام المُخفَّفة، البصريُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) وسقطت هذه المتابعة من بعض النُّسخ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

" وَكَانَ ذَلِك " أَي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْقِ ثمَّ احْبِسْ حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر قَوْله " إِلَى الْكَعْبَيْنِ " أَي يقدر إِلَى الْكَعْبَيْنِ يَعْنِي يكون مِقْدَار المَاء الَّذِي يرجع إِلَى الْجدر يبلغ الْكَعْبَيْنِ وَقد ذكرنَا أَحَادِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبل الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الحكم وَقَالَ ابْن التِّين الْجُمْهُور على أَن الحكم أَن يمسك إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَخَصه ابْن كنَانَة بِالنَّخْلِ وَالشَّجر قَالَ وَأما الزَّرْع فَإلَى الشرَاك وَقَالَ الطَّبَرِيّ الْأَرَاضِي مُخْتَلفَة فَيمسك لكل أَرض مَا يكفيها لِأَن الَّذِي فِي قصَّة الزبير وَاقعَة عين وَقيل معنى قَوْله إِلَى الْجدر أَي إِلَى الْكَعْبَيْنِ قلت إِن كَانَ مُرَاده الْإِشَارَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا يَصح تَفْسِير الْجدر بالكعبين (الْجدر هُوَ الأَصْل) هَذَا تَفْسِير لفظ الْجدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث من عِنْد البُخَارِيّ وَقد مر الْكَلَام فِيهِ وَهَذَا هُنَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده -

٩ - (بَاب فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل سقِِي المَاء لكل من لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك.

٣٦٣٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ سُمَيٍّ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ بَيْنَا رَجُلٍ يَمْشِي فاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فنَزلَ بِئْرا فَشَرِبَ منْهَا ثُمَّ خَرَجَ فإذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فقالَ لَقدْ بلغَ هَذَا مثلُ الَّذِي بلَغَ بِي فَمَلأَ خفَّهُ (ثمَّ أمْسكهُ بغيه) ثمَّ رَقِيَ فسَقَى الكَلْبَ فشَكَرَ الله لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رسولَ الله وإنَّ لَنا فِي البَهَائِمِ أجْراً قالَ فِي كلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وسُمَي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء: مولى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام، وَقد مر فِي كتاب الصَّلَاة، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات، وَرِجَال هَذَا الْإِسْنَاد مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن القعْنبِي، وَفِي الْأَدَب عَن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَيَوَان عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن القعْنبِي، أربعتهم عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَينا) ، قد ذكرنَا غير مرّة أَن أَصله: بَين، فأشبعت فَتْحة النُّون فَصَارَ: بَينا، ويضاف إِلَى جملَة، وَهِي هُنَا قَوْله: (رجل يمشي) . قَوْله: (فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ) ، الْفَاء فِيهِ وَقعت هُنَا موقع: إِذا، تَقْدِيره: بَينا رجل يمشي إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطش، وَهُوَ جَوَاب: بَينا، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمَظَالِم: بَيْنَمَا، وَكِلَاهُمَا سَوَاء فِي الحكم، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي الموطآت. من طَرِيق روح عَن مَالك: يمشي بفلاة، وَله من طَرِيق ابْن وهب عَن مَالك: يمشي بطرِيق مَكَّة، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: الْفَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن الْأَفْصَح أَن يَقع جَوَاب: بَينا وبينما بِلَا كلمة، إِذْ وَإِذا، وَلَكِن وُقُوعه بهما كثير. قَوْله: الْعَطش، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَكَذَا فِي رِوَايَة فِي (الْمُوَطَّأ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: العطاش، وَهُوَ دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فيشرب فَلَا يرْوى، وَقَالَ ابْن التِّين: وَالصَّوَاب الْعَطش، قَالَ: وَقيل: يَصح على تَقْدِير أَن الْعَطش يحدث مِنْهُ دَاء فَيكون العطاش إسماً للداء كالزكام. قَوْله: (فَإِذا هُوَ) ، كلمة: إِذا، للمفاجأة. قَوْله: (يَأْكُل الثرى) ، بالثاء الْمُثَلَّثَة مَقْصُور يكْتب بِالْيَاءِ، وَهُوَ التُّرَاب الندي. قَوْله: (يَلْهَث) ، جملَة وَقعت حَالا من الْكَلْب، قَالَ ابْن قرقول: لهث الْكَلْب بِفَتْح الْهَاء وَكسرهَا إِذا أخرج لِسَانه من الْعَطش أَو الْحر، واللهاث، بِضَم اللَّام: الْعَطش، وَكَذَلِكَ الطَّائِر. ولهث الرجل إِذا أعيى. وَيُقَال: مَعْنَاهُ يبْحَث بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ فِي الأَرْض، وَفِي (الْمُنْتَهى) : هُوَ ارْتِفَاع النَّفس يَلْهَث لهثاً ولهاثاً، ولهث بِالْكَسْرِ يَلْهَث لهثاً ولهاثاً مثل: سمع سَمَاعا إِذا عَطش. قَوْله: (بلغ هَذَا مثل الَّذِي بلغ بِي) ، أَي: بلغ هَذَا الْكَلْب مثل الَّذِي،

بِنصب اللَّام على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف، أَي: بلغ هَذَا مبلغا مثلَ الَّذِي بلغ بِي، وَضَبطه الْحَافِظ الدمياطي بِخَطِّهِ بِضَم: مثل، قَالَ بَعضهم: وَلَا يخفى تَوْجِيهه. قلت: كَأَنَّهُ لم يقف على تَوْجِيهه، وَهُوَ أَن يكون لفظ: هَذَا، مفعول بلغ، وَقَوله: مثل الَّذِي بلغ بِي، فَاعله فارتفاعه حِينَئِذٍ على الفاعلية. قَوْله: (فَمَلَأ خفه) فِيهِ مَحْذُوف قبله تَقْدِيره: (فَنزل فِي الْبِئْر فَمَلَأ خفه) ، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: (فَنزع أحد خفيه) . قَوْله: (ثمَّ أمْسكهُ بِفِيهِ) ، أَي: بفمه. وَإِنَّمَا أمسك خفه بفمه لِأَنَّهُ كَانَ يعالج بيدَيْهِ ليصعد من الْبِئْر، فَدلَّ هَذَا أَن الصعُود مِنْهَا كَانَ عسراً. قَوْله: (ثمَّ رقي) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْقَاف على مِثَال: صعد وزنا وَمعنى، يُقَال: رقيت فِي السّلم بِالْكَسْرِ: إِذا صعدت، وَذكره ابْن التِّين بِفَتْح الْقَاف على مِثَال: مضى، وَأنْكرهُ. وَقَالَ عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : هِيَ لُغَة طيىء، يفتحون الْعين فِيمَا كَانَ من الْأَفْعَال معتل اللَّام، وَالْأول أفْصح وَأشهر. قَوْله: (فسقى الْكَلْب) ، وَفِي رِوَايَة عبد الله بن دِينَار عَن أبي صَالح: حَتَّى أرواه من الإرواء من الرّيّ، وَقد مَضَت هَذِه الرِّوَايَة فِي كتاب الْوضُوء فِي: بَاب المَاء الَّذِي يغسل بِهِ شعر الْإِنْسَان فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَنهُ إِسْحَاق عَن عبد الصَّمد عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن رجلا رأى كَلْبا يَأْكُل الثرى من الْعَطش، فَأخذ الرجل خفه فَجعل يغْرف لَهُ بِهِ حَتَّى أرواه، فَشكر الله لَهُ حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة. قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أثنى عَلَيْهِ أَو قبل عمله، فغفر لَهُ، فالفاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة، أَي: بِسَبَب قبُول عمله غفر لَهُ، كَمَا فِي قَوْلك: إِن يسلم فَهُوَ فِي الْجنَّة، أَي: بِسَبَب إِسْلَامه هُوَ فِي الْجنَّة، وَيجوز أَن تكون الْفَاء تفسيرية، تَفْسِير قَوْله: فَشكر الله لَهُ لِأَن غفرانه لَهُ هُوَ نفس الشُّكْر، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم} (الْبَقَرَة: ٤٥) . على قَول من فسر التَّوْبَة بِالْقَتْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: معنى قَوْله: فَشكر الله لَهُ، أَي: أظهر مَا جازاه بِهِ عِنْد مَلَائكَته، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام. قلت: لَا يَصح هَذَا هُنَا، لِأَن شكر الله لهَذَا الرجل عبارَة عَن مغفرته إِيَّاه، كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (قَالُوا) أَي: الصَّحَابَة، من جُمْلَتهمْ سراقَة بن مَالك ابْن جعْشم، روى حَدِيثه ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن نمير، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن مَالك بن جعْشم عَن أَبِيه عَن عَمه سراقَة بن مَالك بن جعْشم، قَالَ: سَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الضَّالة من الْإِبِل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي، فَهَل لي من أجر إِن سقيتها؟ فَقَالَ: نعم، فِي كل ذَات كبد حرى أجر. قَوْله: (وَإِن لنا) ، هُوَ مَعْطُوف على شَيْء مَحْذُوف تَقْدِيره: الْأَمر كَمَا ذكرت، وَإِن لنا فِي الْبَهَائِم أجرا، أَي: فِي سقيها أَو فِي الْإِحْسَان إِلَيْهَا. قَوْله: (فِي كل كبد) ، يجوز فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: فتح الْكَاف وَكسر الْبَاء وَفتح الْكَاف وَسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف، كَمَا قَالُوا فِي الْفَخْذ فَخذ، وَكسر الْكَاف وَسُكُون الْبَاء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الكبد يذكر وَيُؤَنث، وَلِهَذَا قَالَ: رطبَة، وَالْجمع أكباد وأكبد وكبود. وَقَالَ الدَّاودِيّ: يَعْنِي كبد كل حَيّ من ذَوَات الْأَنْفس، وَالْمرَاد بالرطبة رُطُوبَة الْحَيَاة أَو هُوَ كِنَايَة عَن الْحَيَاة. قَوْله: (أجر) ، مَرْفُوع على الِابْتِدَاء، وَخَبره مقدما قَوْله: (فِي كل كبد) ، تَقْدِيره: أجر حَاصِل أَو كَائِن فِي إرواء كل ذِي كبد حَيّ. وَأبْعد الْكرْمَانِي فِي سُؤَاله هُنَا حَيْثُ يَقُول: الكبد لَيست ظرفا لِلْأجرِ، فَمَا معنى كلمة الظَّرْفِيَّة؟ ثمَّ قَالَ: تَقْدِيره الْأجر ثَابت فِي إرواء أَو فِي رِعَايَة كل حَيّ وَجه الإبعاد: أَن كل من شم شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة يعرف أَن الْجَار وَالْمَجْرُور لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِشَيْء، إِمَّا ظَاهرا أَو مُقَدرا، فَإِذا لم يصلح الْمَذْكُور أَن يتَعَلَّق بِهِ يقدر لفظ: كَائِن أَو حَاصِل أَو نَحْوهمَا، فَلَا حَاجَة إِلَى السُّؤَال وَالْجَوَاب، ثمَّ قَالَ: أَو الْكَلِمَة للسَّبَبِيَّة، يَعْنِي: كلمة: فِي، للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِي النَّفس المؤمنة مائَة إبل، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة، وَمَعَ هَذَا الْمُتَعَلّق مَحْذُوف، أَي: بِسَبَب قتل النَّفس المؤمنة الْوَاجِب مائَة إبل، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير هُنَا: بِسَبَب إرواء كل كبد أجر حَاصِل. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هَذَا عَام فِي جَمِيع الْحَيَوَانَات. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: هَذَا الحَدِيث كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، وَأما الْإِسْلَام فقد أَمر بقتل الْكلاب فِيهِ. وَأما قَوْله: (فِي كل كبد) ، فمخصوص بِبَعْض الْبَهَائِم مِمَّا لَا ضَرَر فِيهِ لِأَن الْمَأْمُور بقتْله كالخنزير لَا يجوز أَن يقوى لِيَزْدَادَ ضَرَره، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ: إِن عُمُومه مَخْصُوص بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَم، وَهُوَ مَا لم يُؤمر بقتْله فَيحصل الثَّوَاب بسقيه، ويلتحق بِهِ إطعامه وَغير ذَلِك من وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ. قلت: الْقلب الَّذِي فِيهِ الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة يجنح إِلَى قَول الدَّاودِيّ، وَفِي الْقلب من قَول أبي عبد الْملك حزازة، وَيتَوَجَّهُ الرَّد على كَلَامه من وُجُوه: الأول: قَوْله: كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، فَمَا الْمَانِع أَن أحدا من هَذِه الْأمة قد فعل هَذَا، وكوشف للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك وَأخْبرهُ بذلك حثاً لأمته على فعل ذَلِك، وصدور هَذَا الْفِعْل من أحد من أمته يجوز أَن يكون فِي زَمَنه، وَيجوز أَن يكون بعده، بِأَن يفعل أحد

هَذَا. وَأعلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك أَنه سَيكون كَذَا وَأخْبرهُ بذلك فِي صُورَة الْكَائِن، لِأَن الَّذِي يُخبرهُ عَن الْمُسْتَقْبل كالواقع لِأَنَّهُ مخبر صَادِق، وكل مَا يُخبرهُ من المغيبات الْآتِيَة كَائِن لَا محَالة. وَالثَّانِي: قَوْله: وَأما الْإِسْلَام، فقد أَمر بقتل الْكلاب لَا يقوم بِهِ دَلِيل على مدعاه، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقتل الْكلاب فِي أول الْإِسْلَام، ثمَّ نسخ ذَلِك بِإِبَاحَة الِانْتِفَاع بهَا للصَّيْد وللماشية وَالزَّرْع، وَلَا شكّ أَن الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم نسخ لذَلِك التَّحْرِيم، وَرفع لحكمه. وَالثَّالِث: دَعْوَى الْخُصُوص تحكم وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ، لِأَن تَخْصِيص الْعَام بِلَا دَلِيل إِلْغَاء لحكمه الَّذِي تنَاوله، فَلَا يجوز، وَالْعجب من النَّوَوِيّ أَيْضا أَنه ادّعى عُمُوم الحَدِيث الْمَذْكُور للحيوان الْمُحْتَرَم، وَهُوَ أَيْضا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وأصل الحَدِيث مَبْنِيّ على إِظْهَار الشَّفَقَة لمخلوقات الله تَعَالَى من الْحَيَوَانَات، وَإِظْهَار الشَّفَقَة لَا يُنَافِي إِبَاحَة قتل المؤذي من الْحَيَوَانَات، وَيفْعل فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن التَّيْمِيّ: لَا يمْتَنع إجراؤه على عُمُومه، يَعْنِي: فيسقي ثمَّ يقتل، لأَنا أمرنَا بِأَن نحسن القتلة ونهينا عَن الْمثلَة، فعلى قَول مدعي الْخُصُوص: الْكَافِر الْحَرْبِيّ وَالْمُرْتَدّ الَّذِي اسْتمرّ على ارتداده إِذا قدما للْقَتْل، وَكَانَ الْعَطش قد غلب عَلَيْهِمَا، يَنْبَغِي أَن يَأْثَم من يسقيهما لِأَنَّهُمَا غير محترمين فِي ذَلِك الْوَقْت، وَلَا يمِيل قلب شفوق فِيهِ رَحْمَة إِلَى منع السَّقْي عَنْهُمَا، يسقيان ثمَّ يقتلان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ بَعضهم: فِيهِ: جَوَاز السّفر مُنْفَردا وَبِغير زَاد. قلت: قد ورد النَّهْي عَن سفر الرجل وَحده، والْحَدِيث لَا يدل على أَن رجلا كَانَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ قَالَ: (بَينا رجل يمشي) ، فَيجوز أَن يكون مَاشِيا فِي أَطْرَاف مَدِينَة أَو عمَارَة، أَو كَانَ مَاشِيا فِي مَوضِع فِي مدينته. وَكَانَ خَالِيا من السكان. فَإِن قلت: قد مضى فِي أَوَائِل الْبَاب أَن فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: يمشي بفلاة، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: يمشي بطرِيق مَكَّة؟ قلت: لَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون الرجل الْمَذْكُور مُسَافِرًا، وَلَئِن سلمنَا أَنه كَانَ مُسَافِرًا لَكِن يحْتَمل أَنه كَانَ مَعَه قوم فَانْقَطع مِنْهُم فِي الفلاة لضَرُورَة عرضت لَهُ، فَجرى لَهُ مَا جرى فَلَا يفهم مِنْهُ جَوَاز السّفر وَحده فَافْهَم. وَأما السّفر بِغَيْر زَاد، فَإِن كَانَ فِي علمه أَنه يحصل لَهُ الزَّاد فِي طَرِيقه فَلَا بَأْس، وَإِن كَانَ يتَحَقَّق عَدمه فَلَا يجوز لَهُ بِغَيْر الزَّاد. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ إِذا حصلت الْمَغْفِرَة بِسَبَب سقِِي الْكَلْب، فسقي بني آدم أعظم أجرا. وَفِيه: أَن سقِِي المَاء من أعظم القربات. قَالَ بعض التَّابِعين: من كثرت ذنُوبه فَعَلَيهِ بسقي المَاء، فَإِذا غفرت ذنُوب الَّذِي سقى كَلْبا فَمَا ظنكم بِمن سقى مُؤمنا موحداً وأحياه بذلك؟ وَقَالَ ابْن التِّين: وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا: أَنه دخل على رجل فِي السِّيَاق، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يتأخران وأسودين يدنوان، وأري الشَّرّ ينمى وَالْخَيْر يضمحل، فأعني مِنْك بدعوة يَا نَبِي الله، فَقَالَ: أللهم أشكر لَهُ الْيَسِير، واعف عَنهُ الْكثير، ثمَّ قَالَ لَهُ: مَاذَا ترى؟ فَقَالَ: أرى ملكَيْنِ يدنوان والأسودين يتأخران، وَأرى الْخَيْر ينمي وَالشَّر يضمحل. قَالَ: فَمَا وجدت أفضل عَمَلك؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِي حَدِيث سُئِلَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: سقِِي المَاء. وَفِيه: مَا احْتج بِهِ على جَوَاز الصَّدَقَة على الْمُشْركين لعُمُوم قَوْله: أجر. وَفِيه: أَن المجازاة على الْخَيْر وَالشَّر قد يكون يَوْم الْقِيَامَة من جنس الْأَعْمَال، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من قتل نَفسه بحديدة عذب بهَا فِي نَار جَهَنَّم، وَقَالَ بَعضهم: يَنْبَغِي أَن يكون مَحَله، مَا إِذا لم يُوجد هُنَاكَ مُسلم، فالمسلم أَحَق. قلت: هَذَا قيد لَا يعْتَبر بِهِ، بل تجوز الصَّدَقَة على الْكَافِر، سَوَاء يُوجد هُنَاكَ مُسلم أَو لَا، وَقَالَ بَعضهم أَيْضا: وَكَذَا إِذا دَار الْأَمر بَين الْبَهِيمَة والآدمي الْمُحْتَرَم واستويا فِي الْحَاجة، فالآدمي أَحَق. قلت: إِنَّمَا يكون أَحَق فِيمَا إِذا قسم بَينهمَا، يخَاف على الْمُسلم من الْهَلَاك، إو إِذا أَخذ جُزْءا للبهيمة يخَاف على الْمُسلم، فَأَما إِذا لم يُوجد وَاحِد مِنْهُمَا يَنْبَغِي أَن لَا تحرم الْبَهِيمَة أَيْضا، لِأَنَّهَا ذَات كبد رطبَة.

تابَعَهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ والرَّبِيعُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ زِيادٍ

٤٦٣٢ - حدَّثنا ابنُ أبِي مرْيَمَ حدَّثَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ فقالَ دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حتَّى قُلْتُ أيْ رَبِّ وأنَا مَعَهُمْ فإذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ تخْدِشُها هِرَّةٌ قَالَ مَا شأْنُ هَذِهِ قَالُوا حبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جوعا. (انْظُر الحَدِيث ٥٤٧) .

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 22 جمادى الأولى
التربيع الأخير اليوم 22.6 / 29.5
الإضاءة 45%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56