الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٨٣
الحديث رقم ٢٤٨٣ من كتاب «كتاب الشركة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الشركة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ:
تروي عائشة رضي الله عنها أنه لما مات النبي عليه الصلاة والسلام كان أبوها في مسكنه في العوالي، فنزل ودخل المسجد ولم يحدِّث أحدًا، ثم قصد النبي عليه الصلاة والسلام وهو مغطًّى ببُردة، وهي نوع من الثياب معروف، فكشف عن وجه النبي عليه الصلاة والسلام ثم أَكَبَّ على النبي عليه الصلاة والسلام، فقبَّله، ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها.
وفي روايةٍ عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسُّنْحِ، وفسره أحد رجال الإسناد بالعالية، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، -قالت: وقال عمر بعد ذلك: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، يعني عدم موت النبي عليه الصلاة والسلام- وقال: وليبعثنه الله في الدنيا، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم؛ لأنهم زعموا أنه مات، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبَّله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على مهلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال عبارته العظيمة الشهيرة: ألا من كان يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30]، وقال: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]، قال: فنشج الناس يبكون ويتوجعون كالصبي حين يبكي فيتردد البكاء في صدره، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة وهو نقيب بني ساعدة لأجل الخلافة، وذلك في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني، فخفت ألا يقوله أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، وأتى على ما كان في نفس عمر، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم -يعني: قريشًا- أشرفُ العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا وأفعالاً، والحسب: الفِعال الحسنة، مأخوذ من الحساب إذا عدّوا مناقبهم، فمن كان أكثر منقبةً كان أعظم حسبًا، قال أبو بكر: فبايِعوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله دعاءً عليه لعدم نصرته للحق وجمعه للأنصار في هذا الوقت، رضي الله عنهم أجمعين.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٧ - كِتَاب الشَّرِكَة
١ - باب الشرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ
وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ.
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَاه كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا يغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا.
[الحديث ٢٤٨٣ - أطرافه في: ٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤]
٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: "خَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقال رسول الله ﷺ: "نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ وَجَعَلُوهُ عَلَى النِّطَعِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا ثُمَّ قال رسول الله ﷺ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"
[الحديث ٢٤٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٢]
٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ"
٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قال النبي ﷺ: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ
وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"
قَوْلُهُ: (كِتَابُ الشَّرِكَةِ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ، وَلِلْأَكْثَرِ: بَابُ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: فِي الشَّرِكَةِ، وَقَدَّمُوا الْبَسْمَلَةَ وَأَخَّرَهَا.
وَالشَّرِكَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ، وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ؛ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَهِيَ شَرْعًا: مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَقَدْ تَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ) أَمَّا الطَّعَامُ فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَأَمَّا النَّهْدُ فَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِهَا إِخْرَاجُ الْقَوْمِ نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ، يُقَالُ: تَنَاهَدُوا وَنَاهَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَارِسٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: النَّهْدُ الْعَوْنُ. وَطَرَحَ نَهْدَهُ مَعَ الْقَوْمِ أَعَانَهُمْ وَخَارَجَهُمْ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقِيلَ. . . فَذَكَرَ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ. وَقَالَ عِيَاضٌ مِثْلَ قَوْلِ الْأَزْهَرِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ وَالْخَلْطِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَدَدِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ النَّفَقَةُ بِالسَّوِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ تَتَّفِقُ رُفْقَةٌ فَيَضَعُونَهُ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ فِعْلِ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّسْوِيَةِ إِلَّا فِي الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا فِي الْأَكْلِ فَلَا تَسْوِيَةَ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْآكِلِينَ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَشْهَدُ لِكُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ مَا تُخْرِجُهُ الرُّفْقَةُ عِنْدَ الْمُنَاهَدَةِ إِلَى الْغَزْوِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَسِمُوا نَفَقَتَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ فَضْلٌ، فَزَادَهُ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ سَفَرُ الْغَزْوِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ خَلَطَ الزَّادَ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ حَيْثُ قَالَ: يَأْكُلُ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: هُوَ طَعَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَصْلُهُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التَّارِيخِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ النَّهْدَ حُضَيْنٌ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ - الرَّقَاشِيُّ. قلت: وَهُوَ بَعِيدٌ لِثُبُوتِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحُضَيْنٌ لَا صُحْبَةَ لَهُ، فَإِنْ ثَبَتَتِ احْتَمَلَتْ أَوَّلِيَّتُهُ فِيهِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ أَوْ فِي فِئَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْعُرُوضُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ مُقَابِلُ النَّقْدِ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَجَمِيعُ أَصْنَافِ الْمَالِ، وَمَا عَدَا النَّقْدَ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَوِيَّاتُ، وَلَكِنَّهُ اغْتُفِرَ فِي النَّهْدِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الشَّرِكَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ)؛ أَيْ: هَلْ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ مُجَازَفَةً؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنَ الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ؟ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً؛ أَيْ مُتَسَاوِيَةً.
قَوْلُهُ: (لِمَا لَمْ تَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالنَّهْدِ بَأْسًا) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَ فِي الْغَرِيبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْرِجُوا نَهْدَكُمْ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ وَأَحْسَنُ لِأَخْلَاقِكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) كَأَنَّهُ أَلْحَقَ النَّقْدَ بِالْعَرْضِ لِلْجَامِعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، لَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ، أَمَّا قِسْمَةُ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً - حَيْثُ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ - فَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: شَرَطَ مَالِكٌ فِي مَنْعِهِ أَنْ يَكُونَ مَصْكُوكًا وَالتَّعَامُلَ فِيهِ بِالْعَدَدِ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا عَدَاهُ جُزَافًا، وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ مَنْعُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ جَوَازُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي مَالِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَطَاءِ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْقِسْمَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْآخِذِينَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَوْلُهُ: (وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي الْمَظَالِمِ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا بَعْدَ بَابَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ) في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة، و «السَّاحل»: شاطئ البحر (فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) بفتح الجيم وتشديد الرَّاء وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، واسمُ أبي عبيدة عامرُ بن عبد الله (وَهُمْ) أي: البعث (ثَلَاثُ مِئَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ) أي: أشرف على الفناء (فَأَمَرَ) الأمير (١) (أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) بكسر الميم وإسكان الزَّاي وفتح الواو والدَّال وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، تثنية مِزْوَدٍ: ما يُجعَل فيه الزَّاد كالجِرَاب (فَكَانَ يُقَوِّتُنَا) بتشديد الواو وحذف الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يقوِّتناه» (كُلَّ يَوْمٍ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (قَلِيلًا قَلِيلًا) بالنَّصب، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي روايةٍ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَقُوْتنا» -بفتح أوَّله وضمِّ القاف وسكون الواو- «كلَّ يومٍ قليلٌ قليلٌ» بالرَّفع (حَتَّى فَنِيَ) أكثره (فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) قال وهب بن كيسان: (فَقُلْتُ) لجابرٍ: (وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟) أي: عن الجوع (فَقَالَ) جابرٌ: (لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ) مؤثِّرًا، وفي رواية أبي (٢) الزبير عن جابرٍ عند مسلمٍ: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصُّها كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى اللَّيل (قَالَ) أي: جابرٌ: (ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى) ساحل (البَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ) بظاءٍ مُعجَمةٍ مشالةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ، أي: الجبل الصَّغير، وضُبِط أيضًا في الفرع بكسر الظَّاء وسكون الرَّاء، أي: منبسطٌ ليس بالعالي (فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الجَيْشُ) الثَّلاث مئةٍ (ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح (بِضِلَعَيْنِ) بكسر الضَّاد المعجمة وفتح اللَّام (مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا) استُشكِل إسقاط تاء التَّأنيث؛ لأنَّ الضِّلع مُؤنَّثةٌ، وأُجيب بأنَّ تأنيثها غير حقيقيٍّ فيجوز التَّذكير (ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا) أي: تحت الضِّلعين (فَلَمْ تُصِبْهُمَا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجُمِع» لأنَّه لمَّا كان يُفرَّق عليهم قليلًا قليلًا (١)؛ صار في معنى: النِّهد، واعتُرِض: بأنَّه ليس فيه ذكر المجازفة لأنَّهم لم يريدوا المبايعة (٢) ولا البذل، وأُجيب: بأنَّ حقوقهم تساوت فيه بعد جمعهم، فتناولوه مجازفةً كما جرت العادة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٣]، ومسلمٌ في «الصَّيد»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» و «السِّير».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٧ - كِتَاب الشَّرِكَة
١ - باب الشرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ
وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ.
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَاه كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: وَمَا يغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا.
[الحديث ٢٤٨٣ - أطرافه في: ٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤]
٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: "خَفَّتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ وَأَمْلَقُوا فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقال رسول الله ﷺ: "نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ وَجَعَلُوهُ عَلَى النِّطَعِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا ثُمَّ قال رسول الله ﷺ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"
[الحديث ٢٤٨٤ - طرفه في: ٢٩٨٢]
٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ"
٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قال النبي ﷺ: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ
وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"
قَوْلُهُ: (كِتَابُ الشَّرِكَةِ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ، وَلِلْأَكْثَرِ: بَابُ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: فِي الشَّرِكَةِ، وَقَدَّمُوا الْبَسْمَلَةَ وَأَخَّرَهَا.
وَالشَّرِكَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ، وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ؛ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ. وَهِيَ شَرْعًا: مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَقَدْ تَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (الشَّرِكَةُ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ) أَمَّا الطَّعَامُ فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَأَمَّا النَّهْدُ فَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِهَا إِخْرَاجُ الْقَوْمِ نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ، يُقَالُ: تَنَاهَدُوا وَنَاهَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ نَحْوَهُ، لَكِنْ قَالَ: عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ فَارِسٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: النَّهْدُ الْعَوْنُ. وَطَرَحَ نَهْدَهُ مَعَ الْقَوْمِ أَعَانَهُمْ وَخَارَجَهُمْ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقِيلَ. . . فَذَكَرَ قَوْلَ الْأَزْهَرِيِّ. وَقَالَ عِيَاضٌ مِثْلَ قَوْلِ الْأَزْهَرِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ وَالْخَلْطِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْعَدَدِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ النَّفَقَةُ بِالسَّوِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهُ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ تَتَّفِقُ رُفْقَةٌ فَيَضَعُونَهُ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ فِعْلِ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّسْوِيَةِ إِلَّا فِي الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا فِي الْأَكْلِ فَلَا تَسْوِيَةَ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْآكِلِينَ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَشْهَدُ لِكُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ مَا تُخْرِجُهُ الرُّفْقَةُ عِنْدَ الْمُنَاهَدَةِ إِلَى الْغَزْوِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَسِمُوا نَفَقَتَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ فَضْلٌ، فَزَادَهُ قَيْدًا آخَرَ وَهُوَ سَفَرُ الْغَزْوِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ خَلَطَ الزَّادَ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ حَيْثُ قَالَ: يَأْكُلُ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: هُوَ طَعَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَصْلُهُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التَّارِيخِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ النَّهْدَ حُضَيْنٌ - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ - الرَّقَاشِيُّ. قلت: وَهُوَ بَعِيدٌ لِثُبُوتِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحُضَيْنٌ لَا صُحْبَةَ لَهُ، فَإِنْ ثَبَتَتِ احْتَمَلَتْ أَوَّلِيَّتُهُ فِيهِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ أَوْ فِي فِئَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْعُرُوضُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ مُقَابِلُ النَّقْدِ، وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَجَمِيعُ أَصْنَافِ الْمَالِ، وَمَا عَدَا النَّقْدَ يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ فَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَوِيَّاتُ، وَلَكِنَّهُ اغْتُفِرَ فِي النَّهْدِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الشَّرِكَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ)؛ أَيْ: هَلْ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ مُجَازَفَةً؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنَ الْكَيْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ؟ وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً؛ أَيْ مُتَسَاوِيَةً.
قَوْلُهُ: (لِمَا لَمْ تَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالنَّهْدِ بَأْسًا) هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَ فِي الْغَرِيبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْرِجُوا نَهْدَكُمْ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ وَأَحْسَنُ لِأَخْلَاقِكُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) كَأَنَّهُ أَلْحَقَ النَّقْدَ بِالْعَرْضِ لِلْجَامِعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، لَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ الذَّهَبِ مَعَ الْفِضَّةِ، أَمَّا قِسْمَةُ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً - حَيْثُ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ - فَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: شَرَطَ مَالِكٌ فِي مَنْعِهِ أَنْ يَكُونَ مَصْكُوكًا وَالتَّعَامُلَ فِيهِ بِالْعَدَدِ. فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا عَدَاهُ جُزَافًا، وَمُقْتَضَى الْأُصُولِ مَنْعُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ جَوَازُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي مَالِ الْبَحْرَيْنِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ قِسْمَةَ الْعَطَاءِ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْقِسْمَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْآخِذِينَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقَوْلُهُ: (وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَاضِي فِي الْمَظَالِمِ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا بَعْدَ بَابَيْنِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٤٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (﵄ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ) في رجب سنة ثمانٍ من الهجرة، و «السَّاحل»: شاطئ البحر (فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ) بفتح الجيم وتشديد الرَّاء وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، واسمُ أبي عبيدة عامرُ بن عبد الله (وَهُمْ) أي: البعث (ثَلَاثُ مِئَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ) أي: أشرف على الفناء (فَأَمَرَ) الأمير (١) (أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ) بكسر الميم وإسكان الزَّاي وفتح الواو والدَّال وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، تثنية مِزْوَدٍ: ما يُجعَل فيه الزَّاد كالجِرَاب (فَكَانَ يُقَوِّتُنَا) بتشديد الواو وحذف الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «يقوِّتناه» (كُلَّ يَوْمٍ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (قَلِيلًا قَلِيلًا) بالنَّصب، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي روايةٍ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يَقُوْتنا» -بفتح أوَّله وضمِّ القاف وسكون الواو- «كلَّ يومٍ قليلٌ قليلٌ» بالرَّفع (حَتَّى فَنِيَ) أكثره (فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ) قال وهب بن كيسان: (فَقُلْتُ) لجابرٍ: (وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ؟) أي: عن الجوع (فَقَالَ) جابرٌ: (لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ) مؤثِّرًا، وفي رواية أبي (٢) الزبير عن جابرٍ عند مسلمٍ: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصُّها كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى اللَّيل (قَالَ) أي: جابرٌ: (ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى) ساحل (البَحْرِ، فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ) بظاءٍ مُعجَمةٍ مشالةٍ مفتوحةٍ فراءٍ مكسورةٍ فمُوحَّدةٍ، أي: الجبل الصَّغير، وضُبِط أيضًا في الفرع بكسر الظَّاء وسكون الرَّاء، أي: منبسطٌ ليس بالعالي (فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الجَيْشُ) الثَّلاث مئةٍ (ثَمَانِيَ عَشْرَةَ
لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ) بن الجرَّاح (بِضِلَعَيْنِ) بكسر الضَّاد المعجمة وفتح اللَّام (مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا) استُشكِل إسقاط تاء التَّأنيث؛ لأنَّ الضِّلع مُؤنَّثةٌ، وأُجيب بأنَّ تأنيثها غير حقيقيٍّ فيجوز التَّذكير (ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا) أي: تحت الضِّلعين (فَلَمْ تُصِبْهُمَا) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجُمِع» لأنَّه لمَّا كان يُفرَّق عليهم قليلًا قليلًا (١)؛ صار في معنى: النِّهد، واعتُرِض: بأنَّه ليس فيه ذكر المجازفة لأنَّهم لم يريدوا المبايعة (٢) ولا البذل، وأُجيب: بأنَّ حقوقهم تساوت فيه بعد جمعهم، فتناولوه مجازفةً كما جرت العادة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٣٦٠] و «الجهاد» [خ¦٢٩٨٣]، ومسلمٌ في «الصَّيد»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الزُّهد»، والنَّسائيُّ في «الصَّيد» و «السِّير».