الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٠
الحديث رقم ٢٥٠ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب غسل الرجل مع امرأته.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ
٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاحِ: لَمْ أَجِدْهُ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسَتُّرِ فِي الْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ.
وَقَدْ عَقَدَ الْمُصَنِّفُ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بَابًا وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ وَمَدَارُهَا عَلَى الْأَعْمَشِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فَوَائِدَهَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ مِنْ سَالِمٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى الْوَلَاءِ: الْأَعْمَشُ، وَسَالِمٌ، وَكُرَيْبٌ، وَصَحَابِيَّانِ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَخَالَتُهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِإِحْضَارِ مَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلًا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَفِيهِ خِدْمَةُ الزَّوْجَاتِ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَفِيهِ الصَّبُّ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِغَسْلِ الْفَرْجِ بِهَا، وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْصِيصُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ، وَتَمَسَّكَ بِه الْمَالِكِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ وُضُوءَ الْغُسْلِ لَا يُمْسَحُ فِيهِ الرَّأْسُ بَلْ يُكْتَفَى عَنْهُ بِغَسْلِهِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: يُحْتَمَلُ تَرْكُهُ الثَّوْبَ ; لِإِبْقَاءِ بَرَكَةِ الْمَاءِ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ أَوْ لِشَيْءٍ رَآهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ وَسَخٍ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ، وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً.
وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي شَرْحِهِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نَفْضُهُ الْمَاءَ بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: مُبَاحٌ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ فِي الصَّيْفِ مُبَاحٌ فِي الشِّتَاءِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ.
٢ - بَابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ
٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ.
[الحديث ٢٥٠ - أطرافه في: ٧٢٣٩، ٥٩٥٦، ٢٩٩، ٢٧٣٢٦٣، ٢٦١]
قَوْلُهُ: (بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ. عَنْ عُرْوَةَ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَرَجَّحَ أَبُو زُرْعَةَ الْأَوَّلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلزُّهْرِيِّ شَيْخَانِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَنَا وَالنَّبِيُّ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَائِبِ لِكَوْنِهَا هِيَ السَّبَبَ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فإن قدَّمهما صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه، والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل» [خ¦٢٨١] من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده (١) بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك (وَ) غسل ﵊ (مَا) أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ كفاه لها وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة البدء بغسلها ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ (ثُمَّ أَفَاضَ) ﷺ (عَلَيْهِ المَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) ﵊ أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا غُسْلُه» (مِنَ الجَنَابَةِ).
وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان (٢)، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة».
(٢) (بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ) من (٣) إناءٍ واحدٍ.
٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر المُعجَمَة، محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ
عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا) أَبرزتِ الضمير لتعطف عليه الظَّاهر (١)، وهو قولها: (وَالنَّبِيُّ ﷺ) فهو مرفوعٌ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ) بفتحتين، واحد الأقداح التي للشُّرب (يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ) بفتح الفاء والرَّاء، قال النَّوويُّ: وهو الأفصح، وهو فيما قِيلَ (٢) صاعان، والذي عليه الجماعة أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عُبيدٍ (٣) الاتِّفاق عليه (٤) كما عليه الجماهير (٥)، وقال ابن الأثير: «الفَرَق» بالفتح: ستَّة عشر رطلًا، وبالإسكان: مئة وعشرون رطلًا، قال في «الفتح»: وهو غريبٌ، وقال الجوهريُّ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينة، ستَّة عشر رطلًا، وكان من شَبَهٍ -بفتح الشِّين المُعجَمَة والمُوحَّدة- كما عند الحاكم بلفظ: تَوْرٌ من شَبَهٍ، وهو نوعٌ من النُّحاس، و «من» في قوله: «من إناءٍ» ابتدائيَّةٌ، وفي قوله: «من قدحٍ» بيانيَّةٌ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ.
(٣) (بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ) أي: بالماء الذي هو قدر ملء الصَّاع (وَنَحْوِهِ) من الأواني التي تسع ما يسع الصَّاع، وهو: خمسة أرطالٍ وثلثٍ على مذهب الحجازيِّين، احتجاجًا بحديث الفَرَق، فإنَّ تفسيره: ثلاثة آصع، والمُراد بالرَّطل البغداديُّ وهو على (٦) ما رجَّحه النَّوويُّ: مئةٌ وثمانيةٌ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّلَاحِ: لَمْ أَجِدْهُ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسَتُّرِ فِي الْغُسْلِ وَلَوْ كَانَ فِي الْبَيْتِ.
وَقَدْ عَقَدَ الْمُصَنِّفُ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ بَابًا وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ بِمُغَايَرَةِ الطُّرُقِ وَمَدَارُهَا عَلَى الْأَعْمَشِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ، وَقَدْ جَمَعْتُ فَوَائِدَهَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ مِنْ سَالِمٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى الْوَلَاءِ: الْأَعْمَشُ، وَسَالِمٌ، وَكُرَيْبٌ، وَصَحَابِيَّانِ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَخَالَتُهُ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ.
وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِإِحْضَارِ مَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلًا وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَفِيهِ خِدْمَةُ الزَّوْجَاتِ لِأَزْوَاجِهِنَّ، وَفِيهِ الصَّبُّ بِالْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ لِغَسْلِ الْفَرْجِ بِهَا، وَفِيهِ تَقْدِيمُ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْفَرْجِ لِمَنْ يُرِيدُ الِاغْتِرَافَ لِئَلَّا يُدْخِلَهُمَا فِي الْمَاءِ وَفِيهِمَا مَا لَعَلَّهُ يُسْتَقْذَرُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِبْرِيقٍ مَثَلًا فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ غَسْلِ الْفَرْجِ لِتَوَالِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ التَّنْصِيصُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ، وَتَمَسَّكَ بِه الْمَالِكِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ وُضُوءَ الْغُسْلِ لَا يُمْسَحُ فِيهِ الرَّأْسُ بَلْ يُكْتَفَى عَنْهُ بِغَسْلِهِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَرَاهَةِ التَّنْشِيفِ بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: يُحْتَمَلُ تَرْكُهُ الثَّوْبَ ; لِإِبْقَاءِ بَرَكَةِ الْمَاءِ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ أَوْ لِشَيْءٍ رَآهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ وَسَخٍ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ، وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً.
وَقَالَ التَّيْمِيُّ فِي شَرْحِهِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَنَشَّفُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَأْتِهِ بِالْمِنْدِيلِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نَفْضُهُ الْمَاءَ بِيَدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّنْشِيفِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَشْهَرُهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَرْكُهُ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: مُبَاحٌ، وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ فِي الصَّيْفِ مُبَاحٌ فِي الشِّتَاءِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ.
٢ - بَابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ
٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ.
[الحديث ٢٥٠ - أطرافه في: ٧٢٣٩، ٥٩٥٦، ٢٩٩، ٢٧٣٢٦٣، ٢٦١]
قَوْلُهُ: (بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ. عَنْ عُرْوَةَ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَرَجَّحَ أَبُو زُرْعَةَ الْأَوَّلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلزُّهْرِيِّ شَيْخَانِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ عَنْ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (أَنَا وَالنَّبِيُّ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الْغَائِبِ لِكَوْنِهَا هِيَ السَّبَبَ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فإن قدَّمهما صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه، والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل» [خ¦٢٨١] من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده (١) بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك (وَ) غسل ﵊ (مَا) أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ كفاه لها وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة البدء بغسلها ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ (ثُمَّ أَفَاضَ) ﷺ (عَلَيْهِ المَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) ﵊ أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا غُسْلُه» (مِنَ الجَنَابَةِ).
وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان (٢)، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة».
(٢) (بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ) من (٣) إناءٍ واحدٍ.
٢٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر المُعجَمَة، محمَّد بن عبد الرَّحمن القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ
عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا) أَبرزتِ الضمير لتعطف عليه الظَّاهر (١)، وهو قولها: (وَالنَّبِيُّ ﷺ) فهو مرفوعٌ، ويجوز أن يكون مفعولًا معه (مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ) بفتحتين، واحد الأقداح التي للشُّرب (يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ) بفتح الفاء والرَّاء، قال النَّوويُّ: وهو الأفصح، وهو فيما قِيلَ (٢) صاعان، والذي عليه الجماعة أنَّه ثلاثة صوعٍ، ونقل أبو عُبيدٍ (٣) الاتِّفاق عليه (٤) كما عليه الجماهير (٥)، وقال ابن الأثير: «الفَرَق» بالفتح: ستَّة عشر رطلًا، وبالإسكان: مئة وعشرون رطلًا، قال في «الفتح»: وهو غريبٌ، وقال الجوهريُّ: مكيالٌ معروفٌ بالمدينة، ستَّة عشر رطلًا، وكان من شَبَهٍ -بفتح الشِّين المُعجَمَة والمُوحَّدة- كما عند الحاكم بلفظ: تَوْرٌ من شَبَهٍ، وهو نوعٌ من النُّحاس، و «من» في قوله: «من إناءٍ» ابتدائيَّةٌ، وفي قوله: «من قدحٍ» بيانيَّةٌ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، والنَّسائيُّ.
(٣) (بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ) أي: بالماء الذي هو قدر ملء الصَّاع (وَنَحْوِهِ) من الأواني التي تسع ما يسع الصَّاع، وهو: خمسة أرطالٍ وثلثٍ على مذهب الحجازيِّين، احتجاجًا بحديث الفَرَق، فإنَّ تفسيره: ثلاثة آصع، والمُراد بالرَّطل البغداديُّ وهو على (٦) ما رجَّحه النَّوويُّ: مئةٌ وثمانيةٌ