الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٨
الحديث رقم ٢٥٨ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
⦗٦١⦘
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى وَهُوَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَبَاقِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فَغَسَلَ يَدَهُ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدَيْهِ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) الشَّكُّ مِنَ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ، وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (مَذَاكِيرَهُ) هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَكَأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعُضْوِ وَبَيْنَ خِلَافِ الْأُنْثَى، قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اسْمَهُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ.
٦ - بَاب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ
٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) مُطَابَقَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَشْكَلَ أَمْرُهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ الْبُخَارِيَّ فِيهَا إِلَى الْوَهْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ لَفْظَ الْحِلَابِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ فِي الرِّوَايَةِ لِتَتَّجِهَ الْمُطَابَقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّفَ لَهَا تَوْجِيهًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.
فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَأَوَّلُهُمُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - مَنْ ذَا الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، سَبَقَ إِلَى قَلْبِهِ أَنَّ الْحِلَابَ طِيبٌ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ إِنَاءٌ وَهُوَ مَا يُحْلَبُ فِيهِ يُسَمَّى حِلَابًا وَمِحْلَبًا، قَالَ: وَفِي تَأَمُّلِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ. انْتَهَى.
وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ: الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ، وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي، وَلَيْسَ الْحِلَابُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، قَالَ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ … رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا فَرَى فِي الْحِلَابِ
وَتَبِعَ الْخَطَّابِيَّ، ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَوَّلُهُمُ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: الْحِلَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْخَفِيفَةِ أَيْ مَا يُحْلَبُ فِيهِ كَالْمِحْلَبِ فَصَحَّفُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ مَاءُ الْوَرْدِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لِأَنَّ الطِّيبَ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَلْيَقُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَرِيبِ الصَّحِيحَيْنِ: ضَمَّ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ الْفَرَقِ وَحَدِيثِ قَدْرِ الصَّاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْإِنَاءِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا
ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يَكُونُ قَبْلَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّرْجَمَةِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى.
فَجَعَلَ الْحُمَيْدِيُّ كَوْنَ الْبُخَارِيِّ أَرَادَ ذَلِكَ احْتِمَالًا، أَيْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْحِلَابُ وَالْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ إِنَاءٌ يَمْلَؤُهُ قَدْرَ حَلْبِ النَّاقَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ: وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى التَّأْوِيلَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، يُشِيرُ إِلَى مَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ مَا قَالَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِلَابُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ لَا يَصِحُّ غَيْرُهَا، وَقَدْ وَهِمَ مَنْ ظَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَكَذَا مَنْ قَالَهُ بِضَمِّ الْجِيمِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الطِّيبُ مَا لَهُ عَرْفٌ طَيِّبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَطْيِيبَ الْبَدَنِ بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ وَسَخٍ وَدَرَنٍ وَنَجَاسَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنْهُ يَبْدَأُ بِهِ فَيُوضَعُ فِيهِ مَاءُ الْغُسْلِ، قَالَ: وَأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوِ الطِّيبُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى إِعْدَادِ مَاءِ الْغُسْلِ ثُمَّ الشُّرُوعِ فِي التَّنْظِيفِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْغُسْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْبَدَاءَةُ بِشِقِّ الرَّأْسِ ; لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ شَعَثًا مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُنَقِّي الْبَدَنَ كَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِ.
وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ قَسِيمُ الْحِلَابِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَمِيعُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلِذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْحِلَابِ عَلَى هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي الْحِلَابِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْحَالِّ اسْمَ الْمَحَلِّ مَجَازًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ الطِّيبُ فَالْمَعْنَى بَدَأَ تَارَةً بِطَلَبِ ظَرْفِ الطِّيبِ وَتَارَةً بِطَلَبِ نَفْسِ الطِّيبِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَ الْحِلَابَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ضَرْبًا مِنَ الطِّيبِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي كَانَ فِيهِ طِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ. انْتَهَى كَلَامُهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ أَيْ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ أَيْ فَطَيَّبَهُ إِلَخْ.
وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ صِفَةُ التَّطْيِيبِ لَا الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَرَفَ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، فَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِقَدَحٍ بَدَلَ قَوْلِهِ بِحِلَابٍ وَزَادَ فِيهِ كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ الْحَدِيثَ.
وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ اغْتَسَلَ فَأُتِيَ بِحِلَابٍ فَغَسَلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: اغْتَسَلَ وَيَغْسِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ لَا إِنَاءُ الطِّيبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ دُونَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ مَاءً فَأَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ مَاءٌ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْغُسْلِ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بذكر أحدهما وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: «والطِّيب» بإسقاط الألف.
٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) البصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلَدٍ -بفتح الميم وسكون المُعجَمة- النَّبيل (عَنْ حَنْظَلَةَ) بن أبي سفيان القرشيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، المدنيِّ، أفضل أهل زمانه، التَّابعيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة (٢)، المُتوفَّى سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ) بكسر الحاء، أي: طلب إناءً مثل الإناء الذي يُسمَّى: «الحِلَاب» وقد وصفه أبو عاصمٍ كما أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عنه: «بأقلَّ من شبرٍ في شبرٍ»، وللبيهقيِّ: قدر كوزٍ يسع ثمانية أرطالٍ (فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشِّين المُعجَمة (ثُمَّ) بشقِّ رأسه (الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، وهو يقوِّي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (عَلَى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فعلى هَذَا تعين الشَّك من الْأَعْمَش، لَكِن مَوْضِعه مُخْتَلف. قَوْله: (فَغسل مذاكيره) هُوَ جمع ذكر على خلاف الْقيَاس كَأَنَّهُمْ فرقوا بَين الذّكر الَّذِي هُوَ خلاف الْأُنْثَى، وَالذكر الَّذِي هُوَ الْفرج فِي الْجمع، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ، كأبابيل. قلت قيل: إِن الأبابيل جمع أبول: كعجاجيل جمع عجول. وَقيل: هُوَ جمع مذكار، وَلَكنهُمْ لم يستعملوه وتركوه، والنكتة فِي ذكره بِلَفْظ الْجمع الْإِشَارَة إِلَى تَعْمِيم غسل الخصيتين وحواليهما كَأَنَّهُ جعل كل جُزْء من هَذَا الْمَجْمُوع كذكر فِي حكم الْغسْل.
وَالْأَحْكَام الَّتِي تستنبط مِنْهَا قد مر ذكرهَا.
٦ - (بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ أَوْ الطِيّبِ عِنْدَ الغُسْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الَّذِي بَدَأَ بالحلاب إِلَى آخِره؛ اسْتشْكل الْقَوْم فِي مُطَابقَة هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث الْبَاب، فافترقوا ثَلَاث فرق: الْفرْقَة الأولى: قد نسبوا البُخَارِيّ إِلَى الْوَهم والغلط، مِنْهُم الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي (مستخرجه) رحم الله أَبَا عبد الله. يَعْنِي من ذَا الَّذِي يسلم من الْغَلَط، سبق إِلَى قلبه أَن الحلاب طيب، أَي: معنى للطيب عِنْد الِاغْتِسَال قبل الْغسْل، وَإِنَّمَا الحلاب إِنَاء يحلب فِيهِ وَيُسمى محلباً أَيْضا، وَهَذَا الحَدِيث لَهُ طَرِيق يتَأَمَّل المتأمل بَيَان ذَلِك حَيْثُ جَاءَ فِيهِ، كَانَ يغْتَسل من حلاب، رَوَاهُ هَكَذَا أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وروى أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن يزِيد بن سِنَان عَن أبي عَاصِم بِلَفْظ: (كَانَ يغْتَسل من حلاب، فَيَأْخُذ غرفَة بكفيه فيجعلها على شقَّه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر) كَذَا الحَدِيث بقوله: (يغْتَسل) وَقَوله: (غرفَة) أَيْضا مِمَّا يدل على أَن الحلاب إِنَاء المَاء وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان وَالْبَيْهَقِيّ: (ثمَّ صب على شقّ رَأسه الْأَيْمن) ، وَالطّيب لَا يغبر عَنهُ بالصب وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق بنْدَار عَن أبي عَاصِم بِلَفْظ: (كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء دون الحلاب، فَأخذ بكفه، فَبَدَأَ بالشق الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أَخذ بكفيه مَاء فأفرغ على رَأسه) فلولا قَوْله: (مَاء) لأمكن حمله على الطّيب قبل الْغسْل، وَرِوَايَة أبي عوَانَة أصرح من هَذِه وَمن هَؤُلَاءِ الْفرْقَة ابْن الْجَوْزِيّ حَيْثُ قَالَ: غلط جمَاعَة فِي تَفْسِير الحلاب، مِنْهُم البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ ظن أَن الحلاب شَيْء من الطّيب، الْفرْقَة الثَّانِيَة: مِنْهُم الْأَزْهَرِي، قَالُوا هَذَا تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ: جلاب، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ مَاء الْورْد فَارسي مُعرب. الْفرْقَة الثَّالِثَة: مِنْهُم الْمُحب الطَّبَرِيّ، قَالُوا لم يرد البُخَارِيّ بقوله: أَو الطّيب، مَا لَهُ عرف طيب، وَإِنَّمَا أَرَادَ تطييب الْبدن وَإِزَالَة مَا فِيهِ من وسخ، ودرن ونجاسة إِن كَانَت، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالحلاب الْإِنَاء الَّذِي يغْتَسل مِنْهُ، يبْدَأ بِهِ فَيُوضَع مَاء الْغسْل. قَالَ الْمُحب: وَكلمَة. أَو فِي قَوْله: أَو الطّيب بِمَعْنى الْوَاو، كَذَا اثْبتْ فِي بعض الرِّوَايَات أَقُول، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، لَا يظنّ أحد أَن البُخَارِيّ أَرَادَ بالحلاب ضربا من الطّيب لِأَن قَوْله: أَو الطّيب بِرَفْع ذَلِك، وَلم يرد إلَاّ إِنَاء يوضع فِيهِ مَاء قَالَ الْخطابِيّ: الحلاب إِنَاء يسع قدر حلبة نَاقَة، وَالدَّلِيل على أَن الحلاب ظرف قَول الشَّاعِر:
(صَاح هَل رَأَيْت أَو سَمِعت يراع ... رد فِي الضَّرع مَا بَقِي فِي الحلاب)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الحلاب والمحلب بِكَسْر الْمِيم، وعَاء يملؤه قدر حلب النَّاقة، وَمن الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الحلاب غير الطّيب عطف الطّيب، عَلَيْهِ بِكَلِمَة. أَو، وَجعله قسيماً لَهُ، وَبِهَذَا ينْدَفع مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن البُخَارِيّ سبق إِلَى قلبه أَن الحلاب طيب، وَكَيف يسْبق إِلَى قلبه ذَلِك وَقد عطف، الطّيب، عَلَيْهِ والمعطوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْأَزْهَرِي التَّصْحِيف غير صَحِيحَة، لِأَن الْمَعْرُوف من الرِّوَايَة الْمُهْملَة، وَالتَّخْفِيف، وَكَذَلِكَ أنكر عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة الْهَرَوِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الحلاب بكر الْمُهْملَة لَا يَصح غَيرهَا وَقد وهم من طنه الطّيب وَكَذَا من قَالَه بِضَم الْجِيم على أَنه قَوْله بتَشْديد الللام غير صَحِيح.
لِأَن فِي اللُّغَة الفارسية، مَاء الْورْد، هُوَ جلاب بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام، أَصله: كلاب فَكل بِضَم الْكَاف الصماء وَسُكُون اللَّام، إسم للورد عِنْدهم، وآب، بِمد الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة اسْم المَاء، وَالْقَاعِدَة عِنْدهم إِن الْمُضَاف إِلَيْهِ يتَقَدَّم على الْمُضَاف وَكَذَلِكَ الصّفة تقدم على الْمَوْصُوف، وَإِنَّمَا الْجلاب بتَشْديد اللَّام فاسم للمشروب. فَإِن قلت: إِذا ثَبت أَن الحلاب اسْم للإناء، يكون الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة شَيْئَيْنِ: إحدهما: الْإِنَاء، وَالْآخر: الطّيب، وَلَيْسَ فِي الْبَاب ذكر الطّيب، فَلَا يُطَابق الحَدِيث الَّذِي فِيهِ إلَاّ بعض التَّرْجَمَة قلت: قد عقد الْبَاب لأحد الْأَمريْنِ حَيْثُ جَاءَ: أَو الفاصلة دون، الْوَاو الْوَاصِلَة فَوقِي بِذكر أَحدهمَا على أَنه كثيرا أما يذكر فِي التَّرْجَمَة شَيْئا وَلَا يذكر فِي الْبَاب حَدِيثا مُتَعَلقا بِهِ لأمر يَقْتَضِي ذَلِك.
فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين ظرف المَاء وَالطّيب؟ قلت: من حَيْثُ إِن كلاًّ
مِنْهُمَا يَقع فِي مُبْتَدأ الْغسْل، وَيحْتَمل أَيْضا أَنه بالحلاب الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ الطّيب، يَعْنِي بِهِ تَارَة وَيطْلب ظرف الطّيب، وَتارَة يطْلب نفس الطّيب، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَكِن يردهُ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مكي بن إِبْرَاهِيم عَن حَنْظَلَة فِي هَذَا الحَدِيث كَانَ يغْتَسل بقدح، بدل قَوْله: بحلاب، وَزَاد فِيهِ. كَانَ يغسل يَدَيْهِ ثمَّ يغسل وَجهه ثمَّ يَقُول بِيَدِهِ ثَلَاث غرف.
٢٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قالَ حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ عنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قالتْ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَاَا بِشَيءٍ نَحْوَ الحِلاب فَأَخَذَ بِكَفَهِ فَبدأَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِما عَلَى وَسطِ رَأْسِهِ.
رِجَاله خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى وَقد مر، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة الْبَصْرِيّ الْمُتَّفق عَلَيْهِ علما وَعَملا، ولقب بالنبيل لِأَن شُعْبَة حلف أَنه لَا يحدث شهرا فَبلغ ذَلِك، أَبَا عَاصِم فقصده فَدخل مَجْلِسه، فَقَالَ: حدث وَغُلَام الْعَطَّار عَن كَفَّارَة يَمِينك، فأعجبه ذَلِك، وَقَالَ: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، فلقب بِهِ وَقيل لغير ذَلِك، وحَنْظَلَة ابْن أبي سُفْيَان الْقرشِي تقدم فِي بَاب دعاؤكم وإيمانكم، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق التَّيْمِيّ، أفضل أهل زَمَانه، كَانَ ثِقَة عَالما فَقِيها من الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، إِمَامًا ورعاً من خِيَار التَّابِعين مَاتَ سنة بضع وَمِائَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا عَاصِم من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ: وَقد أَكثر عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب، لكنه نزل فِي هَذَا الْإِسْنَاد فَأدْخل بَينه وَبَينه مُحَمَّد بن الْمثنى. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي عَاصِم عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اغْتسل) أَي: إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل. قَوْله: (دَعَا) أَي: طلب. قَوْله: (نَحْو الحلاب) أَي: إِنَاء مثل الْإِنَاء الَّذِي يُسمى الحلاب، وَقد وَصفه أَبُو عَاصِم بِأَنَّهُ أقل من شبر فِي شبر، أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَنهُ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: وَأَشَارَ أَبُو عَاصِم بكفيه، حِكَايَة حلق شبريه، يصف بِهِ دوره الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَة للبيهقي (كَقدْر كوز يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال) وَفِي حَدِيث مكي عَن الْقَاسِم: (إِنَّه سُئِلَ كم يَكْفِي من غسل الْجَنَابَة، فَأَشَارَ إِلَى الْقدح والحلاب) ، فَفِيهِ بَيَان مِقْدَار مَا يحْتَمل من المَاء لَا الطّيب والتطيب، وَمن لَهُ ذوق من الْمعَانِي وَتصرف فِي التراكيب يعلم أَن الحلاب الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة إِنَّمَا هُوَ الْإِنَاء وَلم يقْصد البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا غير أَن الْقَوْم أَكْثرُوا الْكَلَام فِيهِ من غير زِيَادَة فَائِدَة، وَلَفظ الحَدِيث أكبر شَاهد على مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ قَالَ: دَعَا بِشَيْء نَحْو الحلاب: فَلفظ: نَحْو: هَاهُنَا بِمَعْنى: الْمثل، وَمثل الشَّيْء غَيره، فَلَو كَانَ دَعَا بالحلاب كَانَ رُبمَا يشكل على أَن فِي بعض الْأَلْفَاظ دَعَا بِإِنَاء مثل الحلاب قَوْله: (فَأخذ بكفه) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بكفيه، بالتثنية، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم بعد قَوْله: (الْأَيْسَر) وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد قَوْله: (فَقَالَ بهما) أَي: بكفيه، وَهَذَا يدل على أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، فَأخذ بكفيه، بالتثنية حَيْثُ أعَاد الضَّمِير بالتثنية. وَأما على رِوَايَة مُسلم فَظَاهر، لِأَنَّهُ زَاد فِي رِوَايَته بعد قَوْله: (الْأَيْسَر) (فَأخذ بكفيه) وَمعنى: قَالَ بهما. قلب بكفيه على وسط رَأسه وَالْعرب تجْعَل القَوْل عبارَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال، وتطلقه أَيْضا على غير الْكَلَام فَتَقول: قَالَ بِيَدِهِ، أَي: أَخذ، وَقَالَ بِرجلِهِ، أَي: مَشى قَالَ الشَّاعِر:
(وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة)
أَي: أَوْمَأت وَجَاء فِي حَدِيث آخر: (فَقَالَ بِثَوْبِهِ) أَي: دَفعه، وكل ذَلِك على الْمجَاز والاتساع، وَيُقَال: إِن قَالَ: يَجِيء لمعان كَثِيرَة بِمَعْنى: أقبل وَمَال واستراح وَذهب وَغلب وَأحب وَحكم وَغير ذَلِك، وَسمعت أهل مصر يستعملون هَذَا فِي كثير من ألفاظهم، وَيَقُولُونَ: أَخذ الْعَصَا وَقَالَ بِهِ كَذَا أَي ضرب بِهِ، وَأخذ ثَوْبه وَقَالَ بِهِ عَلَيْهِ، أَي: لبسه وَغير ذَلِك، يقف على هَذَا من تتبع كَلَامهم قَوْله: (وسط رَأسه) بِفَتْح السِّين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي بِالسُّكُونِ ظرف، وبالحركة اسْم، وكل مَوضِع صلح فِيهِ بَين فَهُوَ بِالسُّكُونِ، وَإِن لم يصلح فِيهِ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ المطرزي: سَمِعت ثعلباً يَقُول: استنبطنا من هَذَا الْبَاب أَن كل مَا كَانَ أَجزَاء ينْفَصل. قلت: فِيهِ وسط بالتسكين، وَمَا كَانَ لَا ينْفَصل وَلَا يتفرق، قلت: بِالتَّحْرِيكِ. تَقول من الأول: أجعَل هَذِه الحرزة وسط السبحة، وانظم هَذِه الياقوتة وسط القلادة، وَتقول أَيْضا مِنْهُ، لَا تقعد وسط الْحلقَة، ووسط الْقَوْم، هَذَا كُله
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَدٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى وَهُوَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ، وَبَاقِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ (فَغَسَلَ يَدَهُ)، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدَيْهِ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) الشَّكُّ مِنَ الْأَعْمَشِ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ، وَغَفَلَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الشَّكُّ مِنْ مَيْمُونَةَ.
قَوْلُهُ: (مَذَاكِيرَهُ) هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَكَأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعُضْوِ وَبَيْنَ خِلَافِ الْأُنْثَى، قَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ مِنَ الْجَمْعِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ، وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ، وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ، وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اسْمَهُ فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ.
٦ - بَاب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ
٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوْ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) مُطَابَقَةُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَشْكَلَ أَمْرُهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَ الْبُخَارِيَّ فِيهَا إِلَى الْوَهْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَ لَفْظَ الْحِلَابِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْرُوفِ فِي الرِّوَايَةِ لِتَتَّجِهَ الْمُطَابَقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّفَ لَهَا تَوْجِيهًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ.
فَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَأَوَّلُهُمُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - مَنْ ذَا الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ الْغَلَطِ، سَبَقَ إِلَى قَلْبِهِ أَنَّ الْحِلَابَ طِيبٌ وَأَيُّ مَعْنًى لِلطِّيبِ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ إِنَاءٌ وَهُوَ مَا يُحْلَبُ فِيهِ يُسَمَّى حِلَابًا وَمِحْلَبًا، قَالَ: وَفِي تَأَمُّلِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ حِلَابٍ. انْتَهَى.
وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ: الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ، قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ، وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي، وَلَيْسَ الْحِلَابُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، قَالَ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ … رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا فَرَى فِي الْحِلَابِ
وَتَبِعَ الْخَطَّابِيَّ، ابْنُ قُرْقُولٍ فِي الْمَطَالِعِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَوَّلُهُمُ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: الْحِلَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْخَفِيفَةِ أَيْ مَا يُحْلَبُ فِيهِ كَالْمِحْلَبِ فَصَحَّفُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ مَاءُ الْوَرْدِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: لِأَنَّ الطِّيبَ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَلْيَقُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِهِ ثُمَّ اغْتَسَلَ أَذْهَبَهُ الْمَاءُ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَرِيبِ الصَّحِيحَيْنِ: ضَمَّ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ حَدِيثِ الْفَرَقِ وَحَدِيثِ قَدْرِ الصَّاعِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْإِنَاءِ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرُبَّمَا
ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يَكُونُ قَبْلَ الْغُسْلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي التَّرْجَمَةِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. انْتَهَى.
فَجَعَلَ الْحُمَيْدِيُّ كَوْنَ الْبُخَارِيِّ أَرَادَ ذَلِكَ احْتِمَالًا، أَيْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الْحِلَابُ وَالْمِحْلَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ إِنَاءٌ يَمْلَؤُهُ قَدْرَ حَلْبِ النَّاقَةِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَحْلَبُ الطِّيبِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ: وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى التَّأْوِيلَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الْجُلَّابُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، يُشِيرُ إِلَى مَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ أَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيِّ مَا قَالَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِلَابُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ لَا يَصِحُّ غَيْرُهَا، وَقَدْ وَهِمَ مَنْ ظَنَّهُ مِنَ الطِّيبِ وَكَذَا مَنْ قَالَهُ بِضَمِّ الْجِيمِ. انْتَهَى.
وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ فَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الطِّيبُ مَا لَهُ عَرْفٌ طَيِّبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَطْيِيبَ الْبَدَنِ بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ وَسَخٍ وَدَرَنٍ وَنَجَاسَةٍ إِنْ كَانَتْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنْهُ يَبْدَأُ بِهِ فَيُوضَعُ فِيهِ مَاءُ الْغُسْلِ، قَالَ: وَأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوِ الطِّيبُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَكَذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى إِعْدَادِ مَاءِ الْغُسْلِ ثُمَّ الشُّرُوعِ فِي التَّنْظِيفِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْغُسْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْبَدَاءَةُ بِشِقِّ الرَّأْسِ ; لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ شَعَثًا مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْرِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِخِطْمِيٍّ وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يُقَدِّمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُنَقِّي الْبَدَنَ كَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِ.
وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ فَقَوْلُهُ: أَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ قَسِيمُ الْحِلَابِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَمِيعُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ فَلِذَلِكَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْحِلَابِ عَلَى هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي الْحِلَابِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْحَالِّ اسْمَ الْمَحَلِّ مَجَازًا، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلَابِ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ الطِّيبُ فَالْمَعْنَى بَدَأَ تَارَةً بِطَلَبِ ظَرْفِ الطِّيبِ وَتَارَةً بِطَلَبِ نَفْسِ الطِّيبِ فَدَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: وَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَ الْحِلَابَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ضَرْبًا مِنَ الطِّيبِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ ظَنَّ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ، وَإِنَّمَا الْحِلَابُ الْإِنَاءُ الَّذِي كَانَ فِيهِ طِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عِنْدَ الْغُسْلِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ. انْتَهَى كَلَامُهُ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ أَيْ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ أَيْ فَطَيَّبَهُ إِلَخْ.
وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ صِفَةُ التَّطْيِيبِ لَا الِاغْتِسَالِ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَاقَهَا الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَرَفَ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّطَيُّبِ، فَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَنْظَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِقَدَحٍ بَدَلَ قَوْلِهِ بِحِلَابٍ وَزَادَ فِيهِ كَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ الْحَدِيثَ.
وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ اغْتَسَلَ فَأُتِيَ بِحِلَابٍ فَغَسَلَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ الْحَدِيثَ، فَقَوْلُهُ: اغْتَسَلَ وَيَغْسِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَاءُ الْمَاءِ لَا إِنَاءُ الطِّيبِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بُنْدَارٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ دُونَ الْحِلَابِ فَأَخَذَ بِكَفِّهِ فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ مَاءً فَأَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَوْلَا قَوْلُهُ مَاءٌ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْغُسْلِ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بِلَفْظِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بذكر أحدهما وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: «والطِّيب» بإسقاط الألف.
٢٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثني» (مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) البصريُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مَخْلَدٍ -بفتح الميم وسكون المُعجَمة- النَّبيل (عَنْ حَنْظَلَةَ) بن أبي سفيان القرشيِّ (عَنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، المدنيِّ، أفضل أهل زمانه، التَّابعيِّ، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة (٢)، المُتوفَّى سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ) أي: أراد أن يغتسل (مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ) بكسر الحاء، أي: طلب إناءً مثل الإناء الذي يُسمَّى: «الحِلَاب» وقد وصفه أبو عاصمٍ كما أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» عنه: «بأقلَّ من شبرٍ في شبرٍ»، وللبيهقيِّ: قدر كوزٍ يسع ثمانية أرطالٍ (فَأَخَذَ بِكَفِّهِ) بالإفراد، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ) بكسر الشِّين المُعجَمة (ثُمَّ) بشقِّ رأسه (الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِمَا) أي: بكفَّيه، وهو يقوِّي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بكفَّيه» (عَلَى
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فعلى هَذَا تعين الشَّك من الْأَعْمَش، لَكِن مَوْضِعه مُخْتَلف. قَوْله: (فَغسل مذاكيره) هُوَ جمع ذكر على خلاف الْقيَاس كَأَنَّهُمْ فرقوا بَين الذّكر الَّذِي هُوَ خلاف الْأُنْثَى، وَالذكر الَّذِي هُوَ الْفرج فِي الْجمع، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ، كأبابيل. قلت قيل: إِن الأبابيل جمع أبول: كعجاجيل جمع عجول. وَقيل: هُوَ جمع مذكار، وَلَكنهُمْ لم يستعملوه وتركوه، والنكتة فِي ذكره بِلَفْظ الْجمع الْإِشَارَة إِلَى تَعْمِيم غسل الخصيتين وحواليهما كَأَنَّهُ جعل كل جُزْء من هَذَا الْمَجْمُوع كذكر فِي حكم الْغسْل.
وَالْأَحْكَام الَّتِي تستنبط مِنْهَا قد مر ذكرهَا.
٦ - (بابُ مَنْ بَدَأَ بالحِلابِ أَوْ الطِيّبِ عِنْدَ الغُسْلِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الَّذِي بَدَأَ بالحلاب إِلَى آخِره؛ اسْتشْكل الْقَوْم فِي مُطَابقَة هَذِه التَّرْجَمَة لحَدِيث الْبَاب، فافترقوا ثَلَاث فرق: الْفرْقَة الأولى: قد نسبوا البُخَارِيّ إِلَى الْوَهم والغلط، مِنْهُم الْإِسْمَاعِيلِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي (مستخرجه) رحم الله أَبَا عبد الله. يَعْنِي من ذَا الَّذِي يسلم من الْغَلَط، سبق إِلَى قلبه أَن الحلاب طيب، أَي: معنى للطيب عِنْد الِاغْتِسَال قبل الْغسْل، وَإِنَّمَا الحلاب إِنَاء يحلب فِيهِ وَيُسمى محلباً أَيْضا، وَهَذَا الحَدِيث لَهُ طَرِيق يتَأَمَّل المتأمل بَيَان ذَلِك حَيْثُ جَاءَ فِيهِ، كَانَ يغْتَسل من حلاب، رَوَاهُ هَكَذَا أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وروى أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَن يزِيد بن سِنَان عَن أبي عَاصِم بِلَفْظ: (كَانَ يغْتَسل من حلاب، فَيَأْخُذ غرفَة بكفيه فيجعلها على شقَّه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر) كَذَا الحَدِيث بقوله: (يغْتَسل) وَقَوله: (غرفَة) أَيْضا مِمَّا يدل على أَن الحلاب إِنَاء المَاء وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان وَالْبَيْهَقِيّ: (ثمَّ صب على شقّ رَأسه الْأَيْمن) ، وَالطّيب لَا يغبر عَنهُ بالصب وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق بنْدَار عَن أبي عَاصِم بِلَفْظ: (كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء دون الحلاب، فَأخذ بكفه، فَبَدَأَ بالشق الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أَخذ بكفيه مَاء فأفرغ على رَأسه) فلولا قَوْله: (مَاء) لأمكن حمله على الطّيب قبل الْغسْل، وَرِوَايَة أبي عوَانَة أصرح من هَذِه وَمن هَؤُلَاءِ الْفرْقَة ابْن الْجَوْزِيّ حَيْثُ قَالَ: غلط جمَاعَة فِي تَفْسِير الحلاب، مِنْهُم البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ ظن أَن الحلاب شَيْء من الطّيب، الْفرْقَة الثَّانِيَة: مِنْهُم الْأَزْهَرِي، قَالُوا هَذَا تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ: جلاب، بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام، وَهُوَ مَاء الْورْد فَارسي مُعرب. الْفرْقَة الثَّالِثَة: مِنْهُم الْمُحب الطَّبَرِيّ، قَالُوا لم يرد البُخَارِيّ بقوله: أَو الطّيب، مَا لَهُ عرف طيب، وَإِنَّمَا أَرَادَ تطييب الْبدن وَإِزَالَة مَا فِيهِ من وسخ، ودرن ونجاسة إِن كَانَت، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالحلاب الْإِنَاء الَّذِي يغْتَسل مِنْهُ، يبْدَأ بِهِ فَيُوضَع مَاء الْغسْل. قَالَ الْمُحب: وَكلمَة. أَو فِي قَوْله: أَو الطّيب بِمَعْنى الْوَاو، كَذَا اثْبتْ فِي بعض الرِّوَايَات أَقُول، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق، لَا يظنّ أحد أَن البُخَارِيّ أَرَادَ بالحلاب ضربا من الطّيب لِأَن قَوْله: أَو الطّيب بِرَفْع ذَلِك، وَلم يرد إلَاّ إِنَاء يوضع فِيهِ مَاء قَالَ الْخطابِيّ: الحلاب إِنَاء يسع قدر حلبة نَاقَة، وَالدَّلِيل على أَن الحلاب ظرف قَول الشَّاعِر:
(صَاح هَل رَأَيْت أَو سَمِعت يراع ... رد فِي الضَّرع مَا بَقِي فِي الحلاب)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: الحلاب والمحلب بِكَسْر الْمِيم، وعَاء يملؤه قدر حلب النَّاقة، وَمن الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الحلاب غير الطّيب عطف الطّيب، عَلَيْهِ بِكَلِمَة. أَو، وَجعله قسيماً لَهُ، وَبِهَذَا ينْدَفع مَا قَالَه الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن البُخَارِيّ سبق إِلَى قلبه أَن الحلاب طيب، وَكَيف يسْبق إِلَى قلبه ذَلِك وَقد عطف، الطّيب، عَلَيْهِ والمعطوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْأَزْهَرِي التَّصْحِيف غير صَحِيحَة، لِأَن الْمَعْرُوف من الرِّوَايَة الْمُهْملَة، وَالتَّخْفِيف، وَكَذَلِكَ أنكر عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة الْهَرَوِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الحلاب بكر الْمُهْملَة لَا يَصح غَيرهَا وَقد وهم من طنه الطّيب وَكَذَا من قَالَه بِضَم الْجِيم على أَنه قَوْله بتَشْديد الللام غير صَحِيح.
لِأَن فِي اللُّغَة الفارسية، مَاء الْورْد، هُوَ جلاب بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام، أَصله: كلاب فَكل بِضَم الْكَاف الصماء وَسُكُون اللَّام، إسم للورد عِنْدهم، وآب، بِمد الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة اسْم المَاء، وَالْقَاعِدَة عِنْدهم إِن الْمُضَاف إِلَيْهِ يتَقَدَّم على الْمُضَاف وَكَذَلِكَ الصّفة تقدم على الْمَوْصُوف، وَإِنَّمَا الْجلاب بتَشْديد اللَّام فاسم للمشروب. فَإِن قلت: إِذا ثَبت أَن الحلاب اسْم للإناء، يكون الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة شَيْئَيْنِ: إحدهما: الْإِنَاء، وَالْآخر: الطّيب، وَلَيْسَ فِي الْبَاب ذكر الطّيب، فَلَا يُطَابق الحَدِيث الَّذِي فِيهِ إلَاّ بعض التَّرْجَمَة قلت: قد عقد الْبَاب لأحد الْأَمريْنِ حَيْثُ جَاءَ: أَو الفاصلة دون، الْوَاو الْوَاصِلَة فَوقِي بِذكر أَحدهمَا على أَنه كثيرا أما يذكر فِي التَّرْجَمَة شَيْئا وَلَا يذكر فِي الْبَاب حَدِيثا مُتَعَلقا بِهِ لأمر يَقْتَضِي ذَلِك.
فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين ظرف المَاء وَالطّيب؟ قلت: من حَيْثُ إِن كلاًّ
مِنْهُمَا يَقع فِي مُبْتَدأ الْغسْل، وَيحْتَمل أَيْضا أَنه بالحلاب الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ الطّيب، يَعْنِي بِهِ تَارَة وَيطْلب ظرف الطّيب، وَتارَة يطْلب نفس الطّيب، كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي، وَلَكِن يردهُ مَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق مكي بن إِبْرَاهِيم عَن حَنْظَلَة فِي هَذَا الحَدِيث كَانَ يغْتَسل بقدح، بدل قَوْله: بحلاب، وَزَاد فِيهِ. كَانَ يغسل يَدَيْهِ ثمَّ يغسل وَجهه ثمَّ يَقُول بِيَدِهِ ثَلَاث غرف.
٢٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قالَ حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ عنِ القَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قالتْ كانَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَاَا بِشَيءٍ نَحْوَ الحِلاب فَأَخَذَ بِكَفَهِ فَبدأَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ فَقَالَ بِهِما عَلَى وَسطِ رَأْسِهِ.
رِجَاله خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى وَقد مر، وَأَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة الْبَصْرِيّ الْمُتَّفق عَلَيْهِ علما وَعَملا، ولقب بالنبيل لِأَن شُعْبَة حلف أَنه لَا يحدث شهرا فَبلغ ذَلِك، أَبَا عَاصِم فقصده فَدخل مَجْلِسه، فَقَالَ: حدث وَغُلَام الْعَطَّار عَن كَفَّارَة يَمِينك، فأعجبه ذَلِك، وَقَالَ: أَبُو عَاصِم النَّبِيل، فلقب بِهِ وَقيل لغير ذَلِك، وحَنْظَلَة ابْن أبي سُفْيَان الْقرشِي تقدم فِي بَاب دعاؤكم وإيمانكم، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق التَّيْمِيّ، أفضل أهل زَمَانه، كَانَ ثِقَة عَالما فَقِيها من الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، إِمَامًا ورعاً من خِيَار التَّابِعين مَاتَ سنة بضع وَمِائَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وبصيغة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن أَبَا عَاصِم من كبار شُيُوخ البُخَارِيّ: وَقد أَكثر عَنهُ فِي هَذَا الْكتاب، لكنه نزل فِي هَذَا الْإِسْنَاد فَأدْخل بَينه وَبَينه مُحَمَّد بن الْمثنى. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي ومكي ومدني.
ذكر من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي عَاصِم عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اغْتسل) أَي: إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل. قَوْله: (دَعَا) أَي: طلب. قَوْله: (نَحْو الحلاب) أَي: إِنَاء مثل الْإِنَاء الَّذِي يُسمى الحلاب، وَقد وَصفه أَبُو عَاصِم بِأَنَّهُ أقل من شبر فِي شبر، أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) عَنهُ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: وَأَشَارَ أَبُو عَاصِم بكفيه، حِكَايَة حلق شبريه، يصف بِهِ دوره الْأَعْلَى وَفِي رِوَايَة للبيهقي (كَقدْر كوز يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال) وَفِي حَدِيث مكي عَن الْقَاسِم: (إِنَّه سُئِلَ كم يَكْفِي من غسل الْجَنَابَة، فَأَشَارَ إِلَى الْقدح والحلاب) ، فَفِيهِ بَيَان مِقْدَار مَا يحْتَمل من المَاء لَا الطّيب والتطيب، وَمن لَهُ ذوق من الْمعَانِي وَتصرف فِي التراكيب يعلم أَن الحلاب الْمَذْكُور فِي التَّرْجَمَة إِنَّمَا هُوَ الْإِنَاء وَلم يقْصد البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا غير أَن الْقَوْم أَكْثرُوا الْكَلَام فِيهِ من غير زِيَادَة فَائِدَة، وَلَفظ الحَدِيث أكبر شَاهد على مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ قَالَ: دَعَا بِشَيْء نَحْو الحلاب: فَلفظ: نَحْو: هَاهُنَا بِمَعْنى: الْمثل، وَمثل الشَّيْء غَيره، فَلَو كَانَ دَعَا بالحلاب كَانَ رُبمَا يشكل على أَن فِي بعض الْأَلْفَاظ دَعَا بِإِنَاء مثل الحلاب قَوْله: (فَأخذ بكفه) بِالْإِفْرَادِ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بكفيه، بالتثنية، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة مُسلم بعد قَوْله: (الْأَيْسَر) وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد قَوْله: (فَقَالَ بهما) أَي: بكفيه، وَهَذَا يدل على أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة، فَأخذ بكفيه، بالتثنية حَيْثُ أعَاد الضَّمِير بالتثنية. وَأما على رِوَايَة مُسلم فَظَاهر، لِأَنَّهُ زَاد فِي رِوَايَته بعد قَوْله: (الْأَيْسَر) (فَأخذ بكفيه) وَمعنى: قَالَ بهما. قلب بكفيه على وسط رَأسه وَالْعرب تجْعَل القَوْل عبارَة عَن جَمِيع الْأَفْعَال، وتطلقه أَيْضا على غير الْكَلَام فَتَقول: قَالَ بِيَدِهِ، أَي: أَخذ، وَقَالَ بِرجلِهِ، أَي: مَشى قَالَ الشَّاعِر:
(وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة)
أَي: أَوْمَأت وَجَاء فِي حَدِيث آخر: (فَقَالَ بِثَوْبِهِ) أَي: دَفعه، وكل ذَلِك على الْمجَاز والاتساع، وَيُقَال: إِن قَالَ: يَجِيء لمعان كَثِيرَة بِمَعْنى: أقبل وَمَال واستراح وَذهب وَغلب وَأحب وَحكم وَغير ذَلِك، وَسمعت أهل مصر يستعملون هَذَا فِي كثير من ألفاظهم، وَيَقُولُونَ: أَخذ الْعَصَا وَقَالَ بِهِ كَذَا أَي ضرب بِهِ، وَأخذ ثَوْبه وَقَالَ بِهِ عَلَيْهِ، أَي: لبسه وَغير ذَلِك، يقف على هَذَا من تتبع كَلَامهم قَوْله: (وسط رَأسه) بِفَتْح السِّين، وَقَالَ الْجَوْهَرِي بِالسُّكُونِ ظرف، وبالحركة اسْم، وكل مَوضِع صلح فِيهِ بَين فَهُوَ بِالسُّكُونِ، وَإِن لم يصلح فِيهِ فَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ المطرزي: سَمِعت ثعلباً يَقُول: استنبطنا من هَذَا الْبَاب أَن كل مَا كَانَ أَجزَاء ينْفَصل. قلت: فِيهِ وسط بالتسكين، وَمَا كَانَ لَا ينْفَصل وَلَا يتفرق، قلت: بِالتَّحْرِيكِ. تَقول من الأول: أجعَل هَذِه الحرزة وسط السبحة، وانظم هَذِه الياقوتة وسط القلادة، وَتقول أَيْضا مِنْهُ، لَا تقعد وسط الْحلقَة، ووسط الْقَوْم، هَذَا كُله