الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥١٨
الحديث رقم ٢٥١٨ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أي الرقاب أفضل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:
سأل أبو ذر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو أفضل الأعمال وأكثرها ثوابًا عند الله تعالى؟ فرد عليه: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، وهو قتال الكفار ابتغاء وجه الله تعالى، فسأله: فأي رقبة هي أفضل الرقاب للعتق؟ قال: أعلاها ثمنًا، وأكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها؛ لأن عتق مثل ذلك لا يقع إلا خالصًا، قال أبو ذر: فإذا لم أقدر على العتق؟ قال: تساعد صانعًا فيما يصنع، أو تصنع لشخص لا يحسن صنعة، ولا يهتدي إليها، قال: فإذا لم أستطع فعل ذلك؟ قال: تكف عن الناس شَرَّك، فإن ذلك صدقةٌ تتصدق بها على نفسك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّقَبَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُنْقِذَةٌ مِنَ النَّارِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا بِمُنْقِذَةٍ مِنَ النَّارِ.
وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَهُ: فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْبٌ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ إِلَّا الزِّنَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْمُفَاخَذَةِ لَمْ يُشْكِلْ عِتْقُهُ مِنَ النَّارِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِتْقَ يَرْجَحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِحَسَنَاتِ الْمُعْتِقِ تَرْجِيحًا يُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْفَرْجِ، بَلْ يَأْتِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِمَّا آثَارُهُ فِيهِ كَالْيَدِ فِي الْغَصْبِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟
٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)؛ أَيْ لِلْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ: عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: اسْمُهُ سَعْدٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَعْلَاهَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ. قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. قُلْتُ: وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ
الْأُضْحِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ اهـ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ: إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ.
قَوْلُهُ: (تُعِينُ ضَائِعًا) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: صَحَّفَ هِشَامٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ: يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ اهـ.
وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟)؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ، وَقِيلَ: قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر.
(وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في
«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن
عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ ﵀: -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى.
(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِالْحَبَشَةِ، وَكَانَ آيَة فِي الْكَرم وَيُسمى ببحر الْجُود وَله صُحْبَة، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة. قَوْله: (أَو ألف دِينَار) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَأعْتقهُ) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم، فَقَالَ: إذهب أَنْت حر لوجه الله تَعَالَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: يَنْبَغِي أَن يكون الْمُعْتق كَامِل الْأَعْضَاء، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون نَاقص الْأَعْضَاء بعور أَو شلل وشبههما، وَلَا معيبا بِعَيْب يضر بِالْعَمَلِ ويخل بالسعي والاكتساب، وَرُبمَا كَانَ نقص الْأَعْضَاء زِيَادَة فِي الثّمن كالخصي إِذْ يصلح لما يصلح لَهُ غَيره من حفظ الْحَرِيم وَنَحْوه، فَلَا يكره على أَنه لَا يخل بِالْعَمَلِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء أَيّمَا أفضل: عتق الْإِنَاث أَو الذُّكُور؟ فَقَالَ بَعضهم: الْإِنَاث أفضل، وَقَالَ آخَرُونَ: الذُّكُور أفضل، لحَدِيث أبي أُمَامَة وَلما فِي الذّكر من الْمعَانِي الْعَامَّة الَّتِي لَا تُوجد فِي الْإِنَاث، وَلِأَن من الْإِمَاء من لَا ترغب فِي الْعتْق وتضيع بِهِ بِخِلَاف العَبْد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَاسْتحبَّ بعض الْعلمَاء أَن يعْتق الذّكر وَالْأُنْثَى، مثلهَا ذكره الفرغاني فِي (الْهِدَايَة) ليتَحَقَّق مُقَابلَة الْأَعْضَاء بالأعضاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الزِّنَا كَبِيرَة لَا يكفر إلَاّ بِالتَّوْبَةِ، فَيحمل هَذَا الحَدِيث على أَنه أَرَادَ مس الْأَعْضَاء بَعْضهَا بَعْضًا من غير إيلاج، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: أَن لعتق الْفرج حظاً فِي الموازنة فيكفر. وَفِيه: فضل الْعتْق، وَأَنه من أرفع الْأَعْمَال وَرُبمَا يُنجي الله بِهِ من النَّار. وَفِيه: أَن المجازاة قد تكون من جنس الْأَعْمَال فجوزي الْمُعْتق للْعَبد بِالْعِتْقِ من النَّار. وَفِيه: أَن تَقْوِيم بَاقِي العَبْد لمن أعتق شِقْصا مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ لاستعمال عتق نَفسه بِتَمَامِهَا من النَّار، وَصَارَت حُرْمَة الْعتْق تتعدى إِلَى الْأَمْوَال لفضل النجَاة بِهِ من النَّار، قيل: وَهَذَا أولى من قَول من قَالَ: إِنَّمَا ألزم عتق بَاقِيه لتكميل حريَّة العَبْد. وَفِيه: أَن عتق الْمُسلم أفضل من عتق الْكَافِر، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء، وَحكي عَن مَالك وَبَعض أَصْحَابه أَن الْأَفْضَل عتق الرَّقَبَة النفيسة وَإِن كَانَ كَافِرًا.
٢ - (بابٌ أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: أَي الرّقاب أفضل لِلْعِتْقِ؟ وَكلمَة: أَي: هُنَا للاستفهام.
٨١٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ لله بنُ مُوساى عنْ هِشَامِ بنِ عُروة عنْ أبِيهِ عنْ أبِي مُرَاوِحٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْعَمَلِ أفْضَلُ قَالَ إيمانٌ بِاللَّه وجِهادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فأيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ قَالَ أغْلاهَا ثَمَنَاً وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها قُلْتُ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تُعينُ ضايِعاً أوْ تَصْنَعُ لَأَخْرَقَ قَالَ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فإنَّها صَدَقةٌ تصَدَّقُ بِها عَلى نفْسِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فإي الرّقاب أفضل؟) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي. الثَّانِي: هِشَام بن عُرْوَة. الثَّالِث: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: أَبُو مراوح، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَكسر الْوَاو وَفِي آخِره حاء مُهْملَة على وزن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة مُسلم اللَّيْثِيّ: وَيُقَال لَهُ الْغِفَارِيّ، قيل: اسْمه سعد، وَالأَصَح أَنه لَا يعرف لَهُ اسْم، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد: أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره. الْخَامِس: أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ، واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شَيْخه فَإِنَّهُ كُوفِي. وَفِيه: أَن هَذَا الْإِسْنَاد فِي حكم الثلاثيات لِأَن هِشَام بن عُرْوَة الَّذِي هُوَ شيخ شَيْخه من التَّابِعين، وَإِن كَانَ روى هُنَا عَن تَابِعِيّ آخر، وَهُوَ أَبوهُ عُرْوَة. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وهم: هِشَام وَأَبوهُ وَأَبُو مراوح، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الزُّهْرِيّ عَن حبيب مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة فَصَارَ فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن لَيْسَ لأبي مراوح فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله ابْن مُوسَى: أخبرنَا هِشَام بن عُرْوَة. وَفِيه: هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي أبي أَن أَبَا مراوح أخبرهُ. وَفِيه: عَن أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: أَن أَبَا ذَر أخبرهُ، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ جمَاعَة أَكثر من عشْرين نفسا رووا هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم مَالك فَأرْسلهُ فِي الْمَشْهُور عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَوَاهُ يحيى بن يحيى
اللَّيْثِيّ وَطَائِفَة عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ سعيد بن دَاوُد عَنهُ عَن هِشَام كَرِوَايَة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الرِّوَايَة الْمُرْسلَة عَن مَالك أصح، وَالْمَحْفُوظ عَن هِشَام كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَخلف بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عبيد الله بن سعيد بِقصَّة الْجِهَاد وقصة الرّقاب وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم بهما وَفِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بالقصة الأولى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أَحْمد ابْن سيار بِقصَّة الرّقاب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَجِهَاد فِي سَبيله) ، إِنَّمَا قرن الْجِهَاد بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِم أَن يجاهدوا فِي سَبِيل الله حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَكَانَ الْجِهَاد فِي ذَلِك الْوَقْت أفضل الْأَعْمَال. قَوْله: (أغلاها ثمنا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أَعْلَاهَا، بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بالغين الْمُعْجَمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي (الْمطَالع) : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: أَكْثَرهَا ثمنا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَحَله، وَالله أعلم، فِيمَن أَرَادَ أَن يعْتق رَقَبَة وَاحِدَة، أما لَو كَانَ مَعَ شخص ألف دِرْهَم مثلا فَأَرَادَ أَن يَشْتَرِي بهَا رَقَبَة يعتقها فَوجدَ رَقَبَة نفيسة ورقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَاف الْأُضْحِية، فَإِن الْوَاحِدَة السمينة فِيهَا أفضل لِأَن الْمَطْلُوب هُنَالك الرَّقَبَة وهنالك طيب اللَّحْم، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: إِذا كَانَا فِي ذَوي الدّين أفضلهما أغلاهما ثمنا. وَقد اخْتلف فِيمَا إِذا كَانَ النَّصْرَانِي أَو الْيَهُودِيّ أَو غَيرهمَا أَكثر ثمنا من الْمُسلم، قَالَ مَالك: عتق الأغلى أفضل وَإِن كَانَ غير مُسلم. وَقَالَ أصبغ: عتق الْمُسلم أفضل. قَوْله: (وأنفسها) ، أَي: أَكْثَرهَا رَغْبَة عِنْد أَهلهَا لمحبتهم فِيهَا، لِأَن عتق مثل ذَلِك لَا يَقع غَالِبا إلَاّ خَالِصا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . وَكَانَ لِابْنِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، جَارِيَة يُحِبهَا فَأعْتقهَا لهَذِهِ الْآيَة. قَوْله: (قلت: فَإِن لم أفعل؟) ويروى: قَالَ: فَإِن لم أفعل؟ أَي: إِن لم أقدر على ذَلِك؟ فَأطلق الْفِعْل وَأَرَادَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَرَأَيْت إِن لم أفعل؟ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : فَإِن لم أستطع؟ قَوْله: (تعين ضايعاً) بالضاد الْمُعْجَمَة وبالياء آخر الْحُرُوف بعد الْألف، كَذَا وَقع لجَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ، وَجزم بِهِ القَاضِي عِيَاض وَغَيره، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم إلَاّ فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي، وَجزم الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره بِأَن هشاماً رَوَاهُ هَكَذَا دون من رَوَاهُ عَن أَبِيه، فَعلم من ذَلِك أَن الَّذِي رَوَاهُ: صانعاً، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف غير صَحِيح، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة لم تقع فِي شَيْء من طرقه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق معمر عَن هِشَام هَذَا الحَدِيث بالضاد الْمُعْجَمَة، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول: صحف هِشَام، وَإِنَّمَا هُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون. قلت: كَأَن ابْن الْمُنِير اعْتمد على أَنه بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون حَيْثُ قَالَ: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن إِعَانَة الصَّانِع أفضل من إِعَانَة غير الصَّانِع، لِأَن غير الصَّانِع مَظَنَّة الْإِعَانَة، فَكل أحد يُعينهُ غَالِبا بِخِلَاف الصَّانِع، فَإِنَّهُ لشهرته بصنعته يغْفل عَن إعانته فَهُوَ من جنس الصَّدَقَة على المستور. انْتهى. قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ إِذا صحت الرِّوَايَة بالصَّاد وَالنُّون، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَصَوَابه بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة الْمُعْجَمَة. وَقَالَ عِيَاض: روايتنا فِي هَذَا من طَرِيق هِشَام بِالْمُعْجَمَةِ، وَعَن أبي بَحر بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ صَوَاب الْكَلَام لمقابلته بالأخرق، وَإِن كَانَ الْمَعْنى من جِهَة مَعُونَة الضائع أَيْضا صَحِيحا، لَكِن صحت الرِّوَايَة عَن هِشَام بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: الزُّهْرِيّ، يَقُول بِالْمُهْمَلَةِ، ويرون أَن هشاماً صحفه بِالْمُعْجَمَةِ، وَالصَّوَاب قَول الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وضايعاً، بِالْمُعْجَمَةِ. بِالْمُعْجَمَةِ ثمَّ بِالْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضهَا بالمهملتين وبالنون ثو قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن معمر كَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول صحف هِشَام حَيْثُ روى ضايعاً بِالْمُعْجَمَةِ انْتهى قلت انْتهى. قلت: لم يحرر الْكرْمَانِي هَذَا الْموضع، والتحرير مَا ذَكرْنَاهُ، وَمعنى الضايع، بِالْمُعْجَمَةِ: الْفَقِير لِأَنَّهُ ذُو ضيَاع من فقر وعيال. قَوْله: (أَو تصنع لأخرق) ، الأخرق، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْقَاف: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِي يَده صَنْعَة وَلَا يحسن الصِّنَاعَة، قَالَ ابْن سَيّده: خرق بالشَّيْء جَهله وَلم يحسن عمله، وَهُوَ أخرق وَفِي (المثلث) لِابْنِ عديس: والخرق جمع الأخرق من الرِّجَال والخرقاء من النِّسَاء، وهما ضد الصناع والصنع. قَوْله: (تدع النَّاس) ، أَي: تتركهم من الشَّرّ، و: تدع، من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، كَذَا قالته النُّحَاة، وَيرد عَلَيْهِم قِرَاءَة من قَرَأَ {مَا وَدعك
رَبك وَمَا قلى} (الضُّحَى: ٣) . بتَخْفِيف الدَّال. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن الْمَذْكُور من الْجُمْلَة صَدَقَة. قَوْله: (تصدق بهَا) ، بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الدَّال، أَصله تَتَصَدَّق فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَيجوز تَشْدِيد الصَّاد على الْإِدْغَام، وَيجوز تخفيفها. وَفِي الحَدِيث أَن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، وَلما اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أفضل الْأَعْمَال أجابوا بِأَن الِاخْتِلَاف بِحَسب اخْتِلَاف السَّائِلين، وَالْجَوَاب لَهُم بِحَسب مَا يَلِيق بالْمقَام.
وَفِيه: حسن الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال وصبر الْمُفْتِي والمعلم على المستفتي والتلميذ والرفق بهم.
٣ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ أوِ الآياتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، والعتاقة بِفَتْح الْعين مصدر: أعتقت العَبْد، قَالَ الْكرْمَانِي: بالعتاقة أَي: بِالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ على سَبِيل الْكِنَايَة إِذْ الْإِعْتَاق يلْزم الْعتَاقَة. قلت: كل مِنْهُمَا مصدر: أعتقت، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف. قَوْله: (أَو الْآيَات) جمع: آيَة، وَهِي الْعَلامَة، وَكلمَة: أَو، هُنَا للتنويع لَا للشَّكّ هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عطف بِأَو، لَا: بِالْوَاو، قلت: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو أَو بِمَعْنى: بل؟ قلت: كَون: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو، لَهُ وَجه، وَأما كَونه بِمَعْنى: بل، فَلَا وَجه لَهُ على مَا لَا يخفى، وَأَرَادَ بِالْآيَاتِ نَحْو الخسوف فِي الْقَمَر والظلمة الشَّدِيدَة والرياح المحرقة والزلازل وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الْكرْمَانِي: حَدِيث الْبَاب فِي كسوف الشَّمْس، وَيسْتَحب الْعتَاقَة فِيهَا وَلَا دلَالَة على اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي الْآيَات، وَأجَاب بِالْقِيَاسِ على الْكُسُوف لِأَن الْكُسُوف أَيْضا آيَة.
٩١٥٢ - حدَّثنا موساى بنُ مَسْعُودٍ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَتْ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، بالنُّون: الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْكُسُوف فِي: بَاب من أحب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ربيع بن يحيى عَن زَائِدَة ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
تابَعَهُ عَلِيٌّ عنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عنْ هِشَامٍ
أَي: تَابع عَليّ مُوسَى بن مَسْعُود فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث فَرَوَاهُ عَن الدَّرَاورْدِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: عَليّ هُوَ ابْن حجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: أَبُو الْحسن السَّعْدِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَوهم من قَالَ: المُرَاد بِهِ ابْن حجر. قلت: كلٌّ من عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَعلي بن حجر من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وكل مِنْهُمَا روى عَن الدَّرَاورْدِي، فَمَا الدَّلِيل على صِحَة كَلَامه وَنسبَة الْوَهم إِلَى غَيره؟ والدراوردي، بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء الْخَفِيفَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء: نِسْبَة إِلَى دراورد، قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد.
٠٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْر قَالَ حدَّثنا عَثَّامٌ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الكسوفِ بالْعَتاقَةِ..
هَذَا طَرِيق أخرجه عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن عثام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عَليّ بن الْوَلِيد العامري الْكُوفِي، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفَاطِمَة زَوجته، وَرِوَايَة زَائِدَة فِي هَذَا الحَدِيث السَّابِق تبين أَن الْآمِر بالعتاقة فِي الْكُسُوف فِي رِوَايَة عثام هَذِه هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا مِمَّا يُقَوي أَن قَول الصَّحَابِيّ: (كُنَّا نؤمر) بِكَذَا: فِي حكم الْمَرْفُوع.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّقَبَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُنْقِذَةٌ مِنَ النَّارِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا بِمُنْقِذَةٍ مِنَ النَّارِ.
وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَهُ: فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْبٌ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ إِلَّا الزِّنَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْمُفَاخَذَةِ لَمْ يُشْكِلْ عِتْقُهُ مِنَ النَّارِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِتْقَ يَرْجَحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِحَسَنَاتِ الْمُعْتِقِ تَرْجِيحًا يُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْفَرْجِ، بَلْ يَأْتِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِمَّا آثَارُهُ فِيهِ كَالْيَدِ فِي الْغَصْبِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ - بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟
٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)؛ أَيْ لِلْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ: عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: اسْمُهُ سَعْدٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: أَعْلَاهَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ. قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. قُلْتُ: وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ
الْأُضْحِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ اهـ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ: إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ.
قَوْلُهُ: (تُعِينُ ضَائِعًا) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: صَحَّفَ هِشَامٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ: يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ اهـ.
وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟)؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ، وَقِيلَ: قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ﷺ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر.
(وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في
«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن
عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ ﵀: -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى.
(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بِالْحَبَشَةِ، وَكَانَ آيَة فِي الْكَرم وَيُسمى ببحر الْجُود وَله صُحْبَة، مَاتَ سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة. قَوْله: (أَو ألف دِينَار) ، شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (فَأعْتقهُ) ، وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم، فَقَالَ: إذهب أَنْت حر لوجه الله تَعَالَى.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: يَنْبَغِي أَن يكون الْمُعْتق كَامِل الْأَعْضَاء، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون نَاقص الْأَعْضَاء بعور أَو شلل وشبههما، وَلَا معيبا بِعَيْب يضر بِالْعَمَلِ ويخل بالسعي والاكتساب، وَرُبمَا كَانَ نقص الْأَعْضَاء زِيَادَة فِي الثّمن كالخصي إِذْ يصلح لما يصلح لَهُ غَيره من حفظ الْحَرِيم وَنَحْوه، فَلَا يكره على أَنه لَا يخل بِالْعَمَلِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلف الْعلمَاء أَيّمَا أفضل: عتق الْإِنَاث أَو الذُّكُور؟ فَقَالَ بَعضهم: الْإِنَاث أفضل، وَقَالَ آخَرُونَ: الذُّكُور أفضل، لحَدِيث أبي أُمَامَة وَلما فِي الذّكر من الْمعَانِي الْعَامَّة الَّتِي لَا تُوجد فِي الْإِنَاث، وَلِأَن من الْإِمَاء من لَا ترغب فِي الْعتْق وتضيع بِهِ بِخِلَاف العَبْد، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَاسْتحبَّ بعض الْعلمَاء أَن يعْتق الذّكر وَالْأُنْثَى، مثلهَا ذكره الفرغاني فِي (الْهِدَايَة) ليتَحَقَّق مُقَابلَة الْأَعْضَاء بالأعضاء، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: الزِّنَا كَبِيرَة لَا يكفر إلَاّ بِالتَّوْبَةِ، فَيحمل هَذَا الحَدِيث على أَنه أَرَادَ مس الْأَعْضَاء بَعْضهَا بَعْضًا من غير إيلاج، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: أَن لعتق الْفرج حظاً فِي الموازنة فيكفر. وَفِيه: فضل الْعتْق، وَأَنه من أرفع الْأَعْمَال وَرُبمَا يُنجي الله بِهِ من النَّار. وَفِيه: أَن المجازاة قد تكون من جنس الْأَعْمَال فجوزي الْمُعْتق للْعَبد بِالْعِتْقِ من النَّار. وَفِيه: أَن تَقْوِيم بَاقِي العَبْد لمن أعتق شِقْصا مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ لاستعمال عتق نَفسه بِتَمَامِهَا من النَّار، وَصَارَت حُرْمَة الْعتْق تتعدى إِلَى الْأَمْوَال لفضل النجَاة بِهِ من النَّار، قيل: وَهَذَا أولى من قَول من قَالَ: إِنَّمَا ألزم عتق بَاقِيه لتكميل حريَّة العَبْد. وَفِيه: أَن عتق الْمُسلم أفضل من عتق الْكَافِر، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء، وَحكي عَن مَالك وَبَعض أَصْحَابه أَن الْأَفْضَل عتق الرَّقَبَة النفيسة وَإِن كَانَ كَافِرًا.
٢ - (بابٌ أيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: أَي الرّقاب أفضل لِلْعِتْقِ؟ وَكلمَة: أَي: هُنَا للاستفهام.
٨١٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ لله بنُ مُوساى عنْ هِشَامِ بنِ عُروة عنْ أبِيهِ عنْ أبِي مُرَاوِحٍ عنْ أبِي ذَرٍّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْعَمَلِ أفْضَلُ قَالَ إيمانٌ بِاللَّه وجِهادٌ فِي سَبِيلِهِ قُلْتُ فأيُّ الرِّقابِ أفْضَلُ قَالَ أغْلاهَا ثَمَنَاً وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها قُلْتُ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تُعينُ ضايِعاً أوْ تَصْنَعُ لَأَخْرَقَ قَالَ فإنْ لَمْ أفْعَلْ قَالَ تدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فإنَّها صَدَقةٌ تصَدَّقُ بِها عَلى نفْسِكَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فإي الرّقاب أفضل؟) .
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عبيد الله بن مُوسَى بن باذام أَبُو مُحَمَّد الْعَبْسِي. الثَّانِي: هِشَام بن عُرْوَة. الثَّالِث: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الرَّابِع: أَبُو مراوح، بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَكسر الْوَاو وَفِي آخِره حاء مُهْملَة على وزن مقَاتل، وَفِي رِوَايَة مُسلم اللَّيْثِيّ: وَيُقَال لَهُ الْغِفَارِيّ، قيل: اسْمه سعد، وَالأَصَح أَنه لَا يعرف لَهُ اسْم، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد: أدْرك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يره. الْخَامِس: أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ، واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون إلَاّ شَيْخه فَإِنَّهُ كُوفِي. وَفِيه: أَن هَذَا الْإِسْنَاد فِي حكم الثلاثيات لِأَن هِشَام بن عُرْوَة الَّذِي هُوَ شيخ شَيْخه من التَّابِعين، وَإِن كَانَ روى هُنَا عَن تَابِعِيّ آخر، وَهُوَ أَبوهُ عُرْوَة. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين فِي نسق وهم: هِشَام وَأَبوهُ وَأَبُو مراوح، وَفِي رِوَايَة مُسلم عَن الزُّهْرِيّ عَن حبيب مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة فَصَارَ فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن لَيْسَ لأبي مراوح فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث. وَفِيه: عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفِي رِوَايَة الْحَارِث بن أبي أُسَامَة عَن عبيد الله ابْن مُوسَى: أخبرنَا هِشَام بن عُرْوَة. وَفِيه: هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَخْبرنِي أبي أَن أَبَا مراوح أخبرهُ. وَفِيه: عَن أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد: أَن أَبَا ذَر أخبرهُ، وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ جمَاعَة أَكثر من عشْرين نفسا رووا هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَخَالفهُم مَالك فَأرْسلهُ فِي الْمَشْهُور عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَوَاهُ يحيى بن يحيى
اللَّيْثِيّ وَطَائِفَة عَنهُ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَرَوَاهُ سعيد بن دَاوُد عَنهُ عَن هِشَام كَرِوَايَة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الرِّوَايَة الْمُرْسلَة عَن مَالك أصح، وَالْمَحْفُوظ عَن هِشَام كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَخلف بن هِشَام وَعَن مُحَمَّد بن رَافع وَعبد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن عبيد الله بن سعيد بِقصَّة الْجِهَاد وقصة الرّقاب وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم بهما وَفِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن عبد الله بالقصة الأولى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن أَحْمد ابْن سيار بِقصَّة الرّقاب.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَجِهَاد فِي سَبيله) ، إِنَّمَا قرن الْجِهَاد بِالْإِيمَان لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِم أَن يجاهدوا فِي سَبِيل الله حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَكَانَ الْجِهَاد فِي ذَلِك الْوَقْت أفضل الْأَعْمَال. قَوْله: (أغلاها ثمنا) فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أَعْلَاهَا، بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهِي رِوَايَة النَّسَائِيّ أَيْضا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بالغين الْمُعْجَمَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَفِي (الْمطَالع) : مَعْنَاهُمَا مُتَقَارب، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد: أَكْثَرهَا ثمنا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَحَله، وَالله أعلم، فِيمَن أَرَادَ أَن يعْتق رَقَبَة وَاحِدَة، أما لَو كَانَ مَعَ شخص ألف دِرْهَم مثلا فَأَرَادَ أَن يَشْتَرِي بهَا رَقَبَة يعتقها فَوجدَ رَقَبَة نفيسة ورقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَاف الْأُضْحِية، فَإِن الْوَاحِدَة السمينة فِيهَا أفضل لِأَن الْمَطْلُوب هُنَالك الرَّقَبَة وهنالك طيب اللَّحْم، وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: إِذا كَانَا فِي ذَوي الدّين أفضلهما أغلاهما ثمنا. وَقد اخْتلف فِيمَا إِذا كَانَ النَّصْرَانِي أَو الْيَهُودِيّ أَو غَيرهمَا أَكثر ثمنا من الْمُسلم، قَالَ مَالك: عتق الأغلى أفضل وَإِن كَانَ غير مُسلم. وَقَالَ أصبغ: عتق الْمُسلم أفضل. قَوْله: (وأنفسها) ، أَي: أَكْثَرهَا رَغْبَة عِنْد أَهلهَا لمحبتهم فِيهَا، لِأَن عتق مثل ذَلِك لَا يَقع غَالِبا إلَاّ خَالِصا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون} (آل عمرَان: ٢٩) . وَكَانَ لِابْنِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، جَارِيَة يُحِبهَا فَأعْتقهَا لهَذِهِ الْآيَة. قَوْله: (قلت: فَإِن لم أفعل؟) ويروى: قَالَ: فَإِن لم أفعل؟ أَي: إِن لم أقدر على ذَلِك؟ فَأطلق الْفِعْل وَأَرَادَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: أَرَأَيْت إِن لم أفعل؟ وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي (الغرائب) : فَإِن لم أستطع؟ قَوْله: (تعين ضايعاً) بالضاد الْمُعْجَمَة وبالياء آخر الْحُرُوف بعد الْألف، كَذَا وَقع لجَمِيع رُوَاة البُخَارِيّ، وَجزم بِهِ القَاضِي عِيَاض وَغَيره، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة مُسلم إلَاّ فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي، وَجزم الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره بِأَن هشاماً رَوَاهُ هَكَذَا دون من رَوَاهُ عَن أَبِيه، فَعلم من ذَلِك أَن الَّذِي رَوَاهُ: صانعاً، بالصَّاد الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف غير صَحِيح، لِأَن هَذِه الرِّوَايَة لم تقع فِي شَيْء من طرقه. وروى الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق معمر عَن هِشَام هَذَا الحَدِيث بالضاد الْمُعْجَمَة، قَالَ معمر: وَكَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول: صحف هِشَام، وَإِنَّمَا هُوَ بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون. قلت: كَأَن ابْن الْمُنِير اعْتمد على أَنه بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون حَيْثُ قَالَ: وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن إِعَانَة الصَّانِع أفضل من إِعَانَة غير الصَّانِع، لِأَن غير الصَّانِع مَظَنَّة الْإِعَانَة، فَكل أحد يُعينهُ غَالِبا بِخِلَاف الصَّانِع، فَإِنَّهُ لشهرته بصنعته يغْفل عَن إعانته فَهُوَ من جنس الصَّدَقَة على المستور. انْتهى. قلت: هَذَا لَا بَأْس بِهِ إِذا صحت الرِّوَايَة بالصَّاد وَالنُّون، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَصَوَابه بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة الْمُعْجَمَة. وَقَالَ عِيَاض: روايتنا فِي هَذَا من طَرِيق هِشَام بِالْمُعْجَمَةِ، وَعَن أبي بَحر بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ صَوَاب الْكَلَام لمقابلته بالأخرق، وَإِن كَانَ الْمَعْنى من جِهَة مَعُونَة الضائع أَيْضا صَحِيحا، لَكِن صحت الرِّوَايَة عَن هِشَام بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: الزُّهْرِيّ، يَقُول بِالْمُهْمَلَةِ، ويرون أَن هشاماً صحفه بِالْمُعْجَمَةِ، وَالصَّوَاب قَول الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وضايعاً، بِالْمُعْجَمَةِ. بِالْمُعْجَمَةِ ثمَّ بِالْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضهَا بالمهملتين وبالنون ثو قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن معمر كَانَ الزُّهْرِيّ يَقُول صحف هِشَام حَيْثُ روى ضايعاً بِالْمُعْجَمَةِ انْتهى قلت انْتهى. قلت: لم يحرر الْكرْمَانِي هَذَا الْموضع، والتحرير مَا ذَكرْنَاهُ، وَمعنى الضايع، بِالْمُعْجَمَةِ: الْفَقِير لِأَنَّهُ ذُو ضيَاع من فقر وعيال. قَوْله: (أَو تصنع لأخرق) ، الأخرق، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالراء وَالْقَاف: هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِي يَده صَنْعَة وَلَا يحسن الصِّنَاعَة، قَالَ ابْن سَيّده: خرق بالشَّيْء جَهله وَلم يحسن عمله، وَهُوَ أخرق وَفِي (المثلث) لِابْنِ عديس: والخرق جمع الأخرق من الرِّجَال والخرقاء من النِّسَاء، وهما ضد الصناع والصنع. قَوْله: (تدع النَّاس) ، أَي: تتركهم من الشَّرّ، و: تدع، من الْأَفْعَال الَّتِي أمات الْعَرَب ماضيها، كَذَا قالته النُّحَاة، وَيرد عَلَيْهِم قِرَاءَة من قَرَأَ {مَا وَدعك
رَبك وَمَا قلى} (الضُّحَى: ٣) . بتَخْفِيف الدَّال. قَوْله: (فَإِنَّهَا صَدَقَة) أَي: فَإِن الْمَذْكُور من الْجُمْلَة صَدَقَة. قَوْله: (تصدق بهَا) ، بِفَتْح الصَّاد وَتَشْديد الدَّال، أَصله تَتَصَدَّق فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَيجوز تَشْدِيد الصَّاد على الْإِدْغَام، وَيجوز تخفيفها. وَفِي الحَدِيث أَن الْجِهَاد أفضل الْأَعْمَال بعد الْإِيمَان، وَلما اخْتلفت الرِّوَايَات فِي أفضل الْأَعْمَال أجابوا بِأَن الِاخْتِلَاف بِحَسب اخْتِلَاف السَّائِلين، وَالْجَوَاب لَهُم بِحَسب مَا يَلِيق بالْمقَام.
وَفِيه: حسن الْمُرَاجَعَة فِي السُّؤَال وصبر الْمُفْتِي والمعلم على المستفتي والتلميذ والرفق بهم.
٣ - (بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ أوِ الآياتِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، والعتاقة بِفَتْح الْعين مصدر: أعتقت العَبْد، قَالَ الْكرْمَانِي: بالعتاقة أَي: بِالْإِعْتَاقِ، وَهُوَ على سَبِيل الْكِنَايَة إِذْ الْإِعْتَاق يلْزم الْعتَاقَة. قلت: كل مِنْهُمَا مصدر: أعتقت، فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّكَلُّف. قَوْله: (أَو الْآيَات) جمع: آيَة، وَهِي الْعَلامَة، وَكلمَة: أَو، هُنَا للتنويع لَا للشَّكّ هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا عطف بِأَو، لَا: بِالْوَاو، قلت: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو أَو بِمَعْنى: بل؟ قلت: كَون: أَو، بِمَعْنى: الْوَاو، لَهُ وَجه، وَأما كَونه بِمَعْنى: بل، فَلَا وَجه لَهُ على مَا لَا يخفى، وَأَرَادَ بِالْآيَاتِ نَحْو الخسوف فِي الْقَمَر والظلمة الشَّدِيدَة والرياح المحرقة والزلازل وَنَحْو ذَلِك. قَالَ الْكرْمَانِي: حَدِيث الْبَاب فِي كسوف الشَّمْس، وَيسْتَحب الْعتَاقَة فِيهَا وَلَا دلَالَة على اسْتِحْبَاب الْعتَاقَة فِي الْآيَات، وَأجَاب بِالْقِيَاسِ على الْكُسُوف لِأَن الْكُسُوف أَيْضا آيَة.
٩١٥٢ - حدَّثنا موساى بنُ مَسْعُودٍ قَالَ حدَّثنا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قالَتْ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، ومُوسَى بن مَسْعُود أَبُو حُذَيْفَة النَّهْدِيّ، بالنُّون: الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء، وَقد مضى الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْكُسُوف فِي: بَاب من أحب الْعتَاقَة فِي كسوف الشَّمْس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن ربيع بن يحيى عَن زَائِدَة ... إِلَى آخِره نَحوه، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
تابَعَهُ عَلِيٌّ عنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عنْ هِشَامٍ
أَي: تَابع عَليّ مُوسَى بن مَسْعُود فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث فَرَوَاهُ عَن الدَّرَاورْدِي عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ... إِلَى آخِره. قَالَ الْكرْمَانِي: عَليّ هُوَ ابْن حجر، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم وبالراء: أَبُو الْحسن السَّعْدِيّ الْمروزِي، مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ، وَوهم من قَالَ: المُرَاد بِهِ ابْن حجر. قلت: كلٌّ من عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَعلي بن حجر من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وكل مِنْهُمَا روى عَن الدَّرَاورْدِي، فَمَا الدَّلِيل على صِحَة كَلَامه وَنسبَة الْوَهم إِلَى غَيره؟ والدراوردي، بِفَتْح الدَّال وَالرَّاء الْخَفِيفَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الرَّاء وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء: نِسْبَة إِلَى دراورد، قَرْيَة من قرى خُرَاسَان، وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد.
٠٢٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبِي بَكْر قَالَ حدَّثنا عَثَّامٌ قَالَ حدَّثنا هِشامٌ عنْ فاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الكسوفِ بالْعَتاقَةِ..
هَذَا طَرِيق أخرجه عَن مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي عَن عثام، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الثَّاء الْمُثَلَّثَة: ابْن عَليّ بن الْوَلِيد العامري الْكُوفِي، مَاله فِي البُخَارِيّ سوى هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد، يروي عَن هِشَام بن عُرْوَة وَفَاطِمَة زَوجته، وَرِوَايَة زَائِدَة فِي هَذَا الحَدِيث السَّابِق تبين أَن الْآمِر بالعتاقة فِي الْكُسُوف فِي رِوَايَة عثام هَذِه هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهَذَا مِمَّا يُقَوي أَن قَول الصَّحَابِيّ: (كُنَّا نؤمر) بِكَذَا: فِي حكم الْمَرْفُوع.