«سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥١٨

الحديث رقم ٢٥١٨ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أي الرقاب أفضل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥١٨ في صحيح البخاري

«سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.»

بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْعَتَاقَةِ فِي الْكُسُوفِ وَالْآيَاتِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٥١٨

٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥١٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّقَبَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُنْقِذَةٌ مِنَ النَّارِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا بِمُنْقِذَةٍ مِنَ النَّارِ.

وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَهُ: فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْبٌ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ إِلَّا الزِّنَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْمُفَاخَذَةِ لَمْ يُشْكِلْ عِتْقُهُ مِنَ النَّارِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِتْقَ يَرْجَحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِحَسَنَاتِ الْمُعْتِقِ تَرْجِيحًا يُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْفَرْجِ، بَلْ يَأْتِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِمَّا آثَارُهُ فِيهِ كَالْيَدِ فِي الْغَصْبِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟

٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)؛ أَيْ لِلْعِتْقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ: عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: اسْمُهُ سَعْدٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَلَمْ يَرَهُ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أَعْلَاهَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ. قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. قُلْتُ: وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ

الْأُضْحِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ اهـ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ: إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ.

قَوْلُهُ: (تُعِينُ ضَائِعًا) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: صَحَّفَ هِشَامٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ: يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ اهـ.

وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟)؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ، وَقِيلَ: قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ.

وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر.

(وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في

«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن

عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ : -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى.

(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّقَبَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُنْقِذَةٌ مِنَ النَّارِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا بِمُنْقِذَةٍ مِنَ النَّارِ.

وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَهُ: فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ لِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَنْبٌ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ إِلَّا الزِّنَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْمُفَاخَذَةِ لَمْ يُشْكِلْ عِتْقُهُ مِنَ النَّارِ بِالْعِتْقِ، وَإِلَّا فَالزِّنَا كَبِيرَةٌ لَا تُكَفَّرُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِتْقَ يَرْجَحُ عِنْدَ الْمُوَازَنَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُرَجِّحًا لِحَسَنَاتِ الْمُعْتِقِ تَرْجِيحًا يُوَازِي سَيِّئَةَ الزِّنَا اهـ. وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِالْفَرْجِ، بَلْ يَأْتِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِمَّا آثَارُهُ فِيهِ كَالْيَدِ فِي الْغَصْبِ مَثَلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟

٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ. قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تُعِينُ ضَائعًا، أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنْ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟)؛ أَيْ لِلْعِتْقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) هَذَا مِنْ أَعْلَى حَدِيثٍ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الثُّلَاثِيَّاتِ؛ لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ شَيْخُ شَيْخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ وَإِنْ كَانَ هُنَا رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ آخَرَ وَهُوَ أَبُوهُ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ: عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ خَفِيفَةٌ وَكَسْرِ الْوَاوِ بَعْدِهَا مُهْمَلَةٌ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: عَنْ هِشَامٍ اللَّيْثِيِّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْغِفَارِيُّ، وَهُوَ مَدَنِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: اسْمُهُ سَعْدٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ وَلَمْ يَرَهُ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ، وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَفِي الصَّحَابَةِ أَبُو مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيُّ غَيْرُ هَذَا سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، وَاقِدًا وَعَزَاهُ لِأَبِي دَاوُدَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ أَبَا مُرَاوِحٍ أَخْبَرَهُ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَدَدًا كَثِيرًا نَحْوَ الْعِشْرِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ فَأَرْسَلَهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ وَطَائِفَةٌ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ كَرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ عَنْ مَالِكٍ أَصَحُّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ هِشَامٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: أَعْلَاهَا) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِلْأَكْثَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا لِلنَّسَفِيِّ. قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ. قُلْتُ: وَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ: أَكْثَرُهَا ثَمَنًا، وَهُوَ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَاحِدَةً، أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَ شَخْصٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا فَوَجَدَ رَقَبَةً نَفِيسَةً أَوْ رَقَبَتَيْنِ مَفْضُولَتَيْنِ فَالرَّقَبَتَانِ أَفْضَلُ. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ

الْأُضْحِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ السَّمِينَةَ فِيهَا أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا فَكُّ الرَّقَبَةِ وَهُنَاكَ طِيبُ اللَّحْمِ اهـ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ وَاحِدٍ إِذَا عْتِقَ انْتَفَعَ بِالْعِتْقِ وَانْتُفِعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّفْعِ بِعِتْقٍ أَكْثَرَ عَدَدًا مِنْهُ، وَرُبَّ مُحْتَاجٍ إِلَى كَثْرَةِ اللَّحْمِ لِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ هُوَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، فَالضَّابِطُ أَنَّ مَهْمَا كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا كَانَ أَفْضَلَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَاحْتُجَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ عِتْقِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ إِذَا كَانَتْ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمَةِ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)؛ أَيْ مَا اغْتِبَاطُهُمْ بِهَا أَشَدَّ، فَإِنَّ عِتْقَ مِثْلِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا خَالِصًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ: إِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فأَطْلَقَ الْفِعْلَ وَأَرَادَ الْقُدْرَةَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ بِلَفْظِ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ.

قَوْلُهُ: (تُعِينُ ضَائِعًا) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْلِمٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ السَّمَرْقَنْدِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَيْضًا، وَجَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ هَكَذَا دُونَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ، وَالصَّوَابُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ كَمَا قَال الزُّهْرِيُّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ خَبَطَ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ إِنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: صَحَّفَ هِشَامٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِصَانِعٍ وَلَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِيْنِيِّ: يَقُولُونَ إِنَّ هِشَامًا صَحَّفَ فِيهِ اهـ.

وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَعَكَسَ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِيهَا أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ وُجِّهَتْ رِوَايَةُ هِشَامٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّائِعِ ذُو الضَّيَاعِ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْأَوَّلِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَامْرَأَةٌ خَرْقَاءُ كَذَلِكَ، وَرَجُلٌ صَانِعٌ وَصَنَعٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَامْرَأَةٌ صَنَاعٌ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟)؛ أَيْ مِنَ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْإِعَانَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ أَيْ لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ لَا كَسَلًا مَثَلًا.

قَوْلُهُ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّرِّ دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَكَسْبِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبَ، غَيْرَ أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَحْصُلُ مَعَ الْكَفِّ إِلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، لَا مَعَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْأَصْلُ تَتَصَدَّقُ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى الْإِدْغَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْوَاوُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هَذَا بِمَعْنَى ثُمَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَيِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هُنَاكَ، وَقِيلَ: قَرَنَ الْجِهَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَفْضِيلُ الْجِهَادِ فِي حَالِ تَعَيُّنِهِ، وَفَضْلُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لِمَنْ يَكُونُ لَهُ أَبَوَانِ فَلَا يُجَاهِدُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْوِبَةَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ.

وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ الْمُرَاجَعَةِ فِي السُّؤَالِ، وَصَبْرُ الْمُفْتِي وَالْمُعَلِّمِ عَلَى التِّلْمِيذِ وَرِفْقُهُ بِهِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَأَجْوِبَتُهَا تَشْتَمِلُ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا سُؤَالُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٥١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (١) اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين مُصغَّرًا، ابن باذام العبسيُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ) بضمِّ الميم وتخفيف الرَّاء وكسر الواو، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، الغفاريِّ، ويُقال: اللَّيثيُّ المدنيُّ، من كبار التَّابعين، وقيل: له صحبةٌ، وقال الحاكم أبو أحمد: أدرك النَّبيَّ ولم يره، ولا (٢) يُعرَف اسمه، وقيل: اسمه سعدٌ، ولا يصحُّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَرَنَهما لأنَّ الجهاد كان إذ ذاك أفضلَ الأعمال (قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟) أي: للعتق (قَالَ: أَغْلَاهَا) بالغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أعلاها» (ثَمَنًا) بالعين المهملة، ومعناهما متقاربٌ، ولمسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشامٍ: «أكثرها ثمنًا»، وهو يبيِّن المراد، قال النَّوويُّ: محلُّه -والله أعلم- فيمن أراد أن يُعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهمٍ مثلًا فأراد أن يشتري بها رقبةً يُعتقها، فوجد رقبةً نفيسةً ورقبتين مفضولتين قال: فالاثنتان (٣) أفضل، قال: وهذا بخلاف الأضحيَّة فإنَّ الواحدة السَّمينة أفضل؛ لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طِيبُ اللَّحم. انتهى. قال في «فتح الباري»: والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرُبَّ شخصٍ واحدٍ إذا عتق انتَفَع بالعتق وانتُفِع به أضعافَ ما يحصلُ من النَّفع بعتقٍ أكثرَ عددًا منه، ورُبَّ محتاجٍ إلى كثرة اللَّحم لتفرقته (٤) على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر ممَّا ينتفع هو بطِيب اللَّحم، والضَّابط: أنَّ أيَّهما كان أكثر نفعًا كان أفضلَ، سواءٌ قلَّ أو كَثُر.

(وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) بفتح الفاء، أي: أكثرها رغبةً عند أهلها لمحبَّتهم فيها؛ لأنَّ عتق مثل ذلك لا يقع إلَّا خالصًا (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟) أي: إن لم أقدر على العتق، وللدَّارقطنيِّ في

«الغرائب»: فإن لم أستطع (قَالَ: تُعِينُ صَانِعًا) بالصَّاد المهملة والنُّون، من الصَّنعة؛ كذا في «اليونينيَّة» المقابلة بالأصول؛ كأصل أبي ذرٍّ وأبي (١) الوقت والأَصيليِّ وغيرهم (٢)، وكذا في جميع ما وقفت عليه من الأصول المعتمدة كالأصل المقروء على الشَّرف الميدوميِّ وغيره، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ وغيره (٣): «ضايعًا» بالضَّاد المعجمة والهمزة تكتب ياءً، أي: تعين ذا ضياعٍ من فقرٍ أو عيالٍ أو حالٍ قصَّر عن القيام بها، وكذا هو بالمعجمة في رواية مسلمٍ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُرَاوحٍ، قال القاضي عياضٌ ممَّا نقله عنه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: روايتنا في هذا من طريق هشامٍ: «فتعين ضائعًا» بمُعجَمةٍ (٤)، قال: وكذا في الرِّواية الأخرى، أي: من «صحيح مسلمٍ»، وهي رواية الزُّهريِّ عن حبيبٍ مولى عروة بن الزُّبير عن عروة عن أبي مُرَاوحٍ: «فتعين الضَّائع» بالمعجمة من جميع طرقنا عن مسلمٍ في حديث هشامٍ والزُّهريِّ إلَّا من رواية أبي الفتح السَّمرقنديِّ عن عبد الغافر الفارسيِّ، فإنَّ (٥) شيخنا أبا بحرٍ حدَّثنا عنه فيهما: بالمهملة، وهو صواب الكلام لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الضَّائع صحيحًا، لكن صحَّت الرِّواية عن هشامٍ هنا (٦) بالصَّاد المهملة، وكذلك (٧) رويناه في «صحيح البخاريِّ». انتهى. وجزم الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه بالمُعجَمة في جميع روايات البخاريِّ، قال: وقد خَبَطَ من قال من شرَّاح البخاريِّ: إنَّه رُوِي بالصَّاد المُهمَلة والنُّون، فإنَّ هذه الرِّواية لم تقع في شيءٍ من طرقه. انتهى. ويؤيِّده قول ابن الصَّلاح: هو في رواية هشامٍ بالمُهمَلة والنُّون في أصل الحافظين أبي عامرٍ العبدريِّ وابن

عساكر، ولكنَّه ليس من (١) رواية هشامٍ وإن كان صحيحًا في نفس الأمر، ولكنَّ روايته إنَّما هي بالمُعجَمة، وأمَّا رواية الزُّهريِّ فالمحفوظ عنه أنَّها بالمُهمَلة، وكان ينسب هشامًا إلى التَّصحيف، قال: وذكر القاضي عياضٌ (٢): أنَّه في رواية الزُّهريِّ بالمُعجَمة إلَّا رواية السَّمرقنديِّ، وليس الأمر على ما حكاه في روايات أصولنا بكتاب مسلمٍ، فكلُّها مُقيَّدةٌ في رواية الزُّهريِّ بالمُهمَلة. انتهى. لكنَّ قول الحافظ ابن حجرٍ : -إنَّ القاضي عياضًا (٣) جزم بأنَّه في «البخاريِّ» بالمُعجَمة- يردُّه ما سبق عن القاضي عياضٍ (٤) من قوله (٥): صحَّت الرِّواية عن هشامٍ بالصَّاد المُهمَلة، وكذا رويناه في «صحيح البخاريِّ»، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: يُروَى بهما فيهما، والصَّحيحُ عند العلماء المُهمَلةُ، والأكثرُ في الرِّواية المُعجَمةُ. انتهى. وممَّن نسب هشامًا إلى التَّصحيف في هذه الدَّارقُطنيُّ وحكاه ابن المدينيِّ، وقد تقرَّر ممَّا ذكرناه أنَّ رواية هشامٍ بالمُعجَمة لا بالمُهمَلة وإن نُسِب إلى التَّصحيف، ويبقى النَّظر في تطابق الأصول التي وقفت عليها مع توافق أهل هذا الشَّأن على الاعتماد على الأصول المُعتَمدة على ما لا يخفى.

(أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ) بفتح الهمزة والرَّاء بينهما مُعجَمةٌ ساكنةٌ وآخره قافٌ، لا يُحسِن صنعةً ولا يهتدي إليها (قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) أي: تكفُّ عنهم شرَّك (فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) بحذف إحدى التَّاءين، والأصل: تتصدَّق، والضَّمير في قوله: «فإنَّها» للمصدر الذي دلَّ عليه الفعل، وأنَّثه لتأنيث الخبر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله