الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٤٧
الحديث رقم ٢٦٤٧ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ.
بَابُ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ وَقَالَ مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَشُرَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنِ اسْتُقْضِيَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ وَإِنْ تَابَ ثُمَّ قَالَ لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ
⦗١٧١⦘
لَمْ يَجُزْ وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّضَاعَةَ يحَرمُ منها مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ.
[الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩]
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَالَ يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ". تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ"
[الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِشَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا النَّسَبَ وَالرَّضَاعَةَ وَالْمَوْتَ الْقَدِيمَ، فَأَمَّا النَّسَبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ، وَقَدْ نُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ. وَأَمَّا الرَّضَاعَةُ فَيُسْتَفَادُ ثُبُوتُهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَ مَنْ وَقَعَ لَهُ. وَأَمَّا الْمَوْتُ الْقَدِيمُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حُكْمُهُ بِالْإِلْحَاقِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَاحْتَرَزَ بِالْقَدِيمِ عَنِ الْحَادِثِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَدِيمِ مَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ عَلَيْهِ. وَحْدَّهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ بِأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ فِي الرَّضَاعِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَثُوَيْبَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرَةٌ يَأْتِي هُنَاكَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ خَبَرِهَا وَخَبَرِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَتَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّسَبِ قَطْعًا وَالْوِلَادَةِ، وَفِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ، وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَالْمِلْكِ عَلَى الرَّاجِحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبَلَّغَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي قَوَاعِدِ الْعَلَائِيِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَجُوزُ فِي النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ، وَكَوْنِهِ قَاضِيًا، زَادَ أَبُو يُوسُفَ وَالْوَلَاءِ زَادَ مُحَمَّدٌ وَالْوَقْفِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَإِنَّمَا أُجِيزَ اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَشَرْطُ قَبُولِهَا أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْ جَمْعٍ يُؤَمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ، وَقِيلَ يَكْفِي مِنْ عَدْلٍ وَاحِدٍ إِذَا سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ) هُوَ بَقِيَّةُ التَّرْجَمَةِ. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ آخِرَ الْبَابِ: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْحَدِيثَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا جَمِيعًا فِي الرَّضَاعِ آخِرَ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْإِسْنَادُ الثَّانِي كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ وَقَدْ سَكَنَهَا. وَالثَّالِثُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ وَقَدْ دَخَلَهَا. وَالرَّابِعُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ: (تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ) أَيْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَوَى حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ مَهْدِيٍّ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي يَعْلَى، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي أَفْلَحَ هَلْ كَانَ عَمَّ عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ كَانَ أَبَاهَا؟
٨ - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) في جوابها: (نَعَمْ) أي: يجوز دخوله عليك، ثم علَّل جواز ذلك بقوله: (إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ) بتشديد الرَّاء المكسورة مع ضمِّ أوَّله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يَحرُم منها (١)» بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء، مخفَّفًا (مَا يَحْرُمُ) بفتح أوَّله مخفَّفًا (مِنَ الوِلَادَةِ) أي: مثلُ ما يَحرُم من الولادة -فهو على حذف مضافٍ- وتعبيرُه بقوله: «ما يحرم من الولادة» وفي الرِّواية الأخرى: «مِن النَّسب». قال القُرطُبيُّ: دليلٌ على جواز الرِّواية بالمعنى، أو قال ﵊ اللَّفظين في وقتين، وقطعَ بالأخير في «الفتح» معلِّلًا: بأنَّ الحديثَين مختلفان في القصَّة والسَّبب والرَّاوي.
وهذا الحديث أخرجه في «الخمس» [خ¦٣١٠٥] أيضًا و «النِّكاح» [خ¦٥٠٩٩]، ومسلم والنَّسائيُّ في «النِّكاح».
٢٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، وثَّقه أحمد، وروى له المؤلِّف ثلاثة أحاديث في «العلم» [خ¦٩٠] و «البيوع» [خ¦٢٠٥٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٦] تُوبع عليها قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بالشِّين المعجمة والمثلَّثة والعين المهملة فيهما والأخيرُ ممدود (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاء سليم بن الأسود (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ) الواو للحال، وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقينيِّ فيما نقله عنه في «المصابيح»: إنَّه وجد بخط مغلطاي على حاشية «أسد الغابة» ما يدلُّ على أنَّه عبد الله بن يزيد. تعقَّبه في مقدِّمة «فتح الباري»: بأنَّه غلط؛ لأنَّه تابعيٌّ. انتهى. يعني: وهذا صحابيٌّ؛ لأنَّه ﷺ رآه بلا ريب عند عائشة. نعم، عبد الله التَّابعي هذا المذكور أخوها من الرَّضاعة كما صُرِّح به في رواية مسلم في
«الجنائز»، وكثير بن عبد الله (١) الكوفيُّ أخوها أيضًا، كما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» و «سنن أبي داود» وسبق التَّنبيه على ذلك في «باب الغسل بالصَّاع» [خ¦٢٥١].
(قَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ) بهمزة وصل وضمِّ الظَّاء المعجمة من النَّظر بمعنى: التَّفكُّر والتَّأمُّل (مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟) استفهام (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ) الفاء تعليليَّة لقوله: «انظرن من إخوانكنَّ» أي: ليس كلُّ من أُرضِعَ لبن أمهاتكنَّ (٢) يصير أخاكنَّ، بل شرطه أن يكون (مِنَ المَجَاعَةِ) بفتح الميم (٣) من الجوع، أي: أنَّ الرَّضاعة المعتبرة في المحرميَّة شرعًا ما كان فيه تقويةٌ للبدن، واستقلال بسدِّ الجوع، وذلك إنَّما يكون في حال الطفوليَّة قبل الحولين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوَّته. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٠٢]، وكذا مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بنَ كثيرٍ (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن -بفتح الميم- في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يَعلى (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، ثمَّ إنَّ المطابقة بين التَّرجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادٌ منها، فأمَّا النَّسب، فمن أحاديث الرَّضاعة، فإنَّه مِن لازمه (٤)، وأما الرَّضاعة فبالاستفاضة، وأمَّا الموت القديم فبالإلحاق، قاله ابن المُنَيِّر، والله أعلم.
(٨) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ القَاذِفِ) بالذَّال المعجمة: الَّذي يقذف أحدًا بالزِّنا (وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي) هل تقبل بعد توبتهم أم لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾) قال القاضي: أيّ شهادةٍ كانت، لأنَّه مصرٌّ (١)، وقيل: شهادتهم في القذف، ولا يتوقَّف ذلك على استيفاء الجلد (﴿أَبَدًا﴾) ما لم يتب، وعند أبي حنيفة: إلى آخر عمره (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) المحكوم بفسقهم (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾) عن القذف (﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]) أي: أعمالهم بالتَّدارك، ومنه الاستسلام للحدِّ أو الاستحلال من المقذوف، فإنَّ شهادتهم مقبولة؛ لأنَّ الله استثنى التَّائبين عَقِبَ النَّهي عن قَبول شهادتهم، وقال الحنفيَّة: ذكره بالتَّأبيد يدلُّ على أنَّها لا تُقبل بعد استيفاء الحدِّ بكلِّ حال، والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال الحنفيَّة: الاستثناء منقطع؛ لأنَّ التَّائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) إذ التَّوبة تَجُبُّ ما قبلها من الذُّنوب، فلا يكون التَّائب فاسقًا، وأمَّا شهادته فلا تقبل أبدًا، لأنَّ ردَّها من تتمَّة الحدِّ، لأنَّه يصلح جزاء، فيكون مشاركًا للأوَّل في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح أن يكون جزاء، لأنَّه ليس بخطاب للأئمَّة، بل إخبارٌ عن صفةٍ قائمةٍ بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحدِّ؛ لأنَّه كلامٌ مبتدأٌ على سبيل الاستئناف، منقطع عمَّا قبله لعدم صحَّته على ما سبق، لأنَّ قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ خبريَّةٌ، ليس بخطابٍ للأئمَّة، وما قبله إنشائيَّة (٣) خطابٌ لهم، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ إنشائيَّة (٤)
يصحُّ عطفها على ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (١) فإذا شهد قَبْلَ الحدِّ أو قبل تمام استيفائه، قُبِلَت شهادته، فإذا استوفى لم تُقبَل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار، لتعلُّقها باستيفاء الحدِّ، وتعقَّبه الشَّافعيُّ: بأنَّ الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدِّ خير منه قبله، فكيف تُرَدُّ في خير حالتَيه وتُقبَل في شرِّهما، ولأنَّ ﴿أَبَدًا﴾ في كلِّ شيء على ما يليق به، كما لو قيل: لا تُقبَل شهادة الكافر أبدًا، أي: ما دام كافرًا.
(وَجَلَدَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁، فيما وصله الشَّافعيُّ (أَبَا بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللَّام والدَّال المهملة المفتوحات- الصَّحابيَّ (وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ) بكسر الشِّين وسكون الموحَّدة، و «مَعْبَد» -بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحَّدة- ابن عبيد بن الحارث البَجَليَّ أخا أبي بَكْرَة لأمِّه سميَّةَ، وهو معدودٌ في المخضرمين (وَنَافِعًا) هو ابن الحارث أخو أبي بكرة لأمِّه أيضًا (بِقَذْفِ المُغِيرَةِ) بن شُعْبة، وكان أمير البصرة لعمر ﵁، لمَّا رأوه وكان معهم أخوهم لأمِّهم زياد بن أبي سفيان متبطِّنَ الرَّقطاءِ أمِّ جميل بنت عمرو بن (٢) الأفقم الهلاليَّة زوج الحجَّاج بن عتيك بن الحارث بن عوف الجُشَمِيِّ (٣)، فرحلوا إلى عمر فشكوه، فعزله وولَّى أبا موسى الأشْعريَّ، وأحضر المغيرة فشهد عليه الثَّلاثة بالزِّنا، ولم يُثْبِت زياد الشَّهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا، وما أدري أخالطها أم لا؟ وعند الحاكم: فقال زياد: رأيتُهما في لحاف واحد، وسمعتُ نَفَسًا عاليًا وما أدري (٤) ما وراء ذلك، فأمر عمر بجلد الشُّهداء (٥) الثَّلاثة حدَّ القذف (ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ) نصب مفعول «قَبِلْتُ».
(وَأَجَازَهُ) أي: الحكم المذكور، وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ)
بضمِّ العين وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ابن مسعود، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عمران بن عمير عنه (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الخليفة المشهور، فيما وصله الطَّبريُّ أيضًا من طريق عمران بن عُمَير عنه (١) والخلَّال من طريق ابن جُرَيْج عن عمران بن موسى عنه (وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) التَّابعي المشهور، فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» (٢) والطَّبريُّ من طريقه (وَطَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَمُجَاهِدٌ) هو ابن جبر المكِّيُّ، فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشَّافعيُّ والطَّبريُّ من طريق ابن (٣) أبي نُجَيح (وَالشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي خالد عنه (وَعِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، فيما وصله البَغَويُّ في «الجعديَّات» عن شُعبة عن يونس هو ابن عُبَيد عنه (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، فيما وصله ابن جرير عنه (وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدَّال وبالمثلَّثة، و «مُحاربُ»: بضمِّ الميم وبعد الحاء المهملة ألفٌ فراء مكسورة آخره موحَّدة، الكوفيُّ قاضيها (وَشُرَيْحٌ) القاضي (وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس البصريُّ (٤)، فيما قاله العينيُّ (٥)، لكن قال ابن حَجَر: لم أرَ عن واحد من الثَّلاثة، أي: الأخيرة التَّصريح بالقبول.
(وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان، فيما وصله سعيد بن منصور: (الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالمَدِينَةِ) طَيْبة (إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وهذا بخلاف الحنفيَّة كما مرَّ (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (وَقَتَادَةُ) فيما وصله الطَّبريُّ عنهما مفرَّقًا: (إِذَا أَكْذَبَ) القاذف (نَفْسَهُ جُلِدَ) حدَّ القَذْف (وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] وقد سأل ابن المُنَيِّر فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذًا؟ وأجاب: بأنَّه يتوب من الهَتْك ومن التَّحدُّث بما رآه، ويحتمل أن يُقال: إنَّ المعايِن للفاحشة مأمور بألَّا يكشف صاحبها، إلَّا إذا
تحقَّق كمال النِّصاب معه، فإذا كشفه قبل ذلك عصى، فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصِّدق في علمه، وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّ أبا بَكْرة لم يَكْشِف حتَّى تحقَّق كمال النِّصاب، ومع ذلك أمره عمر بالتَّوبة لتُقبَل (١) شهادته، قال: ويُجاب عن ذلك بأنَّ عمر لعلَّه لم يطَّلع على ذلك فأمره بالتَّوبة، ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه. انتهى.
(وَقَالَ الثَّوْرِيُّ) سفيان ممَّا هو في «جامعه» برواية عبد الله بن الوليد العدنيِّ عنه: (إِذَا جُلِدَ العَبْدُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (ثُمَّ أُعْتِقَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ) بسكون السِّين وضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وكسر الضَّاد المعجمة، أي: طُلِب منه أن يحكم بين خصمين (فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يعني: أبا حنيفة ﵀: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] كما مرَّ (ثُمَّ قَالَ) أي: أبو حنيفة (٢): (لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ) في قذف (جَازَ) النِّكاح؛ لأنَّهما أهل للشَّهادة تَحمُّلًا، وعدمُ قبولها عند الأداء لا يمنع تحقُّقها إذ الأداء من ثمراتها، وفوت الثَّمرة لا يدُلُّ على فوت الأصل، وانعقاد النِّكاح موقوف على حضور الشَّاهدين، لا على أدائهما الشَّهادة، كذا علَّلوه، وفي «الحقائق» من كتبهم: أنَّ محلَّ الخلاف في المحدودين قبل ظهور التَّوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ) لأنَّ الشَّهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير، رضي أو لم يرضَ، والعبد ليس من أهل الولاية.
(وَأَجَازَ) بعضُ النَّاس المذكور (شَهَادَةَ المَحْدُودِ) أي: في قذف بعد التَّوبة (وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ) لجريانه مجرى الخبر، وهو مخالف للشَّهادة في المعنى، قال البخاريُّ: (وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟) أي: القاذف، وهذا من كلام المصنِّف من تمام التَّرجمة، وقد قال الشَّافعيُّ كأكثر السَّلف: لا بدَّ أن يكذِّب نفسه، وعن مالك: إذا ازداد خيرًا كفى، ولا يتوقف على تكذيب نفسه؛ لجواز أن يكون صادقًا في نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلِّف ﵀ ثمَّ استدلَّ لذلك بقوله: (وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً) فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا قريبًا [خ¦٢٦٤٩] وسقط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الرَّضَاعَةَ يحَرمُ منها مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ.
[الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩]
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَالَ يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا قُلْتُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ يَا عَائِشَةُ انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ". تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ"
[الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِشَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا النَّسَبَ وَالرَّضَاعَةَ وَالْمَوْتَ الْقَدِيمَ، فَأَمَّا النَّسَبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ مِنْ لَازِمِهِ، وَقَدْ نُقِلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ. وَأَمَّا الرَّضَاعَةُ فَيُسْتَفَادُ ثُبُوتُهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَفِيضًا عِنْدَ مَنْ وَقَعَ لَهُ. وَأَمَّا الْمَوْتُ الْقَدِيمُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ حُكْمُهُ بِالْإِلْحَاقِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَاحْتَرَزَ بِالْقَدِيمِ عَنِ الْحَادِثِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَدِيمِ مَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ عَلَيْهِ. وَحْدَّهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِخَمْسِينَ سَنَةً وَقِيلَ بِأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ فِي الرَّضَاعِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَثُوَيْبَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرَةٌ يَأْتِي هُنَاكَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ خَبَرِهَا وَخَبَرِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ مَا تُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَتَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّسَبِ قَطْعًا وَالْوِلَادَةِ، وَفِي الْمَوْتِ وَالْعِتْقِ وَالْوَلَاءِ وَالْوَقْفِ وَالْوِلَايَةِ وَالْعَزْلِ وَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ، وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالسَّفَهِ وَالْمِلْكِ عَلَى الرَّاجِحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَبَلَّغَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِضْعَةً وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي قَوَاعِدِ الْعَلَائِيِّ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَجُوزُ فِي النَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ، وَكَوْنِهِ قَاضِيًا، زَادَ أَبُو يُوسُفَ وَالْوَلَاءِ زَادَ مُحَمَّدٌ وَالْوَقْفِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَإِنَّمَا أُجِيزَ اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَشَرْطُ قَبُولِهَا أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْ جَمْعٍ يُؤَمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ، وَقِيلَ يَكْفِي مِنْ عَدْلٍ وَاحِدٍ إِذَا سَكَنَ الْقَلْبُ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ) هُوَ بَقِيَّةُ التَّرْجَمَةِ. وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ آخِرَ الْبَابِ: انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْحَدِيثَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا جَمِيعًا فِي الرَّضَاعِ آخِرَ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْإِسْنَادُ الثَّانِي كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ وَقَدْ سَكَنَهَا. وَالثَّالِثُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَهُ وَقَدْ دَخَلَهَا. وَالرَّابِعُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ: (تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ) أَيْ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَوَى حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ مَهْدِيٍّ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي يَعْلَى، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي أَفْلَحَ هَلْ كَانَ عَمَّ عَائِشَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَوْ كَانَ أَبَاهَا؟
٨ - باب شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) في جوابها: (نَعَمْ) أي: يجوز دخوله عليك، ثم علَّل جواز ذلك بقوله: (إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ) بتشديد الرَّاء المكسورة مع ضمِّ أوَّله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «يَحرُم منها (١)» بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء، مخفَّفًا (مَا يَحْرُمُ) بفتح أوَّله مخفَّفًا (مِنَ الوِلَادَةِ) أي: مثلُ ما يَحرُم من الولادة -فهو على حذف مضافٍ- وتعبيرُه بقوله: «ما يحرم من الولادة» وفي الرِّواية الأخرى: «مِن النَّسب». قال القُرطُبيُّ: دليلٌ على جواز الرِّواية بالمعنى، أو قال ﵊ اللَّفظين في وقتين، وقطعَ بالأخير في «الفتح» معلِّلًا: بأنَّ الحديثَين مختلفان في القصَّة والسَّبب والرَّاوي.
وهذا الحديث أخرجه في «الخمس» [خ¦٣١٠٥] أيضًا و «النِّكاح» [خ¦٥٠٩٩]، ومسلم والنَّسائيُّ في «النِّكاح».
٢٦٤٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، أبو عبد الله العبديُّ البصريُّ، وثَّقه أحمد، وروى له المؤلِّف ثلاثة أحاديث في «العلم» [خ¦٩٠] و «البيوع» [خ¦٢٠٥٢] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٢٦] تُوبع عليها قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوري (عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بالشِّين المعجمة والمثلَّثة والعين المهملة فيهما والأخيرُ ممدود (عَنْ أَبِيهِ) أبي الشَّعثاء سليم بن الأسود (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ) الواو للحال، وأخو عائشة هذا لا أعرف اسمه، وقول الجلال البلقينيِّ فيما نقله عنه في «المصابيح»: إنَّه وجد بخط مغلطاي على حاشية «أسد الغابة» ما يدلُّ على أنَّه عبد الله بن يزيد. تعقَّبه في مقدِّمة «فتح الباري»: بأنَّه غلط؛ لأنَّه تابعيٌّ. انتهى. يعني: وهذا صحابيٌّ؛ لأنَّه ﷺ رآه بلا ريب عند عائشة. نعم، عبد الله التَّابعي هذا المذكور أخوها من الرَّضاعة كما صُرِّح به في رواية مسلم في
«الجنائز»، وكثير بن عبد الله (١) الكوفيُّ أخوها أيضًا، كما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» و «سنن أبي داود» وسبق التَّنبيه على ذلك في «باب الغسل بالصَّاع» [خ¦٢٥١].
(قَالَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «فقال»: (يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ) بهمزة وصل وضمِّ الظَّاء المعجمة من النَّظر بمعنى: التَّفكُّر والتَّأمُّل (مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟) استفهام (فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ) الفاء تعليليَّة لقوله: «انظرن من إخوانكنَّ» أي: ليس كلُّ من أُرضِعَ لبن أمهاتكنَّ (٢) يصير أخاكنَّ، بل شرطه أن يكون (مِنَ المَجَاعَةِ) بفتح الميم (٣) من الجوع، أي: أنَّ الرَّضاعة المعتبرة في المحرميَّة شرعًا ما كان فيه تقويةٌ للبدن، واستقلال بسدِّ الجوع، وذلك إنَّما يكون في حال الطفوليَّة قبل الحولين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تقريره في بابه بعون الله وقوَّته. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٠٢]، وكذا مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّدَ بنَ كثيرٍ (ابْنُ مَهْدِيٍّ) عبد الرَّحمن -بفتح الميم- في روايته الحديث فيما وصله مسلم وأبو يَعلى (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، ثمَّ إنَّ المطابقة بين التَّرجمة والأحاديث المسوقة في بابها مستفادٌ منها، فأمَّا النَّسب، فمن أحاديث الرَّضاعة، فإنَّه مِن لازمه (٤)، وأما الرَّضاعة فبالاستفاضة، وأمَّا الموت القديم فبالإلحاق، قاله ابن المُنَيِّر، والله أعلم.
(٨) (بابُ) حكم (شَهَادَةِ القَاذِفِ) بالذَّال المعجمة: الَّذي يقذف أحدًا بالزِّنا (وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي) هل تقبل بعد توبتهم أم لا؟ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾) قال القاضي: أيّ شهادةٍ كانت، لأنَّه مصرٌّ (١)، وقيل: شهادتهم في القذف، ولا يتوقَّف ذلك على استيفاء الجلد (﴿أَبَدًا﴾) ما لم يتب، وعند أبي حنيفة: إلى آخر عمره (﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾) المحكوم بفسقهم (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾) عن القذف (﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]) أي: أعمالهم بالتَّدارك، ومنه الاستسلام للحدِّ أو الاستحلال من المقذوف، فإنَّ شهادتهم مقبولة؛ لأنَّ الله استثنى التَّائبين عَقِبَ النَّهي عن قَبول شهادتهم، وقال الحنفيَّة: ذكره بالتَّأبيد يدلُّ على أنَّها لا تُقبل بعد استيفاء الحدِّ بكلِّ حال، والاستثناء منصرف إلى ما يليه وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال الحنفيَّة: الاستثناء منقطع؛ لأنَّ التَّائبين غير داخلين في صدر الكلام وهو قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) إذ التَّوبة تَجُبُّ ما قبلها من الذُّنوب، فلا يكون التَّائب فاسقًا، وأمَّا شهادته فلا تقبل أبدًا، لأنَّ ردَّها من تتمَّة الحدِّ، لأنَّه يصلح جزاء، فيكون مشاركًا للأوَّل في كونه حدًّا، وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا يصلح أن يكون جزاء، لأنَّه ليس بخطاب للأئمَّة، بل إخبارٌ عن صفةٍ قائمةٍ بالقاذفين، فلا يصلح أن يكون من تمام الحدِّ؛ لأنَّه كلامٌ مبتدأٌ على سبيل الاستئناف، منقطع عمَّا قبله لعدم صحَّته على ما سبق، لأنَّ قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملةٌ خبريَّةٌ، ليس بخطابٍ للأئمَّة، وما قبله إنشائيَّة (٣) خطابٌ لهم، وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾ إنشائيَّة (٤)
يصحُّ عطفها على ﴿فَاجْلِدُوا﴾ (١) فإذا شهد قَبْلَ الحدِّ أو قبل تمام استيفائه، قُبِلَت شهادته، فإذا استوفى لم تُقبَل وإن تاب وكان من الأتقياء الأبرار، لتعلُّقها باستيفاء الحدِّ، وتعقَّبه الشَّافعيُّ: بأنَّ الحدود كفّارات لأهلها فهو بعد الحدِّ خير منه قبله، فكيف تُرَدُّ في خير حالتَيه وتُقبَل في شرِّهما، ولأنَّ ﴿أَبَدًا﴾ في كلِّ شيء على ما يليق به، كما لو قيل: لا تُقبَل شهادة الكافر أبدًا، أي: ما دام كافرًا.
(وَجَلَدَ عُمَرُ) بن الخطاب ﵁، فيما وصله الشَّافعيُّ (أَبَا بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللَّام والدَّال المهملة المفتوحات- الصَّحابيَّ (وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ) بكسر الشِّين وسكون الموحَّدة، و «مَعْبَد» -بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحَّدة- ابن عبيد بن الحارث البَجَليَّ أخا أبي بَكْرَة لأمِّه سميَّةَ، وهو معدودٌ في المخضرمين (وَنَافِعًا) هو ابن الحارث أخو أبي بكرة لأمِّه أيضًا (بِقَذْفِ المُغِيرَةِ) بن شُعْبة، وكان أمير البصرة لعمر ﵁، لمَّا رأوه وكان معهم أخوهم لأمِّهم زياد بن أبي سفيان متبطِّنَ الرَّقطاءِ أمِّ جميل بنت عمرو بن (٢) الأفقم الهلاليَّة زوج الحجَّاج بن عتيك بن الحارث بن عوف الجُشَمِيِّ (٣)، فرحلوا إلى عمر فشكوه، فعزله وولَّى أبا موسى الأشْعريَّ، وأحضر المغيرة فشهد عليه الثَّلاثة بالزِّنا، ولم يُثْبِت زياد الشَّهادة وقال: رأيت منظرًا قبيحًا، وما أدري أخالطها أم لا؟ وعند الحاكم: فقال زياد: رأيتُهما في لحاف واحد، وسمعتُ نَفَسًا عاليًا وما أدري (٤) ما وراء ذلك، فأمر عمر بجلد الشُّهداء (٥) الثَّلاثة حدَّ القذف (ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ) نصب مفعول «قَبِلْتُ».
(وَأَجَازَهُ) أي: الحكم المذكور، وهو قبول شهادة المحدود في القذف (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ)
بضمِّ العين وسكون المثنَّاة الفوقيَّة، ابن مسعود، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عمران بن عمير عنه (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) الخليفة المشهور، فيما وصله الطَّبريُّ أيضًا من طريق عمران بن عُمَير عنه (١) والخلَّال من طريق ابن جُرَيْج عن عمران بن موسى عنه (وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) التَّابعي المشهور، فيما وصله البغويُّ في «الجعديَّات» (٢) والطَّبريُّ من طريقه (وَطَاوُسٌ) هو ابن كيسان اليمانيُّ (وَمُجَاهِدٌ) هو ابن جبر المكِّيُّ، فيما وصله عنهما سعيد بن منصور والشَّافعيُّ والطَّبريُّ من طريق ابن (٣) أبي نُجَيح (وَالشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، فيما وصله الطَّبريُّ من طريق ابن أبي خالد عنه (وَعِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، فيما وصله البَغَويُّ في «الجعديَّات» عن شُعبة عن يونس هو ابن عُبَيد عنه (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب، فيما وصله ابن جرير عنه (وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) بكسر الدَّال وبالمثلَّثة، و «مُحاربُ»: بضمِّ الميم وبعد الحاء المهملة ألفٌ فراء مكسورة آخره موحَّدة، الكوفيُّ قاضيها (وَشُرَيْحٌ) القاضي (وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ) بن إياس البصريُّ (٤)، فيما قاله العينيُّ (٥)، لكن قال ابن حَجَر: لم أرَ عن واحد من الثَّلاثة، أي: الأخيرة التَّصريح بالقبول.
(وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان، فيما وصله سعيد بن منصور: (الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالمَدِينَةِ) طَيْبة (إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) وهذا بخلاف الحنفيَّة كما مرَّ (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (وَقَتَادَةُ) فيما وصله الطَّبريُّ عنهما مفرَّقًا: (إِذَا أَكْذَبَ) القاذف (نَفْسَهُ جُلِدَ) حدَّ القَذْف (وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] وقد سأل ابن المُنَيِّر فقال: إن كان صادقًا في قذفه فمِمَّ يتوب إذًا؟ وأجاب: بأنَّه يتوب من الهَتْك ومن التَّحدُّث بما رآه، ويحتمل أن يُقال: إنَّ المعايِن للفاحشة مأمور بألَّا يكشف صاحبها، إلَّا إذا
تحقَّق كمال النِّصاب معه، فإذا كشفه قبل ذلك عصى، فيتوب من المعصية في الإعلان لا من الصِّدق في علمه، وتعقَّبه في «الفتح»: بأنَّ أبا بَكْرة لم يَكْشِف حتَّى تحقَّق كمال النِّصاب، ومع ذلك أمره عمر بالتَّوبة لتُقبَل (١) شهادته، قال: ويُجاب عن ذلك بأنَّ عمر لعلَّه لم يطَّلع على ذلك فأمره بالتَّوبة، ولذلك لم يقبل منه أبو بكرة ما أمره به لعلمه بصدقه عند نفسه. انتهى.
(وَقَالَ الثَّوْرِيُّ) سفيان ممَّا هو في «جامعه» برواية عبد الله بن الوليد العدنيِّ عنه: (إِذَا جُلِدَ العَبْدُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (ثُمَّ أُعْتِقَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ) بسكون السِّين وضمِّ الفوقيَّة وسكون القاف وكسر الضَّاد المعجمة، أي: طُلِب منه أن يحكم بين خصمين (فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يعني: أبا حنيفة ﵀: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ) عن جريمة القذف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] كما مرَّ (ثُمَّ قَالَ) أي: أبو حنيفة (٢): (لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ) في قذف (جَازَ) النِّكاح؛ لأنَّهما أهل للشَّهادة تَحمُّلًا، وعدمُ قبولها عند الأداء لا يمنع تحقُّقها إذ الأداء من ثمراتها، وفوت الثَّمرة لا يدُلُّ على فوت الأصل، وانعقاد النِّكاح موقوف على حضور الشَّاهدين، لا على أدائهما الشَّهادة، كذا علَّلوه، وفي «الحقائق» من كتبهم: أنَّ محلَّ الخلاف في المحدودين قبل ظهور التَّوبة إذ بعده ينعقد إجماعًا (وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ) لأنَّ الشَّهادة من باب الولاية لكونها نافذة على الغير، رضي أو لم يرضَ، والعبد ليس من أهل الولاية.
(وَأَجَازَ) بعضُ النَّاس المذكور (شَهَادَةَ المَحْدُودِ) أي: في قذف بعد التَّوبة (وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ) لجريانه مجرى الخبر، وهو مخالف للشَّهادة في المعنى، قال البخاريُّ: (وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ؟) أي: القاذف، وهذا من كلام المصنِّف من تمام التَّرجمة، وقد قال الشَّافعيُّ كأكثر السَّلف: لا بدَّ أن يكذِّب نفسه، وعن مالك: إذا ازداد خيرًا كفى، ولا يتوقف على تكذيب نفسه؛ لجواز أن يكون صادقًا في نفس الأمر، وإلى هذا مال المؤلِّف ﵀ ثمَّ استدلَّ لذلك بقوله: (وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ﷺ الزَّانِيَ سَنَةً) فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- موصولًا قريبًا [خ¦٢٦٤٩] وسقط