الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٦٦
الحديث رقم ٢٦٦٦ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب سؤال الحاكم المدعي هل لك بينة قبل اليمين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَقَالَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا
⦗١٧٨⦘
سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَقُلْتُ قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ قُلْتُ إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأُخْرَى
٢٦٦٦ - ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَالِغِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ، فَيُكَلَّفُ بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ، وَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا، وَيُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِنْ أُونِسَ رُشْدُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ نَافِعٍ. وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ الْمَذْكُورَةَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْقِتَالِ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ تِلْكَ السِّنِّ قَدِ احْتَلَمَ فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ. وَتَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إِنَّمَا رَدَّهُ لِضَعْفِهِ لَا لِسِنِّهِ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ. وَيَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا، لِجَلَالَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتَقَدُّمِهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَانْتَفَى مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِيهَا لَفْظُ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ وَابْنُ عُمَرَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَعْرِضُ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ لِلْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَهُ أَهْلًا اسْتَصْحَبَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ لَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَازَةُ لِلْقِتَالِ عَلَى الْبُلُوغِ، بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنَ الصِّبْيَانِ مَنْ فِيهِ قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ، فَرُبَّ مُرَاهِقٍ أَقْوَى مِنْ بَالِغٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَلَا سِيَّمَا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ):
ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ مَعَ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ صَبِيٌّ وَطِفْلٌ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْوَلَدَ يُقَالُ لَهُ جَنِينٌ حَتَّى يُوضَعَ، ثُمَّ صَبِيٌّ حَتَّى يُفْطَمَ، ثُمَّ غُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَافِعٌ إِلَى عَشْرٍ، ثُمَّ حَزَوَّرٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ، ثُمَّ قُمُدٌّ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاثِينَ، ثُمَّ مُمْلٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، ثُمَّ كَهْلٌ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ شَيْخٌ إِلَى ثَمَانِينَ، ثُمَّ هَرِمٌ إِذَا زَادَ، فَلَا يُمْنَعُ إِطْلَاقُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ تَجَوُّزًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) هُوَ الْخُدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ بِلَفْظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.
قَوْلُهُ: (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ وَمَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَحْصُلُ بِالْإِنْزَالِ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالِاحْتِلَامِ هُنَا. وَيُسْتَفَادُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالِاحْتِلَامِ.
١٩ - بَاب سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِيَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ الْيَمِينِ
٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ - وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ - لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. قَالَ: فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذن يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٦٦ - ٢٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال في «مقدمة الفتح»: جزم ابن السَّكن بأنَّه «محمَّد بن سلام» ونسبه الأَصيليُّ في بعضها كذلك، وقد صرَّح البخاريُّ بالرِّواية عن محمَّد بن سلام عن أبي معاوية في «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٦] وغيره [خ¦٧٣٧٦] قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم -بمعجمتين- الضَّرير الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ) سمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شابه (١) أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) كاذب، والواو للحال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) باليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ أو معاهَد، بأن يأخذه بغير حقٍّ، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر (٢) الشَّرع، والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، وفي «مسلم» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النَّار» قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراكٍ»، ففيه: أنَّه لا فرق بين المال وغيره (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعل من غَضِبَ، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، وأمَّا غضب الخالق تعالى فهو إنكاره على من عصاه وسخطه عليه ومعاقبته له، قاله في «النِّهاية». والحاصل: أنَّ الصِّفات الَّتي لا يليق وصفه تعالى بها على الحقيقة تُؤَوَّل (٣) بما يليق به تعالى، فتُحمَل على آثارها ولوازمها، كحمل الغضب على العذاب، والرَّحمة على الإحسان، فيكون ذلك من صفات الأفعال، أو يُحمَل عن أنَّ المراد بالغضب مثلًا إرادة الانتقام، وبالرَّحمة إرادة الإنعام والإفضال، فيكون من صفات الذَّات.
(قَالَ) أي: ابن مسعود: (فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ: (فِيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كان ذلك بيني» (وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) اسمه: الجَفْشيْش -بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين معجمتين، بينهما تحتيَّة ساكنة- وسقط لأبي ذَرٍّ «من اليهود» (أَرْضٌ) زاد مسلم: «باليمن» (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنة لي (قَالَ: فَقَالَ) ﵊ (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «قال: احلف» (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي (١)) بنصب «يذهب» عطفًا على سابقه، وفي الفرع كأصله: «يحلفُ ويذهبُ» برفعهما أيضًا على لغة من لا ينصب بـ «إذًا»، ولو وُجِدَت شرائط عملها التِّي هي التَّصدُّر والاستقبال وعدم الفصل، كما حكاه سيبويه (قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «﷿»: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) من سورة آل عمران.
فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: «إذًا يحلف ويذهب بمالي؟». أُجيبَ: باحتمال كأنَّه قيل للأشعث: ليس لك عليه إِلَّا الحلف، فإن كذب فعليه وباله، وفيه دليل على أنَّ الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم.
وهذا الحديث سبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١٦].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) دون المدَّعي (فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ) وقال الكوفيُّون: تختصُّ اليمين بالمدَّعى عليه في الأموال دون الحدود (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله قريبًا [خ¦٢٦٧٠] (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداك» خبرُ مبتدأ محذوف، أي: المثبِت
لدعواك، أو الحجَّة لك شاهداك، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: شاهداك هو المطلوب (١) في دعواك، أو شاهداك هما المثبِتان لدعواك، و (٢) «يمينه» عطف عليه.
(قَالَ قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد، وفي بعض النُّسخ -كما نُقِلَ عن الشَّيخ قطب الدِّين الحلبيِّ-: «حدَّثنا قُتَيبة» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيَينة (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء، بينهما موحَّدة ساكنة هو عبد الله بن شُبْرُمة بن الطُّفيل بن حسَّان الضَّبيُّ قاضي الكوفة، المتوفَّى سنة أربع وأربعين ومئة، أنَّه قال: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان قاضي المدينة (فِي) القول بجواز (شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وكان مذهب أبي الزِّناد القضاء بذلك كأهل بلده؛ لأنَّه ﵊ قضى بشاهد ويمين. رواه مسلم من حديث ابن عبَّاس، وأصحاب «السُّنن» من حديث أبي هريرة، والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزَيمة وأبو عَوانة من حديث جابر، ومذهب ابن شُبْرُمة خلافه كأهل بلده، فلا يعمل بالشَّاهد واليمين، وهو مذهب الحنفيَّة. قال ابن شُبْرُمة: (فَقُلْتُ) أي: لأبي الزِّناد محتجًّا عليه: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾) على حقكم (﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾) العدول (﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]) الشَّهادة. قال ابن شُبْرُمة: (قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وجواب الشَّرط: (فَمَا يَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) و «ما» نافية في قوله: «فما يَحتاج» واستفهاميَّة في قوله: (مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ) بموحَّدة ومعجمة مكسورتين وسكون الكاف، وفي نسخة: «تَذَكُّر» بفوقيَّة ومعجمة مفتوحتين وضمِّ الكاف مشدَّدة (هَذِهِ الأُخْرَى؟) وفي نسخة: «تُذْكِر» بضمِّ الفوقيَّة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَالِغِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ، فَيُكَلَّفُ بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ، وَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا، وَيُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِنْ أُونِسَ رُشْدُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ نَافِعٍ. وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ الْمَذْكُورَةَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْقِتَالِ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ تِلْكَ السِّنِّ قَدِ احْتَلَمَ فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ. وَتَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إِنَّمَا رَدَّهُ لِضَعْفِهِ لَا لِسِنِّهِ، وَإِنَّمَا أَجَازَهُ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ. وَيَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا، لِجَلَالَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَتَقَدُّمِهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَانْتَفَى مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ، وَقَدْ نَصَّ فِيهَا لَفْظُ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ وَابْنُ عُمَرَ أَعْلَمُ بِمَا رَوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَعْرِضُ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ لِلْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَهُ أَهْلًا اسْتَصْحَبَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ لَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَازَةُ لِلْقِتَالِ عَلَى الْبُلُوغِ، بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ مِنَ الصِّبْيَانِ مَنْ فِيهِ قُوَّةٌ وَنَجْدَةٌ، فَرُبَّ مُرَاهِقٍ أَقْوَى مِنْ بَالِغٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَلَا سِيَّمَا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ):
ظَاهِرُ التَّرْجَمَةِ مَعَ سِيَاقِ الْآيَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ صَبِيٌّ وَطِفْلٌ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْوَلَدَ يُقَالُ لَهُ جَنِينٌ حَتَّى يُوضَعَ، ثُمَّ صَبِيٌّ حَتَّى يُفْطَمَ، ثُمَّ غُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَافِعٌ إِلَى عَشْرٍ، ثُمَّ حَزَوَّرٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ، ثُمَّ قُمُدٌّ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاثِينَ، ثُمَّ مُمْلٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، ثُمَّ كَهْلٌ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ شَيْخٌ إِلَى ثَمَانِينَ، ثُمَّ هَرِمٌ إِذَا زَادَ، فَلَا يُمْنَعُ إِطْلَاقُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ تَجَوُّزًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) هُوَ الْخُدْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ بِلَفْظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.
قَوْلُهُ: (غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ وَمَبَاحِثُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبُلُوغَ يَحْصُلُ بِالْإِنْزَالِ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِالِاحْتِلَامِ هُنَا. وَيُسْتَفَادُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالِاحْتِلَامِ.
١٩ - بَاب سُؤَالِ الْحَاكِمِ الْمُدَّعِيَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ الْيَمِينِ
٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ - وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ - لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. قَالَ: فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذن يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٦٦ - ٢٦٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال في «مقدمة الفتح»: جزم ابن السَّكن بأنَّه «محمَّد بن سلام» ونسبه الأَصيليُّ في بعضها كذلك، وقد صرَّح البخاريُّ بالرِّواية عن محمَّد بن سلام عن أبي معاوية في «النِّكاح» [خ¦٥٢٠٦] وغيره [خ¦٧٣٧٦] قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم -بمعجمتين- الضَّرير الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ) سمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شابه (١) أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) كاذب، والواو للحال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) باليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ أو معاهَد، بأن يأخذه بغير حقٍّ، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر (٢) الشَّرع، والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، وفي «مسلم» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النَّار» قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراكٍ»، ففيه: أنَّه لا فرق بين المال وغيره (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعل من غَضِبَ، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، وأمَّا غضب الخالق تعالى فهو إنكاره على من عصاه وسخطه عليه ومعاقبته له، قاله في «النِّهاية». والحاصل: أنَّ الصِّفات الَّتي لا يليق وصفه تعالى بها على الحقيقة تُؤَوَّل (٣) بما يليق به تعالى، فتُحمَل على آثارها ولوازمها، كحمل الغضب على العذاب، والرَّحمة على الإحسان، فيكون ذلك من صفات الأفعال، أو يُحمَل عن أنَّ المراد بالغضب مثلًا إرادة الانتقام، وبالرَّحمة إرادة الإنعام والإفضال، فيكون من صفات الذَّات.
(قَالَ) أي: ابن مسعود: (فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ: (فِيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كان ذلك بيني» (وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ) اسمه: الجَفْشيْش -بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين معجمتين، بينهما تحتيَّة ساكنة- وسقط لأبي ذَرٍّ «من اليهود» (أَرْضٌ) زاد مسلم: «باليمن» (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنة لي (قَالَ: فَقَالَ) ﵊ (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «قال: احلف» (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي (١)) بنصب «يذهب» عطفًا على سابقه، وفي الفرع كأصله: «يحلفُ ويذهبُ» برفعهما أيضًا على لغة من لا ينصب بـ «إذًا»، ولو وُجِدَت شرائط عملها التِّي هي التَّصدُّر والاستقبال وعدم الفصل، كما حكاه سيبويه (قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «﷿»: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) من سورة آل عمران.
فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: «إذًا يحلف ويذهب بمالي؟». أُجيبَ: باحتمال كأنَّه قيل للأشعث: ليس لك عليه إِلَّا الحلف، فإن كذب فعليه وباله، وفيه دليل على أنَّ الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم.
وهذا الحديث سبق في «الخصومات» [خ¦٢٤١٦].
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ) دون المدَّعي (فِي الأَمْوَالِ وَالحُدُودِ) وقال الكوفيُّون: تختصُّ اليمين بالمدَّعى عليه في الأموال دون الحدود (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله قريبًا [خ¦٢٦٧٠] (شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ) برفع «شاهداك» خبرُ مبتدأ محذوف، أي: المثبِت
لدعواك، أو الحجَّة لك شاهداك، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، أي: شاهداك هو المطلوب (١) في دعواك، أو شاهداك هما المثبِتان لدعواك، و (٢) «يمينه» عطف عليه.
(قَالَ قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد، وفي بعض النُّسخ -كما نُقِلَ عن الشَّيخ قطب الدِّين الحلبيِّ-: «حدَّثنا قُتَيبة» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيَينة (عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ) بضمِّ المعجمة والرَّاء، بينهما موحَّدة ساكنة هو عبد الله بن شُبْرُمة بن الطُّفيل بن حسَّان الضَّبيُّ قاضي الكوفة، المتوفَّى سنة أربع وأربعين ومئة، أنَّه قال: (كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان قاضي المدينة (فِي) القول بجواز (شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وكان مذهب أبي الزِّناد القضاء بذلك كأهل بلده؛ لأنَّه ﵊ قضى بشاهد ويمين. رواه مسلم من حديث ابن عبَّاس، وأصحاب «السُّنن» من حديث أبي هريرة، والتِّرمذيُّ وابن ماجه، وصحَّحه ابن خُزَيمة وأبو عَوانة من حديث جابر، ومذهب ابن شُبْرُمة خلافه كأهل بلده، فلا يعمل بالشَّاهد واليمين، وهو مذهب الحنفيَّة. قال ابن شُبْرُمة: (فَقُلْتُ) أي: لأبي الزِّناد محتجًّا عليه: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ﴾) على حقكم (﴿شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾) العدول (﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]) الشَّهادة. قال ابن شُبْرُمة: (قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى) بضمِّ أوَّله وفتح الفاء (بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي) وجواب الشَّرط: (فَمَا يَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) و «ما» نافية في قوله: «فما يَحتاج» واستفهاميَّة في قوله: (مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ) بموحَّدة ومعجمة مكسورتين وسكون الكاف، وفي نسخة: «تَذَكُّر» بفوقيَّة ومعجمة مفتوحتين وضمِّ الكاف مشدَّدة (هَذِهِ الأُخْرَى؟) وفي نسخة: «تُذْكِر» بضمِّ الفوقيَّة