الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٦١
الحديث رقم ٢٦٦١ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تعديل النساء بعضهن بعضا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٧٤⦘
وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ، حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، مُتَبَرَّزُنَا، لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ، أَوْ فِي التَّنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي، فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ، فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ. فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضيِئَةًٌ، عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ
⦗١٧٥⦘
النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ، فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنِ الْعَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا وَاللهِ أَعْذِرُكَ مِنْهُ: إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ، حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ، قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي، إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ
⦗١٧٦⦘
ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلَأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ، فَوَاللهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْآيَاتِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ، مَا رَأَيْتِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ.»
قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: مِثْلَهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: مِثْلَهُ.
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:
قال محمد بن مسلم شهاب الزهري التابعي الجليل: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهم من كبار التابعين، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، والأربعة كلهم حدثني بالإفراد قطعة من حديثها، وبعضهم كان أحفظ لحديثها من بعض، وأثبت له سياقًا، وقد حفظت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، فجميع الحديث عن مجموعهم لا أن جميعه عن كل واحد منهم، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أحفظَ له من بعض، وقد جاء ذكر هذه الحادثة في سورة النور.
قالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسافر أقرع بين زوجاته، فيكون تحديد الزوجة التي سترافقه بالقرعة، تطييبًا لقلوبهن، فأي واحدة منهن خرج سهمها أخذها النبي عليه الصلاة والسلام وسافرت معه، فأقرع بيننا عليه الصلاة والسلام في غزوة المُرَيسيع، في السنة السادسة، فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أُنزِلَ الأمر بالحجاب، وكنت أُحمل في الهودج الذي تُحمل فيه النساء، فسرنا حتى إذا انتهى عليه الصلاة والسلام من غزوته شرع في العودة، واقتربنا من المدينة حال رجوعنا، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً بالاستعداد للرحيل، فقمتُ فمشيت لقضاء حاجتي منفردةً، حتى جاوزت الجيش فلما انتهيت من شأني الذي مشيت له رجعت إلى الموضع الذي نزلت به، فلمست صدري فإذا بقلادة لي من خَرَزٍ يمانيٍّ قد انقطعت وضاعت، فرجعت إلى الموضع الذي ذهبتُ إليه، فبحثت عن قلادتي فأخرني طلبه، وجاء القوم الذين كانوا يحملون هودجي، وهو المحمل الذي يستر المرأة في السفر، فحملوه ووضعوه على الجمل الذي كنت أركبه، وهم يظنون أني بداخل الهودج، وكان النساء يومئذ خفاف، لم يكثر لحمهن، لأنهن كنَّ يأكلن القليل من الطعام، فلم ينكر القوم أن الهودج خفيف حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية صغيرة السن لم تبلغ حينئذٍ خمس عشرة سنة، فأثاروا الجمل وساروا، ووجدت عقدي لكن بعدما ذهب الجيش ومضى، فذهبت لأماكنهم فلم أجد منهم أحدًا، فقصدت منزلي وعلمت أنهم سيفقدونني ويرجعون إليّ، وبينما أنا جالسة في منزلي نعست فنمت، من شدة ما اعتراها من الغم، أو أن الله تعالى ألقى عليها النوم لطفًا منه بها لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل، وكان صفوان بن المعطَّل السُّلَمي ثم الذكواني يتخلف وراء الجيش، فمن سقط له شيء من متاعه كالقَدَح والسوط أتاه به، فأصبح عند منزلي فرأى شخصَ إنسانٍ نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل نزول الأمر بالحجاب، فاستيقظت من نومي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فغطيت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، لما شق عليه من ذلك، ونزل حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ليسهل الركوب عليها، فلا تحتاج إلى مساعد، فقمت إليها فركبتها، فانطلق صفوان يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، وذلك في شدَّة الحَرِّ، في وسط الظهيرة حين بلغت الشمس منتهاها من الارتفاع، وكان الجيش قد نزل ووصل إلى المنزل المطلوب.
قالت عائشة رضي الله عنها: فهلك من هلك في أمر الإفك، وكان الذي باشر معظمه عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، قال عروة بن الزبير أُخبرت أن حديث الإفك كان ينتشر ويُتحدث به عند عبد الله بن أبي، فيصدقه ويستمع إليه ولا ينكره ولا ينهى عنه من يقوله، وكان يستخرجه بالبحث عنه حتى يفشيه، وقال عروة بن الزبير: لم يُذكر اسم أحد من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت الشاعر ومِسْطَح بن أُثاثة وحَمْنَة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، في ناس آخرين لا أعلمهم بأسمائهم إلا أنهم عصبة أي عشرة أو ما فوقها إلى الأربعين، كما قال الله تعالى في سورة النور: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}، وإن متولي معظمه يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
قالت عائشة رضي الله عنها: رجعنا إلى المدينة فمرضت حين رجوعنا مدة شهر، والناس يخوضون في قول أصحاب الإفك، وأنا لا أحس بشيء من قولهم ولم أسمعه، ولكن يشككني أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أراه عندما أمرض، بل كان عليه الصلاة والسلام يدخل عليَّ ويقول: كيف حالكِ؟ ثم يخرج، فكان ذلك يشككني ولم أشعر بشيءٍ مما يقولون، حتى أفقت من المرض، فخرجت مع أم مسطح جهة المناصع، وهو موضع خارج المدينة، وكان موضع قضاء حاجتنا، وكنا نخرج له في الليل فقط، قبل أن نتخذ الأماكن المخصَّصة لقضاء الحاجة قريبةً من بيوتنا، وأمرُنا كأمر العرب الأوائل، في قضاء الحاجة في البرية خارج المدينة، وكنا نتأذى إذا وضعنا أماكن قضاء الحاجة داخل بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي سلمى ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب رضي الله عنه، وبعد أن انتهينا من شأننا، وعدنا باتجاه بيتي، تعثرت أم مسطح في كسائها، فقالت حين تعثَّرت: هلك مسطح، قلت: هل تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت: يا هذه، ألم تسمعي ما قال مسطح؟ قلت لها: وماذا قال؟ فأخبرتني بما يقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف حالكم؟ فقلت له: هل تسمح لي أن أزور أبوي؟ وكنت أريد أن أتأكد من الخبر الذي سمعته منهما، فأذن لي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتيتهما فقلت لأمي: يا أماه، ما الذي يتحدث الناس به؟ قالت: يا ابنتي هوِّني عليك، فوالله قلما كانت امرأة حسنة جميلة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا أكثرْنَ عليها القول في عيبها ونقصها، والمراد بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أو نساء غيرها، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت متعجبة من ذلك: سبحان الله، وقد تحدث الناس بذلك، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا ينقطع الدمع من عيني، ولا تغمض لي عين فأنام؛ لأن الهموم داعية للسهر وسيلان الدموع، ثم أصبحت أبكي.
قالت: ودعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأسامة بن زيد حين طال لبث نزول الوحي، يسألهما عن ذلك ويستشيرهما في فراق أهله، ولم تقل في فراقي لكراهتها التصريح بإضافة الفراق إليها، قالت: فأما أسامة فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال أسامة: هم أهلك العفائف ولا نعلم عليهم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله النساء غيرها كثير، و لم يضيق الله عليك بألا تتزوج، واسأل الجارية بريرة فتخبرك بما تعلم منها، ولعلها كانت تخدم عائشة رضي الله عنها حينئذ قبل شرائها أو بعده، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا من جنس ما قيل فيها؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها شيئًا أبدًا أعيبه عليها إلا أنها جارية صغيرة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الشاة أو ما يألف البيوت: شاةً أو غيرَها، فتأكله، وهذا دليل على أنه لا عيب فيها سوى هذه الصفة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، مَن يقوم بعذري ولا يلومني إن كافأته على قبيح فعله، أو من ينصرني من رجل قد وصل أذاه إلى أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا صفوان بن المعطَّل، وما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا وهو معي، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا يا رسول الله أعذرك منه، فإن كان من قبيلتنا الأوس قتلته، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا فيه، وكان عبد الله بن أُبيّ خزرجيًّا، فقام رجلٌ من الخزرج، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع قريبه بالباطل، ولم تغمصه في دينه، ولكن كان بين الحيين مشاحنة قبل الإسلام، ثم زالت وبقي بعض آثارها، فهو من الصالحين ولكن أخذته الحَمِيَّةُ من مقالة سعد بن معاذ فأغضبته، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لن تقتله، ولا تقدر على قتله؛ لأنا نمنعه منه، ولو كان من الأوس ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حُضير وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتله، ولو كان من الخزرج إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا، فإنك منافق وتجادل عن المنافقين، ولم يرد نفاق الكفر، بل إظهاره الود للمنافقين، فنهض الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض من الغضب حتى قاربوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على المنبر، فلا يزال عليه الصلاة والسلام يهدِّئُهم حتى سكتوا وسكت عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة: فبكيت يومي ذلك كله لا تنقطع الدموع من عيني ولا تغمض لي عين بالنوم، وأصبح أبواي أبو بكر وأم رومان عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا بكاءً مستمرًّا شديدًا، حتى أني لأظن أن البكاء سيشق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار لم تُسَمَّ، فأذنت لها فجلست تبكي معي تفجعًا لما نزل بي، فبينما نحن كذلك، دخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قولهم الإفك، وقد مكث عليه الصلاة والسلام شهرًا لا يوحى إليه في شأني هذا بشيء، فتشهد النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة وصلني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة مما نسبوه إليك، فسيثبت الله عز وجل براءتك بوحي ينزله، وإن كان وقع منك ذنب فاستغفري الله وتوبي إليه من هذا الذنب، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب منه، فإن الله يتوب عليه، فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه انقطع دمعي حتى ما أجد منه قطرة، فقلت لأبي: رُدَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما قاله لي، قال: والله لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: رُدِّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: لا أعلم ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فقلت وأنا جارية صغيرة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا، وهذا تمهيد لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب عليه السلام، قالت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم حديث الإفك حتى ثبت في أنفسكم وصدَّقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لن تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأني لست بريئة، والله يعلم أني بريئة ستصدقونني، والله لا أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف، إذ قال: {فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون}، ثم انقلبتُ فرقدتُ على فراشي، وأنا وقتها أعلم أني بريئة، وأن الله سيبرِّئُني، ولكن والله ما كنت أظن أن الله سينزل في أمري وحيًا وقرآنًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر وأصغر من أن يتكلم الله فيَّ بشيءٍ، ولكن كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يثبت الله براءتي بها، قالت: فوالله ما فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت من الذين كانوا حاضرين حينئذٍ حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من العرق من شدة الوحي، حتى إنه لينزل منه مثل اللؤلؤ من العرق وهو في يوم بارد، من ثقل القول الذي ينزل عليه، فلما كُشِف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي كان يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما إن الله عز وجل قد برَّأكِ بالقرآن مما قاله أهل الإفك فيك، فقالت أمي أم رومان: قُومِي إليه صلى الله عليه وسلم لأجل ما بشرك به، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه} العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله تعالى هذه الآيات في براءتي وأقيم الحد على من أقيم عليه، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لأنه ابن خالته ولفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال في عائشة، فأنزل الله {ولا يأتل} أي لا يحلف {أولو الفضل منكم} أي أصحاب التقدم في الدين {والسعة} في المال، كأبي بكر رضي الله عنه {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله})، صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا {وليعفوا وليصفحوا} عنهم خوضهم في أمر عائشة {ألا تحبون} خطاب لأبي بكر {أن يغفر الله لكم} على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {والله غفور رحيم} قال أبو بكر لما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه قبل، وحلف ألا ينزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها عن أمري، فقال: يا زينب ماذا علمت على عائشة أو رأيت منها؟ فقالت يا رسول الله أحفظ سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع، و أحفظ بصري من أن أقول أبصرت ولم أبصر، ما علمت عليها إلا خيًرا، قالت عائشة: وزينب هي التي كانت تطلب من العلو والارتفاع والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب، أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده، من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفظها الله بالورع أن تقول ما يقول أهل الإفك، وجعلت أختها حمنة تحارب لأختها زينب، وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي منزلة أختها زينب، فحُدَّت فيمن حُدَّ من أصحاب الإفك أو أثمت مع من أثم.
قال ابن شهاب: فهذا الذي وصلني من حديث هؤلاء الجماعة، ثم قال عروة، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل فيه ما قيل من الإفك -وهو صفوان بن المعطل- ليقول متعجبًا مما نسبوه إليه: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط، أي سترها وهو كناية عن عدم الجماع، قالت عائشة: ثم قتل صفوان بعد ذلك شهيدًا في سبيل الله.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ شَهَادَة الْمُرْضِعَةِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ: فَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ، وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إِلَّا أَنْ يَتَنَزَّهَا، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ تَشَأِ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَّا فَعَلَتْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تُقْبَلُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَتَعَرَّضَ نِسْوَةٌ لِطَلَبِ أُجْرَةٍ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ دُونَ ثُبُوتِ الْأُجْرَةِ لَهَا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ مَعَ أُخْرَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُتَمَحِّضَاتِ، وَعَكْسُهُ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ وَحْدَهَا بِحَمْلِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ: فَنَهَاهُ عَنْهَا عَلَى التَّنْزِيهِ، وَبحْمَل الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: دَعْهَا عَنْكَ عَلَى الْإِرْشَادِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِعْرَاضِ الْمُفْتِي لِيَتَنَبَّهَ الْمُسْتَفْتِي عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا سَأَلَهُ الْكَفُّ عَنْهُ، وَجَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْمُرَادَ، وَالسُّؤَالِ عَنِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِرَفْعِ النِّكَاحِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ، وَأَنَا لِحَدِيثِ صَاحِبِي أَحْفَظُ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ التَّفْرِقَةِ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ، أَوْ بَيْنَ الْقَصْدِ إِلَى التَّحْدِيثِ وَعَدَمِهِ، فَيَقُولُ الرَّاوِي فِيمَا سَمِعَهُ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، أَوْ قَصَدَ الشَّيْخُ تَحْدِيثَهُ بِذَلِكَ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِالْجَمْعِ أَوْ سَمِعْتُ فَلَانًا يَقُولُ وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ وَهَذَا بعين أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَقَدِ اعْتَمَدَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ فَيَقُولُ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَلَا يَقُولُ: حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالتَّحْدِيثِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَسَأَلَتْ فَأَبْطَأْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: تَصَدَّقُوا عَلَيَّ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا جَمِيعًا زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي - أَيْ بِذَلِكَ - قَبْلَ التَّزَوُّجِ، زَادَ فِي بَابِ إِذَا شَهِدَ شاهد بِشَيْءٍ فَقَالَ آخَرُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ وَفِي الْعِلْمِ فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الرِّحْلَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَزَادَ فِي النِّكَاحِ فَقَالَتْ لِي: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ.
قَوْلُهُ: (دَعْهَا عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ) فِي رِوَايَةِ النِّكَاحِ دَعْهَا عَنْكَ حَسْبُ، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَنَهَاهُ عَنْهَا، زَادَ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَاتِ: فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
١٥ - باب تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ، وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِتى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنْ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنَا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا،
فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ
بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّانَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ الْعَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أنا أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ والله لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتي وَيَوْمًا، حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي إِذْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَاللَّهِ لا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَإن قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلَأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا تبَرِّئُنِي، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَأَخَذَهُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللَّهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ، قالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ بشيء أَبَدًا بَعْدَ أن قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ مَا رَأَيْتِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ قَبْلَهُ حَدِيثُ الْإِفْكِ ثُمَّ قَالَ: بَابُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ الزَّهْرَانِيُّ الْعَتَكِيُّ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ، الْبَصْرِيُّ، نَزَلَ بَغْدَادَ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اتَّفَقَنا عَلَيْهِ إِخْرَاجُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ، وَفِي طَبَقَتِهِ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْضًا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَحَدُهُمَا الْخُتَّلِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ بَغْدَادِيٌّ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالرِّشْدِينِيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِصْرِيٌّ لَمْ يُخَرِّجَا لَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا
فُلَيْحٌ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ رَفِيقًا لِأَبِي الرَّبِيعِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ فُلَيْحٍ وَأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ رَفِيقًا لِلْبُخَارِيِّ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَكَانَ يَقُولُ: قَالَا: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ بِالتَّثْنِيَةِ.
وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَيْضًا صَنِيعُ الْبَرْقَانِيِّ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي الْمُصَافَحَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ فُلَيْحٍ، لَكِنْ وَقْعَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيعٍ وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَفْظَه قَالَا سَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِسْقَاطِهَا كَثِيرًا فِي الْأَسَانِيدِ فَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ بَدَلَهَا قَالَ بِالْإِفْرَادِ، وَبِمَا قَالَ خَلَفٌ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ، وَأَمَّا جَزْمُ الْمِزِّيِّ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ خَلَفٌ وَهَمٌ فَلَيْسَ هَذَا الْجَزْمُ بِوَاضِحٍ، وَزَعَمَ ابْنُ خَلْفُونٍ أَنَّ أَحْمَدَ هَذَا هُوَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدَ بْنَ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّ وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ أَيْضًا: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَأَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ طَائِفَةً مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فُلَيْحٍ مِمَّنْ تَسَمَّى أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْإِفْكِ بِطُولِهِ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ، ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ مِثْلَهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ مِثْلَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ، وَبَيَانُ مَا زَادَتْ رِوَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَمَا نَقَصَتْ عَنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ أَخْبَرُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ عَنْ فُلَيْحٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَصْحَابَ الْإِفْكِ جُلِدُوا الْحَدَّ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ إِسْنَادٌ آخَرُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا سُؤَالُهُ ﷺ بَرِيرَةَ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ، وَجَوَابُهَا بِبَرَاءَتِهَا وَاعْتِمَادُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلِهَا حَتَّى خَطَبَ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وَكَذَلِكَ سُؤَالُهُ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ وَجَوَابُهَا بِبَرَاءَتِهَا أَيْضًا، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي حَقِّ زَيْنَبَ: هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، فَفِي مَجْمُوعِ ذَلِكَ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ الْجُمْهُورَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: التَّزْكِيَةُ خَبَرٌ وَلَيْسَتْ شَهَادَةً فَلَا مَانِعَ مِنَ الْقَبُولِ، وَفِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ أَنْ تُقْبَلَ تَزْكِيَتُهُنَّ لِبَعْضِهِنَّ لَا لِلرِّجَالِ ; لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ اعْتَلَّ بِنُقْصَانِ الْمَرْأَةِ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ التَّزْكِيَةِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْ قِيلَ إِنَّهُ تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ بِقَوْلٍ حَسَنٍ وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ يَكُونُ إِبْرَاءً مِنْ سُوءٍ لَكَانَ حَسَنًا كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قَبُولُ تَزْكِيَتِهِنَّ فِي شَهَادَةٍ تُوجِبُ أَخْذَ مَالٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخْرَجَ بِهَا مَعَهُ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْبَاقِينَ خَرَجَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أُخْرِجَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ظِفَارٍ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتِي وَيَوْمًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ لَيْلَتِي وَيَوْمِي، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) الزَّهرانيُّ العَتَكيُّ -بفتح العين المهملة والمثنَّاة الفوقيَّة- بصريٌّ دخل بغداد (وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ) بعض معاني الحديث ومقاصد لفظه (أَحْمَدُ) مجرَّدًا عن النَّسب، ولم يبيِّنه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ، وفي «الأطراف» لخلفٍ أنَّه ابن يونس، وجزم به الدِّمياطيُّ، وكذا ثبت في حاشية الفرع كأصله ورُقِمَ عليه علامة ق. وقال ابن حَجَر:
إنَّه رآه كذلك في نسخة الحافظ أبي الحسن اليونينيِّ. قلت: وكذا رأيته، وقد أهمله في جميع الرِّوايات الَّتي وقعت له إلَّا هذه. وقال ابن عساكر والمزِّيُّ: إنَّه وهم، وفي «طبقات القرَّاء» للذَّهبيِّ: أنَّه ابن النَّضر، وزعم ابن خلفون: أنَّه ابن حنبل، وأحمد بن يونس هذا هو أحمد بن عبد الله بن يونس، اليربوعيُّ المعروف بشيخ الإسلام، وهل أحمد المذكور هنا رفيق لأبي الرَّبيع في الرِّواية عن فُلَيح؟ فيكون المؤلِّف حمله عنهما معًا على الصِّفة المذكورة أو رفيقٌ للمؤلِّف في الرِّواية عن أبي الرَّبيع قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الخزاعيُّ أو الأسلميُّ أبو يحيى (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة وكسرِها (وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) العتواريِّ (وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، الأربعة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة: أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ).
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب: (وَكُلُّهُمْ) أي: عروة فمن بعده (حَدَّثَنِي طَائِفَةً) قطعة (مِنْ حَدِيثِهَا) وقد انتُقِدَ على الزُّهريِّ روايته (١) لهذا الحديث ملفَّقًا (٢) عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كلِّ واحد عن الآخر، حكاه عياض فيما ذكره في «الفتح» (وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى) أحفظ لأكثر هذا الحديث (مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا) أي: سياقًا (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ) أي: بعض الحديث (الَّذِي حَدَّثَنِي) به منه (عَنْ) حديث (عَائِشَةَ) فأطلق الكلَّ على البعض، فلا تنافي بين قوله: وكلُّهم
حدَّثني طائفةً من الحديث، وبين قوله: وقد وعيت عن كلِّ واحد منهم الحديث، كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ. والحاصل: أنَّ جميع الحديث عن مجموعهم، لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحد منهم (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ) أي: قالوا: إنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا) أي: إلى سفر، فهو نصبٌ بنزع الخافض، أو ضمَّن «يخرج» معنى: «يُنشئ»، فالنَّصب على المفعوليَّة (١) (أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التَّأنيث. قال الزَّركشيُّ -فيما نقله عنه في «المصابيح» ولم أره في النُّسخة الَّتي وقفت عليها من «التَّنقيح» - إنَّه الوجه، ويُروى: «فأيُّهنَّ» بدون تاء تأنيث، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ، فقال: دعواه أنَّ الرِّواية الثَّانية ليست على الوجه خطأٌ؛ إذ المنصوص أنَّه إذا أريد بـ «أيِّ» المؤنَّث، جاز إلحاق التَّاء به موصولًا كان أو استفهامًا أو غيرهما. انتهى. ولم أقف على الرِّواية الثَّانية هنا. نعم، هي في تفسير سورة النُّور لغير أبي ذرٍّ، والمعنى: فأيُّ أزواجه (خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخرج» بزيادة همزة، قال في «الفتح»: والأوَّل هو الصَّواب، ولعلَّ ذا الهمزة «أُخرِجَ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَقْرَعَ) ﵊ (بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق من خزاعة (فَخَرَجَ سَهْمِي) فيه إشعار بأنَّها كانت في تلك الغزاة وحدها، ويؤيِّده ما في رواية ابن إسحاق بلفظ: فخرج سهمي عليهنَّ فخرج بي معه، وأمَّا ما ذكره الواقديُّ من خروج أمِّ سلمة معه أيضًا في هذه الغزوة فضعيف.
قالت عائشة: (فَخَرَجْتُ مَعَهُ) ﵊ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) أي: الأمر به (فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ) بضمِّ الهمزة فيهما، مبنيِّين للمفعول، والهودج -بهاء ودال مهملة مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، آخره جيم- محمل له قبَّة تستر بالثِّياب ونحوها، يوضع على
ظهر البعير، يركب فيه النِّساء ليكون أستر لهنَّ (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ) بقاف ففاء، أي: رجع من غزوته (وَدَنَوْنَا) أي: قربنا (مِنَ المَدِينَةِ آذَنَ) بالمدِّ والتَّخفيف، ويجوز القصر والتَّشديد، أي: أعلَمَ (لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: فنزل منزلًا، فبات به بعض اللَّيل، ثمَّ آذن بالرَّحيل (فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ) بالمدِّ والقصر، كما مرَّ (فَمَشَيْتُ) أي: لقضاء حاجتي منفردة (حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) أي: الَّذي توجَّهت له (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) إلى المنزل (فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي) بكسر العين: قلادة (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي، بعدها عينٌ مهملةٌ، مضافٌ لقوله: «أظفار» بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة، والجزع: خرز معروف، في سواده بياض كالعروق، وقد قال التِّيفاشيُّ: لا يُتيمَّنُ بلبسه، ومن تقلَّده كثرت همومه، ورأى منامات رديئة، وإذا عُلِّق على طفل سال لعابه، وإذا لُفَّ على شعر المطلَقة سهلت ولادتها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ظَفارٍ» بإسقاط الهمزة وفتح الظَّاء وتنوين الرَّاء فيهما، كما في «الفرع» وغيره. قال ابن بطَّال: الرِّواية: «أظفار» بألف، وأهل اللُّغة لا يقرؤونه بألف، ويقولون: ظَفار، وقال الخطابيُّ: الصَّواب الحذف وكسر الرَّاء مبنيٌّ، كحَضارِ: مدينة باليمن، قالوا: فدلَّ على أنَّ رواية زيادة الهمزة وهمٌ، وعلى تقدير صحَّة الرِّواية فيحتمل أنَّه كان من الظَّفر أحد أنواع القسط، وهو طيِّب الرَّائحة يُتبَخَّر به، فلعلَّه عُمِلَ مثل الخرز، فأطلقَتْ عليه جَزْعًا تشبيهًا به، ونظمتْهُ قلادة، إمَّا لحسن لونه أو لطيب ريحه، وفي رواية الواقديِّ كما في «الفتح»: فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمِّي قد (١) أدخلتني به على رسول الله ﷺ (قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: قد انسلَّ من عنقي وأنا لا أدري (فَرَجَعْتُ) أي: إلى المكان الَّذي ذهبت إليه (فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي: طلبه، وعند الواقديِّ: وكنت أظنُّ أنَّ القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتَّى أكون في هودجي (فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي) بفتح أوَّله وسكون الرَّاء مخفَّفًا، أي: يشدُّون الرَّحل على بعيري، ولم يُسَمَّ أحد منهم. نعم، ذكر
منهم الواقديُّ: أبا مُوَيْهبة (١)، وقال البَلاذُريُّ: إنَّه شهد غزوة المريسيع، وكان يخدم بعير عائشة، ولأبي ذَرٍّ: «يُرَحِّلون» بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء مشددًا (فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ) بالتَّخفيف، ولأبي ذَرٍّ: «فرحَّلوه» بالتَّشديد، أي: وضعوا هودجي (عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ) أي: عليه، وفي قوله: «فرحلوه على بعيري» تجوُّز، لأنَّ الرَّحل هو الَّذي يوضع على ظهر البعير، ثمَّ يوضَع الهودج فوقه (وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ) في الهودج (وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ) بكثرة الأكل (وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) لم يكثر عليهنَّ (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ) بضمِّ العين وسكون اللَّام وبالقاف، أي: القليل (مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ) و «ثِقَل»: بكسر المثلَّثة وفتح القاف؛ الَّذي اعتادوه منه الحاصل فيه بسبب ما رُكِّبَ منه (٢) من خشب وحبال وستور وغيرها؛ ولشدَّة نحافة عائشة لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثِقَل، وفي تفسير «سورة النُّور» [خ¦٤٧٥٠] من طريق يونس: خفَّة الهودج وهذه أوضح (٣)، لأنَّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنَّها لخفَّة جسمها بحيث إنَّ الَّذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدَمِهَا، ولهذا أردفت ذلك بقولها: (وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) لم تكمل إذ ذاك خمس عشرة سنة (فَبَعَثُوا الجَمَلَ) أي: أثاروه (وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ) أي: ذهب ماضيًا، وهو استفعل من مرَّ (فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ) وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ (فَأَمَمْتُ) بالتَّخفيف: فقصدت (مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَظَنَنْتُ) أي: علمت (أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) بكسر القاف وحذف النُّون تخفيفًا، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سيفقدونني» (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا جَالِسَةٌ) وجواب «بينا» قوله: (غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، فَنِمْتُ) أي: من شدَّة الغمِّ الَّذي اعتراها، أو أنَّ الله تعالى لطف بها، فألقى عليها النَّوم لتستريح من وحشة الانفراد في البريَّة باللَّيل (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ) بفتح الطَّاء المشدَّدة (السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) بالذَّال المعجمة، منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة، وكان صحابيًّا فاضلًا (مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ) وفي حديث ابن عمر عند الطَّبرانيِّ:
«أنَّ صفوانَ كان سأل النَّبيَّ ﷺ أن يجعله على السَّاقة، فكان إذا رحل النَّاس قام يصلِّي ثمَّ اتَّبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»، وفي حديث أبي هريرة عند البزَّار: وكان صفوان يتخلَّف عن النَّاس فيصيب القدح والجراب والإداوة، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان في «الإكليل» (١): فيحمله فيقدم به فيعرِّفه في أصحابه (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي) كأنَّه تأخَّر في مكانه حتَّى قرب الصُّبح، فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش ممَّا يخفيه اللَّيل، أو كان تأخُّره ممَّا جرت به عادته من غلبة النَّوم عليه (فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ) أي: شخص إنسان (نَائِمٍ) لا يدري أرجل أو امرأة (فَأَتَانِي) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فعرفني حين رآني (وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ) أي: قبل نزوله (فَاسْتَيْقَظْتُ) من نومي (بِاسْتِرْجَاعِهِ) أي: بقوله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) وكأنَّه شقَّ عليه ما جرى لعائشة فلذا استرجع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتَّى أناخ راحلته» (فَوَطِئَ يَدَهَا) أي: وطئ صفوان يد الرَّاحلة ليسهل الرُّكوب عليها فلا تحتاج إلى مساعد (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ) صفوان حال كونه (يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حال كونهم (مُعَرِّسِينَ) بفتح العين المهملة وكسر الرَّاء المشدَّدة، بعدها سين مهملة، نازلين (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) حين بلغت الشَّمس منتهاها من الارتفاع، وكأنَّها وصلت إلى النَّحر، وهو أعلى الصَّدر، أو أوَّلها، وهو وقت شدَّة الحرِّ (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) زاد أبو صالح: «في شأني» وفي رواية أبي أُوَيس عند الطَّبرانيِّ: فهنالك قال أهل الإفك فيَّ وفيه ما قالوا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) أي: تصدَّى له وتقلَّده رأسُ المنافقين (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، و «ابنُ سلول» يُكْتَب بالألف والرَّفع؛ لأنَّ سَلول -بفتح السِّين غير منصرفٍ- عَلَمٌ لأمِّ عبد الله، فهو صفة لعبد الله، لا لأُبيٍّ، وأتباعه: مسطح بن أثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وفي حديث ابن عمر: فقال عبد الله بن أُبيٍّ: فَجَرَ بها وربِّ
الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة وشاع ذلك في العسكر (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) مرضت (بِهَا شَهْرًا) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «حين قدمتها» وزاد هنا بدلها: «بها» (والنَّاس يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله؛ يشيعون (مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) وسقط للحَمُّويي والمُستملي قوله: «والنَّاس» (وَيَرِيبُنِي) بفتح أوَّله مِنْ: رابه، ويجوز ضمُّه من: أرابه، أي: يشكِّكني ويوهمني (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ) بضمِّ اللَّام وسكون الطَّاء، عند ابن الحطيئة عن أبي ذرٍّ، كذا في حاشية فرع «اليونينيَّة» كهي، وفي متنهما زيادة: «فتح اللَّام والطَّاء»، أي: الرِّفق (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ) بفتح الهمزة والرَّاء (إِنَّمَا يَدْخُلُ) ﵊ (فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فيقول»: (كَيْفَ تِيكُمْ؟!) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، وهي في الإشارة إلى المؤنَّث مثل: ذاكم في المذكر، قال في «التَّنقيح»: وهي تدلُّ على لطف من حيث سؤاله عنها، وعلى نوع جفاءٍ من قوله: «تيكم» (لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الَّذي يقوله أهل الإفك (حَتَّى نَقَهْتُ) بفتح النُّون والقاف، وقد تكسر، أي: أفقت من مرضي ولم تتكامل لي الصِّحَّة (فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح الطَّاء المهملتين، آخره حاء مهملة (قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، و «المناصع» بالصَّاد والعين المهملتين: موضعٌ خارج المدينة (مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الرَّاء المشدَّدة وبالرَّفع، أي: وهو متبرَّزنا، أي: موضع قضاء حاجتنا، ولغير أبي ذرٍّ: «متبرَّزِنا» بالجرِّ بدلًا من «المناصعِ» (لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ) بضمِّ الكاف والنُّون، جمع كنيف وهو السَّاتر، والمراد به هنا: المكان المتَّخذ لقضاء الحاجة (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو وكسر اللَّام في الفرع وغيره نعتٌ للعرب، وفي نسخة: «الأَوَّلُ» بفتح الهمزة وتشديد الواو وضمِّ اللَّام، نعت للأمر. قال النَّوويُّ: وكلاهما صحيح، وقد ضبطه ابن الحاجب: بفتح الهمزة، وصرّح بمنع وصف الجمع بالضمِّ، ثمَّ خرَّجه على تقدير ثبوته، على أنَّ «العرب» اسم جمع تحته جموع، فيصير مفردًا بهذا التَّقدير، قال: والرِّواية الأولى أشهر وأقعد. انتهى. أي: لم يتخلَّقوا بأخلاق أهل الحاضرة والعجم في التَّبرُّز (فِي البَرِّيَّةِ) بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء والمثنَّاة التَّحتيَّة، خارج المدينة (أَوْ فِي التَّنَزُّهِ) بمثنَّاة فوقيَّة فنون ثمَّ
زاي مشدَّدة. طلب النَّزاهة، والمراد البعد عن البيوت، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) سلمى (بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ) حال كوننا (نَمْشِي) أي: ماشين، و «رُهْم»: بضمِّ الرَّاء وسكون الهاء، واسمه: أنيس (فَعَثَرَتْ) بالعين المهملة والمثلَّثة والرَّاء المفتوحات، أي: أمُّ مسطح (فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم، كساء من صوف أو خَزٍّ أو كتَّان، قاله الخليل (فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ) بكسر العين المهملة وفتح الفوقيَّة قبلها، آخره سين مهملة، وقد تُفتَح العين، وبه قيَّد الجوهريُّ، أي: كُبَّ لوجهه، أو هلك، أو لزمه الشَّرُّ (فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟!) وعند الطَّبرانيِّ: أتسبِّين ابنك وهو من المهاجرين الأوَّلين؟ (فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ) بفتح الهاء وسكون النُّون وقد تُفتَح، وبعد المثنَّاة الفوقيَّة ألفٌ ثمَّ هاء ساكنة في الفرع كأصله، وقد تُضَمُّ، أي: يا هذه، نداءٌ للبعيد، فخاطبتْها خطاب البعيد لكونها نسبتْها للبَلَهِ وقلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) (أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ (٢) الإِفْكِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «أهل الإفك» (فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى) أي: مع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «على» (مَرَضِي) قال في «الفتح»: وعند سعيد بن منصور من مرسل أبي صالح: فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا والله، فأخبرتها بما خاض فيه النَّاس فأخذتْها الحمَّى، وعند الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أيُّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: لمَّا بلغني ما تكلَّموا به هممتُ (٣) أن آتي قليبًا، فأطرح نفسي فيه (فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي) أن آتي (إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا) بكسر القاف
وفتح الموحَّدة، أي: من جهتهما (فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ) في ذلك (فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي) أمِّ رومان، زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] يا أمتاه (مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة مِنْ «يتحدَّث» ولأبي ذرٍّ: «ما يتحدَّث النَّاس به» بتقديم «النَّاس» على الجارِّ والمجرور (فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ) بالرَّفع، صفة لـ «امرأة»، أو بالنَّصب على الحال، واللَّام في لـ «قلَّ» للتَّأكيد، و «قلَّ»: فعلٌ ماضٍ دخلت عليه «ما» للتَّأكيد، والوضيئة: بالضَّاد المعجمة والهمزة والمدِّ على وزن: عظيمة من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، وكانت عائشة ﵂ كذلك. ولمسلم من رواية ابن ماهان: «حظيَّة» من الحظوة، أي: وجيهة رفيعة المنزلة (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) جمع ضرَّة، وزوجات الرَّجل ضرائر؛ لأنَّ كلَّ واحدة يحصل لها الضَّرر من الأخرى بالغيرة (إِلَّا أَكْثَرْنَ) أي: نساء ذلك الزَّمان (عَلَيْهَا) القول في عيبها ونقصها، فالاستثناء منقطع، أو بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أمِّ المؤمنين، فالاستثناء متَّصل، والأوَّل هو الرَّاجح لأنَّ أمَّهات المؤمنين لم يعبنها (١). سلَّمنا أنَّه متَّصل، لكنَّ المراد بعضُ أتباع الضَّرائر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] فأطلق الإياس على الرُّسل، والمراد: بعض أتباعهم، وأرادت أمُّها بذلك أن تهوِّن عليها بعضَ (٢) ما سمعت، فإنَّ الإنسان يتأسَّى بغيره فيما يقع له، وطيَّبت خاطرها بإشارتها بما يُشْعِر بأنَّها فائقة الجمال والحظوة عنده ﷺ (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجُّبًا من وقوع مثل ذلك في حقِّها مع براءتها المحقَّقة عندها، وقد نطق القرآن الكريم بما تلَّفظت به، فقال تعالى عند ذكر ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟!) بالمضارع المفتوح الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «تحدَّث النَّاس (٣)» بالماضي، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاريِّ [خ¦٤٧٥٧] فاستعبرت فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الَّذي ذُكِرَ من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنيَّة إلَّا رجعتِ إلى بيتك، فرجعت (قَالَتْ) أي: عائشة: (فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) بالقاف والهمزة، أي: لا ينقطع (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهموم موجبة للسَّهر وسيلان الدُّموع. وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٣]
عن مسروق عن أمِّ رومان: «قالت عائشة: سمعَ رسولُ الله ﷺ؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرَّت مغشيًّا عليها، فما أفاقت إِلَّا وعليها حمًّى بنافض (١)، فطرحتْ عليها ثيابها فغطَّتها» (ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله تعالى عنه (وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ) حال كونه (يَسْتَشِيرُهُمَا) لعلمه بأهليَّتهما للمشورة (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) لم تقل: في فراقي، لكراهتها التَّصريح بإضافة الفراق إليها، و «الوحيُ» بالرَّفع في الفرع، أي: طال لبث نزوله. وقال ابن العراقيِّ: ضبطناه بالنَّصب على أنَّه مفعول لقوله: «استلبث» أي: استبطأ النَّبيُّ ﷺ الوحي، وكلام النَّوويِّ يدلُّ على الرَّفع (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ) ﷺ (بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ): هم (أَهْلُكَ) العفائف اللَّائقات بك، وعبَّر بالجمع إشارة إلى تعميم أمَّهات المؤمنين بالوصف المذكور، أو أراد تعظيم عائشة، وليس المراد أنَّه تبرَّأ من الإشارة، ووكل الأمر في ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما أشار وبرَّأها. وجوَّز بعضهم النَّصب، أي: أمسكْ أهلَكَ، لكنَّ الأَولى الرَّفع، لرواية معمر حيث قال: «هم أهلك» (يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا) إنَّما حلف ليقوِّي عنده ﵊ براءتَها ولا يشكَّ، وسقط لفظ «والله» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ) وللحَمُّويي والمُستملي (٢): «لم يُضَيَّق عليك» بحذف الفاعل للعلم به، وبناء الفعل للمفعول (وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بصيغة التَّذكير للكلِّ على إرادة الجنس، وللواقديِّ: قال له (٣): قد أحلَّ الله لك وأطاب، طلِّقها وانكح غيرها، وإنَّما قال لما رأى عنده ﵊ من القلق والغمِّ لأجل ذلك، وكان شديد الغَيرة صلوات الله وسلامه عليه، فرأى عليٌّ (٤) أنَّ بفراقها يسكن ما عنده بسببها إلى أن يتحقَّق براءتها، فيراجعها، فبذل النَّصيحة لإراحته، لا عداوةً لعائشة. وقال في «بهجة النُّفوس» ممَّا قرأته فيه (٥): لم يجزم عليٌّ بالإشارة بفراقها، لأنَّه عقَّب (٦) ذلك
بقوله: (وَسَلِ الجَارِيَةَ) بريرة (تَصْدُقْكَ) بالجزم على الجزاء، ففوَّض عليٌّ الأمر في ذلك إلى نظره ﵊، فكأنَّه قال: إن أردت تعجيل الرَّاحة ففارقْها، وإن أردت خلاف ذلك، فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطَّلع على براءتها؛ لأنَّه كان يتحقَّق أنَّ بريرة لا تخبره إلَّا بما علمتْه، وهي لم تعلم من عائشة إلَّا البراءة المحضة (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ) قال الزَّركشيُّ: قيل: إنَّ هذا وهم، فإنَّ بريرة إنَّما اشترتها عائشة، وأعتقتها قبل ذلك، ثمَّ قال: والمخلص من هذا الإشكال أنَّ تفسير الجارية ببريرة مدرَج في الحديث من بعض الرُّواة ظنًّا منه أنَّها هي (١). قال (٢) في «المصابيح»: وهذا -أي: الَّذي قاله الزَّركشيُّ- ضِيقُ عَطنٍ، فإنَّه لم يرفع (٣) الإشكال إلَّا بنسبة الوهم إلى الرَّاوي، قال: والمخلص عندي من الإشكال الرَّافع لتوهيم الرُّواة وغيرهم أن يكون إطلاق الجارية على بريرة وإن كانت معتَقَة إطلاقًا مجازيًّا باعتبار ما كانت عليه، فاندفع الإشكال ولله الحمد. انتهى. وهذا الَّذي قاله في «المصابيح» بناء على أسبقيَّة عتق بريرة، وفيه نظر؛ لأنَّ قصَّتها إنَّما كانت بعد فتح مكَّة؛ لأنَّها لمَّا خُيِّرت فاختارت نفسها كان زوجها يتبعها (٤) في سكك المدينة، يبكي عليها، فقال رسول الله ﷺ للعبَّاس: «يا عبَّاس، ألا تعجب من حبِّ مغيث بريرة؟!» ففيه دلالة على أنَّ قصَّة بريرة كانت متأخِّرة في السَّنة التَّاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطَّائف، وكان ذلك في أواخر (٥) سنة ثمانٍ، ويؤيِّد ذلك قول ابن عبَّاس: إنَّه شاهد ذلك، وهو إنَّما قدم المدينة مع أبويه، وأيضًا فقول عائشة: «إن شاء مواليك أن أعدَّها لهم عدَّة واحدة» فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر؛ لأنَّهم كانوا في أوَّل الأمر في غاية الضِّيق ثمَّ حصل لهم التَّوسع بعد الفتح، وقصَّة الإفك في المريسيع سنة ستٍّ أو سنة أربع، وفي ذلك ردٌّ على من زعم أنَّ قصَّتها كانت
رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) زاد الطَّبرانيُّ (١) في روايته: «صالحًا» (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) وهو سيِّد الأوس، وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن معاذ». واستُشكِل ذكر سعد بن معاذ هنا: بأنَّ حديث الإفك كان سنة ستٍّ في غزوة المريسيع كما ذكره ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات سنة أربع من الرَّمية التي رُمِيَها بالخندق. وأُجيبَ: بأنَّه اختُلِفَ في المريسيع، وقد حكى البخاريُّ عن موسى بن عقبة: أنَّها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق، فتكون المريسيع قبلها، لأنَّ ابن إسحاق جزم بأنَّها كانت في شعبان وأنَّ الخندق كانت في شوَّال، فإن كانا في سنة استقام ذلك، لكنَّ الصَّحيح في النَّقل عن موسى بن عقبة: أنَّ المريسيع سنة خمس، فما في البخاريِّ عنه من أنَّها سنة أربع سَبْقُ قلم، والرَّاجح أنَّ الخندق أيضًا في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق، فيصحُّ الجواب.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «والله أنا» (أَعْذِرُكَ مِنْهُ) بكسر الذَّال (إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) قبيلتنا (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ) وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان سيِّدهم -كما مرَّ- فجزم بأنَّ حكمه فيهم نافذ، ومن آذاه ﷺ وجب قتله (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ) «مِنْ» الأولى تبعيضيَّة، والثَّانية بيانيَّة، ولأبي ذرٍّ: «من إخواننا الخزرج» بإسقاط (٢) البيانيَّة (أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ) وإنَّما قال ذلك، لما كان بينهم من قبل، فبقيْت فيهم بعض أنَفَة أن يحكم بعضهم في بعض، فإذا أمرهم النَّبيُّ ﷺ بأمر (٣) امتثلوا أمره (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) شهد العقبة وكان أحد النُّقباء، ودعا له ﷺ، فقال: «اللهمَّ اجعل صلواتِك ورحمتَك على آل سعد بن عبادة» رواه أبو داود (وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ) بعد أن فرغ سعد بن معاذ من مقالته (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) أي: كاملًا في الصَّلاح (وَلَكِنِ) لأبوي ذرٍّ
في رواية أبي أسامة في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «أما والله لو كان من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم» (لَعَمْرُ اللهِ) بفتح العين، أي: وبقاء الله (لَا تَقْتُلُهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «والله لا تقتله» قال في «الفتح»: وفسَّر قوله: «لا تقتلُه» بقوله: (وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ) لأنّا نمنعك منه، ولم يُرِدْ سعد بن عبادة الرِّضا بما نُقِل عن عبد الله بن أُبيٍّ، ولم تُرِدْ عائشة ﵂ أنَّه ناضل عن المنافقين، وأما قولها: «وكان قبل (١) ذلك رجلًا صالحًا» أي: لم يتقدَّم منه ما يتعلَّق بالوقوف مع أنفة الحميَّة، ولم تغمصه في دينه، لكنْ كان بين الحيَّين مشاحنة قبل الإسلام، ثمَّ زالت بالإسلام، وبقي بعضها بحكم الأنَفَة، فتكلَّم سعد بن عبادة بحكم الأنفة، ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ. وقد وقع في بعض الرِّوايات بيان السَّبب الحامل لسعد بن عبادة على مقالته هذه لابن معاذ. ففي رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلَّا أنَّك علمت أنَّه من الخزرج، وفي رواية يحيى بن عبد الرَّحمن (٢) بن حاطب عند الطَّبرانيِّ: فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ، ولكنَّها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهليَّة وإحن (٣) لم تحلل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت. وقال في «بهجة النُّفوس»: إنَّما قال سعد بن عبادة لابن معاذ: «كذبت لا تقتله»، أي: لا تجد لقتله من سبيل لمبادرتنا قبلك لقتله، ولا تقدر على ذلك، أي: لو امتنعنا من النُّصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه من بين أيدينا لقوَّتنا. قال: وهذا في غاية النُّصرة إذ إنَّه يخبر أنَّه في غاية (٤) القوَّة والتَّمكين، بحيث لا يقدر له الأوس مع قوَّتهم وكثرتهم، ثمَّ هم مع ذلك تحت السَّمع والطَّاعة للنَّبيِّ ﷺ، فحملته الحميَّة مثل ما احتملت (٥) الأوَّل أو أكثر، فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرته ﷺ وهو قادر عليها، فقال لابن معاذ ما قال، وإنَّما قالت عائشة: «ولكن احتملته الحميَّة» لتبيِّن شدَّة نصرته في القضيَّة (٦) مع إخبارها بأنَّه صالح، لأنَّ الرَّجل
الصَّالح أبدًا يُعرَف منه السُّكون والنَّاموس، لكنَّه زال عنه ذلك من شدَّة ما توالى عليه من الحميَّة لنبيِّه ﷺ. انتهى. وهو محمل حسن، ينفي ما في ظاهر اللَّفظ ممَّا لا يخفى.
(فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُسَيد» والحاء المهملة وفتح المعجمة من «الحُضَير» مصغَّرين، ولأبي ذرٍّ: «ابن حُضَير» زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] وهو ابن عمِّ سعد بن معاذ، أي: من رهطه (١) (فَقَالَ) لابن عبادة: (كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) أي: ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، وليست لكم قدرةٌ على منعنا، قابَلَ قوله لابن معاذ: «كذبت لا تقتله» بقوله: «كذبت لنقتلنَّه» (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ) قال له ذلك مبالغة في زجره عن القول الَّذي قاله، أي: إنَّك تصنع صنيع المنافقين، وفسَّره بقوله: (تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ) قال المازريُّ: لم يرد نفاق الكفر، وإنَّما أراد أن يظهر الودَّ للأوس، ثمَّ ظهر منه في هذه القصَّة (٢) ضدَّ ذلك، فأشبه حال المنافق (٣)؛ لأنَّ حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، وقال ابن أبي جمرة: وإنَّما صدر ذلك منهم لأجل قوَّة حال الحميَّة الَّتي غطَّت على قلوبهم حين سمعوا ما قال ﷺ، فلم يتمالك أحد منهم إِلَّا قام في نصرته؛ لأنَّ الحال إذا ورد على القلب ملكه، فلا يرى غير ما هو لسبيله، فلمَّا غلبهم حال الحميَّة لم يراعوا الألفاظ، فوقع منهم السِّباب والتَّشاجر لغيبتهم لشدَّة انزعاجهم في النُّصرة.
(فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ) بمثلَّثة، والحيّان -بمهملة فتحتيَّة مشدَّدة- تثنية حيٍّ، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حَتَّى هَمُّوا) زاد في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] أن يقتتلوا (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ) ﵊ (وَبَكَيْتُ يَوْمِي) بكسر الميم وتخفيف الياء (لَا يَرْقَأُ) بالهمزة، لا يسكن ولا ينقطع (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهمَّ يوجب السَّهر وسيلان الدُّموع (٤) (فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ) أبو بكر الصِّدِّيق وأمُّ رومان، أي: جاءا إلى المكان الَّذي هي فيه من بيتهما (قَدْ) ولأبوي ذرٍّ
والوقت (١): «وقد» (بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليلتي» بالإفراد (وَيَوْمًا) ولأبي الوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ويومي» بكسر الميم وتخفيف الياء ونسبتْهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما. وقال الحافظ ابن حجر: في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ: «ليلتين ويومًا»، أي: اللَّيلة الَّتي أخبرتْها فيها أمُّ مسطح الخبر، واليوم الَّذي خطب فيه ﵊ النَّاس والَّتي تليه (حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا) أي: أبواها (جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي) جملة حالية (إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي) تفجُّعًا لما نزل بعائشة وتحزُّنًا عليها (فَبَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي أسامة عن هشام في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٧] فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتَّى دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد صلَّى العصر، ثمَّ دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي (فَجَلَسَ) ﵊ (وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ) بتشديد الياء، ولأبي ذرٍّ: «يومٍ (٢)» بالتَّنوين، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لي» (مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي) أمري وحالي (شَيْءٌ) ليُعلم المتكلِّم من غيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء».
(قَالَتْ) عائشة: (فَتَشَهَّدَ) ﵊، وفي رواية هشام بن عروة: [خ¦٤٧٥٧] «فحمد الله وأثنى عليه» (ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا رُمِيَت به من الإفك (فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) بوحي ينزله (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ (٣): «بذنب» أي: وقع منك على خلاف العادة (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ) وفي رواية أبي أويس عند الطَّبرانيِّ: «إنَّما أنتِ من بنات آدم، إن كنت أخطأت فتوبي» (فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ) أي: منه إلى الله (تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي) بفتح القاف واللَّام، آخره صاد مهملة، أي: انقطع، لأنَّ الحزن والغضب إذا أخذا حدَّهما فُقِدَ الدَّمع لفرط حرارة المصيبة (حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضمِّ الهمزة وكسر المهملة، أي: ما أجد
(مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَتْ) عائشة (١): (وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ) بكسر «إنِّي» (لَا تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذر: «لا تصدقونني» (بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي (٢) بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي) بضمِّ القاف وإدغام إحدى النُّونين في الأخرى (وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب ﵍ (إِذْ) أي: حين (قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: فأَمْرِي صبرٌ جميل لا جزع فيه على هذا الأمر (٣)، وفي مرسل حبَّان بن أبي جبلة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: «صبر لا شكوى فيه» أي: إلى الخلق، قال صاحب «المصابيح»: إنَّه رأى في بعض النُّسخ: «صبرٌ» بغير فاء مصحَّحًا عليه، كرواية ابن إسحاق في «سيرته» (﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: على ما تذكرون عنِّي ممَّا يعلم الله براءتي منه.
(ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي) زاد ابن جرير (٤) في روايته: «وولَّيت وجهي نحو الجدار» (وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ) بتخفيف النُّون (وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ) الله -بضمِّ أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- وحُذِفَ الفاعل للعلم به (فِي شَأْنِي وَحْيًا) زاد في رواية يونس: «يتلى» (وَلأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ فِي أَمْرِي) بضمِّ ياء «يُتَكَلَّم». وعند ابن إسحاق: «يُقْرَأُ في المساجد ويُصلَّى به» (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا، يُبَرِّئُنِي اللهُ)
بها، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُبرِّئني» بالمثنَّاة الفوقيَّة وحَذْفِ الفاعل (فَوَاللهِ مَا رَامَ) أي: ما فارق ﷺ (مَجْلِسَهُ، (١) وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ) أي: الَّذين كانوا إذ ذاك حضورًا (حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتى أنزل عليه الوحي» (فَأَخَذَهُ) ﵊ (مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء ثمَّ مهملة ممدودًا، العَرَق من شدَّة ثِقَل الوحي (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) بتشديد الدَّال واللَّام للتَّأكيد، أي: ينزل ويقطر (مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ) بكسر الميم وسكون المثلَّثة مرفوعًا، و «الجُمَان»: بضمِّ الجيم وتخفيف الميم، أي: مثل اللُّؤلؤ (مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، أي: كُشِفَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ) سرورًا (فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا) بنصب «أوَّلَ» (أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللهَ) وعند التِّرمذيِّ: البشرى يا عائشة (٢)، احمدي الله (فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ) أي: ممَّا نسبه أهل الإفك إليك بما أنزل من القرآن (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالت» (لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) لأجل ما بشَّرك به (فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ) الَّذي أنزل براءتي، وأنعم عليَّ بما لم أكن (٣) أتوقَّعه من أن يتكلَّم الله فيَّ بقرآن يُتلى، وقالت ذلك إدلالًا عليهم وعتبًا، لكونهم شكُّوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها، وارتفاعها عمَّا نُسِبَ إليها ممَّا لا حجَّة فيه ولا شبهة (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾) بأبلغ ما يكون من الكذب (﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١]) جماعةٌ من العشرة إلى الأربعين، والمراد: عبد الله بن أبيٍّ، وزيد بن رفاعة، وحسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم (الآيَاتِ) في براءتها وتعظيم شأنها وتهويل الوعيد لمن تكلَّم فيها، والثَّناء على من ظنَّ فيها خيرًا.
(فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (هَذَا فِي بَرَاءَتِي) وطابت النُّفوس المؤمنة، وتاب إلى الله تعالى من كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك، وأُقيمَ الحدُّ على من أُقيمَ عليه (قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ) بكسر الميم وسكون المهملة، و «أُثاثة»: بضمِّ الهمزة ومثلَّثتين بينهما ألف (لِقَرَابَتِهِ) أي: لأجل قرابته (مِنْهُ) وكان ابن خالة الصِّدِّيق، وكان مسكينًا لا مال له: (وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء» (أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ) أي: عنها من الإفك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) يعطِّف الصِّدِّيق عليه: (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) أي: لا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾) أي: من الطَّول والإحسان والصَّدقة (﴿وَالسَّعَةِ﴾) في المال (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما تَغفر يُغفَر لك، وكما تَصفح يُصفَح عنك (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق عند ذلك: (بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ) بتخفيف الجيم (إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ) من النَّفقة، و «يُجري»: بضمِّ أوَّله.
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت: «سأل» بلفظ الماضي (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) أمَّ المؤمنين (عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ؟) على عائشة (مَا رَأَيْتِ) منها؟ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي) من أن أقول: سمعت ولم أسمع (وَبَصَرِي) من أن أقول: بصرت (١) ولم أبصر (وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ) أي: عائشة: (وَهْيَ) أي: زينب (الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) بضمِّ التَّاء وبالسِّين المهملة، أي: تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عند النَّبيِّ ﷺ مفاعلة من السُّموِّ وهو الارتفاع (فَعَصَمَهَا اللهُ) أي: حفظها الله ومنعها (بِالوَرَعِ) أي: بالمحافظة على دينها أن تقول بقول أهل الإفك.
(قَالَ) أبو الرَّبيع سليمان بن داود شيخ المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان المذكور (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث فُلَيح عن الزهري عن عروة. (قَالَ) أي: أبو الرَّبيع أيضًا: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) المذكور (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ مالك الإمام (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنِ القَاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (مِثْلَهُ (١)) والحاصل: أنَّ فُليحًا روى الحديث عن هؤلاء الأربعة.
لطيفة: قال الصَّلاح الصَّفديُّ: رأيت بخطِّ ابن خَلِّكانَ: أنَّ مسلمًا ناظر نصرانيًّا، فقال له النَّصرانيُّ في خلال كلامه محتقنًا (٢) في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم، كيف كان وجه زوجة نبيِّكم عائشة في تخلُّفها عن الرَّكب عند نبيِّكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصرانيُّ، كان وجهها كوجه بنت عمران لمَّا أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة زوج نبيّنا، فانقطع النَّصرانيُّ ولم يُحِرْ جوابًا.
وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٢] و «الجهاد» [خ¦٢٨٧٩] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٣٧] أيضًا، ومسلم في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء» و «التَّفسير» وبقيَّة ما فيه من المباحث والفوائد تأتي إن شاء الله تعالى، والله الموفِّق والمعين (٣).
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا زَكَّى رَجُلٌ) واحد (رَجُلًا كَفَاهُ) فلا يحتاج إلى آخر معه، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وهو قول محمَّد بن الحسن اشتراط اثنين (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بفتح الجيم وكسر الميم، واسمه: سُنَين -بضمِّ السِّين المهملة وفتح النُّون الأولى مصغَّرًا- فيما رواه البخاريُّ [خ¦٤٣٠١] (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بالذَّال المعجمة، أي: لقيطًا ولم يُسَمَّ (فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ) بن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ شَهَادَة الْمُرْضِعَةِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمُ امْتَنَعُوا مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ: فَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ، وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إِلَّا أَنْ يَتَنَزَّهَا، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ تَشَأِ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَّا فَعَلَتْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تُقْبَلُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَتَعَرَّضَ نِسْوَةٌ لِطَلَبِ أُجْرَةٍ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ دُونَ ثُبُوتِ الْأُجْرَةِ لَهَا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ مَعَ أُخْرَى. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُتَمَحِّضَاتِ، وَعَكْسُهُ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ وَحْدَهَا بِحَمْلِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ: فَنَهَاهُ عَنْهَا عَلَى التَّنْزِيهِ، وَبحْمَل الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: دَعْهَا عَنْكَ عَلَى الْإِرْشَادِ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِعْرَاضِ الْمُفْتِي لِيَتَنَبَّهَ الْمُسْتَفْتِي عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيمَا سَأَلَهُ الْكَفُّ عَنْهُ، وَجَوَازُ تَكْرَارِ السُّؤَالِ لِمَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْمُرَادَ، وَالسُّؤَالِ عَنِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِرَفْعِ النِّكَاحِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِنَ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ، وَأَنَا لِحَدِيثِ صَاحِبِي أَحْفَظُ وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ التَّفْرِقَةِ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ، أَوْ بَيْنَ الْقَصْدِ إِلَى التَّحْدِيثِ وَعَدَمِهِ، فَيَقُولُ الرَّاوِي فِيمَا سَمِعَهُ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، أَوْ قَصَدَ الشَّيْخُ تَحْدِيثَهُ بِذَلِكَ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِالْجَمْعِ أَوْ سَمِعْتُ فَلَانًا يَقُولُ وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ وَهَذَا بعين أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَقَدِ اعْتَمَدَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ فَيَقُولُ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَلَا يَقُولُ: حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالتَّحْدِيثِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ.
قَوْلُهُ فِيهِ: (إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَدَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَسَأَلَتْ فَأَبْطَأْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: تَصَدَّقُوا عَلَيَّ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا جَمِيعًا زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي - أَيْ بِذَلِكَ - قَبْلَ التَّزَوُّجِ، زَادَ فِي بَابِ إِذَا شَهِدَ شاهد بِشَيْءٍ فَقَالَ آخَرُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ وَفِي الْعِلْمِ فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الرِّحْلَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَزَادَ فِي النِّكَاحِ فَقَالَتْ لِي: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا وَهِيَ كَاذِبَةٌ.
قَوْلُهُ: (دَعْهَا عَنْكَ أَوْ نَحْوَهُ) فِي رِوَايَةِ النِّكَاحِ دَعْهَا عَنْكَ حَسْبُ، زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَنَهَاهُ عَنْهَا، زَادَ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مِنَ الشَّهَادَاتِ: فَفَارَقَهَا وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
١٥ - باب تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ، وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فَاحْتَمَلُوهُ وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِتى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنْ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ مُتَبَرَّزُنَا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَوْ فِي التَّنَزُّهِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ نَمْشِي فَعَثَرَتْ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا،
فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ
بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّانَ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللَّهِ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ الْعَجِينِ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أنا أَعْذُرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ والله لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتي وَيَوْمًا، حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي إِذْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَاللَّهِ لا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَإن قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللَّهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلَأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا تبَرِّئُنِي، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَأَخَذَهُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللَّهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ، قالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الْآيَاتِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ بشيء أَبَدًا بَعْدَ أن قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ مَا رَأَيْتِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ قَبْلَهُ حَدِيثُ الْإِفْكِ ثُمَّ قَالَ: بَابُ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ الزَّهْرَانِيُّ الْعَتَكِيُّ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ، الْبَصْرِيُّ، نَزَلَ بَغْدَادَ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اتَّفَقَنا عَلَيْهِ إِخْرَاجُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ، وَفِي طَبَقَتِهِ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْضًا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَحَدُهُمَا الْخُتَّلِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ بَغْدَادِيٌّ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ وَالرِّشْدِينِيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِصْرِيٌّ لَمْ يُخَرِّجَا لَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا
فُلَيْحٌ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ رَفِيقًا لِأَبِي الرَّبِيعِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ فُلَيْحٍ وَأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ حَمَلَهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ رَفِيقًا لِلْبُخَارِيِّ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَكَانَ يَقُولُ: قَالَا: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ بِالتَّثْنِيَةِ.
وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَيْضًا صَنِيعُ الْبَرْقَانِيِّ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ فِي الْمُصَافَحَةِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ فُلَيْحٍ، لَكِنْ وَقْعَ فِي أَطْرَافِ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَبِيعٍ وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّ لَفْظَه قَالَا سَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِسْقَاطِهَا كَثِيرًا فِي الْأَسَانِيدِ فَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ بَدَلَهَا قَالَ بِالْإِفْرَادِ، وَبِمَا قَالَ خَلَفٌ جَزَمَ الدِّمْيَاطِيُّ، وَأَمَّا جَزْمُ الْمِزِّيِّ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ خَلَفٌ وَهَمٌ فَلَيْسَ هَذَا الْجَزْمُ بِوَاضِحٍ، وَزَعَمَ ابْنُ خَلْفُونٍ أَنَّ أَحْمَدَ هَذَا هُوَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدَ بْنَ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّ وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ أَيْضًا: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَأَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ طَائِفَةً مِمَّنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ فُلَيْحٍ مِمَّنْ تَسَمَّى أَحْمَدَ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ مِمَّنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ أَيْضًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ سَاقَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْإِفْكِ بِطُولِهِ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ، ثُمَّ مِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ مِثْلَهُ، وَمِنْ رِوَايَةِ فُلَيْحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ مِثْلَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ، وَبَيَانُ مَا زَادَتْ رِوَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَمَا نَقَصَتْ عَنْهَا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ أَخْبَرُوهُ بِهِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ عَنْ فُلَيْحٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَصْحَابَ الْإِفْكِ جُلِدُوا الْحَدَّ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ إِسْنَادٌ آخَرُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا سُؤَالُهُ ﷺ بَرِيرَةَ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ، وَجَوَابُهَا بِبَرَاءَتِهَا وَاعْتِمَادُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلِهَا حَتَّى خَطَبَ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وَكَذَلِكَ سُؤَالُهُ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَنْ حَالِ عَائِشَةَ وَجَوَابُهَا بِبَرَاءَتِهَا أَيْضًا، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي حَقِّ زَيْنَبَ: هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، فَفِي مَجْمُوعِ ذَلِكَ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَوَافَقَ مُحَمَّدٌ الْجُمْهُورَ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: التَّزْكِيَةُ خَبَرٌ وَلَيْسَتْ شَهَادَةً فَلَا مَانِعَ مِنَ الْقَبُولِ، وَفِي التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ أَنْ تُقْبَلَ تَزْكِيَتُهُنَّ لِبَعْضِهِنَّ لَا لِلرِّجَالِ ; لِأَنَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ اعْتَلَّ بِنُقْصَانِ الْمَرْأَةِ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ التَّزْكِيَةِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْ قِيلَ إِنَّهُ تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ بِقَوْلٍ حَسَنٍ وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ يَكُونُ إِبْرَاءً مِنْ سُوءٍ لَكَانَ حَسَنًا كَمَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قَبُولُ تَزْكِيَتِهِنَّ فِي شَهَادَةٍ تُوجِبُ أَخْذَ مَالٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَبُولِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخْرَجَ بِهَا مَعَهُ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ عَنْ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْبَاقِينَ خَرَجَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أُخْرِجَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ظِفَارٍ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ عِنْدَ شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتِي وَيَوْمًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ لَيْلَتِي وَيَوْمِي، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ شَرْحِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) الزَّهرانيُّ العَتَكيُّ -بفتح العين المهملة والمثنَّاة الفوقيَّة- بصريٌّ دخل بغداد (وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ) بعض معاني الحديث ومقاصد لفظه (أَحْمَدُ) مجرَّدًا عن النَّسب، ولم يبيِّنه أبو عليٍّ الجيَّانيُّ، وفي «الأطراف» لخلفٍ أنَّه ابن يونس، وجزم به الدِّمياطيُّ، وكذا ثبت في حاشية الفرع كأصله ورُقِمَ عليه علامة ق. وقال ابن حَجَر:
إنَّه رآه كذلك في نسخة الحافظ أبي الحسن اليونينيِّ. قلت: وكذا رأيته، وقد أهمله في جميع الرِّوايات الَّتي وقعت له إلَّا هذه. وقال ابن عساكر والمزِّيُّ: إنَّه وهم، وفي «طبقات القرَّاء» للذَّهبيِّ: أنَّه ابن النَّضر، وزعم ابن خلفون: أنَّه ابن حنبل، وأحمد بن يونس هذا هو أحمد بن عبد الله بن يونس، اليربوعيُّ المعروف بشيخ الإسلام، وهل أحمد المذكور هنا رفيق لأبي الرَّبيع في الرِّواية عن فُلَيح؟ فيكون المؤلِّف حمله عنهما معًا على الصِّفة المذكورة أو رفيقٌ للمؤلِّف في الرِّواية عن أبي الرَّبيع قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الخزاعيُّ أو الأسلميُّ أبو يحيى (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة وكسرِها (وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ) العتواريِّ (وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود، الأربعة (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ) بكسر الهمزة: أبلغ ما يكون من الافتراء والكذب (مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ).
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهاب: (وَكُلُّهُمْ) أي: عروة فمن بعده (حَدَّثَنِي طَائِفَةً) قطعة (مِنْ حَدِيثِهَا) وقد انتُقِدَ على الزُّهريِّ روايته (١) لهذا الحديث ملفَّقًا (٢) عن هؤلاء الأربعة، وقالوا: كان ينبغي له أن يفرد حديث كلِّ واحد عن الآخر، حكاه عياض فيما ذكره في «الفتح» (وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى) أحفظ لأكثر هذا الحديث (مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًا) أي: سياقًا (وَقَدْ وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: حفظت (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ) أي: بعض الحديث (الَّذِي حَدَّثَنِي) به منه (عَنْ) حديث (عَائِشَةَ) فأطلق الكلَّ على البعض، فلا تنافي بين قوله: وكلُّهم
حدَّثني طائفةً من الحديث، وبين قوله: وقد وعيت عن كلِّ واحد منهم الحديث، كما نبَّه عليه الكِرمانيُّ. والحاصل: أنَّ جميع الحديث عن مجموعهم، لا أنَّ مجموعه عن كلِّ واحد منهم (وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ) أي: قالوا: إنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا) أي: إلى سفر، فهو نصبٌ بنزع الخافض، أو ضمَّن «يخرج» معنى: «يُنشئ»، فالنَّصب على المفعوليَّة (١) (أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ) تطييبًا لقلوبهنَّ (فَأَيَّتُهُنَّ) بتاء التَّأنيث. قال الزَّركشيُّ -فيما نقله عنه في «المصابيح» ولم أره في النُّسخة الَّتي وقفت عليها من «التَّنقيح» - إنَّه الوجه، ويُروى: «فأيُّهنَّ» بدون تاء تأنيث، وتعقَّبه الدَّمامينيُّ، فقال: دعواه أنَّ الرِّواية الثَّانية ليست على الوجه خطأٌ؛ إذ المنصوص أنَّه إذا أريد بـ «أيِّ» المؤنَّث، جاز إلحاق التَّاء به موصولًا كان أو استفهامًا أو غيرهما. انتهى. ولم أقف على الرِّواية الثَّانية هنا. نعم، هي في تفسير سورة النُّور لغير أبي ذرٍّ، والمعنى: فأيُّ أزواجه (خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخرج» بزيادة همزة، قال في «الفتح»: والأوَّل هو الصَّواب، ولعلَّ ذا الهمزة «أُخرِجَ» بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَأَقْرَعَ) ﵊ (بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق من خزاعة (فَخَرَجَ سَهْمِي) فيه إشعار بأنَّها كانت في تلك الغزاة وحدها، ويؤيِّده ما في رواية ابن إسحاق بلفظ: فخرج سهمي عليهنَّ فخرج بي معه، وأمَّا ما ذكره الواقديُّ من خروج أمِّ سلمة معه أيضًا في هذه الغزوة فضعيف.
قالت عائشة: (فَخَرَجْتُ مَعَهُ) ﵊ (بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ) أي: الأمر به (فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيهِ) بضمِّ الهمزة فيهما، مبنيِّين للمفعول، والهودج -بهاء ودال مهملة مفتوحتين، بينهما واو ساكنة، آخره جيم- محمل له قبَّة تستر بالثِّياب ونحوها، يوضع على
ظهر البعير، يركب فيه النِّساء ليكون أستر لهنَّ (فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ) بقاف ففاء، أي: رجع من غزوته (وَدَنَوْنَا) أي: قربنا (مِنَ المَدِينَةِ آذَنَ) بالمدِّ والتَّخفيف، ويجوز القصر والتَّشديد، أي: أعلَمَ (لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: فنزل منزلًا، فبات به بعض اللَّيل، ثمَّ آذن بالرَّحيل (فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ) بالمدِّ والقصر، كما مرَّ (فَمَشَيْتُ) أي: لقضاء حاجتي منفردة (حَتَّى جَاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي) أي: الَّذي توجَّهت له (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ) إلى المنزل (فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي) بكسر العين: قلادة (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) بفتح الجيم وسكون الزَّاي، بعدها عينٌ مهملةٌ، مضافٌ لقوله: «أظفار» بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة، والجزع: خرز معروف، في سواده بياض كالعروق، وقد قال التِّيفاشيُّ: لا يُتيمَّنُ بلبسه، ومن تقلَّده كثرت همومه، ورأى منامات رديئة، وإذا عُلِّق على طفل سال لعابه، وإذا لُفَّ على شعر المطلَقة سهلت ولادتها، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ظَفارٍ» بإسقاط الهمزة وفتح الظَّاء وتنوين الرَّاء فيهما، كما في «الفرع» وغيره. قال ابن بطَّال: الرِّواية: «أظفار» بألف، وأهل اللُّغة لا يقرؤونه بألف، ويقولون: ظَفار، وقال الخطابيُّ: الصَّواب الحذف وكسر الرَّاء مبنيٌّ، كحَضارِ: مدينة باليمن، قالوا: فدلَّ على أنَّ رواية زيادة الهمزة وهمٌ، وعلى تقدير صحَّة الرِّواية فيحتمل أنَّه كان من الظَّفر أحد أنواع القسط، وهو طيِّب الرَّائحة يُتبَخَّر به، فلعلَّه عُمِلَ مثل الخرز، فأطلقَتْ عليه جَزْعًا تشبيهًا به، ونظمتْهُ قلادة، إمَّا لحسن لونه أو لطيب ريحه، وفي رواية الواقديِّ كما في «الفتح»: فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمِّي قد (١) أدخلتني به على رسول الله ﷺ (قَدِ انْقَطَعَ) وفي رواية ابن إسحاق عند أبي عَوانة: قد انسلَّ من عنقي وأنا لا أدري (فَرَجَعْتُ) أي: إلى المكان الَّذي ذهبت إليه (فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ) أي: طلبه، وعند الواقديِّ: وكنت أظنُّ أنَّ القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتَّى أكون في هودجي (فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لِي) بفتح أوَّله وسكون الرَّاء مخفَّفًا، أي: يشدُّون الرَّحل على بعيري، ولم يُسَمَّ أحد منهم. نعم، ذكر
منهم الواقديُّ: أبا مُوَيْهبة (١)، وقال البَلاذُريُّ: إنَّه شهد غزوة المريسيع، وكان يخدم بعير عائشة، ولأبي ذَرٍّ: «يُرَحِّلون» بضمِّ أوَّله وفتح الرَّاء مشددًا (فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ) بالتَّخفيف، ولأبي ذَرٍّ: «فرحَّلوه» بالتَّشديد، أي: وضعوا هودجي (عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ) أي: عليه، وفي قوله: «فرحلوه على بعيري» تجوُّز، لأنَّ الرَّحل هو الَّذي يوضع على ظهر البعير، ثمَّ يوضَع الهودج فوقه (وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ) في الهودج (وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ) بكثرة الأكل (وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ) لم يكثر عليهنَّ (وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ) بضمِّ العين وسكون اللَّام وبالقاف، أي: القليل (مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ) بالرَّفع على الفاعليَّة (حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ فَاحْتَمَلُوهُ) و «ثِقَل»: بكسر المثلَّثة وفتح القاف؛ الَّذي اعتادوه منه الحاصل فيه بسبب ما رُكِّبَ منه (٢) من خشب وحبال وستور وغيرها؛ ولشدَّة نحافة عائشة لا يظهر بوجودها فيه زيادة ثِقَل، وفي تفسير «سورة النُّور» [خ¦٤٧٥٠] من طريق يونس: خفَّة الهودج وهذه أوضح (٣)، لأنَّ مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنَّها لخفَّة جسمها بحيث إنَّ الَّذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدَمِهَا، ولهذا أردفت ذلك بقولها: (وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ) لم تكمل إذ ذاك خمس عشرة سنة (فَبَعَثُوا الجَمَلَ) أي: أثاروه (وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ) أي: ذهب ماضيًا، وهو استفعل من مرَّ (فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ) وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ (فَأَمَمْتُ) بالتَّخفيف: فقصدت (مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، فَظَنَنْتُ) أي: علمت (أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) بكسر القاف وحذف النُّون تخفيفًا، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «سيفقدونني» (فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا جَالِسَةٌ) وجواب «بينا» قوله: (غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، فَنِمْتُ) أي: من شدَّة الغمِّ الَّذي اعتراها، أو أنَّ الله تعالى لطف بها، فألقى عليها النَّوم لتستريح من وحشة الانفراد في البريَّة باللَّيل (وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ) بفتح الطَّاء المشدَّدة (السُّلَمِيُّ) بضمِّ السِّين وفتح اللَّام (ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ) بالذَّال المعجمة، منسوب إلى ذكوان بن ثعلبة، وكان صحابيًّا فاضلًا (مِنْ وَرَاءِ الجَيْشِ) وفي حديث ابن عمر عند الطَّبرانيِّ:
«أنَّ صفوانَ كان سأل النَّبيَّ ﷺ أن يجعله على السَّاقة، فكان إذا رحل النَّاس قام يصلِّي ثمَّ اتَّبعهم، فمن سقط له شيء أتاه به»، وفي حديث أبي هريرة عند البزَّار: وكان صفوان يتخلَّف عن النَّاس فيصيب القدح والجراب والإداوة، وفي مرسل مقاتل بن حيَّان في «الإكليل» (١): فيحمله فيقدم به فيعرِّفه في أصحابه (فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي) كأنَّه تأخَّر في مكانه حتَّى قرب الصُّبح، فركب ليظهر له ما يسقط من الجيش ممَّا يخفيه اللَّيل، أو كان تأخُّره ممَّا جرت به عادته من غلبة النَّوم عليه (فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ) أي: شخص إنسان (نَائِمٍ) لا يدري أرجل أو امرأة (فَأَتَانِي) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] فعرفني حين رآني (وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ) أي: قبل نزوله (فَاسْتَيْقَظْتُ) من نومي (بِاسْتِرْجَاعِهِ) أي: بقوله: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ) وكأنَّه شقَّ عليه ما جرى لعائشة فلذا استرجع، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتَّى أناخ راحلته» (فَوَطِئَ يَدَهَا) أي: وطئ صفوان يد الرَّاحلة ليسهل الرُّكوب عليها فلا تحتاج إلى مساعد (فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ) صفوان حال كونه (يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا) حال كونهم (مُعَرِّسِينَ) بفتح العين المهملة وكسر الرَّاء المشدَّدة، بعدها سين مهملة، نازلين (فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) حين بلغت الشَّمس منتهاها من الارتفاع، وكأنَّها وصلت إلى النَّحر، وهو أعلى الصَّدر، أو أوَّلها، وهو وقت شدَّة الحرِّ (فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ) زاد أبو صالح: «في شأني» وفي رواية أبي أُوَيس عند الطَّبرانيِّ: فهنالك قال أهل الإفك فيَّ وفيه ما قالوا (وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ) أي: تصدَّى له وتقلَّده رأسُ المنافقين (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد المثنَّاة التَّحتيَّة، و «ابنُ سلول» يُكْتَب بالألف والرَّفع؛ لأنَّ سَلول -بفتح السِّين غير منصرفٍ- عَلَمٌ لأمِّ عبد الله، فهو صفة لعبد الله، لا لأُبيٍّ، وأتباعه: مسطح بن أثاثة، وحسَّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وفي حديث ابن عمر: فقال عبد الله بن أُبيٍّ: فَجَرَ بها وربِّ
الكعبة، وأعانه على ذلك جماعة وشاع ذلك في العسكر (فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ) مرضت (بِهَا شَهْرًا) زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «حين قدمتها» وزاد هنا بدلها: «بها» (والنَّاس يُفِيضُونَ) بضمِّ أوَّله؛ يشيعون (مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ) وسقط للحَمُّويي والمُستملي قوله: «والنَّاس» (وَيَرِيبُنِي) بفتح أوَّله مِنْ: رابه، ويجوز ضمُّه من: أرابه، أي: يشكِّكني ويوهمني (فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اللُّطْفَ) بضمِّ اللَّام وسكون الطَّاء، عند ابن الحطيئة عن أبي ذرٍّ، كذا في حاشية فرع «اليونينيَّة» كهي، وفي متنهما زيادة: «فتح اللَّام والطَّاء»، أي: الرِّفق (الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ) بفتح الهمزة والرَّاء (إِنَّمَا يَدْخُلُ) ﵊ (فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فيقول»: (كَيْفَ تِيكُمْ؟!) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، وهي في الإشارة إلى المؤنَّث مثل: ذاكم في المذكر، قال في «التَّنقيح»: وهي تدلُّ على لطف من حيث سؤاله عنها، وعلى نوع جفاءٍ من قوله: «تيكم» (لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الَّذي يقوله أهل الإفك (حَتَّى نَقَهْتُ) بفتح النُّون والقاف، وقد تكسر، أي: أفقت من مرضي ولم تتكامل لي الصِّحَّة (فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح الطَّاء المهملتين، آخره حاء مهملة (قِبَلَ المَنَاصِعِ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، و «المناصع» بالصَّاد والعين المهملتين: موضعٌ خارج المدينة (مُتَبَرَّزُنَا) بفتح الرَّاء المشدَّدة وبالرَّفع، أي: وهو متبرَّزنا، أي: موضع قضاء حاجتنا، ولغير أبي ذرٍّ: «متبرَّزِنا» بالجرِّ بدلًا من «المناصعِ» (لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ) بضمِّ الكاف والنُّون، جمع كنيف وهو السَّاتر، والمراد به هنا: المكان المتَّخذ لقضاء الحاجة (قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ) بضمِّ الهمزة وتخفيف الواو وكسر اللَّام في الفرع وغيره نعتٌ للعرب، وفي نسخة: «الأَوَّلُ» بفتح الهمزة وتشديد الواو وضمِّ اللَّام، نعت للأمر. قال النَّوويُّ: وكلاهما صحيح، وقد ضبطه ابن الحاجب: بفتح الهمزة، وصرّح بمنع وصف الجمع بالضمِّ، ثمَّ خرَّجه على تقدير ثبوته، على أنَّ «العرب» اسم جمع تحته جموع، فيصير مفردًا بهذا التَّقدير، قال: والرِّواية الأولى أشهر وأقعد. انتهى. أي: لم يتخلَّقوا بأخلاق أهل الحاضرة والعجم في التَّبرُّز (فِي البَرِّيَّةِ) بفتح الموحَّدة وتشديد الرَّاء والمثنَّاة التَّحتيَّة، خارج المدينة (أَوْ فِي التَّنَزُّهِ) بمثنَّاة فوقيَّة فنون ثمَّ
زاي مشدَّدة. طلب النَّزاهة، والمراد البعد عن البيوت، والشَّكُّ من الرَّاوي (فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ) سلمى (بِنْتُ أَبِي رُهْمٍ) حال كوننا (نَمْشِي) أي: ماشين، و «رُهْم»: بضمِّ الرَّاء وسكون الهاء، واسمه: أنيس (فَعَثَرَتْ) بالعين المهملة والمثلَّثة والرَّاء المفتوحات، أي: أمُّ مسطح (فِي مِرْطِهَا) بكسر الميم، كساء من صوف أو خَزٍّ أو كتَّان، قاله الخليل (فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ) بكسر العين المهملة وفتح الفوقيَّة قبلها، آخره سين مهملة، وقد تُفتَح العين، وبه قيَّد الجوهريُّ، أي: كُبَّ لوجهه، أو هلك، أو لزمه الشَّرُّ (فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟!) وعند الطَّبرانيِّ: أتسبِّين ابنك وهو من المهاجرين الأوَّلين؟ (فَقَالَتْ: يَا هَنْتَاهْ) بفتح الهاء وسكون النُّون وقد تُفتَح، وبعد المثنَّاة الفوقيَّة ألفٌ ثمَّ هاء ساكنة في الفرع كأصله، وقد تُضَمُّ، أي: يا هذه، نداءٌ للبعيد، فخاطبتْها خطاب البعيد لكونها نسبتْها للبَلَهِ وقلَّة المعرفة بمكايد النِّساء (١) (أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ (٢) الإِفْكِ) وللكُشْمِيهَنيِّ: «أهل الإفك» (فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى) أي: مع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «على» (مَرَضِي) قال في «الفتح»: وعند سعيد بن منصور من مرسل أبي صالح: فقالت: وما تدرين ما قال؟ قالت: لا والله، فأخبرتها بما خاض فيه النَّاس فأخذتْها الحمَّى، وعند الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أيُّوب عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: لمَّا بلغني ما تكلَّموا به هممتُ (٣) أن آتي قليبًا، فأطرح نفسي فيه (فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي) أن آتي (إِلَى أَبَوَيَّ، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا) بكسر القاف
وفتح الموحَّدة، أي: من جهتهما (فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ) في ذلك (فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي) أمِّ رومان، زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] يا أمتاه (مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة مِنْ «يتحدَّث» ولأبي ذرٍّ: «ما يتحدَّث النَّاس به» بتقديم «النَّاس» على الجارِّ والمجرور (فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْنَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ) بالرَّفع، صفة لـ «امرأة»، أو بالنَّصب على الحال، واللَّام في لـ «قلَّ» للتَّأكيد، و «قلَّ»: فعلٌ ماضٍ دخلت عليه «ما» للتَّأكيد، والوضيئة: بالضَّاد المعجمة والهمزة والمدِّ على وزن: عظيمة من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، وكانت عائشة ﵂ كذلك. ولمسلم من رواية ابن ماهان: «حظيَّة» من الحظوة، أي: وجيهة رفيعة المنزلة (عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ) جمع ضرَّة، وزوجات الرَّجل ضرائر؛ لأنَّ كلَّ واحدة يحصل لها الضَّرر من الأخرى بالغيرة (إِلَّا أَكْثَرْنَ) أي: نساء ذلك الزَّمان (عَلَيْهَا) القول في عيبها ونقصها، فالاستثناء منقطع، أو بعض أتباع ضرائرها كحمنة بنت جحش أخت زينب أمِّ المؤمنين، فالاستثناء متَّصل، والأوَّل هو الرَّاجح لأنَّ أمَّهات المؤمنين لم يعبنها (١). سلَّمنا أنَّه متَّصل، لكنَّ المراد بعضُ أتباع الضَّرائر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] فأطلق الإياس على الرُّسل، والمراد: بعض أتباعهم، وأرادت أمُّها بذلك أن تهوِّن عليها بعضَ (٢) ما سمعت، فإنَّ الإنسان يتأسَّى بغيره فيما يقع له، وطيَّبت خاطرها بإشارتها بما يُشْعِر بأنَّها فائقة الجمال والحظوة عنده ﷺ (فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ!) تعجُّبًا من وقوع مثل ذلك في حقِّها مع براءتها المحقَّقة عندها، وقد نطق القرآن الكريم بما تلَّفظت به، فقال تعالى عند ذكر ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟!) بالمضارع المفتوح الأوَّل، ولأبي ذرٍّ: «تحدَّث النَّاس (٣)» بالماضي، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاريِّ [خ¦٤٧٥٧] فاستعبرت فبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الَّذي ذُكِرَ من شأنها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنيَّة إلَّا رجعتِ إلى بيتك، فرجعت (قَالَتْ) أي: عائشة: (فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ) بالقاف والهمزة، أي: لا ينقطع (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهموم موجبة للسَّهر وسيلان الدُّموع. وفي «المغازي» [خ¦٤١٤٣]
عن مسروق عن أمِّ رومان: «قالت عائشة: سمعَ رسولُ الله ﷺ؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرَّت مغشيًّا عليها، فما أفاقت إِلَّا وعليها حمًّى بنافض (١)، فطرحتْ عليها ثيابها فغطَّتها» (ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله تعالى عنه (وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ) حال كونه (يَسْتَشِيرُهُمَا) لعلمه بأهليَّتهما للمشورة (فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ) لم تقل: في فراقي، لكراهتها التَّصريح بإضافة الفراق إليها، و «الوحيُ» بالرَّفع في الفرع، أي: طال لبث نزوله. وقال ابن العراقيِّ: ضبطناه بالنَّصب على أنَّه مفعول لقوله: «استلبث» أي: استبطأ النَّبيُّ ﷺ الوحي، وكلام النَّوويِّ يدلُّ على الرَّفع (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ) ﷺ (بِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لَهُمْ، فَقَالَ أُسَامَةُ): هم (أَهْلُكَ) العفائف اللَّائقات بك، وعبَّر بالجمع إشارة إلى تعميم أمَّهات المؤمنين بالوصف المذكور، أو أراد تعظيم عائشة، وليس المراد أنَّه تبرَّأ من الإشارة، ووكل الأمر في ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ، وإنَّما أشار وبرَّأها. وجوَّز بعضهم النَّصب، أي: أمسكْ أهلَكَ، لكنَّ الأَولى الرَّفع، لرواية معمر حيث قال: «هم أهلك» (يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا) إنَّما حلف ليقوِّي عنده ﵊ براءتَها ولا يشكَّ، وسقط لفظ «والله» لأبي ذرٍّ (وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ) وللحَمُّويي والمُستملي (٢): «لم يُضَيَّق عليك» بحذف الفاعل للعلم به، وبناء الفعل للمفعول (وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ) بصيغة التَّذكير للكلِّ على إرادة الجنس، وللواقديِّ: قال له (٣): قد أحلَّ الله لك وأطاب، طلِّقها وانكح غيرها، وإنَّما قال لما رأى عنده ﵊ من القلق والغمِّ لأجل ذلك، وكان شديد الغَيرة صلوات الله وسلامه عليه، فرأى عليٌّ (٤) أنَّ بفراقها يسكن ما عنده بسببها إلى أن يتحقَّق براءتها، فيراجعها، فبذل النَّصيحة لإراحته، لا عداوةً لعائشة. وقال في «بهجة النُّفوس» ممَّا قرأته فيه (٥): لم يجزم عليٌّ بالإشارة بفراقها، لأنَّه عقَّب (٦) ذلك
بقوله: (وَسَلِ الجَارِيَةَ) بريرة (تَصْدُقْكَ) بالجزم على الجزاء، ففوَّض عليٌّ الأمر في ذلك إلى نظره ﵊، فكأنَّه قال: إن أردت تعجيل الرَّاحة ففارقْها، وإن أردت خلاف ذلك، فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطَّلع على براءتها؛ لأنَّه كان يتحقَّق أنَّ بريرة لا تخبره إلَّا بما علمتْه، وهي لم تعلم من عائشة إلَّا البراءة المحضة (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ) قال الزَّركشيُّ: قيل: إنَّ هذا وهم، فإنَّ بريرة إنَّما اشترتها عائشة، وأعتقتها قبل ذلك، ثمَّ قال: والمخلص من هذا الإشكال أنَّ تفسير الجارية ببريرة مدرَج في الحديث من بعض الرُّواة ظنًّا منه أنَّها هي (١). قال (٢) في «المصابيح»: وهذا -أي: الَّذي قاله الزَّركشيُّ- ضِيقُ عَطنٍ، فإنَّه لم يرفع (٣) الإشكال إلَّا بنسبة الوهم إلى الرَّاوي، قال: والمخلص عندي من الإشكال الرَّافع لتوهيم الرُّواة وغيرهم أن يكون إطلاق الجارية على بريرة وإن كانت معتَقَة إطلاقًا مجازيًّا باعتبار ما كانت عليه، فاندفع الإشكال ولله الحمد. انتهى. وهذا الَّذي قاله في «المصابيح» بناء على أسبقيَّة عتق بريرة، وفيه نظر؛ لأنَّ قصَّتها إنَّما كانت بعد فتح مكَّة؛ لأنَّها لمَّا خُيِّرت فاختارت نفسها كان زوجها يتبعها (٤) في سكك المدينة، يبكي عليها، فقال رسول الله ﷺ للعبَّاس: «يا عبَّاس، ألا تعجب من حبِّ مغيث بريرة؟!» ففيه دلالة على أنَّ قصَّة بريرة كانت متأخِّرة في السَّنة التَّاسعة أو العاشرة؛ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكن المدينة بعد رجوعهم من غزوة الطَّائف، وكان ذلك في أواخر (٥) سنة ثمانٍ، ويؤيِّد ذلك قول ابن عبَّاس: إنَّه شاهد ذلك، وهو إنَّما قدم المدينة مع أبويه، وأيضًا فقول عائشة: «إن شاء مواليك أن أعدَّها لهم عدَّة واحدة» فيه إشارة إلى وقوع ذلك في آخر الأمر؛ لأنَّهم كانوا في أوَّل الأمر في غاية الضِّيق ثمَّ حصل لهم التَّوسع بعد الفتح، وقصَّة الإفك في المريسيع سنة ستٍّ أو سنة أربع، وفي ذلك ردٌّ على من زعم أنَّ قصَّتها كانت
رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا) زاد الطَّبرانيُّ (١) في روايته: «صالحًا» (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) وهو سيِّد الأوس، وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت «ابن معاذ». واستُشكِل ذكر سعد بن معاذ هنا: بأنَّ حديث الإفك كان سنة ستٍّ في غزوة المريسيع كما ذكره ابن إسحاق، وسعد بن معاذ مات سنة أربع من الرَّمية التي رُمِيَها بالخندق. وأُجيبَ: بأنَّه اختُلِفَ في المريسيع، وقد حكى البخاريُّ عن موسى بن عقبة: أنَّها كانت سنة أربع، وكذلك الخندق، فتكون المريسيع قبلها، لأنَّ ابن إسحاق جزم بأنَّها كانت في شعبان وأنَّ الخندق كانت في شوَّال، فإن كانا في سنة استقام ذلك، لكنَّ الصَّحيح في النَّقل عن موسى بن عقبة: أنَّ المريسيع سنة خمس، فما في البخاريِّ عنه من أنَّها سنة أربع سَبْقُ قلم، والرَّاجح أنَّ الخندق أيضًا في سنة خمس خلافًا لابن إسحاق، فيصحُّ الجواب.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاللهِ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «والله أنا» (أَعْذِرُكَ مِنْهُ) بكسر الذَّال (إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ) قبيلتنا (ضَرَبْنَا عُنُقَهُ) وإنَّما قال ذلك لأنَّه كان سيِّدهم -كما مرَّ- فجزم بأنَّ حكمه فيهم نافذ، ومن آذاه ﷺ وجب قتله (وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ) «مِنْ» الأولى تبعيضيَّة، والثَّانية بيانيَّة، ولأبي ذرٍّ: «من إخواننا الخزرج» بإسقاط (٢) البيانيَّة (أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ) وإنَّما قال ذلك، لما كان بينهم من قبل، فبقيْت فيهم بعض أنَفَة أن يحكم بعضهم في بعض، فإذا أمرهم النَّبيُّ ﷺ بأمر (٣) امتثلوا أمره (فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) شهد العقبة وكان أحد النُّقباء، ودعا له ﷺ، فقال: «اللهمَّ اجعل صلواتِك ورحمتَك على آل سعد بن عبادة» رواه أبو داود (وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَجِ) بعد أن فرغ سعد بن معاذ من مقالته (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) أي: كاملًا في الصَّلاح (وَلَكِنِ) لأبوي ذرٍّ
في رواية أبي أسامة في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] «أما والله لو كان من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم» (لَعَمْرُ اللهِ) بفتح العين، أي: وبقاء الله (لَا تَقْتُلُهُ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «والله لا تقتله» قال في «الفتح»: وفسَّر قوله: «لا تقتلُه» بقوله: (وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ) لأنّا نمنعك منه، ولم يُرِدْ سعد بن عبادة الرِّضا بما نُقِل عن عبد الله بن أُبيٍّ، ولم تُرِدْ عائشة ﵂ أنَّه ناضل عن المنافقين، وأما قولها: «وكان قبل (١) ذلك رجلًا صالحًا» أي: لم يتقدَّم منه ما يتعلَّق بالوقوف مع أنفة الحميَّة، ولم تغمصه في دينه، لكنْ كان بين الحيَّين مشاحنة قبل الإسلام، ثمَّ زالت بالإسلام، وبقي بعضها بحكم الأنَفَة، فتكلَّم سعد بن عبادة بحكم الأنفة، ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ. وقد وقع في بعض الرِّوايات بيان السَّبب الحامل لسعد بن عبادة على مقالته هذه لابن معاذ. ففي رواية ابن إسحاق: فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة إلَّا أنَّك علمت أنَّه من الخزرج، وفي رواية يحيى بن عبد الرَّحمن (٢) بن حاطب عند الطَّبرانيِّ: فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله ﷺ، ولكنَّها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهليَّة وإحن (٣) لم تحلل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: الله أعلم بما أردت. وقال في «بهجة النُّفوس»: إنَّما قال سعد بن عبادة لابن معاذ: «كذبت لا تقتله»، أي: لا تجد لقتله من سبيل لمبادرتنا قبلك لقتله، ولا تقدر على ذلك، أي: لو امتنعنا من النُّصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه من بين أيدينا لقوَّتنا. قال: وهذا في غاية النُّصرة إذ إنَّه يخبر أنَّه في غاية (٤) القوَّة والتَّمكين، بحيث لا يقدر له الأوس مع قوَّتهم وكثرتهم، ثمَّ هم مع ذلك تحت السَّمع والطَّاعة للنَّبيِّ ﷺ، فحملته الحميَّة مثل ما احتملت (٥) الأوَّل أو أكثر، فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرته ﷺ وهو قادر عليها، فقال لابن معاذ ما قال، وإنَّما قالت عائشة: «ولكن احتملته الحميَّة» لتبيِّن شدَّة نصرته في القضيَّة (٦) مع إخبارها بأنَّه صالح، لأنَّ الرَّجل
الصَّالح أبدًا يُعرَف منه السُّكون والنَّاموس، لكنَّه زال عنه ذلك من شدَّة ما توالى عليه من الحميَّة لنبيِّه ﷺ. انتهى. وهو محمل حسن، ينفي ما في ظاهر اللَّفظ ممَّا لا يخفى.
(فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة من «أُسَيد» والحاء المهملة وفتح المعجمة من «الحُضَير» مصغَّرين، ولأبي ذرٍّ: «ابن حُضَير» زاد في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] وهو ابن عمِّ سعد بن معاذ، أي: من رهطه (١) (فَقَالَ) لابن عبادة: (كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ) أي: ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، وليست لكم قدرةٌ على منعنا، قابَلَ قوله لابن معاذ: «كذبت لا تقتله» بقوله: «كذبت لنقتلنَّه» (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ) قال له ذلك مبالغة في زجره عن القول الَّذي قاله، أي: إنَّك تصنع صنيع المنافقين، وفسَّره بقوله: (تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ) قال المازريُّ: لم يرد نفاق الكفر، وإنَّما أراد أن يظهر الودَّ للأوس، ثمَّ ظهر منه في هذه القصَّة (٢) ضدَّ ذلك، فأشبه حال المنافق (٣)؛ لأنَّ حقيقته إظهار شيء وإخفاء غيره، وقال ابن أبي جمرة: وإنَّما صدر ذلك منهم لأجل قوَّة حال الحميَّة الَّتي غطَّت على قلوبهم حين سمعوا ما قال ﷺ، فلم يتمالك أحد منهم إِلَّا قام في نصرته؛ لأنَّ الحال إذا ورد على القلب ملكه، فلا يرى غير ما هو لسبيله، فلمَّا غلبهم حال الحميَّة لم يراعوا الألفاظ، فوقع منهم السِّباب والتَّشاجر لغيبتهم لشدَّة انزعاجهم في النُّصرة.
(فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ) بمثلَّثة، والحيّان -بمهملة فتحتيَّة مشدَّدة- تثنية حيٍّ، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حَتَّى هَمُّوا) زاد في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] أن يقتتلوا (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ) ﵊ (وَبَكَيْتُ يَوْمِي) بكسر الميم وتخفيف الياء (لَا يَرْقَأُ) بالهمزة، لا يسكن ولا ينقطع (لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) لأنَّ الهمَّ يوجب السَّهر وسيلان الدُّموع (٤) (فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ) أبو بكر الصِّدِّيق وأمُّ رومان، أي: جاءا إلى المكان الَّذي هي فيه من بيتهما (قَدْ) ولأبوي ذرٍّ
والوقت (١): «وقد» (بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ) بالتَّثنية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ليلتي» بالإفراد (وَيَوْمًا) ولأبي الوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ويومي» بكسر الميم وتخفيف الياء ونسبتْهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما. وقال الحافظ ابن حجر: في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ: «ليلتين ويومًا»، أي: اللَّيلة الَّتي أخبرتْها فيها أمُّ مسطح الخبر، واليوم الَّذي خطب فيه ﵊ النَّاس والَّتي تليه (حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا) أي: أبواها (جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي) جملة حالية (إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ) لم تُسَمَّ (فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي) تفجُّعًا لما نزل بعائشة وتحزُّنًا عليها (فَبَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ولأبي أسامة عن هشام في «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٧] فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا حتَّى دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد صلَّى العصر، ثمَّ دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي (فَجَلَسَ) ﵊ (وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ) بتشديد الياء، ولأبي ذرٍّ: «يومٍ (٢)» بالتَّنوين، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لي» (مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي) أمري وحالي (شَيْءٌ) ليُعلم المتكلِّم من غيره، ولأبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء».
(قَالَتْ) عائشة: (فَتَشَهَّدَ) ﵊، وفي رواية هشام بن عروة: [خ¦٤٧٥٧] «فحمد الله وأثنى عليه» (ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا) كناية عمَّا رُمِيَت به من الإفك (فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ) بوحي ينزله (وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت عن الكُشْمِيهَنِيِّ (٣): «بذنب» أي: وقع منك على خلاف العادة (فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ) وفي رواية أبي أويس عند الطَّبرانيِّ: «إنَّما أنتِ من بنات آدم، إن كنت أخطأت فتوبي» (فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ) أي: منه إلى الله (تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي) بفتح القاف واللَّام، آخره صاد مهملة، أي: انقطع، لأنَّ الحزن والغضب إذا أخذا حدَّهما فُقِدَ الدَّمع لفرط حرارة المصيبة (حَتَّى مَا أُحِسُّ) بضمِّ الهمزة وكسر المهملة، أي: ما أجد
(مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَتْ) عائشة (١): (وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ) بكسر «إنِّي» (لَا تُصَدِّقُونِي) ولأبي ذر: «لا تصدقونني» (بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي (٢) بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي) بضمِّ القاف وإدغام إحدى النُّونين في الأخرى (وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ) يعقوب ﵍ (إِذْ) أي: حين (قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: فأَمْرِي صبرٌ جميل لا جزع فيه على هذا الأمر (٣)، وفي مرسل حبَّان بن أبي جبلة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: «صبر لا شكوى فيه» أي: إلى الخلق، قال صاحب «المصابيح»: إنَّه رأى في بعض النُّسخ: «صبرٌ» بغير فاء مصحَّحًا عليه، كرواية ابن إسحاق في «سيرته» (﴿وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]) أي: على ما تذكرون عنِّي ممَّا يعلم الله براءتي منه.
(ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي) زاد ابن جرير (٤) في روايته: «وولَّيت وجهي نحو الجدار» (وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ) بتخفيف النُّون (وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ) الله -بضمِّ أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- وحُذِفَ الفاعل للعلم به (فِي شَأْنِي وَحْيًا) زاد في رواية يونس: «يتلى» (وَلأَنَا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ فِي أَمْرِي) بضمِّ ياء «يُتَكَلَّم». وعند ابن إسحاق: «يُقْرَأُ في المساجد ويُصلَّى به» (وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا، يُبَرِّئُنِي اللهُ)
بها، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «تُبرِّئني» بالمثنَّاة الفوقيَّة وحَذْفِ الفاعل (فَوَاللهِ مَا رَامَ) أي: ما فارق ﷺ (مَجْلِسَهُ، (١) وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ) أي: الَّذين كانوا إذ ذاك حضورًا (حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «حتى أنزل عليه الوحي» (فَأَخَذَهُ) ﵊ (مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الرَّاء ثمَّ مهملة ممدودًا، العَرَق من شدَّة ثِقَل الوحي (حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ) بتشديد الدَّال واللَّام للتَّأكيد، أي: ينزل ويقطر (مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ) بكسر الميم وسكون المثلَّثة مرفوعًا، و «الجُمَان»: بضمِّ الجيم وتخفيف الميم، أي: مثل اللُّؤلؤ (مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ) بضمِّ المهملة وتشديد الرَّاء المكسورة، أي: كُشِفَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ) سرورًا (فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا) بنصب «أوَّلَ» (أَنْ قَالَ لِي: يَا عَائِشَةُ، احْمَدِي اللهَ) وعند التِّرمذيِّ: البشرى يا عائشة (٢)، احمدي الله (فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ) أي: ممَّا نسبه أهل الإفك إليك بما أنزل من القرآن (فَقَالَتْ) ولأبي ذرٍّ: «قالت» (لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ) لأجل ما بشَّرك به (فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ) الَّذي أنزل براءتي، وأنعم عليَّ بما لم أكن (٣) أتوقَّعه من أن يتكلَّم الله فيَّ بقرآن يُتلى، وقالت ذلك إدلالًا عليهم وعتبًا، لكونهم شكُّوا في حالها مع علمهم بحسن طرائقها وجميل أحوالها، وارتفاعها عمَّا نُسِبَ إليها ممَّا لا حجَّة فيه ولا شبهة (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾) بأبلغ ما يكون من الكذب (﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ [النور: ١١]) جماعةٌ من العشرة إلى الأربعين، والمراد: عبد الله بن أبيٍّ، وزيد بن رفاعة، وحسَّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم (الآيَاتِ) في براءتها وتعظيم شأنها وتهويل الوعيد لمن تكلَّم فيها، والثَّناء على من ظنَّ فيها خيرًا.
(فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (هَذَا فِي بَرَاءَتِي) وطابت النُّفوس المؤمنة، وتاب إلى الله تعالى من كان تكلَّم من المؤمنين في ذلك، وأُقيمَ الحدُّ على من أُقيمَ عليه (قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ) بكسر الميم وسكون المهملة، و «أُثاثة»: بضمِّ الهمزة ومثلَّثتين بينهما ألف (لِقَرَابَتِهِ) أي: لأجل قرابته (مِنْهُ) وكان ابن خالة الصِّدِّيق، وكان مسكينًا لا مال له: (وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بشيء» (أَبَدًا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ) أي: عنها من الإفك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) يعطِّف الصِّدِّيق عليه: (﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) أي: لا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾) أي: من الطَّول والإحسان والصَّدقة (﴿وَالسَّعَةِ﴾) في المال (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «﴿وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾» أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما تَغفر يُغفَر لك، وكما تَصفح يُصفَح عنك (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق عند ذلك: (بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ) بتخفيف الجيم (إِلَى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ) من النَّفقة، و «يُجري»: بضمِّ أوَّله.
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ) ولأبي ذرٍّ وأبي الوقت: «سأل» بلفظ الماضي (زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) أمَّ المؤمنين (عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ؟) على عائشة (مَا رَأَيْتِ) منها؟ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي) من أن أقول: سمعت ولم أسمع (وَبَصَرِي) من أن أقول: بصرت (١) ولم أبصر (وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ) أي: عائشة: (وَهْيَ) أي: زينب (الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) بضمِّ التَّاء وبالسِّين المهملة، أي: تضاهيني وتفاخرني بجمالها ومكانتها عند النَّبيِّ ﷺ مفاعلة من السُّموِّ وهو الارتفاع (فَعَصَمَهَا اللهُ) أي: حفظها الله ومنعها (بِالوَرَعِ) أي: بالمحافظة على دينها أن تقول بقول أهل الإفك.
(قَالَ) أبو الرَّبيع سليمان بن داود شيخ المؤلِّف: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان المذكور (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ) أي: مثل حديث فُلَيح عن الزهري عن عروة. (قَالَ) أي: أبو الرَّبيع أيضًا: (وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) المذكور (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) شيخ مالك الإمام (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري (عَنِ القَاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (مِثْلَهُ (١)) والحاصل: أنَّ فُليحًا روى الحديث عن هؤلاء الأربعة.
لطيفة: قال الصَّلاح الصَّفديُّ: رأيت بخطِّ ابن خَلِّكانَ: أنَّ مسلمًا ناظر نصرانيًّا، فقال له النَّصرانيُّ في خلال كلامه محتقنًا (٢) في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم، كيف كان وجه زوجة نبيِّكم عائشة في تخلُّفها عن الرَّكب عند نبيِّكم معتذرة بضياع عقدها؟ فقال له المسلم: يا نصرانيُّ، كان وجهها كوجه بنت عمران لمَّا أتت بعيسى تحمله من غير زوج، فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم اعتقدنا مثله في ديننا من براءة زوج نبيّنا، فانقطع النَّصرانيُّ ولم يُحِرْ جوابًا.
وقد أخرج المؤلِّف الحديث في «المغازي» [خ¦٤١٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٧٥٠] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٢] و «الجهاد» [خ¦٢٨٧٩] و «التَّوحيد» [خ¦٧٥٠٠] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٣٧] أيضًا، ومسلم في «التَّوبة» والنَّسائيُّ في «عِشرة النِّساء» و «التَّفسير» وبقيَّة ما فيه من المباحث والفوائد تأتي إن شاء الله تعالى، والله الموفِّق والمعين (٣).
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا زَكَّى رَجُلٌ) واحد (رَجُلًا كَفَاهُ) فلا يحتاج إلى آخر معه، والَّذي ذهب إليه الشَّافعيَّة والمالكيَّة، وهو قول محمَّد بن الحسن اشتراط اثنين (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بفتح الجيم وكسر الميم، واسمه: سُنَين -بضمِّ السِّين المهملة وفتح النُّون الأولى مصغَّرًا- فيما رواه البخاريُّ [خ¦٤٣٠١] (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بالذَّال المعجمة، أي: لقيطًا ولم يُسَمَّ (فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ) بن