الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٦٢
الحديث رقم ٢٦٦٢ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا زكى رجل رجلا كفاه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٧٧⦘
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.»
بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٦ - بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ، وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُويرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي. قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. قَالَ: كَذَلكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ (مِرَارًا)، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.
[الحديث ٢٦٦٢ - طرفاه في: ٦٠٦١، ٦١٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ) تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ الشَّهَادَاتِ تَعْدِيلُ كَمْ يَجُوزُ فَتَوَقَّفَ هُنَاكَ، وَجَزَمَ هُنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ هُنَاكَ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي التَّزْكِيَةِ، فَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَأَجَازَ الْأَكْثَرُ قَبُولَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا فَيَشْهَدُونَ لَهُ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ وَلَا يَتَعَدَّدُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَاسْمُهُ سُنَيْنٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَوَهَمَ مَنْ شَدَّدَ التَّحْتَانِيَّةَ كَالدَّاوُدِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ، قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هُوَ سُلَمِيٌّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ ضَمْرِيٌّ، وَقِيلَ: سَلِيطِيٌّ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي التَّابِعِينَ. وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُحْبَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ آخَرُونَ فِي الصَّحَابَةِ، وَوَقَعَ سِيَاقُ خَبَرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ كَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ. وَفِي الرُّوَاةِ أَبُو جَمِيلَةَ آخَرُ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ الطُّهَوِيُّ، بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ اتِّفَاقًا، وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَالْكَرْمَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ شَخْصًا مَنْبُوذًا أَيْ لَقِيطًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَالْغُوَيْرُ بِالْمُعْجَمَةِ تَصْغِيرُ غَارٍ، وَأَبْؤُسًا جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ، وَانْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ عَسَى عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ، أَوْ بِإِضْمَارِ شَيْءٍ تَقْدِيرُهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا. وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَهُوَ مَثَلٌ مَشْهُورٌ يُقَالُ فِيمَا ظَاهِرُهُ السَّلَامَةُ وَيُخْشَى مِنْهُ الْعَطَبُ. وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي عِلَلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، وَأَصْلُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ نَاسًا دَخَلُوا غَارًا يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَقِيلَ وَجَدُوا فِيهِ
عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ لَا يَعْرِفُ عَاقِبَتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لِبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَكَانَ مَنْ يَمُرُّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: ضَرَبَ عُمَرُ هَذَا الْمَثَلَ لِلرَّجُلِ يُعَرِّضُ بِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ وَلَدَهُ وَهُوَ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ الزَّبَّاءُ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ - لَمَّا قَتَلَتْ جُذَيْمَةَ الْأَبْرَشَ. وَأَرَادَ قَصِيرٌ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا. فَتَوَاطَأَ قَصِيرٌ، وَعَمْرٌو ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ عَلَى أَنْ قَطَعَ عَمْرٌو أَنْفَ قَصِيرٍ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا يربْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ مَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجَمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ، وَكَأَنَّ قَصِيرًا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ سَلَكَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَجمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَتِ الرِّجَالُ مِنَ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْهُ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَأَرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ تَرْبِيَتَهُ، وَقِيلَ اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَأَخَذَهُ، قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَرِيفِي لِعُمَرَ، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ فَذَكَرَهُ وَزَادَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ قُلْتُ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً. وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا، وَصَدْرُ هَذَا الْخَبَرِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا جَمِيلَةَ هَذَا هُوَ الطُّهَوِيُّ ; لِأَنَّ الطُّهَوِيَّ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا عُمَرَ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الْأَثِيرِ، عَنِ الْبُخَارِيِّ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ وَأَنَّهُ الْتَقَطَ مَنْبُوذًا فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ عَرِيفِي إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْعَرِيفِ. إِلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ ذَكَرَ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ اسْمَهُ سِنَانٌ. وَفِي الصَّحَابَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: سِنَانٌ الضَّمْرِيُّ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَرَّةً عَلَى الْمَدِينَةِ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا جَمِيلَةَ ضَمْرِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ عُمَرُ قَسَّمَ النَّاسَ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ عَرِيفًا يَنْظُرُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَبُو جَمِيلَةَ سُلَمِيًّا فَيُنْظَرُ مَنْ كَانَ عَرِيفَ بَنِي سُلَيْمٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ كَذَاكَ) زَادَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ وقَالَ نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا سَأَلَ فِي مَجْلِسِ نَظَرِهِ عَنْ أَحَدٍ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ. فَأَمَّا إِذَا كَلَّفَ الْمَشْهُودَ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ شُهُودَهُ فَلَا يَقْبَلُ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ. قُلْتُ: غَايَتُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْقِصَّةَ عَلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهَا، وَقِصَّةُ التَّكْلِيفِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، وَفِيهَا جَوَازُ الِالْتِقَاطِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَأَنَّ نَفَقَتَهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَكَ وَلَاؤُهُ بِكَوْنِهِ حِينَ الْتَقَطَهُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ أَعْتَقَهُ مِنْ أَنْ يَلْتَقِطَهُ غَيْرُهُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ اهـ، وَلَيْسَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لَيْسَ إِلَّا عَرِيفَهُ وَحْدَهُ. وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِيهِ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أُمَنَائِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الخطَّاب ﵁ (قَالَ: عَسَى الغُوَيْرُ) بضمِّ الغين المعجمة، تصغير غار (أَبْؤُسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة، بعدها همزة مضمومة فسين مهملة، جمع بؤس، وانتصب على أنَّه خبر لـ «يكون» محذوفة، أي: عسى الغُويَر أن يكون أبؤسًا، وهو مَثَل مشهور يقال فيما (١) ظاهره السَّلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعيُّ: أنَّ ناسًا دخلوا يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل: أوَّل من تكلَّم به الزَّبَّاء -بفتح الزَّاي وتشديد الموحَّدة ممدودًا- لما عدل قُصَيرٌ بالأحمال عن الطَّريق المألوفة، وأخذ على الغُوَير أبؤسًا، أي: عساه أن يأتي بالبأس والشَّرِّ، وأراد عمر بالمَثَل: لعلَّك زنيتَ بأمِّه وادَّعيته لقيطًا، قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله «قال: عسى الغُوَير أبؤسًا» لغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أي: كأنَّ عمر يتَّهم أبا جميلة. قال ابن بطَّال: أن يكون ولده أتى به ليفرض له في بيت المال (قَالَ عَرِيفِي) القيِّم بأمور القبيلة والجماعة من النَّاس، يلي أمورهم، ويعرِّف الأمير أحوالهم، واسمه: سنان فيما ذكره الشَّيخ أبو حامد الإسفرايينيُّ في «تعليقه»: (إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ) عمر لعريفه: (كَذَاكَ) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم، فقال: (اذْهَبْ) به، زاد مالك: «فهو حرٌّ ولك ولاؤه»، أي: تربيته وحضانته (وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) أي: في بيت المال، بدليل رواية البيهقيِّ: «ونفقته في بيت المال».
وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله: «كذاك» ولذا (٢) قال: «اذهب وعلينا نفقته».
٢٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلام» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد
الثَّقفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالمهملة والمعجمة ممدودًا، ابن مهران البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع بن الحارث الثَّقفيِّ أنَّه (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ) لم يُسَمَّيا، ويحتمل كما قال في «المقدمة» و «الفتح»: أن يُسَمَّى المُثْنِي بمحجن بن الأدرع، والمُثْنَى عليه بعبد الله ذي البجادين، كما سيأتي في «الأدب» [خ¦٦١٦٢] إن شاء الله تعالى (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَيْلَكَ) نُصِبَ بعامل مقدَّر من غير لفظه (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ) مرَّتين، وهو استعارة من قطع العنق الَّذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك، قالها (مِرَارًا. ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ) بفتح الميم لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسَِبُ) بكسر عين الفعل وفتحه، أي: أظنُّ (فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ) أي: كافيه، فعيل بمعنى فاعل (وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا) أي: لا أقطع له على عاقبته، ولا على ما في ضميره؛ لأنَّ ذلك مُغَيَّب عنَّا (أَحْسَِبُهُ) أي: أظنُّه (كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ) أي: يظنُّه (مِنْهُ) فلا يقطع بتزكيته؛ لأنَّه لا يطَّلع على (١) باطنه إِلَّا الله تعالى.
ووجه المطابقة أنَّه ﷺ اعتبر تزكية الرَّجل إذا اقتصد، لأنَّه لم يعب عليه إِلَّا الإسراف والتَّغالي في المدح. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٦٢]، ومسلمٌ في آخر الكتاب، وأبو داود وابن ماجه في «الأدب».
(١٧) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ) بكسر الهمزة، أي: المبالغة (فِي المَدْحِ، وَلْيَقُلْ) أي: المادح في الممدوح (مَا يَعْلَمُ) ولا يتجاوزه (٢).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٦ - بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ، وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُويرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي. قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ. قَالَ: كَذَلكَ، اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ (مِرَارًا)، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ.
[الحديث ٢٦٦٢ - طرفاه في: ٦٠٦١، ٦١٦٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ) تَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ الشَّهَادَاتِ تَعْدِيلُ كَمْ يَجُوزُ فَتَوَقَّفَ هُنَاكَ، وَجَزَمَ هُنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ هُنَاكَ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي التَّزْكِيَةِ، فَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - اشْتِرَاطُ اثْنَيْنِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَاسْتَثْنَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِطَانَةَ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَأَجَازَ الْأَكْثَرُ قَبُولَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا فَيَشْهَدُونَ لَهُ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهَا أَوْلَى، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ نَاقِلًا عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ وَلَا يَتَعَدَّدُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَاسْمُهُ سُنَيْنٌ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونَيْنِ مُصَغَّرٌ، وَوَهَمَ مَنْ شَدَّدَ التَّحْتَانِيَّةَ كَالدَّاوُدِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ، قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ فَرْقَدٌ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هُوَ سُلَمِيٌّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ ضَمْرِيٌّ، وَقِيلَ: سَلِيطِيٌّ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعِجْلِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي التَّابِعِينَ. وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مَا يَدُلُّ عَلَى صُحْبَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ آخَرُونَ فِي الصَّحَابَةِ، وَوَقَعَ سِيَاقُ خَبَرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ كَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ. وَفِي الرُّوَاةِ أَبُو جَمِيلَةَ آخَرُ اسْمُهُ مَيْسَرَةُ الطُّهَوِيُّ، بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ اتِّفَاقًا، وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَالْكَرْمَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَجَدْتُ مَنْبُوذًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ شَخْصًا مَنْبُوذًا أَيْ لَقِيطًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَالْغُوَيْرُ بِالْمُعْجَمَةِ تَصْغِيرُ غَارٍ، وَأَبْؤُسًا جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ الشِّدَّةُ، وَانْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ عَسَى عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ، أَوْ بِإِضْمَارِ شَيْءٍ تَقْدِيرُهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا. وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَهُوَ مَثَلٌ مَشْهُورٌ يُقَالُ فِيمَا ظَاهِرُهُ السَّلَامَةُ وَيُخْشَى مِنْهُ الْعَطَبُ. وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي عِلَلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، وَأَصْلُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ نَاسًا دَخَلُوا غَارًا يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَقِيلَ وَجَدُوا فِيهِ
عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ لَا يَعْرِفُ عَاقِبَتَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: الْغُوَيْرُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ فِيهِ مَاءٌ لِبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاسٌ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَكَانَ مَنْ يَمُرُّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: ضَرَبَ عُمَرُ هَذَا الْمَثَلَ لِلرَّجُلِ يُعَرِّضُ بِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ وَلَدَهُ وَهُوَ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ الزَّبَّاءُ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ - لَمَّا قَتَلَتْ جُذَيْمَةَ الْأَبْرَشَ. وَأَرَادَ قَصِيرٌ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ - أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا. فَتَوَاطَأَ قَصِيرٌ، وَعَمْرٌو ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ عَلَى أَنْ قَطَعَ عَمْرٌو أَنْفَ قَصِيرٍ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الزَّبَّاءِ فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا يربْحٍ كَثِيرٍ مِرَارًا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ وَمَعَهُ الرِّجَالُ فِي الْأَعْدَالِ مَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَنَظَرَتْ إِلَى الْجَمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا أَيْ لَعَلَّ الشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ الْغُوَيْرِ، وَكَأَنَّ قَصِيرًا أَعْلَمَهَا أَنَّهُ سَلَكَ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ طَرِيقَ الْغُوَيْرِ فَلَمَّا دَخَلَتِ الْأَجمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَتِ الرِّجَالُ مِنَ الْأَعْدَالِ فَهَلَكَتْ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ لَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ نَسَبِهِ عَنْهُ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، وَأَرَادَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ تَرْبِيَتَهُ، وَقِيلَ اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ زَنَى بِأُمِّهِ ثُمَّ ادَّعَاهُ وَهُوَ بَعِيدٌ وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَأَخَذَهُ، قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَرِيفِي لِعُمَرَ، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ فَذَكَرَهُ وَزَادَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ قُلْتُ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً. وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا، وَصَدْرُ هَذَا الْخَبَرِ سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا جَمِيلَةَ هَذَا هُوَ الطُّهَوِيُّ ; لِأَنَّ الطُّهَوِيَّ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا عُمَرَ، وَأَوْرَدَ ابْنُ الْأَثِيرِ، عَنِ الْبُخَارِيِّ مَا ذَكَرْتُهُ عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ وَأَنَّهُ الْتَقَطَ مَنْبُوذًا فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ عَرِيفِي إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْعَرِيفِ. إِلَّا أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ ذَكَرَ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ اسْمَهُ سِنَانٌ. وَفِي الصَّحَابَةِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: سِنَانٌ الضَّمْرِيُّ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَرَّةً عَلَى الْمَدِينَةِ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا جَمِيلَةَ ضَمْرِيٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ عُمَرُ قَسَّمَ النَّاسَ وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ عَرِيفًا يَنْظُرُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَبُو جَمِيلَةَ سُلَمِيًّا فَيُنْظَرُ مَنْ كَانَ عَرِيفَ بَنِي سُلَيْمٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ كَذَاكَ) زَادَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ وقَالَ نَعَمْ.
قَوْلُهُ: (اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا سَأَلَ فِي مَجْلِسِ نَظَرِهِ عَنْ أَحَدٍ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ. فَأَمَّا إِذَا كَلَّفَ الْمَشْهُودَ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ شُهُودَهُ فَلَا يَقْبَلُ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ. قُلْتُ: غَايَتُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْقِصَّةَ عَلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهَا، وَقِصَّةُ التَّكْلِيفِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، وَفِيهَا جَوَازُ الِالْتِقَاطِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَأَنَّ نَفَقَتَهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَكَ وَلَاؤُهُ بِكَوْنِهِ حِينَ الْتَقَطَهُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مِنَ الْمَوْتِ أَوْ أَعْتَقَهُ مِنْ أَنْ يَلْتَقِطَهُ غَيْرُهُ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ مِلْكُهُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ شَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالسَّتْرِ اهـ، وَلَيْسَ فِي قِصَّتِهِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لَيْسَ إِلَّا عَرِيفَهُ وَحْدَهُ. وَفِيهِ تَثَبُّتُ عُمَرَ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا تَوَقَّفَ فِي أَمْرِ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِيهِ، وَرُجُوعُ الْحَاكِمِ إِلَى قَوْلِ أُمَنَائِهِ. وَفِيهِ أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْإِطْنَابُ فِي ذَلِكَ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الَّذِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الخطَّاب ﵁ (قَالَ: عَسَى الغُوَيْرُ) بضمِّ الغين المعجمة، تصغير غار (أَبْؤُسًا) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة، بعدها همزة مضمومة فسين مهملة، جمع بؤس، وانتصب على أنَّه خبر لـ «يكون» محذوفة، أي: عسى الغُويَر أن يكون أبؤسًا، وهو مَثَل مشهور يقال فيما (١) ظاهره السَّلامة ويخشى منه العطب، وأصله كما قال الأصمعيُّ: أنَّ ناسًا دخلوا يبيتون في غار فانهار عليهم فقتلهم، وقيل: أوَّل من تكلَّم به الزَّبَّاء -بفتح الزَّاي وتشديد الموحَّدة ممدودًا- لما عدل قُصَيرٌ بالأحمال عن الطَّريق المألوفة، وأخذ على الغُوَير أبؤسًا، أي: عساه أن يأتي بالبأس والشَّرِّ، وأراد عمر بالمَثَل: لعلَّك زنيتَ بأمِّه وادَّعيته لقيطًا، قاله ابن الأثير، وقد سقط قوله «قال: عسى الغُوَير أبؤسًا» لغير الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ (كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي) أي: كأنَّ عمر يتَّهم أبا جميلة. قال ابن بطَّال: أن يكون ولده أتى به ليفرض له في بيت المال (قَالَ عَرِيفِي) القيِّم بأمور القبيلة والجماعة من النَّاس، يلي أمورهم، ويعرِّف الأمير أحوالهم، واسمه: سنان فيما ذكره الشَّيخ أبو حامد الإسفرايينيُّ في «تعليقه»: (إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ) عمر لعريفه: (كَذَاكَ) هو صالح مثل ما تقول؟ قال: نعم، فقال: (اذْهَبْ) به، زاد مالك: «فهو حرٌّ ولك ولاؤه»، أي: تربيته وحضانته (وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) أي: في بيت المال، بدليل رواية البيهقيِّ: «ونفقته في بيت المال».
وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ عمر اكتفى بقول العريف على ما يفهمه قوله: «كذاك» ولذا (٢) قال: «اذهب وعلينا نفقته».
٢٦٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (ابْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلام» قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد
الثَّقفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ) بالمهملة والمعجمة ممدودًا، ابن مهران البصريُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نُفَيع بن الحارث الثَّقفيِّ أنَّه (قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ) لم يُسَمَّيا، ويحتمل كما قال في «المقدمة» و «الفتح»: أن يُسَمَّى المُثْنِي بمحجن بن الأدرع، والمُثْنَى عليه بعبد الله ذي البجادين، كما سيأتي في «الأدب» [خ¦٦١٦٢] إن شاء الله تعالى (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَيْلَكَ) نُصِبَ بعامل مقدَّر من غير لفظه (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ) مرَّتين، وهو استعارة من قطع العنق الَّذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك، قالها (مِرَارًا. ثُمَّ قَالَ) ﵊: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ) بفتح الميم لا بدَّ (فَلْيَقُلْ: أَحْسَِبُ) بكسر عين الفعل وفتحه، أي: أظنُّ (فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ) أي: كافيه، فعيل بمعنى فاعل (وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا) أي: لا أقطع له على عاقبته، ولا على ما في ضميره؛ لأنَّ ذلك مُغَيَّب عنَّا (أَحْسَِبُهُ) أي: أظنُّه (كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ) أي: يظنُّه (مِنْهُ) فلا يقطع بتزكيته؛ لأنَّه لا يطَّلع على (١) باطنه إِلَّا الله تعالى.
ووجه المطابقة أنَّه ﷺ اعتبر تزكية الرَّجل إذا اقتصد، لأنَّه لم يعب عليه إِلَّا الإسراف والتَّغالي في المدح. وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٦٢]، ومسلمٌ في آخر الكتاب، وأبو داود وابن ماجه في «الأدب».
(١٧) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ) بكسر الهمزة، أي: المبالغة (فِي المَدْحِ، وَلْيَقُلْ) أي: المادح في الممدوح (مَا يَعْلَمُ) ولا يتجاوزه (٢).