الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٥٢
الحديث رقم ٢٦٥٢ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ لِقَوْلِ اللهِ ﷿ ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَلْوُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ.
[الحديث ٢٦٥١ - أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥]
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ"
[الحديث ٢٦٥٢ - أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي قِصَّةِ هِبَةِ أَبِيهِ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا بِلَفْظِ: فَقَالَ: لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: إِذَا أُشْهِدَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ إِذَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ والْإِشَارَةُ إِلَى مَنْ وَصَلَهُ، وَإِلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْآخَرِ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، سَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ مَشْرُوحَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، فَهُوَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَسَيَأْتِي فِي الْفَضَائِلِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَابْنِ ش بَّوَيْهِ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ، أَوْ حُذِفَ مِنْهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
قَوْلُهُ: (يَخُونُونَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ يَحْرِبُونَ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ; قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَبَهُ يَحْرِبُهُ إِذَا أَخَذَ مَالَهُ وَتَرَكَهُ بِلَا شَيْءٍ، وَرَجُلٌ مَحْرُوبٌ أَيْ مَسْلُوبُ الْمَالِ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَلَا يُتَّمَنُونَ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ قَالَ غَيْرُهُ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَتزورُ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: يَأْتَزِرُ وَادَّعَى أَنَّهُ شَاذٌّ، وَلَكِنْ قَدْ قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائتمن أَمَانَتَهُ) وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ شِبْهٌ بِمَا فَاؤُهُ وَاوٌ أَوْ تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ: وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) أَيْ لَا يَثِقُ النَّاسُ بِهِمْ، وَلَا يَعْتَقِدُونَهُمْ أُمَنَاءَ بِأَنْ تَكُونَ خِيَانَتُهُمْ ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلنَّاسِ اعْتِمَادٌ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّحَمُّلَ بِدُونِ التَّحْمِيلِ أَوِ الْأَدَاءَ بِدُونِ طَلَبٍ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مَرْفُوعًا أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَرْجِيحِهِمَا فَجَنَحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ لِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَدَّمَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَالَغَ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَجَنَحَ غَيْرُهُ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ عِمْرَانَ لِاتِّفَاقِ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ عَلَيْهِ، وَانْفِرَادِ مُسْلِمٍ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْدٍ: مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا، أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا الْعَالِمُ بِهَا، وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي الشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ شَيْخُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، وَهِيَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ مَحْضًا، وَيَدْخُلُ فِي الْحِسْبَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ الْعَتَاقُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ الْعَامَّةُ وَالْعِدَّةُ وَالطَّلَاقُ وَالْحُدُودُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى الْأَدَاءِ فَيَكُونُ لِشِدَّةِ اسْتِعْدَادِهِ لَهَا كَالَّذِي أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا كَمَا يُقَالُ فِي وَصْفِ الْجَوَادِ: إِنَّهُ لَيُعْطِي قَبْلَ الطَّلَبِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ مَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيَخُصُّ ذَمَّ مَنْ يَشْهَدُ بِمَنْ ذَكَرَ مِمَّنْ يُخْبرُ بِشَهَادَةٍ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا بِهَا أَوْ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ السُّؤَالِ عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عِمْرَانَ بِتَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَيْ يُؤَدُّونَ شَهَادَةً لَمْ يُسْبَقْ لَهُمْ تَحَمُّلُهَا، وَهَذَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ثَانِيهَا: الْمُرَادُ بِهَا الشَّهَادَةُ فِي الْحَلِفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ أَيْ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَذَا عَلَى مَعْنَى الْحَلِفِ، فَكُرِهَ ذَلِكَ كَمَا كُرِهَ الْإِكْثَارُ مِنَ الْحَلِفِ، وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وَهَذَا جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ.
ثَالِثُهَا: الْمُرَادُ بِهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُغَيَّبِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَيَشْهَدُ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِغَيْرِ دليل كَمَا يصَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ.
رَابِعُهَا: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَنْتَصِبُ شَاهِدًا وَلَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
خَامِسُهَا: الْمُرَادُ بِهِ التَّسَارُعُ إِلَى الشَّهَادَةِ وَصَاحِبُهَا بِهَا عَالِمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي كَذَا فَلَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنِ اسْتَشْهَدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى رَجُلًا يَقْتُلُ رَجُلًا أَوْ يَغْصِبُهُ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشْهِدْهُ الْجَانِي.
قَوْلُهُ: (وَيَنْذِرُونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّهَا (وَلَا يَفُونَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَأكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ ذَمُّ مَحَبَّتِهِ وَتَعَاطِيهِ لَا مِنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يَظْهَرُ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْمَالِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّنُونَ أَيْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرَادًا. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَعَاطِي السَّمْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَهُوَ أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ خَبَرُ الْبَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ السَّمِينَ غَالِبًا بَلِيدُ الْفَهْمِ ثَقِيلٌ عَنِ الْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ السَّلْمَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ.
قَوْلُهُ: (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) أَيْ فِي حَالَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهُ دَوْرٌ، كَالَّذِي يَحْرِصُ عَلَى تَرْوِيجِ شَهَادَةٍ فَيَحْلِفُ عَلَى صِحَّتِهَا لِيُقَوِّيَهَا، فَتَارَةً يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ وَتَارَةً يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْحَلِفَ فِي الشَّهَادَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَ وَيَحْلِفَ، وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «يشهدون ولا يستشهدون» لأنَّ الشَّهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجَور، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨] و «النُّذور» [خ¦٦٦٩٥]، ومسلم في «الفضائل» والنَّسائيُّ في «النُّذور».
٢٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعود (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ) أهل (قَرْنِي) يعني أصحابه (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني أتباعهم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني: أتباع التَّابعين، وهذا يقتضي أنَّ الصَّحابة أفضل من التَّابعين، والتَّابعون أفضل من أتباع التَّابعين، لكنَّ هل هذه الأفضليَّة بالنِّسبة إلى المجموع أو الأفراد محلُّ بحث، وإلى الثَّاني ذهب الجمهور، والأوَّل قول ابن عبد البَرِّ، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» مباحث ذلك، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد لذلك في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥١] بعون الله تعالى وقوَّته (ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) أي: في حالَين لا في حالة واحدة لأنَّه دَور، قال البيضاويُّ وتبعه الكِرمانيُّ: هم الَّذين يحرصون على الشَّهادة مشغوفين بترويجها، يحلفون على ما يشهدون به، فتارةً يحلفون قبل أن يأتوا بالشَّهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مَثَلًا في سرعة الشَّهادة واليمين وحرص الرَّجل عليهما والتَّسرُّع فيهما، حتَّى لا يدري بأيّهما يبتدئ، فكأنَّه يسبق أحدهما الآخر من قلَّة مبالاته بالدِّين. قال النَّوويُّ: واحتجَّ به المالكيَّة في ردِّ شهادة مَن حلف معها، والجمهور على أنَّها لا تُرَدُّ.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ بالإسناد السَّابق: (وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا) زاد المؤلِّف في «الفضائل» [خ¦٣٦٥١] ونحن صغار (عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: قول الرَّجل: أشهد بالله، وعليَّ عهد الله
ما كان كذا، على معنى الحلف، حتَّى لا يصير ذلك لهم عادة فيحلفون في كلِّ ما يصلح وما لا يصلح، والله أعلم.
(١٠) (بابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أي: من التَّغليظ والوعيد (لِقَوْلِ اللهِ) أي: لأجل قول الله، ولأبي ذرٍّ: «لقوله» ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]) أي: لا يقيمون الشَّهادة الباطلة، أو لا يَحضرون محاضر الكذب والفسق والكفر، أو اللَّهو والغناء. وقال ابن حَجَر: أشار -أي: المؤلِّف- إلى أنَّ الآية سيقت في ذمِّ متعاطي شهادة الزُّور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وتعقَّبه العَينيُّ فقال: ما سِيقت الآية إلَّا في مدح تاركي شهادة الزُّور، وقوله: «وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها» لم يقل به أحد من المفسِّرين، وحينئذ فإيراد المؤلِّف للآية في معرض التَّعليل لِمَا قيل في شهادة الزُّور من الوعيد لا وجهَ له؛ لأنَّها ما سيقت إلَّا في مدح الَّذين لا يشهدون الزُّور. انتهى. وما قاله ابن حَجَر أقعد، ليكون ما قاله المؤلِّف مطابقًا لما استدلَّ له، ولعلَّه كالمؤلِّف وقف على ذلك من قول بعض المفسِّرين، وجزم العَينيُّ بأنَّه لم يقل به أحد من المفسِّرين، ودعواه الحصرَ فيه نَظَرٌ لا يخفى، ونقل في «الفتح» عن الطَّبريِّ: أنَّه قال: وأَولى الأقوال عندنا أنَّ المراد به مدح مَن لا يشهد شيئًا من الباطل (وَ) ما قيل في (كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ) بكسر الكاف (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾) أيُّها الشُّهود إذا دُعِيتم لتأديتها عند الحاكم (﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾) أي: يأثم قلبه، وإسناد الإثم إلى القلب؛ لأنَّ الكتمان يتعلَّق به؛ لأنَّه مضمَر فيه (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾) من كتمان الشَّهادة وإقامتها (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) فيُجازى على كتمان الشَّهادة وأدائها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «لقوله» الثَّابتة (١) قبل قوله: «﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾» وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِن﴾ (﴿تَلْوُواْ﴾ [النساء: ١٣٥]) يعني: (أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) كذا فسَّره ابن عبَّاس فيما رُوِي عنه من طريق عليِّ بن أبي (٢) طلحةَ كما عند الطَّبريِّ، ورُوِي عنه من
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ.
[الحديث ٢٦٥١ - أطرافه في: ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥]
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ"
[الحديث ٢٦٥٢ - أطرافه في: ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي قِصَّةِ هِبَةِ أَبِيهِ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ: لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا بِلَفْظِ: فَقَالَ: لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: إِذَا أُشْهِدَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ إِذَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْهِبَةِ والْإِشَارَةُ إِلَى مَنْ وَصَلَهُ، وَإِلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْآخَرِ، وَوَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، سَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ مَشْرُوحَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْغَرَضُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، فَهُوَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَسَيَأْتِي فِي الْفَضَائِلِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَابْنِ ش بَّوَيْهِ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمٌ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَعَلَّهُ كُتِبَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى اللُّغَةِ الرَّبِيعِيَّةِ، أَوْ حُذِفَ مِنْهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
قَوْلُهُ: (يَخُونُونَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ يَحْرِبُونَ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ; قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ حَرَبَهُ يَحْرِبُهُ إِذَا أَخَذَ مَالَهُ وَتَرَكَهُ بِلَا شَيْءٍ، وَرَجُلٌ مَحْرُوبٌ أَيْ مَسْلُوبُ الْمَالِ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَلَا يُتَّمَنُونَ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ قَالَ غَيْرُهُ هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَتزورُ مَوْضِعَ قَوْلِهِ: يَأْتَزِرُ وَادَّعَى أَنَّهُ شَاذٌّ، وَلَكِنْ قَدْ قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائتمن أَمَانَتَهُ) وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ شِبْهٌ بِمَا فَاؤُهُ وَاوٌ أَوْ تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ: وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) أَيْ لَا يَثِقُ النَّاسُ بِهِمْ، وَلَا يَعْتَقِدُونَهُمْ أُمَنَاءَ بِأَنْ تَكُونَ خِيَانَتُهُمْ ظَاهِرَةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلنَّاسِ اعْتِمَادٌ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التَّحَمُّلَ بِدُونِ التَّحْمِيلِ أَوِ الْأَدَاءَ بِدُونِ طَلَبٍ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ، وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مَرْفُوعًا أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَرْجِيحِهِمَا فَجَنَحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ لِكَوْنِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَدَّمَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَالَغَ فَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَجَنَحَ غَيْرُهُ إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ عِمْرَانَ لِاتِّفَاقِ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ عَلَيْهِ، وَانْفِرَادِ مُسْلِمٍ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْدٍ: مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا، أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا الْعَالِمُ بِهَا، وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي الشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ شَيْخُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا.
ثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ، وَهِيَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ مَحْضًا، وَيَدْخُلُ فِي الْحِسْبَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُ الْعَتَاقُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصِيَّةُ الْعَامَّةُ وَالْعِدَّةُ وَالطَّلَاقُ وَالْحُدُودُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الشَّهَادَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِجَابَةِ إِلَى الْأَدَاءِ فَيَكُونُ لِشِدَّةِ اسْتِعْدَادِهِ لَهَا كَالَّذِي أَدَّاهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا كَمَا يُقَالُ فِي وَصْفِ الْجَوَادِ: إِنَّهُ لَيُعْطِي قَبْلَ الطَّلَبِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَكُونَ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ مَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيَخُصُّ ذَمَّ مَنْ يَشْهَدُ بِمَنْ ذَكَرَ مِمَّنْ يُخْبرُ بِشَهَادَةٍ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا بِهَا أَوْ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ السُّؤَالِ عَلَى ظَاهِرِ عُمُومِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عِمْرَانَ بِتَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ أَيْ يُؤَدُّونَ شَهَادَةً لَمْ يُسْبَقْ لَهُمْ تَحَمُّلُهَا، وَهَذَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
ثَانِيهَا: الْمُرَادُ بِهَا الشَّهَادَةُ فِي الْحَلِفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ أَيْ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَذَا عَلَى مَعْنَى الْحَلِفِ، فَكُرِهَ ذَلِكَ كَمَا كُرِهَ الْإِكْثَارُ مِنَ الْحَلِفِ، وَالْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وَهَذَا جَوَابُ الطَّحَاوِيِّ.
ثَالِثُهَا: الْمُرَادُ بِهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُغَيَّبِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَيَشْهَدُ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَعَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِغَيْرِ دليل كَمَا يصَنَعَ ذَلِكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ.
رَابِعُهَا: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يَنْتَصِبُ شَاهِدًا وَلَيْسَ مَنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
خَامِسُهَا: الْمُرَادُ بِهِ التَّسَارُعُ إِلَى الشَّهَادَةِ وَصَاحِبُهَا بِهَا عَالِمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لِفُلَانٍ عِنْدِي كَذَا فَلَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَّا إِنِ اسْتَشْهَدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى رَجُلًا يَقْتُلُ رَجُلًا أَوْ يَغْصِبُهُ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشْهِدْهُ الْجَانِي.
قَوْلُهُ: (وَيَنْذِرُونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّهَا (وَلَا يَفُونَ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَأكِلِ وَالْمَشَارِبِ، وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ بِالتَّشْدِيدِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ ذَمُّ مَحَبَّتِهِ وَتَعَاطِيهِ لَا مِنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يَظْهَرُ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْمَالِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَسَمَّنُونَ أَيْ يَتَكَثَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرَادًا. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَعَاطِي السَّمْنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَهُوَ أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ خَبَرُ الْبَابِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَذْمُومًا ; لِأَنَّ السَّمِينَ غَالِبًا بَلِيدُ الْفَهْمِ ثَقِيلٌ عَنِ الْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ السَّلْمَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ.
قَوْلُهُ: (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) أَيْ فِي حَالَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّهُ دَوْرٌ، كَالَّذِي يَحْرِصُ عَلَى تَرْوِيجِ شَهَادَةٍ فَيَحْلِفُ عَلَى صِحَّتِهَا لِيُقَوِّيَهَا، فَتَارَةً يَحْلِفُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ وَتَارَةً يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ الْحَلِفَ فِي الشَّهَادَةِ فَيُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَ وَيَحْلِفَ، وَقَالَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «يشهدون ولا يستشهدون» لأنَّ الشَّهادة قبل الاستشهاد فيها معنى الجَور، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨] و «النُّذور» [خ¦٦٦٩٥]، ومسلم في «الفضائل» والنَّسائيُّ في «النُّذور».
٢٦٥٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنْ عَبِيدَةَ) بفتح العين، السَّلمانيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) ابن مسعود (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ) أهل (قَرْنِي) يعني أصحابه (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني أتباعهم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) يعني: أتباع التَّابعين، وهذا يقتضي أنَّ الصَّحابة أفضل من التَّابعين، والتَّابعون أفضل من أتباع التَّابعين، لكنَّ هل هذه الأفضليَّة بالنِّسبة إلى المجموع أو الأفراد محلُّ بحث، وإلى الثَّاني ذهب الجمهور، والأوَّل قول ابن عبد البَرِّ، وفي كتابي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» مباحث ذلك، ويأتي -إن شاء الله تعالى- مزيد لذلك في «فضل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥١] بعون الله تعالى وقوَّته (ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) أي: في حالَين لا في حالة واحدة لأنَّه دَور، قال البيضاويُّ وتبعه الكِرمانيُّ: هم الَّذين يحرصون على الشَّهادة مشغوفين بترويجها، يحلفون على ما يشهدون به، فتارةً يحلفون قبل أن يأتوا بالشَّهادة وتارة يعكسون، ويحتمل أن يكون مَثَلًا في سرعة الشَّهادة واليمين وحرص الرَّجل عليهما والتَّسرُّع فيهما، حتَّى لا يدري بأيّهما يبتدئ، فكأنَّه يسبق أحدهما الآخر من قلَّة مبالاته بالدِّين. قال النَّوويُّ: واحتجَّ به المالكيَّة في ردِّ شهادة مَن حلف معها، والجمهور على أنَّها لا تُرَدُّ.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ بالإسناد السَّابق: (وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا) زاد المؤلِّف في «الفضائل» [خ¦٣٦٥١] ونحن صغار (عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ) أي: قول الرَّجل: أشهد بالله، وعليَّ عهد الله
ما كان كذا، على معنى الحلف، حتَّى لا يصير ذلك لهم عادة فيحلفون في كلِّ ما يصلح وما لا يصلح، والله أعلم.
(١٠) (بابُ مَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ) أي: من التَّغليظ والوعيد (لِقَوْلِ اللهِ) أي: لأجل قول الله، ولأبي ذرٍّ: «لقوله» ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]) أي: لا يقيمون الشَّهادة الباطلة، أو لا يَحضرون محاضر الكذب والفسق والكفر، أو اللَّهو والغناء. وقال ابن حَجَر: أشار -أي: المؤلِّف- إلى أنَّ الآية سيقت في ذمِّ متعاطي شهادة الزُّور، وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها، وتعقَّبه العَينيُّ فقال: ما سِيقت الآية إلَّا في مدح تاركي شهادة الزُّور، وقوله: «وهو اختيار منه لأحد ما قيل في تفسيرها» لم يقل به أحد من المفسِّرين، وحينئذ فإيراد المؤلِّف للآية في معرض التَّعليل لِمَا قيل في شهادة الزُّور من الوعيد لا وجهَ له؛ لأنَّها ما سيقت إلَّا في مدح الَّذين لا يشهدون الزُّور. انتهى. وما قاله ابن حَجَر أقعد، ليكون ما قاله المؤلِّف مطابقًا لما استدلَّ له، ولعلَّه كالمؤلِّف وقف على ذلك من قول بعض المفسِّرين، وجزم العَينيُّ بأنَّه لم يقل به أحد من المفسِّرين، ودعواه الحصرَ فيه نَظَرٌ لا يخفى، ونقل في «الفتح» عن الطَّبريِّ: أنَّه قال: وأَولى الأقوال عندنا أنَّ المراد به مدح مَن لا يشهد شيئًا من الباطل (وَ) ما قيل في (كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ) بكسر الكاف (لِقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾) أيُّها الشُّهود إذا دُعِيتم لتأديتها عند الحاكم (﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾) أي: يأثم قلبه، وإسناد الإثم إلى القلب؛ لأنَّ الكتمان يتعلَّق به؛ لأنَّه مضمَر فيه (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾) من كتمان الشَّهادة وإقامتها (﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) فيُجازى على كتمان الشَّهادة وأدائها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «لقوله» الثَّابتة (١) قبل قوله: «﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾» وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِن﴾ (﴿تَلْوُواْ﴾ [النساء: ١٣٥]) يعني: (أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ) كذا فسَّره ابن عبَّاس فيما رُوِي عنه من طريق عليِّ بن أبي (٢) طلحةَ كما عند الطَّبريِّ، ورُوِي عنه من