«مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧١٦

الحديث رقم ٢٧١٦ من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا باع نخلا قد أبرت.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن…

«مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.»

بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ

سند حديث: ٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «من باع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع إلا أن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا يَصِحُّ مِنْهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ.

وَقَوْلُهُ: فِي الْإِسْلَامِ أَيْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَيَجُوزُ مَثَلًا أَنْ يَشْتَرِطَ الْكَافِرُ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ لَا يُكَلَّفُ بِالسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ مَثَلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ مَثَلًا.

وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْكَامِ أَيِ الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ.

وَقَوْلُهُ: وَالْمُبَايَعَةِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.

قَوْلُهُ: (يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ هَكَذَا قَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاقْتَصَرَ غَيْرُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ عَنْهُمَا مُرْسَلٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرَا الْقِصَّةَ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُصِبْ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ الْمِسْوَرِ أَوْ مَرْوَانَ، لِأَنَّ مَرْوَانَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ النَّبِيِّ وَلَا صُحْبَةٌ، وَأَمَّا الْمِسْوَرُ فَصَحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ لَكِنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ بَعْدَ الْفَتْحِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) هَكَذَا اقْتَضَبَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

وَقَوْلُهُ: فَامْتَعَضُوا بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَنِفُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْخَلِيلُ: مَعِضَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّيْءِ وَامْتَعَضَ: تَوَجَّعَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: شَقَّ عَلَيْهِ وَأَنِفَ مِنْهُ. وَوَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ اخْتِلَافٌ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا هُنَا، وَالْأَصِيلِيُّ، وَالْهَمْذانِيُّ بِظَاءٍ مُشَالَةٍ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ امَّعَضُوا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَكَذَا الْعَبْدُوسِيُّ، وَعَنِ النَّسَفِيِّ انْغَضُّوا بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَضَادٍ غَيْرِ مُشَالَةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: وَكُلُّهَا تَغْيِيرَاتٌ، حَتَّى وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْفَضُّوا بِفَاءٍ وَتَشْدِيدٍ، وَبَعْضُهُمْ أَغْيَظُوا مِنَ الْغَيْظِ.

وَقَوْلُهُ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ.

٢ - باب إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ

٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَمْ يَشْتَرِطِ الثَّمَنَ أَيِ الْمُشْتَرِي، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ اكْتِفَاءً بِمَا فِي الْخَبَرِ.

٣ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْبُيُوعِ

٢٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهَا: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «أُبِرَتْ» بتخفيفها، وهو الأكثر، أي: لقِّحت (١)، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولم يشترط الثمرة»، أي: المشتري وجواب الشرط محذوفٌ، تقديره: فالثمرة للبائع إلَّا أن يشترط المشتري.

٢٧١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى بن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) مبنيٌّ للمفعول مع تشديد الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «أُبِرَت» بتخفيفها (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ) بالمثلَّثة وبالمثنَّاة بعد الرَّاء، ولأبي ذَرٍّ: «فثمرها» بحذف المثنَّاة (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) أي: المشتري.

وتقدَّم هذا الحديث في «باب من باع نخلًا قد أُبِّرت»، من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٠٣].

(٣) (بابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)، ولأبي ذَرٍّ: «في البيوع» بالجمع.

٢٧١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب الحارثيُّ القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا ليث» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ) بريرة (قَضَتْ) لمواليها (مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا) وكانت كاتبتهم على تسع أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ (قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) بكسر الكاف، أي: مواليك (فَإِنْ

أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ) وأعتقك (وَيَكُونَ) بالنَّصب عطفًا على السَّابق (وَلَاؤُكِ) الَّذي هو سبب الإرث (١) (لِي فَعَلْتُ) ذلك (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الَّذي قالته عائشة (بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا) ولأبي ذَرٍّ: «لأهلها» (فَأَبَوْا) امتنعوا (وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ) بكسر الكاف (فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ فَقَالَ لَهَا: ابْتَاعِيـ) ها (فَأَعْتِقِيـ) ها بهمزة قطعٍ وحذف الضَّمير المنصوب في الموضعين للعلم به (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفيه دليلٌ لقول الشَّافعيِّ في (٢) القديم: إنَّه يصحُّ بيع رقبة المكاتب ويملكه المشتري مكاتبًا، ويعتق بأداء النُّجوم إليه والولاء له، أمَّا على الجديد، فلا يصحُّ.

وترجمة المؤلِّف هنا مطلقةٌ، تحتمل جواز الاشتراط في البيع وعدم الجواز، ومذهب الشَّافعيَّة: لا يجوز بيعٌ وشرطٌ كبيعٍ بشرط بيعٍ أو قرضٍ للنَّهي عنه في حديث أبي داود وغيره إلَّا في ستَّ عشرةَ مسألةً: أوَّلها: شرط الرَّهن. ثانيها: الكفيل المعيَّنَين (٣) لثمنٍ في الذِّمة للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلَّا بهما، ولا بدَّ من كون الرَّهن غير المبيع، فإنْ شرط رهنه بالثَّمن أو غيره بطل البيع؛ لاشتماله على شرط رهنٍ ما لم يملكه بعد. ثالثها: الإشهاد لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. رابعها: الخيار. خامسها: الأجل المعيَّن. سادسها: العتق للمبيع في الأصحِّ، لأنَّ عائشة اشترت بريرة بشرط العتق والولاء، ولم يُنكر إلَّا شرط الولاء لهم بقوله: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله (٤) … » [خ¦٤٥٦] إلى آخره، ولأنَّ استعقاب البيعِ العتقَ عُهِدَ في شراء القريب، فاحتمل شرطه، والثَّاني البطلان، كما لو شرط بيعه أو هبته، وقيل: يصحُّ البيع ويبطل الشَّرط. سابعها: شرط الولاء لغير المشتري مع العتق في أضعف القولين، فيصحُّ البيع ويبطل الشَّرط لظاهر حديث بريرة، والأصحُّ بطلانهما لما تقرَّر في الشَّرع من أنَّ «الولاء لمن أعتق»، وأمَّا قوله لعائشة: «واشترطي لهم الولاء»، فأُجِيبَ عنه بأنَّ الشَّرط لم يقع في العقد، وبأنَّه خاصٌّ بقضيَّة عائشة، وبأنَّ «لهم» بمعنى عليهم. ثامنها:

البراءة من العيوب في المبيع. تاسعها: نقله من مكان البائع (١)؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضى العقد. عاشرها وحادي عاشرها: قطع الثِّمار أو تبقيتها بعد الصَّلاح. ثاني عشرها: أن يعمل فيه البائع عملًا معلومًا، كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال، وهو في المعنى بيعٌ وإجارةٌ، ويُوزَّع المسمَّى عليهما باعتبار القيمة، وقيل: يبطل الشَّرط، ويصحُّ البيع بما يقابل المبيع من المسمَّى، والأصحُّ بطلانهما لاشتمال البيع على شرط عملٍ فيما لم يملكه بعد. ثالث عشرها: أن يشرط (٢) كون العبد فيه وصفٌ مقصودٌ. رابع عشرها: أن لا يسلِّم المبيع حتَّى يستوفيَ الثَّمن. خامس عشرها: الردُّ بالعيب. سادس عشرها: خيار الرؤية فيما إذا باع ما لم يره على القول بصحَّته للحاجة إلى ذلك.

وهذا الحديث قد سبق في «البيع» [خ¦٢١٥٥] و «العتق» [خ¦٢٥٣٦] وغيرهما.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَطَ البَائِعُ) على المشتري (ظَهْرَ الدَّابَّةِ) أي: ركوب ظهر الدَّابة الَّتي باعها (إِلَى مَكَانٍ مُسَمًّى) معيَّنٍ (جَازَ) هذا البيع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَفَاطِمَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، أُخْت أم سَلمَة، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا أَرَادَ عمر أَن يُهَاجر أَبَت وارتدت. وَبرْوَع بنت عقبَة، كَانَت تَحت شماس بن عُثْمَان، وَعَبدَة بنت عبد الْعُزَّى، وَزوجهَا عَمْرو بن ود. وَهِنْد بنت أبي جهل بن هِشَام، وَكَانَت تَحت هِشَام بن الْعَاصِ. وكلثوم بنت جَرْوَل، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُهُور نِسَائِهِم من الْغَنِيمَة. قَوْله: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات ... } (الممتحنة: ٠١) . الْآيَة، لما فتح رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفرغ من بيعَة الرِّجَال جَاءَت النِّسَاء يبايعنه. فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ) يَعْنِي: لَا يَأْتِين بِولد لَيْسَ من أَزوَاجهنَّ، فينسبنه إِلَيْهِم، وَقيل {بَين أَيْدِيهنَّ} ألسنتهن {وَبَين أرجلهن} فروجهن، وَقيل: هُوَ توكيد. مثل {مَا كسبت أَيْدِيكُم} (الشورى: ٠٣) . قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قيل: هَذَا فِي النوح. وَقيل: (لَا يخلون بِغَيْر ذِي محرم) وَقيل: (فِي كل حق مَعْرُوف لله تَعَالَى) . قَوْله: (عُرْوَة فأخبرتني عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) ، هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَو لَا، قَوْله: (كلَاما) : هُوَ كَلَام عَائِشَة، وَقع حَالا. قَوْله: (وَالله مَا مست يَده) إِلَى آخِره، وَكَانَت عَائِشَة تَقول: كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايع النِّسَاء بالْكلَام بِهَذِهِ الْآيَة وَمَا مس يَد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَد امْرَأَة قطّ، إلَاّ يَد امْرَأَة يملكهَا. وَعَن الشّعبِيّ: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايع النِّسَاء وعَلى يَده ثوب قطري، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ إِذا بَايع النِّسَاء دَعَا بقدح من مَاء، فَغمسَ يَده فِيهِ ثمَّ غمس أَيْدِيهنَّ فِيهِ.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صلح الْمُشْركين على أَن يرد إِلَيْهِم من جَاءَ مِنْهُم مُسلما، فَقَالَ قوم: لَا يجوز هَذَا، وَهُوَ مَنْسُوخ بقوله، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا بَرِيء من كل مُسلم أَقَامَ مَعَ مُشْرك فِي دَار الْحَرْب، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن هِجْرَة دَار الْحَرْب فَرِيضَة على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَذَلِكَ الَّذِي بَقِي من فرض الْهِجْرَة، هَذَا قَول الْكُوفِيّين، وَقَول أَصْحَاب مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ، وَلَيْسَ لأحد هَذَا العقد إلَاّ للخليفة أَو لرجل يَأْمُرهُ، فَمن عقد غير الْخَلِيفَة فَهُوَ مَرْدُود، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الشَّافِعِي، وَهَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ يدل أَن مذْهبه أَنه فِي النِّسَاء مَنْسُوخ.

٤١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ زِيَادِ بنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيراً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ بايَعْتُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاشْتَرَطَ علَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث مضى فِي آخر كتاب الْإِيمَان بأتم مِنْهُ. قَوْله: والنصح لكل مُسلم عطف على مُقَدّر يعلم من الحَدِيث الَّذِي بعده.

٥١٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قيْسُ بنُ أبِي حازِمٍ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بايَعْتُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى إقَامِ الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ عَن قيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عبد عَوْف، وَإِسْمَاعِيل وَقيس وَجَرِير ثَلَاثَتهمْ بجليون كوفيون مَكْنُون بِأبي عبد الله، قَوْله: (على إقَام الصَّلَاة) أَصله: إِقَامَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جَازَ حذف التَّاء فِيهَا لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنْهَا. وَقد مر الْكَلَام فِي الْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي آخر كتاب الْإِيمَان مُسْتَوفى.

٢ - (بابٌ إذَا باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ شخص نخلا حَال كَونهَا قد أبرت، على صِيغَة الْمَجْهُول، من التَّأْبِير، وَهُوَ تلقيح النّخل وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني بعد قَوْله: (أبرت وَلم يشْتَرط الثَّمر) ، أَي: وَالْحَال أَيْضا أَن المُشْتَرِي لم يشْتَرط الثَّمر وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف، وَهُوَ قَوْله: (فالثمرة للْبَائِع) إلَاّ أَن يشْتَرط المُشْتَرِي، وَلم يذكرهُ لدلَالَة مَا فِي الحَدِيث عَلَيْهِ.

٦١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَاّ أَن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من بَاعَ نخلا قد أبرت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْمُبْتَاع) أَي: المُشْتَرِي.

٣ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي البيع.

٧١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ عائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِها ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً قالَتْ لَهَا عائِشَةُ إرْجِعِي إِلَى أهلِكِ فإنْ أحَبوا أنْ أقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونَ ولَاؤكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فأبَوْا وَقَالُوا إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكَ فَلْتَفْعَلْ ويَكُونَ لَنا وَلاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهَا ابْتَاعِي فأعْتِقي فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة: مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن أبي ليلى عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إشترى بَرِيرَة واشترطي لَهُم الْوَلَاء) . فَهَذَا فِيهِ عِنْد البيع، وَفِيه شَرط. وَفِيه وَجه الْمُطَابقَة، وَبِهَذَا اسْتدلَّ ابْن أبي ليلى: أَن من اشْترى شَيْئا وَأَشْتَرِط شرطا فَالْبيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، وَفِيه مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا باطلان، وَمذهب ابْن شبْرمَة كِلَاهُمَا جائزان، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا تحل، وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِيهِ، وَفِي كتاب الْعتْق أَيْضا وَغَيره، والترجمة الْمَذْكُورَة مُطلقَة يحْتَمل جَوَاز الِاشْتِرَاط فِي الْبيُوع، وَيحْتَمل عدم جَوَازهَا، وَلم يُوضحهُ البُخَارِيّ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح ذكر هُنَا شَيْئا حَتَّى إِن مِنْهُم من لم يذكر الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة، وَمِنْهُم من ذكر التَّرْجَمَة، وَقَالَ: فِيهِ حَدِيث عَائِشَة، وأحاله إِلَى مَا سبق، وَهَذَا مِمَّا لَا يُفِيد الناظرين، وَالشَّارِح إِن لم يتبع كَلَام المُصَنّف كلمة كلمة، وَلم يذكر الْمَقْصُود فِيهِ، فَلَيْسَ بشرح.

٤ - (بابٌ إِذا اشتَرَطَ الْبَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مكانٍ مُسَمَّى جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط البَائِع ظهر الدَّابَّة الَّتِي بَاعهَا يَعْنِي: اشْترط ركُوبهَا إِلَى مَكَان مُسَمّى معِين جَازَ هَذَا البيع، وَإِنَّمَا أطلقهُ مَعَ أَن فِيهِ الْخلاف، لِأَنَّهُ يرى بِصِحَّة هَذَا البيع لصِحَّة الدَّلِيل وقوته عِنْده، وَبِه قَالَ أَيْضا جمَاعَة وهم: الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، فَإِنَّهُم قَالُوا: (إِذا بَاعَ من رجل دَابَّة بِثمن مَعْلُوم على أَن يركبهَا البَائِع. أَن البيع جَائِز، وَالشّرط جَائِز، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، هَذَا وَقَالَ: فرقة: (البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل) وهم: ابْن أبي ليلى وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَشْهَب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ آخَرُونَ: البيع فَاسد، وهم: أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع.

٨١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ عامِرَاً يَقُولُ حدَّثني جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ علَى جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيَا فمَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ فَسارَ بِسَيْر لَيْسَ يَسِيِرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةَ قلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ فَبِعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إِلَى أهْلِي فلَمَّا قَدِمْنَا أتَيْتُهُ بالجَمَلِ ونَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثمَّ انْصَرَفْتُ فأرْسَلَ عَلَى إثْرِي قَالَ مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذالِكَ فَهْوَ مالُكَ.

.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَبِعْته فاستثنيت حملانه إِلَى أَهلِي، فَإِنَّهُ بيع فِيهِ شَرط ركُوب الدَّابَّة إِلَى مَكَان مُسَمّى، وَهُوَ الْمَدِينَة، وَكَانَ بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن هَذَا قَالَ مَالك: إِن كَانَ الِاشْتِرَاط فِي الرّكُوب إِلَى مَكَان قريب: كَالْيَوْمِ واليومين وَالثَّلَاثَة، فَالْبيع جَائِز، وَإِن كَانَ أَكثر من ذَلِك فَلَا يجوز.

وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الاستقراض وَغَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم أَيْضا لزِيَادَة الْفَائِدَة، وَإِن وَقع مكرراً.

قَوْله: (قد أعيى) أَي: تَعب. قَوْله: (فَضَربهُ فَدَعَا لَهُ) كَذَا بِالْفَاءِ فيهمَا، كَأَنَّهُ عقب الدُّعَاء لَهُ بضربه، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد من هَذَا الْوَجْه: فَضَربهُ بِرجلِهِ ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة يُونُس بن بكير عَن زَكَرِيَّاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَضَربهُ ودعا لَهُ فَمشى مشْيَة مَا مَشى قبل ذَلِك مثلهَا وَفِي رِوَايَة مُغيرَة: فزجره ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة عَطاء وَغَيره عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْوكَالَة: فَمر بِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: من هَذَا؟ قلت: جَابر بن عبد الله. قَالَ: مَالك؟ قلت: إِنِّي على جمل ثقال، فَقَالَ: أَمَعَك قضيب؟ قلت: نعم. قَالَ: أعطنيه. فأعطيته فَضَربهُ فزجره، فَكَانَ من ذَلِك الْمَكَان من أول الْقَوْم. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، من هَذَا الْوَجْه: فأزحف، فزجره النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فانبسط حَتَّى كَانَ أَمَام الْجَيْش، وَفِي رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْبيُوع: (فَتخلف فَنزل فحجنه بِمِحْجَنِهِ) ، ثمَّ قَالَ لي: إركب، فركبته فقد رَأَيْته أكفه عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعند أَحْمد، من هَذَا الْوَجْه: قلت: يَا رَسُول الله أَبْطَأَ بِي جملي هَذَا. قَالَ: أنخه، وأناخ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِه الْعَصَا، أَو إقطع لي عَصا من هَذِه الشَّجَرَة، فَقطعت، فَأَخذهَا فنخسه بهَا نخسات، ثمَّ قَالَ: إركب، فركبت. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث زيد ابْن أسلم عَن جَابر: فَأَبْطَأَ عَليّ جملي حَتَّى ذهب النَّاس، فَجعلت أرقبه ويهمني شَأْنه، فَإِذا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أجابر؟ قلت: نعم. قَالَ: مَا شَأْنك؟ قلت: أَبْطَأَ عَليّ جملي، فنفث فِيهَا، أَي: فِي الْعَصَا. ثمَّ مج من المَاء فِي نَحره، ثمَّ ضربه بالعصا، فانبعث فَمَا كدت أمْسكهُ، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر عِنْد مُسلم، فَكنت بعد ذَلِك أحبس خطامه لأسْمع حَدِيثه، وَله من طَرِيق أبي نَضرة عَن جَابر: فنخسه ثمَّ قَالَ: إركب بِسم الله، زَاد فِي رِوَايَة مُغيرَة، فَقَالَ: كَيفَ ترى بعيرك؟ قلت: بِخَير، قد أَصَابَته بركتك. قَوْله: (فَسَار بسير) ، سَار ماضٍ، وبسير: جَار ومجرور، ومصدر لَيْسَ يسير بِلَفْظ فعل الْمُضَارع. قَوْله: (بعنيه بوقية) ، بِفَتْح الْوَاو وَحذف الْألف فِيهِ، لُغَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهِي أَرْبَعُونَ درهما. قلت: كَانَ هَذَا فِي عرفهم فِي ذَلِك الزَّمَان، وَفِي عرف النَّاس بعد ذَلِك عشرَة دَرَاهِم، وَفِي عرف أهل مصر الْيَوْم اثْنَي عشر درهما، وَفِي عرف أهل الشَّام: خَمْسُونَ درهما، وَفِي عرف أهل حلب: سِتُّونَ درهما، وَفِي عرف أهل عينتاب: مائَة دِرْهَم، وَفِي عرض بعض أهل الرّوم: مائَة وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي مَوَاضِع أَكثر من ذَلِك، حَتَّى إِن موضعا فِيهِ الوقية ألف دِرْهَم. قَوْله: (قلت: لَا) أَي: لَا أبيعه. قَالَ ابْن التِّين: قَوْله: لَا، لَيْسَ بِمَحْفُوظ إلَاّ أَن يُرِيد: لَا أبيعكه، هُوَ لَك بِغَيْر ثمن. قلت: كَأَن ابْن التِّين نزه جَابِرا عَن قَوْله: لَا، لسؤال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلكنه ثَبت قَوْله لَا وَلَكِن مَعْنَاهُ لَا أبيع بل أهبه لَك وَالنَّفْي يوتوجه لترك البيع لَا الْكَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر عِنْد أَحْمد: أتبيعني جملك هَذَا يَا جَابر؟ قلت: بل أهبه لَك. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد: فَكرِهت أَن أبيعه. قلت: كَرَاهَته لوُقُوع صُورَة البيع بَينه وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. لِأَن قَصده كَانَ صُورَة الْهِبَة فالكراهة لَا ترجع إِلَى سُؤال الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلكنه لما سَأَلَهُ ثَانِيًا أجَاب بِالْبيعِ امتثالاً لكَلَامه، وَمَعَ هَذَا أَخذ الثّمن، والجمل على مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث. قَوْله: (فاستثنيت حملانه) بِضَم الْحَاء أَي: حمله، أَي: اشْترطت أَن يكون لي حق الْحمل عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، كَأَنَّهُ اسْتثْنى هَذَا الْحق من حُقُوق البيع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: واستثنيت ظَهره إِلَى أَن تقدم. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا) أَي: الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة مُغيرَة عَن الشّعبِيّ الْمُتَقَدّمَة فِي الاستقراض: فَلَمَّا دنونا من الْمَدِينَة استأذنته، فَقَالَ: تزوجت بكرا أم ثَيِّبًا. وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاح، فَقدمت الْمَدِينَة فَأخْبرت خَالِي بِبيع الْجمل، فلامني، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة نُبيح: أتيت عَمَّتي بِالْمَدِينَةِ فَقلت لَهَا: ألم تري أَنِّي بِعْت ناضحنا؟ فَمَا رَأَيْتهَا أعجبها. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: وَاسم خَال جَابر، جد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال. ابْن قيس، وَاسم عمته. هِنْد بنت عمر. وَقَوله: (على إثري) بِكَسْر الْهمزَة أَي: ورائي. قَوْله: (مَا كنت لآخذ

جملك) وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم، شيخ البُخَارِيّ بِلَفْظ: أَترَانِي إِنَّمَا ماكستك لآخذ جملك ودراهمك؟ همالك. قَوْله: (ماكستك) من المماكسة أَي: المناقصة فِي الثّمن، وَوَقع فِي رواي الْبَزَّار، من طَرِيق أبي المتَوَكل عَن جَابر: أَن الْجمل كَانَ أَحْمَر.

قَالَ شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرِ عنْ جابِرٍ أفْقَرني رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ

أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا، وَبِمَا بعده إِلَى اخْتِلَاف أَلْفَاظ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُغيرَة هُوَ ابْن مقسم الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن كثير عَنهُ. قَوْله: أفقرني، بِتَقْدِيم الْفَاء على الْقَاف، أَي: حَملَنِي على فقاره، وَهُوَ عِظَام الظّهْر.

وَقَالَ إسْحَاقُ عنْ جَرِيرٍ عنْ مُغيرَةَ فَبِعْتُهُ علَى أنَّ لي فَقارَ ظَهْرِهِ حتَّى أبْلُغَ المَدِينَةَ

أسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَهُوَ التَّعْلِيق يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْجِهَاد.

وَقَالَ عَطَاءٌ وغيْرُهُ لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ

عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يَعْنِي: روى عَطاء عَن جَابر وَغَيره أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ، وَهَذَا التَّعْلِيق تقدم مَوْصُولا فِي الْوكَالَة.

وقالَ مُحَمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْمُنْكَدر عَن أَبِيه بِهِ، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: فَبِعْته إِيَّاه وشرطت إِلَى ركُوبه إِلَى الْمَدِينَة.

وقالَ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ ولَكَ ظَهْرُهُ حتَّى تَرْجِعَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الله بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه بِتَمَامِهِ.

وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرٍ أفْقرْنَاكَ ظَهْرَهُ إلَى المَدِينَةِ

أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الزبير بِهِ، وَهُوَ عِنْد مُسلم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ. قلت: على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ: وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. وللنسائي من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب. قَالَ: أَخَذته بِكَذَا وَكَذَا، وَقد أعرتك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة.

وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ تبَلَّغَ علَيْهِ إِلَى أهْلِكَ

الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. وَسَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم وَعبد بن حميد من طَرِيق الْأَعْمَش. فَلفظ أَحْمد: قد أَخَذته بوقية أركبه فَإِذا قدمت فأتنا بِهِ، وَلَفظ مُسلم: فتبلغ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، وَلَفظ عبد بن حميد: تبلغ عَلَيْهِ إِلَى إهلك، وَكَذَا لفظ ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ.

قَالَ أبُو عُبَيْدِ الله الاشتراطُ أكْثَرُ وأصَحُّ عِنْدِي

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَشَارَ بذلك إِلَى أَن الروَاة اخْتلفُوا فِي قَضِيَّة جَابر هَذِه: هَل وَقع الشَّرْط فِي العقد عِنْد البيع أَو كَانَ ركُوبه للجمل بعد بَيْعه إِبَاحَة من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد شِرَائِهِ على طَرِيق الْعَارِية؟ وَقَالَ: وُقُوع الإشتراط فِيهِ أَكثر طرقاً وَأَصَح عِنْدِي مخرجا، وَهَذَا وَجه من وُجُوه التَّرْجِيح، وَمن جملَة من صحّح الِاشْتِرَاط الإِمَام الْحَافِظ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله، وَلكنه تَأَول بِأَن البيع الْمَذْكُور لم يكن على الْحَقِيقَة، لقَوْله فِي آخِره: (أَترَانِي ماكستك) إِلَى آخِره، قَالَ: إِنَّه يشْعر بِأَن القَوْل الْمُتَقَدّم لم يكن على التبايع حَقِيقَة. قيل: رده الْقُرْطُبِيّ، (بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرّدَة وتغيير وتجريف) ، لَا تَأْوِيل، (وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: بِعته مِنْك بأوقية بعد المساومة) . وَقَوله: (قد أَخَذته) ، وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ المنصوصة فِي ذَلِك، انْتهى. قلت: لَا تسلم أَنه دَعْوَى مُجَرّدَة، بل أثبت مَا قَالَه بقوله: (أَترَانِي ماكستك؟) وَبِقَوْلِهِ أَيْضا لجَابِر: (ترى إِنِّي إِنَّمَا حبستك لأذهب ببعيرك، يَا بِلَال! أعْطه أُوقِيَّة، وَخذ بعيرك، فهما، لَك) . فَهَذَا صَرِيح أَنه: لَمْ يكن ثمَّة عقد حَقِيقَة؟ فضلا عَن أَن يكون فِيهِ شَرط، وَقَالَ ابْن حزم: أخبر

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَنه لم يماكسه ليَأْخُذ جمله) ، فصح أَن البيع لم يتم فِيهِ، فَقَط، فَإِنَّمَا اشْترط جَابر ركُوب جمل نَفسه فَقَط، وَقَول الْقُرْطُبِيّ، وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: (بِعته مِنْك) ، لَا يرد على الطَّحَاوِيّ، لِأَنَّهُ لَا يُنكر صُورَة البيع، وَإِنَّمَا يُنكر حَقِيقَة البيع لما ذكرنَا، والقرطبي كَيفَ يصنع بقوله: (ترى أَنِّي حبستك لأذهب ببعيرك؟) فَإِذا تَأمل من لَهُ قريحة حادة، يعلم أَن التَّغْيِير والتحريف مِنْهُ لَا من الطَّحَاوِيّ، وَقد ذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا أَن النُّكْتَة فِي ذكر البيع أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَرَادَ أَن يبر جَابر على وَجه لَا يحصل لغيره طمع فِي مثله، فَبَايعهُ فِي جمله على اسْم البيع: ليتوفر عَلَيْهِ بره، وَيبقى الْجمل قَائِما على ملك فَيكون ذَلِك أهنأ لمعروفه. وَقيل: حَاصله أَن الشَّرْط لم يَقع فِي نفس العقد، وَإِنَّمَا وَقع سَابِقًا ولاحقاً، فتبرع بمنفعته أَولا، كَمَا تبرع بِرَقَبَتِهِ آخرا. فَإِن قلت: وَقع فِي كَلَام القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ من الشَّافِعِيَّة إِن فِي بعض طرق هَذَا الْخَبَر: (فَلَمَّا نقدني الثّمن شرطت حملاني إِلَى الْمَدِينَة) ، وَاسْتدلَّ بهَا على أَن الشَّرْط تَأَخّر عَن العقد. قلت: هَذِه مُجَرّد دَعْوَى تحْتَاج إِلَى بَيَان ذَلِك، على أَنا، وَإِن سلمنَا ثُبُوت ذَلِك، يحْتَاج إِلَى أَن يؤول على أَن معنى: نقدني الثّمن، أَي: قَرَّرَهُ لي، واتفقنا على تَعْيِينه، لِأَن الرِّوَايَات الصَّحِيحَة صَرِيحَة فِي أَن قَبضه الثّمن إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ.

وَقَالَ عُبَيْدُ الله وابنُ إسْحَاقَ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرٍ اشْتَرَاهُ النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَقِيَّةٍ

عبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، ووهب هُوَ ابْن كيسَان. أما تَعْلِيق عبيد الله فوصله البُخَارِيّ فِي الْبيُوع، وَلَفظه: (قَالَ: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية) . وَأما تَعْلِيق ابْن إِسْحَاق فوصله أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِطُولِهِ وَفِي حَدِيثهمْ: (قَالَ: قد أَخَذته بدرهم، قلت: إِذا تغبنني يَا رَسُول الله! قَالَ: فبدرهمين؟ قلت: لَا، فَلم يزل يرفع لي حَتَّى بلغ أُوقِيَّة ... الحَدِيث.

وتابَعَهُ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ

أَي: تَابع وهباً زيد بن أسلم عَن جَابر فِي ذكر الْأُوقِيَّة، وَوصل الْبَيْهَقِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة.

وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ وغَيْرِهِ عنْ جَابِرٍ أخَذْتُهُ بِأرْبَعَةِ دَنانِيرَ وهاذا يَكُونُ وَقِيَّةً علَى حِسَابَ الدِّينَارِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ

ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْوكَالَة. قَوْله: (وَهَذَا يكون) إِلَى آخِره، قيل: إِنَّه من كَلَام البُخَارِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا من كَلَام عَطاء. قلت: يحْتَمل هَذَا، وَهَذَا، وَالْأَقْرَب أَن يكون من كَلَام عَطاء، وَقل بَعضهم: (الدِّينَار) مُبْتَدأ، وَقَوله: (بِعشْرَة) ، خَبره أَي: دِينَار ذهب بِعشر دَرَاهِم فضَّة. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب لَيْسَ لَهُ وَجه أصلا، لِأَن لفظ (الدِّينَار) ، وَقع مُضافاً إِلَيْهِ، وَهُوَ مجرور بِالْإِضَافَة، وَلَا وَجه لقطع لفظ حِسَاب عَن الْإِضَافَة، وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى أصبح مَا يكون لِأَن معنى قَوْله: (وَهَذَا يكون وقية) ، يَعْنِي: أَرْبَعَة دَنَانِير، يكون وقية على حِسَاب الدِّينَار أَي: الدِّينَار الْوَاحِد بِعشْرَة دَرَاهِم، وَلَقَد تعسف فِي تَفْسِير الدِّينَار بِالذَّهَب وَالدَّرَاهِم بِالْفِضَّةِ، لِأَن الدِّينَار لَا يكون إلَاّ من الذَّهَب، وَالدَّرَاهِم لَا تكون إلَاّ من الْفضة، وَلَا خَفَاء فِي ذَلِك.

ولَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وابنُ المُنْكَدِرِ وأبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ

أشارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَأَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم لم يذكرُوا كمية الثّمن فِي روايتهم عَن جَابر. قَوْله: (وَابْن الْمُنْكَدر) ، بِالرَّفْع مَعْطُوف على الْمُغيرَة الَّذِي هُوَ مَرْفُوع بقوله: (لم يبين) و (الثّمن) ، بِالنّصب مَفْعُوله، أما رِوَايَة الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ فتقدمت مَوْصُولَة فِي الاستقراض، وَسَتَأْتِي مُطَوَّلَة فِي الْجِهَاد، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر تعْيين الثّمن، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا بِلَا ذكر الثّمن. وَأما رِوَايَة ابْن الْمُنْكَدر فوصلها الطَّبَرَانِيّ، وَلَيْسَ فِيهَا التَّعْيِين أَيْضا. وَأما رِوَايَة أبي الزبير فوصلها النَّسَائِيّ وَلم يعين الثّمن، وَلَكِن مُسلما أخرجه من طَرِيقه وَعين فِيهِ الثّمن. وَلَفظه: (فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة) .

وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابرٍ وَقِيَّة ذَهَبٍ

أَي: قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش فِي رِوَايَة عَن سَالم ابْن أبي الْجَعْد عَن جَابر وقية ذهب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا هَكَذَا.

وَقَالَ أبُو إسْحَاقَ عنْ سالِمٍ عَنْ جابِرِ بمائَتَيْ دِرْهَمٍ

أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَسَالم مر الْآن، وَلم تخْتَلف نسخ البُخَارِيّ أَنه قَالَ: (بِمِائَتي دِرْهَم) ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي بعض الرِّوَايَات للْبُخَارِيّ: (ثَمَان مائَة دِرْهَم) ، وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف.

وَقَالَ داوُدُ بنُ قَيْسٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ مِقسَمٍ عنْ جابرٍ اشْتَراهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ أحْسِبُهُ قَالَ بأرْبَعِ أوَاقٍ

دَاوُد بن قيس الْفراء الدّباغ الْمَدِينِيّ أَبُو سُلَيْمَان وَعبيد الله بن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف الْقرشِي الْمدنِي، وَهَذِه الرِّوَايَات تصرح بِأَن قصَّة جَابر وَقعت فِي طَرِيق تَبُوك، فوافقه على ذَلِك عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مر بجابر فِي غَزْوَة تَبُوك) ، فَذكر الحَدِيث، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من وَجه آخر عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر فَقَالَ: فِي بعض أَسْفَاره، وَلم يُعينهُ، وَكَذَا أبهمه أَكثر الروَاة عَن جَابر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي سفر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي غَزْوَة، وَلَا مُنَافَاة بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ وَجزم ابْن إِسْحَاق عَن وهب بن كيسَان فِي رِوَايَته أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَكَذَلِكَ أخرجه الْوَاقِدِيّ من طَرِيق عَطِيَّة بن عبد الله بن أنيس عَن جَابر، وَيُؤَيّد هَذِه رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: أَن ذَلِك وَقع فِي رجوعهم من طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلَيْسَت طَرِيق تَبُوك ملاقية لطريق مَكَّة: بِخِلَاف غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَجزم السُّهيْلي أَيْضا بِمَا قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله: (بِأَرْبَع أَوَاقٍ) ، بِالتَّنْوِينِ، ويروى: بِأَرْبَع أواقي، بِالْيَاءِ الْمُشَدّدَة على الأَصْل فَخفف بِحَذْف أَحدهمَا ثمَّ أعل إعلال قاضٍ.

وَقَالَ أبُو نَضْرَةَ عَن جَابر اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِيناراً

أَبُو نَضرة، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه الْمُنْذر بن مَالك الْعَبْدي، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه من طَرِيق الْجريرِي عَنهُ بِلَفْظ: فَمَا زَالَ يزيدني دِينَارا دِينَارا حَتَّى بلغ عشْرين دِينَارا، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي نَضرة، وَلم يعين الثّمن.

وقَوْلُ الشَّعْبِيِّ بِوَقِيَّةٍ أكْثَرُ الإشْتِرَاطُ أكْثرُ وأصَحُّ عِنْدِي قالَهُ أبُو عَبْدِ الله

هَذَا كَلَام البُخَارِيّ، أَي: قَول عَامر الشّعبِيّ: بوقية، أَكثر من غَيره فِي الرِّوَايَات، وَوَقع فِي بعض النّسخ: بعد هَذَا الِاشْتِرَاط، أَكثر، وَأَصَح عِنْدِي قَالَه أَبُو عبد الله، وَقد مر هَذَا فِيمَا مضى عَن قريب، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَاعْلَم أَنَّك رَأَيْت فِي قصَّة جَابر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي ثمن الْجمل الْمَذْكُور فِيهَا: فروى أُوقِيَّة وَرُوِيَ: (أَرْبَعَة دَنَانِير) ، وَرُوِيَ: أُوقِيَّة ذهب، وَرُوِيَ أَربع أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: خمس أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: مِائَتَا دِرْهَم، وروى: (عشرُون دِينَارا) هَذَا كُله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وروى أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي المتَوَكل عَن جَابر: (ثَلَاثَة عشر دِينَارا) ، وَهَذَا اخْتِلَاف عَظِيم، وَالثمن فِي نفس الْأَمر وَاحِد مِنْهَا، والرواة كلهم عدُول، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ اخْتلَافهمْ فِي قدر الثّمن بضائر، لِأَن الْغَرَض الَّذِي سيق الحَدِيث لأَجله بَيَان كرمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتواضعه وحنوه على أَصْحَابه وبركة دُعَائِهِ وَغير ذَلِك، وَلَا يلْزم من وهم بَعضهم فِي قدر الثّمن توهين لأصل الحَدِيث.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلفُوا فِي ثمن الْجمل اخْتِلَافا لَا يقبل التلفيق، وتكلَّف ذَلِك بعيد عَن التَّحْقِيق، وَهُوَ مَبْنِيّ على أَمر لم يَصح نَقله، وَلَا استقام ضَبطه، مَعَ أَنه لَا يتَعَلَّق بتحقيق ذَلِك حكم، وَإِنَّمَا يحصل من مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنه بَاعه الْبَعِير بِثمن مَعْلُوم، بَينهمَا، وَزَاد عِنْد الْوَفَاء زِيَادَة مَعْلُومَة، وَلَا يضر عدم الْعلم بتحقيق ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي وَجه التَّوْفِيق: وقية الذَّهَب قد تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم المساوية لعشرين دِينَارا على حِسَاب الدِّينَار بِعشْرَة، وَأما وقية الْفضة فَهِيَ أَرْبَعُونَ درهما المساوية لأربعة دَنَانِير، وَأما أَرْبَعَة أَوَاقٍ فَلَعَلَّهُ اعْتبر اصْطِلَاح أَن كل وقية عشرَة دَرَاهِم، فَهِيَ أَيْضا وقية بالاصطلاح الأول، وَالْكل رَاجع

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا يَصِحُّ مِنْهَا مِمَّا لَا يَصِحُّ.

وَقَوْلُهُ: فِي الْإِسْلَامِ أَيْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، فَيَجُوزُ مَثَلًا أَنْ يَشْتَرِطَ الْكَافِرُ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ لَا يُكَلَّفُ بِالسَّفَرِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ مَثَلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ مَثَلًا.

وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْكَامِ أَيِ الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ.

وَقَوْلُهُ: وَالْمُبَايَعَةِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.

قَوْلُهُ: (يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ هَكَذَا قَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَاقْتَصَرَ غَيْرُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ عُقَيْلٍ أَنَّهُ عَنْهُمَا مُرْسَلٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرَا الْقِصَّةَ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُصِبْ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ الْمِسْوَرِ أَوْ مَرْوَانَ، لِأَنَّ مَرْوَانَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ النَّبِيِّ وَلَا صُحْبَةٌ، وَأَمَّا الْمِسْوَرُ فَصَحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ لَكِنَّهُ إِنَّمَا قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ بَعْدَ الْفَتْحِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) هَكَذَا اقْتَضَبَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

وَقَوْلُهُ: فَامْتَعَضُوا بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَنِفُوا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْخَلِيلُ: مَعِضَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّيْءِ وَامْتَعَضَ: تَوَجَّعَ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: شَقَّ عَلَيْهِ وَأَنِفَ مِنْهُ. وَوَقَعَ مِنَ الرُّوَاةِ اخْتِلَافٌ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا هُنَا، وَالْأَصِيلِيُّ، وَالْهَمْذانِيُّ بِظَاءٍ مُشَالَةٍ، وَعِنْدَ الْقَابِسِيِّ امَّعَضُوا بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَكَذَا الْعَبْدُوسِيُّ، وَعَنِ النَّسَفِيِّ انْغَضُّوا بِنُونٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَضَادٍ غَيْرِ مُشَالَةٍ، قَالَ عِيَاضٌ: وَكُلُّهَا تَغْيِيرَاتٌ، حَتَّى وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِهِمُ انْفَضُّوا بِفَاءٍ وَتَشْدِيدٍ، وَبَعْضُهُمْ أَغْيَظُوا مِنَ الْغَيْظِ.

وَقَوْلُهُ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ.

٢ - باب إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ

٢٧١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَلَمْ يَشْتَرِطِ الثَّمَنَ أَيِ الْمُشْتَرِي، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ اكْتِفَاءً بِمَا فِي الْخَبَرِ.

٣ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْبُيُوعِ

٢٧١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لَهَا: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «أُبِرَتْ» بتخفيفها، وهو الأكثر، أي: لقِّحت (١)، وزاد في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ولم يشترط الثمرة»، أي: المشتري وجواب الشرط محذوفٌ، تقديره: فالثمرة للبائع إلَّا أن يشترط المشتري.

٢٧١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى بن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) مبنيٌّ للمفعول مع تشديد الموحَّدة، ولأبي ذَرٍّ: «أُبِرَت» بتخفيفها (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ) بالمثلَّثة وبالمثنَّاة بعد الرَّاء، ولأبي ذَرٍّ: «فثمرها» بحذف المثنَّاة (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ) أي: المشتري.

وتقدَّم هذا الحديث في «باب من باع نخلًا قد أُبِّرت»، من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢٠٣].

(٣) (بابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)، ولأبي ذَرٍّ: «في البيوع» بالجمع.

٢٧١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنب الحارثيُّ القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا ليث» (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ) بريرة (قَضَتْ) لمواليها (مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا) وكانت كاتبتهم على تسع أواقٍ، في كلِّ عامٍ أوقيَّةٌ (قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) بكسر الكاف، أي: مواليك (فَإِنْ

أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ) وأعتقك (وَيَكُونَ) بالنَّصب عطفًا على السَّابق (وَلَاؤُكِ) الَّذي هو سبب الإرث (١) (لِي فَعَلْتُ) ذلك (فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الَّذي قالته عائشة (بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا) ولأبي ذَرٍّ: «لأهلها» (فَأَبَوْا) امتنعوا (وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ) بكسر الكاف (فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ) بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق (لَنَا وَلَاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ فَقَالَ لَهَا: ابْتَاعِيـ) ها (فَأَعْتِقِيـ) ها بهمزة قطعٍ وحذف الضَّمير المنصوب في الموضعين للعلم به (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وفيه دليلٌ لقول الشَّافعيِّ في (٢) القديم: إنَّه يصحُّ بيع رقبة المكاتب ويملكه المشتري مكاتبًا، ويعتق بأداء النُّجوم إليه والولاء له، أمَّا على الجديد، فلا يصحُّ.

وترجمة المؤلِّف هنا مطلقةٌ، تحتمل جواز الاشتراط في البيع وعدم الجواز، ومذهب الشَّافعيَّة: لا يجوز بيعٌ وشرطٌ كبيعٍ بشرط بيعٍ أو قرضٍ للنَّهي عنه في حديث أبي داود وغيره إلَّا في ستَّ عشرةَ مسألةً: أوَّلها: شرط الرَّهن. ثانيها: الكفيل المعيَّنَين (٣) لثمنٍ في الذِّمة للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلَّا بهما، ولا بدَّ من كون الرَّهن غير المبيع، فإنْ شرط رهنه بالثَّمن أو غيره بطل البيع؛ لاشتماله على شرط رهنٍ ما لم يملكه بعد. ثالثها: الإشهاد لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. رابعها: الخيار. خامسها: الأجل المعيَّن. سادسها: العتق للمبيع في الأصحِّ، لأنَّ عائشة اشترت بريرة بشرط العتق والولاء، ولم يُنكر إلَّا شرط الولاء لهم بقوله: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله (٤) … » [خ¦٤٥٦] إلى آخره، ولأنَّ استعقاب البيعِ العتقَ عُهِدَ في شراء القريب، فاحتمل شرطه، والثَّاني البطلان، كما لو شرط بيعه أو هبته، وقيل: يصحُّ البيع ويبطل الشَّرط. سابعها: شرط الولاء لغير المشتري مع العتق في أضعف القولين، فيصحُّ البيع ويبطل الشَّرط لظاهر حديث بريرة، والأصحُّ بطلانهما لما تقرَّر في الشَّرع من أنَّ «الولاء لمن أعتق»، وأمَّا قوله لعائشة: «واشترطي لهم الولاء»، فأُجِيبَ عنه بأنَّ الشَّرط لم يقع في العقد، وبأنَّه خاصٌّ بقضيَّة عائشة، وبأنَّ «لهم» بمعنى عليهم. ثامنها:

البراءة من العيوب في المبيع. تاسعها: نقله من مكان البائع (١)؛ لأنَّه تصريحٌ بمقتضى العقد. عاشرها وحادي عاشرها: قطع الثِّمار أو تبقيتها بعد الصَّلاح. ثاني عشرها: أن يعمل فيه البائع عملًا معلومًا، كأن باع ثوبًا بشرط أن يخيطه في أضعف الأقوال، وهو في المعنى بيعٌ وإجارةٌ، ويُوزَّع المسمَّى عليهما باعتبار القيمة، وقيل: يبطل الشَّرط، ويصحُّ البيع بما يقابل المبيع من المسمَّى، والأصحُّ بطلانهما لاشتمال البيع على شرط عملٍ فيما لم يملكه بعد. ثالث عشرها: أن يشرط (٢) كون العبد فيه وصفٌ مقصودٌ. رابع عشرها: أن لا يسلِّم المبيع حتَّى يستوفيَ الثَّمن. خامس عشرها: الردُّ بالعيب. سادس عشرها: خيار الرؤية فيما إذا باع ما لم يره على القول بصحَّته للحاجة إلى ذلك.

وهذا الحديث قد سبق في «البيع» [خ¦٢١٥٥] و «العتق» [خ¦٢٥٣٦] وغيرهما.

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَطَ البَائِعُ) على المشتري (ظَهْرَ الدَّابَّةِ) أي: ركوب ظهر الدَّابة الَّتي باعها (إِلَى مَكَانٍ مُسَمًّى) معيَّنٍ (جَازَ) هذا البيع.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَفَاطِمَة بنت أبي أُميَّة بن الْمُغيرَة، أُخْت أم سَلمَة، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَلَمَّا أَرَادَ عمر أَن يُهَاجر أَبَت وارتدت. وَبرْوَع بنت عقبَة، كَانَت تَحت شماس بن عُثْمَان، وَعَبدَة بنت عبد الْعُزَّى، وَزوجهَا عَمْرو بن ود. وَهِنْد بنت أبي جهل بن هِشَام، وَكَانَت تَحت هِشَام بن الْعَاصِ. وكلثوم بنت جَرْوَل، كَانَت تَحت عمر بن الْخطاب، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُهُور نِسَائِهِم من الْغَنِيمَة. قَوْله: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات ... } (الممتحنة: ٠١) . الْآيَة، لما فتح رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفرغ من بيعَة الرِّجَال جَاءَت النِّسَاء يبايعنه. فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَوْله: (يَفْتَرِينَهُ بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ) يَعْنِي: لَا يَأْتِين بِولد لَيْسَ من أَزوَاجهنَّ، فينسبنه إِلَيْهِم، وَقيل {بَين أَيْدِيهنَّ} ألسنتهن {وَبَين أرجلهن} فروجهن، وَقيل: هُوَ توكيد. مثل {مَا كسبت أَيْدِيكُم} (الشورى: ٠٣) . قَوْله: {وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف} قيل: هَذَا فِي النوح. وَقيل: (لَا يخلون بِغَيْر ذِي محرم) وَقيل: (فِي كل حق مَعْرُوف لله تَعَالَى) . قَوْله: (عُرْوَة فأخبرتني عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا) ، هُوَ مُتَّصِل بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور أَو لَا، قَوْله: (كلَاما) : هُوَ كَلَام عَائِشَة، وَقع حَالا. قَوْله: (وَالله مَا مست يَده) إِلَى آخِره، وَكَانَت عَائِشَة تَقول: كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايع النِّسَاء بالْكلَام بِهَذِهِ الْآيَة وَمَا مس يَد رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَد امْرَأَة قطّ، إلَاّ يَد امْرَأَة يملكهَا. وَعَن الشّعبِيّ: كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُبَايع النِّسَاء وعَلى يَده ثوب قطري، وَعَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ إِذا بَايع النِّسَاء دَعَا بقدح من مَاء، فَغمسَ يَده فِيهِ ثمَّ غمس أَيْدِيهنَّ فِيهِ.

وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صلح الْمُشْركين على أَن يرد إِلَيْهِم من جَاءَ مِنْهُم مُسلما، فَقَالَ قوم: لَا يجوز هَذَا، وَهُوَ مَنْسُوخ بقوله، عَلَيْهِ السَّلَام: أَنا بَرِيء من كل مُسلم أَقَامَ مَعَ مُشْرك فِي دَار الْحَرْب، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ أَن هِجْرَة دَار الْحَرْب فَرِيضَة على الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَذَلِكَ الَّذِي بَقِي من فرض الْهِجْرَة، هَذَا قَول الْكُوفِيّين، وَقَول أَصْحَاب مَالك وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ، وَلَيْسَ لأحد هَذَا العقد إلَاّ للخليفة أَو لرجل يَأْمُرهُ، فَمن عقد غير الْخَلِيفَة فَهُوَ مَرْدُود، وَفِي (التَّوْضِيح) : وَقَول الشَّافِعِي، وَهَذَا الحكم فِي الرِّجَال غير مَنْسُوخ يدل أَن مذْهبه أَنه فِي النِّسَاء مَنْسُوخ.

٤١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ زِيَادِ بنِ عِلَاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيراً رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ بايَعْتُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاشْتَرَطَ علَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث مضى فِي آخر كتاب الْإِيمَان بأتم مِنْهُ. قَوْله: والنصح لكل مُسلم عطف على مُقَدّر يعلم من الحَدِيث الَّذِي بعده.

٥١٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثني قيْسُ بنُ أبِي حازِمٍ عنْ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بايَعْتُ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علَى إقَامِ الصَّلاةِ وإيتَاءِ الزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..

هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ عَن قيس ابْن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه عبد عَوْف، وَإِسْمَاعِيل وَقيس وَجَرِير ثَلَاثَتهمْ بجليون كوفيون مَكْنُون بِأبي عبد الله، قَوْله: (على إقَام الصَّلَاة) أَصله: إِقَامَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جَازَ حذف التَّاء فِيهَا لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنْهَا. وَقد مر الْكَلَام فِي الْحَدِيثين الْمَذْكُورين فِي آخر كتاب الْإِيمَان مُسْتَوفى.

٢ - (بابٌ إذَا باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ شخص نخلا حَال كَونهَا قد أبرت، على صِيغَة الْمَجْهُول، من التَّأْبِير، وَهُوَ تلقيح النّخل وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْكشميهني بعد قَوْله: (أبرت وَلم يشْتَرط الثَّمر) ، أَي: وَالْحَال أَيْضا أَن المُشْتَرِي لم يشْتَرط الثَّمر وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف، وَهُوَ قَوْله: (فالثمرة للْبَائِع) إلَاّ أَن يشْتَرط المُشْتَرِي، وَلم يذكرهُ لدلَالَة مَا فِي الحَدِيث عَلَيْهِ.

٦١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ باعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَاّ أَن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب من بَاعَ نخلا قد أبرت، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (الْمُبْتَاع) أَي: المُشْتَرِي.

٣ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي البَيْعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي البيع.

٧١٧٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا أخْبَرَتْهُ أنَّ بَرِيرَةَ جاءَتْ عائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِها ولَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئاً قالَتْ لَهَا عائِشَةُ إرْجِعِي إِلَى أهلِكِ فإنْ أحَبوا أنْ أقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونَ ولَاؤكِ لِي فَعَلْتُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فأبَوْا وَقَالُوا إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكَ فَلْتَفْعَلْ ويَكُونَ لَنا وَلاؤُكِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهَا ابْتَاعِي فأعْتِقي فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ بِوُجُوه مُخْتَلفَة: مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن أبي ليلى عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إشترى بَرِيرَة واشترطي لَهُم الْوَلَاء) . فَهَذَا فِيهِ عِنْد البيع، وَفِيه شَرط. وَفِيه وَجه الْمُطَابقَة، وَبِهَذَا اسْتدلَّ ابْن أبي ليلى: أَن من اشْترى شَيْئا وَأَشْتَرِط شرطا فَالْبيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل، وَفِيه مَذْهَب أبي حنيفَة: أَن البيع وَالشّرط كِلَاهُمَا باطلان، وَمذهب ابْن شبْرمَة كِلَاهُمَا جائزان، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترط شُرُوطًا فِي البيع لَا تحل، وَمضى الحَدِيث أَيْضا فِيهِ، وَفِي كتاب الْعتْق أَيْضا وَغَيره، والترجمة الْمَذْكُورَة مُطلقَة يحْتَمل جَوَاز الِاشْتِرَاط فِي الْبيُوع، وَيحْتَمل عدم جَوَازهَا، وَلم يُوضحهُ البُخَارِيّ لمَكَان الِاخْتِلَاف فِيهِ، وَلم أرَ أحدا من الشُّرَّاح ذكر هُنَا شَيْئا حَتَّى إِن مِنْهُم من لم يذكر الْبَاب وَلَا التَّرْجَمَة، وَمِنْهُم من ذكر التَّرْجَمَة، وَقَالَ: فِيهِ حَدِيث عَائِشَة، وأحاله إِلَى مَا سبق، وَهَذَا مِمَّا لَا يُفِيد الناظرين، وَالشَّارِح إِن لم يتبع كَلَام المُصَنّف كلمة كلمة، وَلم يذكر الْمَقْصُود فِيهِ، فَلَيْسَ بشرح.

٤ - (بابٌ إِذا اشتَرَطَ الْبَائِعُ ظَهْرَ الدَّابَّةِ إِلَى مكانٍ مُسَمَّى جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط البَائِع ظهر الدَّابَّة الَّتِي بَاعهَا يَعْنِي: اشْترط ركُوبهَا إِلَى مَكَان مُسَمّى معِين جَازَ هَذَا البيع، وَإِنَّمَا أطلقهُ مَعَ أَن فِيهِ الْخلاف، لِأَنَّهُ يرى بِصِحَّة هَذَا البيع لصِحَّة الدَّلِيل وقوته عِنْده، وَبِه قَالَ أَيْضا جمَاعَة وهم: الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، فَإِنَّهُم قَالُوا: (إِذا بَاعَ من رجل دَابَّة بِثمن مَعْلُوم على أَن يركبهَا البَائِع. أَن البيع جَائِز، وَالشّرط جَائِز، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث جَابر، هَذَا وَقَالَ: فرقة: (البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل) وهم: ابْن أبي ليلى وَأحمد فِي رِوَايَة وَأَشْهَب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ آخَرُونَ: البيع فَاسد، وهم: أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ، وَقد بسطنا الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع.

٨١٧٢ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ عامِرَاً يَقُولُ حدَّثني جابِرٌ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ علَى جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيَا فمَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَرَبَهُ فَدَعَا لَهُ فَسارَ بِسَيْر لَيْسَ يَسِيِرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةَ قلْتُ لَا ثُمَّ قَالَ بِعْنِيهِ بِوَقِيَّةٍ فَبِعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إِلَى أهْلِي فلَمَّا قَدِمْنَا أتَيْتُهُ بالجَمَلِ ونَقَدَنِي ثَمَنَهُ ثمَّ انْصَرَفْتُ فأرْسَلَ عَلَى إثْرِي قَالَ مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذالِكَ فَهْوَ مالُكَ.

.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَبِعْته فاستثنيت حملانه إِلَى أَهلِي، فَإِنَّهُ بيع فِيهِ شَرط ركُوب الدَّابَّة إِلَى مَكَان مُسَمّى، وَهُوَ الْمَدِينَة، وَكَانَ بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَمن هَذَا قَالَ مَالك: إِن كَانَ الِاشْتِرَاط فِي الرّكُوب إِلَى مَكَان قريب: كَالْيَوْمِ واليومين وَالثَّلَاثَة، فَالْبيع جَائِز، وَإِن كَانَ أَكثر من ذَلِك فَلَا يجوز.

وَأَبُو نعيم، بِضَم النُّون: الْفضل بن دُكَيْن، وزكرياء هُوَ ابْن أبي زَائِدَة الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ. والْحَدِيث مضى فِي الاستقراض وَغَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، ولنتكلم أَيْضا لزِيَادَة الْفَائِدَة، وَإِن وَقع مكرراً.

قَوْله: (قد أعيى) أَي: تَعب. قَوْله: (فَضَربهُ فَدَعَا لَهُ) كَذَا بِالْفَاءِ فيهمَا، كَأَنَّهُ عقب الدُّعَاء لَهُ بضربه، وَفِي رِوَايَة مُسلم وَأحمد من هَذَا الْوَجْه: فَضَربهُ بِرجلِهِ ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة يُونُس بن بكير عَن زَكَرِيَّاء عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، فَضَربهُ ودعا لَهُ فَمشى مشْيَة مَا مَشى قبل ذَلِك مثلهَا وَفِي رِوَايَة مُغيرَة: فزجره ودعا لَهُ، وَفِي رِوَايَة عَطاء وَغَيره عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْوكَالَة: فَمر بِي النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: من هَذَا؟ قلت: جَابر بن عبد الله. قَالَ: مَالك؟ قلت: إِنِّي على جمل ثقال، فَقَالَ: أَمَعَك قضيب؟ قلت: نعم. قَالَ: أعطنيه. فأعطيته فَضَربهُ فزجره، فَكَانَ من ذَلِك الْمَكَان من أول الْقَوْم. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، من هَذَا الْوَجْه: فأزحف، فزجره النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فانبسط حَتَّى كَانَ أَمَام الْجَيْش، وَفِي رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر الَّتِي تقدّمت فِي الْبيُوع: (فَتخلف فَنزل فحجنه بِمِحْجَنِهِ) ، ثمَّ قَالَ لي: إركب، فركبته فقد رَأَيْته أكفه عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعند أَحْمد، من هَذَا الْوَجْه: قلت: يَا رَسُول الله أَبْطَأَ بِي جملي هَذَا. قَالَ: أنخه، وأناخ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَ: أَعْطِنِي هَذِه الْعَصَا، أَو إقطع لي عَصا من هَذِه الشَّجَرَة، فَقطعت، فَأَخذهَا فنخسه بهَا نخسات، ثمَّ قَالَ: إركب، فركبت. وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث زيد ابْن أسلم عَن جَابر: فَأَبْطَأَ عَليّ جملي حَتَّى ذهب النَّاس، فَجعلت أرقبه ويهمني شَأْنه، فَإِذا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: أجابر؟ قلت: نعم. قَالَ: مَا شَأْنك؟ قلت: أَبْطَأَ عَليّ جملي، فنفث فِيهَا، أَي: فِي الْعَصَا. ثمَّ مج من المَاء فِي نَحره، ثمَّ ضربه بالعصا، فانبعث فَمَا كدت أمْسكهُ، وَفِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر عِنْد مُسلم، فَكنت بعد ذَلِك أحبس خطامه لأسْمع حَدِيثه، وَله من طَرِيق أبي نَضرة عَن جَابر: فنخسه ثمَّ قَالَ: إركب بِسم الله، زَاد فِي رِوَايَة مُغيرَة، فَقَالَ: كَيفَ ترى بعيرك؟ قلت: بِخَير، قد أَصَابَته بركتك. قَوْله: (فَسَار بسير) ، سَار ماضٍ، وبسير: جَار ومجرور، ومصدر لَيْسَ يسير بِلَفْظ فعل الْمُضَارع. قَوْله: (بعنيه بوقية) ، بِفَتْح الْوَاو وَحذف الْألف فِيهِ، لُغَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: وَهِي أَرْبَعُونَ درهما. قلت: كَانَ هَذَا فِي عرفهم فِي ذَلِك الزَّمَان، وَفِي عرف النَّاس بعد ذَلِك عشرَة دَرَاهِم، وَفِي عرف أهل مصر الْيَوْم اثْنَي عشر درهما، وَفِي عرف أهل الشَّام: خَمْسُونَ درهما، وَفِي عرف أهل حلب: سِتُّونَ درهما، وَفِي عرف أهل عينتاب: مائَة دِرْهَم، وَفِي عرض بعض أهل الرّوم: مائَة وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي مَوَاضِع أَكثر من ذَلِك، حَتَّى إِن موضعا فِيهِ الوقية ألف دِرْهَم. قَوْله: (قلت: لَا) أَي: لَا أبيعه. قَالَ ابْن التِّين: قَوْله: لَا، لَيْسَ بِمَحْفُوظ إلَاّ أَن يُرِيد: لَا أبيعكه، هُوَ لَك بِغَيْر ثمن. قلت: كَأَن ابْن التِّين نزه جَابِرا عَن قَوْله: لَا، لسؤال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلكنه ثَبت قَوْله لَا وَلَكِن مَعْنَاهُ لَا أبيع بل أهبه لَك وَالنَّفْي يوتوجه لترك البيع لَا الْكَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة وهب بن كيسَان عَن جَابر عِنْد أَحْمد: أتبيعني جملك هَذَا يَا جَابر؟ قلت: بل أهبه لَك. فَإِن قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد: فَكرِهت أَن أبيعه. قلت: كَرَاهَته لوُقُوع صُورَة البيع بَينه وَبَين رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. لِأَن قَصده كَانَ صُورَة الْهِبَة فالكراهة لَا ترجع إِلَى سُؤال الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلكنه لما سَأَلَهُ ثَانِيًا أجَاب بِالْبيعِ امتثالاً لكَلَامه، وَمَعَ هَذَا أَخذ الثّمن، والجمل على مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث. قَوْله: (فاستثنيت حملانه) بِضَم الْحَاء أَي: حمله، أَي: اشْترطت أَن يكون لي حق الْحمل عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، كَأَنَّهُ اسْتثْنى هَذَا الْحق من حُقُوق البيع، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ بِلَفْظ: واستثنيت ظَهره إِلَى أَن تقدم. قَوْله: (فَلَمَّا قدمنَا) أَي: الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة مُغيرَة عَن الشّعبِيّ الْمُتَقَدّمَة فِي الاستقراض: فَلَمَّا دنونا من الْمَدِينَة استأذنته، فَقَالَ: تزوجت بكرا أم ثَيِّبًا. وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاح، فَقدمت الْمَدِينَة فَأخْبرت خَالِي بِبيع الْجمل، فلامني، وَفِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة نُبيح: أتيت عَمَّتي بِالْمَدِينَةِ فَقلت لَهَا: ألم تري أَنِّي بِعْت ناضحنا؟ فَمَا رَأَيْتهَا أعجبها. قلت: نُبيح، بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: وَاسم خَال جَابر، جد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال. ابْن قيس، وَاسم عمته. هِنْد بنت عمر. وَقَوله: (على إثري) بِكَسْر الْهمزَة أَي: ورائي. قَوْله: (مَا كنت لآخذ

جملك) وَوَقع فِي رِوَايَة أبي نعيم، شيخ البُخَارِيّ بِلَفْظ: أَترَانِي إِنَّمَا ماكستك لآخذ جملك ودراهمك؟ همالك. قَوْله: (ماكستك) من المماكسة أَي: المناقصة فِي الثّمن، وَوَقع فِي رواي الْبَزَّار، من طَرِيق أبي المتَوَكل عَن جَابر: أَن الْجمل كَانَ أَحْمَر.

قَالَ شُعْبَةُ عنْ مُغِيرَةَ عنْ عامِرِ عنْ جابِرٍ أفْقَرني رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ

أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا، وَبِمَا بعده إِلَى اخْتِلَاف أَلْفَاظ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مُغيرَة هُوَ ابْن مقسم الْكُوفِي، وعامر هُوَ الشّعبِيّ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن كثير عَنهُ. قَوْله: أفقرني، بِتَقْدِيم الْفَاء على الْقَاف، أَي: حَملَنِي على فقاره، وَهُوَ عِظَام الظّهْر.

وَقَالَ إسْحَاقُ عنْ جَرِيرٍ عنْ مُغيرَةَ فَبِعْتُهُ علَى أنَّ لي فَقارَ ظَهْرِهِ حتَّى أبْلُغَ المَدِينَةَ

أسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن رَاهَوَيْه، وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد، وَهُوَ التَّعْلِيق يَأْتِي مَوْصُولا فِي الْجِهَاد.

وَقَالَ عَطَاءٌ وغيْرُهُ لَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ

عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يَعْنِي: روى عَطاء عَن جَابر وَغَيره أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ، وَهَذَا التَّعْلِيق تقدم مَوْصُولا فِي الْوكَالَة.

وقالَ مُحَمَّدُ بنُ الْمُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ شَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينَةِ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْمُنْكَدر عَن أَبِيه بِهِ، وَوَصله الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، بن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: فَبِعْته إِيَّاه وشرطت إِلَى ركُوبه إِلَى الْمَدِينَة.

وقالَ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ ولَكَ ظَهْرُهُ حتَّى تَرْجِعَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد الله بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه بِتَمَامِهِ.

وَقَالَ أبُو الزُّبَيْرِ عنْ جابِرٍ أفْقرْنَاكَ ظَهْرَهُ إلَى المَدِينَةِ

أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن أبي الزبير بِهِ، وَهُوَ عِنْد مُسلم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ. قلت: على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ: وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. وللنسائي من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن أَيُّوب. قَالَ: أَخَذته بِكَذَا وَكَذَا، وَقد أعرتك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة.

وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابِرٍ تبَلَّغَ علَيْهِ إِلَى أهْلِكَ

الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان. وَسَالم هُوَ ابْن أبي الْجَعْد، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله أَحْمد وَمُسلم وَعبد بن حميد من طَرِيق الْأَعْمَش. فَلفظ أَحْمد: قد أَخَذته بوقية أركبه فَإِذا قدمت فأتنا بِهِ، وَلَفظ مُسلم: فتبلغ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَة، وَلَفظ عبد بن حميد: تبلغ عَلَيْهِ إِلَى إهلك، وَكَذَا لفظ ابْن سعد وَالْبَيْهَقِيّ.

قَالَ أبُو عُبَيْدِ الله الاشتراطُ أكْثَرُ وأصَحُّ عِنْدِي

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، أَشَارَ بذلك إِلَى أَن الروَاة اخْتلفُوا فِي قَضِيَّة جَابر هَذِه: هَل وَقع الشَّرْط فِي العقد عِنْد البيع أَو كَانَ ركُوبه للجمل بعد بَيْعه إِبَاحَة من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد شِرَائِهِ على طَرِيق الْعَارِية؟ وَقَالَ: وُقُوع الإشتراط فِيهِ أَكثر طرقاً وَأَصَح عِنْدِي مخرجا، وَهَذَا وَجه من وُجُوه التَّرْجِيح، وَمن جملَة من صحّح الِاشْتِرَاط الإِمَام الْحَافِظ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله، وَلكنه تَأَول بِأَن البيع الْمَذْكُور لم يكن على الْحَقِيقَة، لقَوْله فِي آخِره: (أَترَانِي ماكستك) إِلَى آخِره، قَالَ: إِنَّه يشْعر بِأَن القَوْل الْمُتَقَدّم لم يكن على التبايع حَقِيقَة. قيل: رده الْقُرْطُبِيّ، (بِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرّدَة وتغيير وتجريف) ، لَا تَأْوِيل، (وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: بِعته مِنْك بأوقية بعد المساومة) . وَقَوله: (قد أَخَذته) ، وَغير ذَلِك من الْأَلْفَاظ المنصوصة فِي ذَلِك، انْتهى. قلت: لَا تسلم أَنه دَعْوَى مُجَرّدَة، بل أثبت مَا قَالَه بقوله: (أَترَانِي ماكستك؟) وَبِقَوْلِهِ أَيْضا لجَابِر: (ترى إِنِّي إِنَّمَا حبستك لأذهب ببعيرك، يَا بِلَال! أعْطه أُوقِيَّة، وَخذ بعيرك، فهما، لَك) . فَهَذَا صَرِيح أَنه: لَمْ يكن ثمَّة عقد حَقِيقَة؟ فضلا عَن أَن يكون فِيهِ شَرط، وَقَالَ ابْن حزم: أخبر

عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَنه لم يماكسه ليَأْخُذ جمله) ، فصح أَن البيع لم يتم فِيهِ، فَقَط، فَإِنَّمَا اشْترط جَابر ركُوب جمل نَفسه فَقَط، وَقَول الْقُرْطُبِيّ، وَكَيف يصنع قَائِله فِي قَوْله: (بِعته مِنْك) ، لَا يرد على الطَّحَاوِيّ، لِأَنَّهُ لَا يُنكر صُورَة البيع، وَإِنَّمَا يُنكر حَقِيقَة البيع لما ذكرنَا، والقرطبي كَيفَ يصنع بقوله: (ترى أَنِّي حبستك لأذهب ببعيرك؟) فَإِذا تَأمل من لَهُ قريحة حادة، يعلم أَن التَّغْيِير والتحريف مِنْهُ لَا من الطَّحَاوِيّ، وَقد ذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا أَن النُّكْتَة فِي ذكر البيع أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَرَادَ أَن يبر جَابر على وَجه لَا يحصل لغيره طمع فِي مثله، فَبَايعهُ فِي جمله على اسْم البيع: ليتوفر عَلَيْهِ بره، وَيبقى الْجمل قَائِما على ملك فَيكون ذَلِك أهنأ لمعروفه. وَقيل: حَاصله أَن الشَّرْط لم يَقع فِي نفس العقد، وَإِنَّمَا وَقع سَابِقًا ولاحقاً، فتبرع بمنفعته أَولا، كَمَا تبرع بِرَقَبَتِهِ آخرا. فَإِن قلت: وَقع فِي كَلَام القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ من الشَّافِعِيَّة إِن فِي بعض طرق هَذَا الْخَبَر: (فَلَمَّا نقدني الثّمن شرطت حملاني إِلَى الْمَدِينَة) ، وَاسْتدلَّ بهَا على أَن الشَّرْط تَأَخّر عَن العقد. قلت: هَذِه مُجَرّد دَعْوَى تحْتَاج إِلَى بَيَان ذَلِك، على أَنا، وَإِن سلمنَا ثُبُوت ذَلِك، يحْتَاج إِلَى أَن يؤول على أَن معنى: نقدني الثّمن، أَي: قَرَّرَهُ لي، واتفقنا على تَعْيِينه، لِأَن الرِّوَايَات الصَّحِيحَة صَرِيحَة فِي أَن قَبضه الثّمن إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ.

وَقَالَ عُبَيْدُ الله وابنُ إسْحَاقَ عنْ وهْبٍ عنْ جابِرٍ اشْتَرَاهُ النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَقِيَّةٍ

عبيد الله هُوَ ابْن عمر الْعمريّ، وَابْن إِسْحَاق هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، ووهب هُوَ ابْن كيسَان. أما تَعْلِيق عبيد الله فوصله البُخَارِيّ فِي الْبيُوع، وَلَفظه: (قَالَ: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فَاشْتَرَاهُ مني بأوقية) . وَأما تَعْلِيق ابْن إِسْحَاق فوصله أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْبَزَّار بِطُولِهِ وَفِي حَدِيثهمْ: (قَالَ: قد أَخَذته بدرهم، قلت: إِذا تغبنني يَا رَسُول الله! قَالَ: فبدرهمين؟ قلت: لَا، فَلم يزل يرفع لي حَتَّى بلغ أُوقِيَّة ... الحَدِيث.

وتابَعَهُ زَيْدُ بنُ أسْلَمَ عنْ جابِرٍ

أَي: تَابع وهباً زيد بن أسلم عَن جَابر فِي ذكر الْأُوقِيَّة، وَوصل الْبَيْهَقِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة.

وقالَ ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءٍ وغَيْرِهِ عنْ جَابِرٍ أخَذْتُهُ بِأرْبَعَةِ دَنانِيرَ وهاذا يَكُونُ وَقِيَّةً علَى حِسَابَ الدِّينَارِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ

ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج، وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْوكَالَة. قَوْله: (وَهَذَا يكون) إِلَى آخِره، قيل: إِنَّه من كَلَام البُخَارِيّ، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : هَذَا من كَلَام عَطاء. قلت: يحْتَمل هَذَا، وَهَذَا، وَالْأَقْرَب أَن يكون من كَلَام عَطاء، وَقل بَعضهم: (الدِّينَار) مُبْتَدأ، وَقَوله: (بِعشْرَة) ، خَبره أَي: دِينَار ذهب بِعشر دَرَاهِم فضَّة. قلت: هَذَا تصرف عَجِيب لَيْسَ لَهُ وَجه أصلا، لِأَن لفظ (الدِّينَار) ، وَقع مُضافاً إِلَيْهِ، وَهُوَ مجرور بِالْإِضَافَة، وَلَا وَجه لقطع لفظ حِسَاب عَن الْإِضَافَة، وَلَا ضَرُورَة إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى أصبح مَا يكون لِأَن معنى قَوْله: (وَهَذَا يكون وقية) ، يَعْنِي: أَرْبَعَة دَنَانِير، يكون وقية على حِسَاب الدِّينَار أَي: الدِّينَار الْوَاحِد بِعشْرَة دَرَاهِم، وَلَقَد تعسف فِي تَفْسِير الدِّينَار بِالذَّهَب وَالدَّرَاهِم بِالْفِضَّةِ، لِأَن الدِّينَار لَا يكون إلَاّ من الذَّهَب، وَالدَّرَاهِم لَا تكون إلَاّ من الْفضة، وَلَا خَفَاء فِي ذَلِك.

ولَمْ يُبَيِّنِ الثَّمَنَ مُغِيرَةَ عنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ وابنُ المُنْكَدِرِ وأبُو الزُّبَيْرِ عنْ جَابِرٍ

أشارَ بِهَذَا إِلَى أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة: الشّعبِيّ وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَأَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم لم يذكرُوا كمية الثّمن فِي روايتهم عَن جَابر. قَوْله: (وَابْن الْمُنْكَدر) ، بِالرَّفْع مَعْطُوف على الْمُغيرَة الَّذِي هُوَ مَرْفُوع بقوله: (لم يبين) و (الثّمن) ، بِالنّصب مَفْعُوله، أما رِوَايَة الْمُغيرَة عَن الشّعبِيّ فتقدمت مَوْصُولَة فِي الاستقراض، وَسَتَأْتِي مُطَوَّلَة فِي الْجِهَاد، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر تعْيين الثّمن، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا بِلَا ذكر الثّمن. وَأما رِوَايَة ابْن الْمُنْكَدر فوصلها الطَّبَرَانِيّ، وَلَيْسَ فِيهَا التَّعْيِين أَيْضا. وَأما رِوَايَة أبي الزبير فوصلها النَّسَائِيّ وَلم يعين الثّمن، وَلَكِن مُسلما أخرجه من طَرِيقه وَعين فِيهِ الثّمن. وَلَفظه: (فَبِعْته مِنْهُ بِخمْس أَوَاقٍ على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة) .

وَقَالَ الأعْمَشُ عنْ سالِمٍ عنْ جابرٍ وَقِيَّة ذَهَبٍ

أَي: قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش فِي رِوَايَة عَن سَالم ابْن أبي الْجَعْد عَن جَابر وقية ذهب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا هَكَذَا.

وَقَالَ أبُو إسْحَاقَ عنْ سالِمٍ عَنْ جابِرِ بمائَتَيْ دِرْهَمٍ

أَبُو إِسْحَاق عَمْرو بن عبد الله السبيعِي، وَسَالم مر الْآن، وَلم تخْتَلف نسخ البُخَارِيّ أَنه قَالَ: (بِمِائَتي دِرْهَم) ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي بعض الرِّوَايَات للْبُخَارِيّ: (ثَمَان مائَة دِرْهَم) ، وَالظَّاهِر أَنه تَصْحِيف.

وَقَالَ داوُدُ بنُ قَيْسٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ مِقسَمٍ عنْ جابرٍ اشْتَراهُ بِطَرِيقِ تَبُوكَ أحْسِبُهُ قَالَ بأرْبَعِ أوَاقٍ

دَاوُد بن قيس الْفراء الدّباغ الْمَدِينِيّ أَبُو سُلَيْمَان وَعبيد الله بن مقسم، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْقَاف الْقرشِي الْمدنِي، وَهَذِه الرِّوَايَات تصرح بِأَن قصَّة جَابر وَقعت فِي طَرِيق تَبُوك، فوافقه على ذَلِك عَليّ بن زيد بن جدعَان عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مر بجابر فِي غَزْوَة تَبُوك) ، فَذكر الحَدِيث، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من وَجه آخر عَن أبي المتَوَكل عَن جَابر فَقَالَ: فِي بعض أَسْفَاره، وَلم يُعينهُ، وَكَذَا أبهمه أَكثر الروَاة عَن جَابر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي سفر، وَمِنْهُم من قَالَ: كنت فِي غَزْوَة، وَلَا مُنَافَاة بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ وَجزم ابْن إِسْحَاق عَن وهب بن كيسَان فِي رِوَايَته أَن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَكَذَلِكَ أخرجه الْوَاقِدِيّ من طَرِيق عَطِيَّة بن عبد الله بن أنيس عَن جَابر، وَيُؤَيّد هَذِه رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: أَن ذَلِك وَقع فِي رجوعهم من طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، وَلَيْسَت طَرِيق تَبُوك ملاقية لطريق مَكَّة: بِخِلَاف غَزْوَة ذَات الرّقاع، وَجزم السُّهيْلي أَيْضا بِمَا قَالَه ابْن إِسْحَاق قَوْله: (بِأَرْبَع أَوَاقٍ) ، بِالتَّنْوِينِ، ويروى: بِأَرْبَع أواقي، بِالْيَاءِ الْمُشَدّدَة على الأَصْل فَخفف بِحَذْف أَحدهمَا ثمَّ أعل إعلال قاضٍ.

وَقَالَ أبُو نَضْرَةَ عَن جَابر اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ دِيناراً

أَبُو نَضرة، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: واسْمه الْمُنْذر بن مَالك الْعَبْدي، مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن مَاجَه من طَرِيق الْجريرِي عَنهُ بِلَفْظ: فَمَا زَالَ يزيدني دِينَارا دِينَارا حَتَّى بلغ عشْرين دِينَارا، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي نَضرة، وَلم يعين الثّمن.

وقَوْلُ الشَّعْبِيِّ بِوَقِيَّةٍ أكْثَرُ الإشْتِرَاطُ أكْثرُ وأصَحُّ عِنْدِي قالَهُ أبُو عَبْدِ الله

هَذَا كَلَام البُخَارِيّ، أَي: قَول عَامر الشّعبِيّ: بوقية، أَكثر من غَيره فِي الرِّوَايَات، وَوَقع فِي بعض النّسخ: بعد هَذَا الِاشْتِرَاط، أَكثر، وَأَصَح عِنْدِي قَالَه أَبُو عبد الله، وَقد مر هَذَا فِيمَا مضى عَن قريب، وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَاعْلَم أَنَّك رَأَيْت فِي قصَّة جَابر هَذَا الِاخْتِلَاف فِي ثمن الْجمل الْمَذْكُور فِيهَا: فروى أُوقِيَّة وَرُوِيَ: (أَرْبَعَة دَنَانِير) ، وَرُوِيَ: أُوقِيَّة ذهب، وَرُوِيَ أَربع أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: خمس أَوَاقٍ، وَرُوِيَ: مِائَتَا دِرْهَم، وروى: (عشرُون دِينَارا) هَذَا كُله فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وروى أَحْمد وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي المتَوَكل عَن جَابر: (ثَلَاثَة عشر دِينَارا) ، وَهَذَا اخْتِلَاف عَظِيم، وَالثمن فِي نفس الْأَمر وَاحِد مِنْهَا، والرواة كلهم عدُول، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ اخْتلَافهمْ فِي قدر الثّمن بضائر، لِأَن الْغَرَض الَّذِي سيق الحَدِيث لأَجله بَيَان كرمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتواضعه وحنوه على أَصْحَابه وبركة دُعَائِهِ وَغير ذَلِك، وَلَا يلْزم من وهم بَعضهم فِي قدر الثّمن توهين لأصل الحَدِيث.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلفُوا فِي ثمن الْجمل اخْتِلَافا لَا يقبل التلفيق، وتكلَّف ذَلِك بعيد عَن التَّحْقِيق، وَهُوَ مَبْنِيّ على أَمر لم يَصح نَقله، وَلَا استقام ضَبطه، مَعَ أَنه لَا يتَعَلَّق بتحقيق ذَلِك حكم، وَإِنَّمَا يحصل من مَجْمُوع الرِّوَايَات أَنه بَاعه الْبَعِير بِثمن مَعْلُوم، بَينهمَا، وَزَاد عِنْد الْوَفَاء زِيَادَة مَعْلُومَة، وَلَا يضر عدم الْعلم بتحقيق ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي وَجه التَّوْفِيق: وقية الذَّهَب قد تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم المساوية لعشرين دِينَارا على حِسَاب الدِّينَار بِعشْرَة، وَأما وقية الْفضة فَهِيَ أَرْبَعُونَ درهما المساوية لأربعة دَنَانِير، وَأما أَرْبَعَة أَوَاقٍ فَلَعَلَّهُ اعْتبر اصْطِلَاح أَن كل وقية عشرَة دَرَاهِم، فَهِيَ أَيْضا وقية بالاصطلاح الأول، وَالْكل رَاجع

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله