«جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٢٩

الحديث رقم ٢٧٢٩ من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الشروط في الولاء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع…

«جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.»

سند حديث: ٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا…

٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع…

خَسَفَتِ الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما كان الخسوف أمرًا غير معهود صلى بهم صلاة غير معهودة في هيئتها ومقدارها، فقام فصلى بالناس فأطال القيام الذي بعد تكبيرة الإحرام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى، ثم ركع فأطال الركوع، وهو أخف من الركوع الأول ثم رفع من الركوع وسمع وحمد ولم يقرأ، ثم سجد وأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل الأولى في هيئتها وإن كانت دونها ، فكل ركن أقل من الركن الذي قبله، حتى استكمل أربع ركوعات وأربع سجدات، في ركعتين، ثم انصرف من الصلاة، وقد انْجَلت الشمس، فخطب الناس كعادته في المناسبات، فحمد الله وأثنى عليه ووعظهم، وحدث أن صادف ذلك اليوم الذي حصل فيه الخسوف موت ابنه إبراهيم رضي الله عنه فقال بعضهم: كَسَفت لموت إبراهيم، جرياً على عادتهم في الجاهلية من أنها لا تكسف إلا لموت عظيم أو لولادة عظيم، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم من نصحه وإخلاصه في أداء رسالته، ونفع الخلق أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الخرافات، التي لا تستند لا إلى نقل صحيح، ولا عقل سليم، ويبين الحكمة من خسوف الشمس والقمر فقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنَّما يجريهما الله تعالى بقدرته لِيُخَوِّفَ بهما عباده، ويُذَكِّرَهم نِعَمَه.
فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وادْعُواَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا؛ لما في ذلك من دفع البلاء المتوقع ورفع العقوبة النازلة.
ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يُفَصِّل لهم شيئاً من معاصي الله الكبار كالزنا التي تُوجِب فساد المجتمعات والأخلاق، والتي توجب غضبه وعقابه، ويقسم في هذه الموعظة -وهو الصادق المصدوق- قائلا: يا أمة محمد، والله، ما من أحد أغير من الله سبحانه أن يزني عبده، أو تزني أمته، ثم بيَّن أنَّهم لا يعلمون عن عذاب الله إلا قليلاً، ولو علموا ما علمه صلى الله عليه وسلم لأخذهم الخوف ولضَحِكوا سروراً قليلا، ولبكوا واغتموا كثيراً، لكن الله بحكمته حجب عنهم ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حصول خسوف الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
  • مشروعية صلاة الكسوف عند وجوده في أي ساعة.
  • مشروعية الإتيان بالصلاة على الوصف المذكور في هذا الحديث.
  • مشروعية التطويل بقيامها، وركوعها، وسجودها.
  • أن يكون ابتداء وقت الصلاة من الكسوف، وانتهاؤها بالتجلي.
  • مشروعية الخطبة والموعظة والتخويف في صلاة الكسوف.
  • ابتداء الخطبة بحمد الله، والثناء عليه؛ لأنه من الأدب.
  • بيان أن الشمس والقمر من آيات الله الكونية، الدالة على قدرته وحكمته.
  • كون الكسوف يحدث لتخويف العباد، وتحذيرهم عقاب الله -تعالى-، وهذا لا ينافي الأسباب الفلكية العلمية للكسوف، فالأول سبب شرعي والثاني سبب حسي.
  • إزالة ما علق بأذهان أهل الجاهلية من أن الكسوف والخسوف، أو انقضاض الكواكب، إنما هو لموت العظماء أو لحياتهم.
  • الأمر بالدعاء، والصلاة، والصدقة، عند حدوث الكسوف أو الخسوف.
  • أن فعل هذه العبادات يقي من عذاب الله وعقابه.
  • تحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزنا، وأنه من الكبائر، التي يغار الله -تعالى- عند ارتكابها.
  • إثبات صفة الغيرة لله -تعالى-، إثباتًا يليق بجلاله- بلا تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه.
  • شدة ما أعده الله من العذاب لأهل المعاصي، مما لا يعلمه الناس، ولو علموه لاشتد خوفهم وقلقهم.
  • أن الله -سبحانه وتعالى- يطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- على علوم من الغيب، لا تحتمل الأمة علمها.
  • سعة علمه -صلى الله عليه وسلم- بربه وقوة قلبه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (١)) بن أبي أويسٍ، الأصبحيُّ ابن أخت إمام الأئمة مالك بن أنس قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) هو خاله، الإمامُ الأعظم (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) وسقط لأبي ذَرٍّ «بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي) موالي (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) بالتَّنوين من غير ياءٍ (فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي) وفي «كتاب المكاتبة» [خ¦٢٥٦٠] ممَّا (٢) ذكره معلَّقًا، ووصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهابٍ: قال عروة: قالت عائشة: إنَّ بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمسة أواقٍ نُجِّمَت عليها في خمس سنين، لكنَّ المشهور ما في رواية هشام بن عروة: «تسع أواقٍ»، وجزم الإسماعيليُّ بأنَّ الرِّواية المعلَّقة غلطٌ، لكنْ جُمِعَ بينهما: بأنَّ الخمس هي (٣) الَّتي كانت استُحِقَّت عليها بحلول نجومها (٤) من جملة التِّسع الأواقي المذكورة في حديث (٥) هشام، ويشهد له أنَّ في رواية عمرة عن عائشة في «أبواب المساجد» [خ¦٤٥٦] فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى (فَقَالَتْ) عائشة لبريرة: (إِنْ أَحَبُّوا) أهلك (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي: الأواقي التِّسع، وهو يُشكِل على الجمع الَّذي ذكرته فلْيُتَأمَّل

(وَيَكُونَ) نصبٌ (١) عطفًا على المنصوب السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي) بعد أن أعتقك، وجواب الشَّرط: (فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) ما قالته عائشة (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) إلى عائشة (وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عَلَيْهِمْ) تعني (٢): أهلها (فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها فأعتقيها (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ) أي: عليهم، فاللَّام بمعنى «على»، كذا رويناه عن حرملة عن الشَّافعيِّ، لكن ضعَّفه النَّوويُّ: بأنَّه أنكر الاشتراط، فلو كانت بمعنى «على» لم ينكره، قال: وأقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القصَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، أو المراد: التَّوبيخ لهم؛ لأنَّه قد بيَّن لهم أنَّ الشَّرط لا يصحُّ، فلمَّا لجُّوا في اشتراطه قال ذلك، أي: لا تبالي به سواء شرطتيه أم لا. والحكمة في إذنه ثمَّ إبطاله: أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، وقد أشار الشَّافعيُّ في «الأمِّ» إلى تضعيف رواية هشام المصرِّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، لكن قال الطَّحاويُّ: حدَّثني المزنيُّ به عن الشَّافعيِّ بلفظ: «وأشرطي لهم الولاء» بهمزة قطعٍ بغير مثنَّاة فوقيَّة، ثمَّ وجهها بأن المعنى: أظهري لهم حكم الولاء، ولا يلزم أن يكون ما نقله الطَّحاويُّ عن المزنيِّ (٣) مذكورًا (٤) في «الأمِّ» (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) الشِّراء والعتق (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ) ما شأنهم (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) أي: ليست في حكمه وقضائه (مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) أو أكثر (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: الحقُّ (وَشَرْطُ اللهِ) الذي شرطه وجعله شرعًا (أَوْثَقُ) أي: القويُّ وما سواه واهٍ، فـ «أفعل» التَّفضيل فيهما ليس على بابها (٥) (وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ملك يجوز لِأَنَّهُ يكون أمامهم، وطلبتهم خَلفه فَهُوَ من وَرَاء طلبتهم، وَكَانَ اسْم الْملك جلندي، وَكَانَ كَافِرًا، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق منوه بن حلندي الْأَزْدِيّ. وَقَالَ شُعَيْب: هدد بن بدد، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ من ثَقِيف وَهُوَ جد الْحجَّاج ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ.

وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: النسْيَان عذر لَا مُؤَاخذَة فِيهِ. وَفِيه: أَن الرِّفْق بالعلماء أولى من الهجوم عَلَيْهِم بالسؤال عَن مَعَاني أَقْوَالهم فِي كل وَقت إلَاّ عِنْد انبساط نُفُوسهم، لَا سِيمَا إِذا اشْترط ذَلِك الْعَالم على المتعلم. وَفِيه: جَوَاز سُؤال الْعَالم عَن مَعَاني أَقْوَاله وأفعاله.

٣١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْوَلاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْوَلَاء.

٩٢٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فقالَتْ كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ فِي كلِّ عامٍ أوقِيَّةٌ فأعينيني فقالَتْ إنْ أحَبُّوا أنْ أعُدَّها لَهُمْ ويَكُونَ ولَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فقالَتْ لَهُمْ فأبَوْا عَلَيْها فجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جالِسٌ فقالَتْ إنِّي قد عَرَضْتُ ذلِكَ علَيْهِمْ فأبَوْا إلَاّ أَن يكُونَ الوَلاءُ لَهُمْ فسَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرَتْ عائِشةُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ خُذِيهَا واشْتَرِطي لَهُمُ الوَلاءَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ فَفَعَلَتْ عائِشَةُ ثُمَّ قامَ رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فهْوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْط قَضاءُ الله أحقُّ وشَرْطُ الله أوْثَقُ وإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِيهِ من حَيْثُ اشْتِرَاط أهل بَرِيرَة الْوَلَاء لَهُم، وَأمره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَائِشَة بِأَن تشْتَرط الْوَلَاء لَهُم مَعَ قَوْله: (وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) ، وَقد مضى هَذَا فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة، وَهَذَا هُوَ الْموضع الرَّابِع عشر الَّذِي يذكر فِيهِ خبر بَرِيرَة.

٤١ - (بابٌ إذَا اشْتَرَطَ فِي المُزَارَعَةَ إذَا شِئْتُ أخْرَجْتُك)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط رب الأَرْض فِي عقد الْمُزَارعَة إِذا شِئْت أخرجتك، وَترْجم لحَدِيث هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَقد ترْجم لهَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْمُزَارعَة، بقوله: إِذا قَالَ: (رب الأَرْض أقرك مَا أقرك الله) ، وَلم يذكر أحلاً مَعْلُوما، فهما على تراضيهما، وَقَالَ هُنَاكَ فِي قصَّة يهود خَيْبَر بِلَفْظ: نقركم على ذَلِك مَا شِئْنَا. وَفِي حَدِيث الْبَاب: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَعلم أَن المُرَاد بقوله: (مَا أقركم الله) ، مَا قدر الله أَنا نترككم، فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم.

٠٣٧٢ - حدَّثنا أَبُو أحمَدَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الكِنَانِيُّ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لما فَدَعَ أهْلُ خَيْبَرَ عبدَ الله بنَ عُمرَ قامَ عُمَرُ خَطِيباً فقالَ إنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ عاملَ يَهُودَ خَيْبَرَ على أمْوَالِهِمْ وَقَالَ نُقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمْ الله وإنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ خرَجَ إِلَيّ مَاله هُناكَ فعُدِيَ علَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ففُدِعَتْ يَدَاهُ

ورِجْلَاهُ وليْسَ هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ هُمْ عَدُوَّنا وتَهَمَتنا وقَدْ رَأيْتُ إجْلَاءَهُمْ فلَمَّا أجْمَعَ عُمَرُ علَى ذَلِكَ أتاهُ أحَدُ بَنِي أبي الحُقَيْقِ فَقَالَ يَا أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أتُخْرِجُنا وقَدْ أقَرَّنا مُحَمَّدٌ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعامَلنا علَى الأمْوَال وشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا فَقَالَ عُمَرُ أظَنَنْتَ أنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيْفَ بِكَ إذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبرَ تَعْدُو بِكَ قلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ كانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبِي القَاسِمِ قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله فأجْلاهُمْ عُمَرُ وأعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مالَا وإبِلاً وَعُرُوضاً مِنْ أقْتَابٍ وحِبالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَقد قُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ: مَا قدر الله أَنا نترككم فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم، وَأَبُو أَحْمد. اخْتلفُوا فِيهِ، فَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الدَّلَائِل) وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي: أَنه المرار، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن حمويه، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: الْهَمدَانِي، بِفَتْح الْمِيم، وَهُوَ ثِقَة مَشْهُور، وَكَذَا سَمَّاهُ ابْن السكن فِي رِوَايَته، وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: أهل بُخَارى يَزْعمُونَ أَن أَبَا أَحْمد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَوَقع فِي البُخَارِيّ للأكثرين كَذَا: أَبُو أَحْمد، غير مُسَمّى وَلَا مَنْسُوب، وَلابْن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي: حَدثنَا أَبُو أَحْمد مرار بن حمويه، وَوَافَقَهُ أَبُو ذَر، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا شَيْخه وَهُوَ وَمن فَوْقه مدنيون.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فَدَعَ أهل خَيْبَر عبد الله) ، فدع بِالْفَاءِ وَالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، فعل ماضٍ، وَأهل خَيْبَر بِالرَّفْع فَاعله، وَعبد الله بِالنّصب مَفْعُوله. وَزعم الْهَرَوِيّ وَعبد الغافر فِي (مُعْجَمه) : أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل عبد الله ابْنه إِلَى أهل خَيْبَر ليقاسمهم التَّمْر (ففدع) ، الفدع: ميل فِي المفاصل كلهَا، كَأَن المفاصل قد زَالَت عَن موَاضعهَا، وَأكْثر مَا يكون فِي الأرساغ. قَالَ: وكل ظليم أفدع لِأَن فِي أَصَابِعه اعوجاجاً، قَالَه الْأَزْهَرِي فِي (التَّهْذِيب) : وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الفدع فِي الْيَد أَن ترَاهُ يَعْنِي: الْبَعِير يطَأ على أم قرانه، فأشخص شخص خفه، وَلَا يكون إلَاّ فِي الرسغ. وَقَالَ غَيره: أَن يصطك كعباه ويتباعد قدماه يَمِينا وَشمَالًا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأفدع الَّذِي يمشي على ظهر قدمه، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي ارْتَفع أَخْمص رجله ارتفاعاً، لَو وطىء صَاحبهَا على عُصْفُور مَا آذاه، وَفِي (خلق الْإِنْسَان) لِثَابِت: إِذا زاغت الْقدَم من أَصْلهَا من الكعب وطرف السَّاق فَذَاك الفدع، رجل أفدع وَامْرَأَة فدعاء، وَقد فدع فَدَعَا. وَفِي (الْمُخَصّص) : هُوَ عوج فِي المفاصل، أَو دَاء، وَأكْثر مَا يكون فِي الرسغ فَلَا يُسْتَطَاع بَسطه، وَعَن ابْن السّكيت: الفدعة مَوضِع الفدع، وَقَالَ ابْن قرقول: فِي بعض تعاليق البُخَارِيّ: فدع يَعْنِي: كسر، وَالْمَعْرُوف مَا قَالَه أهل اللُّغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فدع بِالْفَاءِ والمهملة الْمُشَدّدَة ثمَّ الْمُعْجَمَة المفتوحات من: الفدغ، وَهُوَ كسر الشَّيْء المجوف. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: شدخ، وَجزم بِهِ الْكرْمَانِي، وَهُوَ وهم قلت: لَيْسَ الْكرْمَانِي بِأول قَائِل بِهِ حَتَّى ينْسب الْوَهم إِلَيْهِ، مَعَ أَنه جنح فِي أثْنَاء كَلَامه إِلَى أَنه بِالْعينِ الْمُهْملَة. قَوْله: (كَانَ عَامل يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم) ، يَعْنِي: الَّتِي كَانَت لَهُم قبل أَن يفيئها الله على الْمُسلمين. قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، أَي: إِذا أمرنَا فِي حقكم بِغَيْر ذَلِك فَعَلْنَاهُ، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، قَوْله: (فعُدي عَلَيْهِ من اللَّيْل) ، بِضَم الْعين وَكسر الدَّال، أَي: أظلم عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَ الْيَهُود سحروا عبد الله بن عمر فالتوت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، قيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا ضربوه، وَيُؤَيِّدهُ تَقْيِيده بِاللَّيْلِ، وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة الَّتِي علق البُخَارِيّ إسنادها آخر الْبَاب، بِلَفْظ: فَلَمَّا كَانَ زمَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غشوا الْمُسلمين وألقوا ابْن عمر من فَوق بَيت ففدعوا يَدَيْهِ. . الحَدِيث، قَوْله: (وتهمتنا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْهَاء وَقد تسكن، أَي: الَّذين نتهمهم بذلك، وَأَصله: وهمتنا، قلبت الْوَاو تَاء كَمَا فِي: التكلان، أَصله: وكلان. قَوْله: (وَقد رَأَيْت إجلاءهم) ، أَي: إخراجهم من أوطانهم، يُقَال: جلا الْقَوْم عَن مواضعهم جلاء، وأجليتهم أَنا إجلاءً، وجلوتهم. قَالَه ابْن فَارس، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جلا وَأجلى بِمَعْنى، والإجلاء: الْإِخْرَاج من الوطن على وَجه الإزعاج وَالْكَرَاهَة. قَوْله: (فَلَمَّا أجمع عمر على ذَلِك) أَي: عزم، يُقَال: أجمع على الْأَمر إِجْمَاعًا إِذا عزم. قَالَه ابْن عَرَفَة. وَابْن فَارس، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: أجمع أمره أَي: جعله جَمِيعًا بَعْدَمَا كَانَ مُتَفَرقًا. قَوْله: (أحد بني الْحقيق) بِضَم

الْحَاء الْمُهْملَة وبقافين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة، وَبَنُو الْحقيق، رُؤَسَاء الْيَهُود. قَوْله: (أتخرجنا؟) من الْإِخْرَاج، والهمزة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْوَاو فِي: (وَقد أقرنا) للْحَال. قَوْله: (وَقد عاملنا) بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (وَشرط ذَلِك) أَي: إقرارنا فِي أوطاننا. قَوْله: (أظننت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْخطاب فِيهِ لأحد بني حقيق. قَوْله: (إِذا أخرجت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تعدو بك قلوصك) أَي: تجْرِي بك قلوصك، والقلوض بِفَتْح الْقَاف وبالصاد: النَّاقة الصابرة على السّير، وَقيل: الشَّابَّة، وَقيل: أول مَا يركب من إناث الْإِبِل. وَقيل: الطَّوِيل القوائم. قَوْله: (كَانَت هَذِه) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ ذَلِك. قَوْله: (هزيلة) ، بِضَم الْهَاء تَصْغِير: هزلة، والهزل ضد الْجد. قَوْله: (وَأَعْطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُم) ، أَي: بعد أَن أجلاهم وَأَعْطَاهُمْ. قَوْله: (مَالا تَمْيِيز للقيمة) ، فَإِن قلت: الْإِبِل، وَالْعرُوض أَيْضا: مَال قلت: قد يُرَاد بِالْمَالِ النَّقْد خَاصَّة، والمزروعات خَاصَّة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى يهود خَيْبَر عَنْهَا، لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب) ، وَإِنَّمَا كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقرهم على أَن سالمهم فِي أنفسهم، وَلَا حق لَهُم فِي الأَرْض، واستأجرهم على الْمُسَاقَاة وَلَهُم شطر الثَّمر، فَلذَلِك أَعْطَاهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيمَة شطر الثَّمر من إبل وأقتاب، وحبال يستقلون بهَا، إِذا لم يكن لَهُم فِي رَقَبَة الأَرْض شَيْء. وَفِيه: دلَالَة أَن الْعَدَاوَة توجب الْمُطَالبَة بالجنايات، كَمَا طالبهم عمر بفدعهم ابْنه، وَرشح ذَلِك بِأَن قَالَ: لَيْسَ لنا عَدو غَيرهم، فعلق الْمُطَالبَة بِشَاهِد الْعَدَاوَة، وَإِنَّمَا ترك مطالبتهم بِالْقصاصِ، لِأَنَّهُ فدع لَيْلًا وَهُوَ نَائِم، فَلم يعرف عبد الله أشخاص من فَدَعْهُ، فأشكل الْأَمر كَمَا أشكلت قَضِيَّة عبد الله بن سهل حِين وداه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عِنْد نَفسه. وَفِيه: من اسْتدلَّ أَن الْمزَارِع إِذا كرهه رب الأَرْض لجناية بَدَت مِنْهُ أَن لَهُ أَن يُخرجهُ بعد أَن يبتديء فِي الْعَمَل، وَيُعْطِيه فِيمَا عمله ونصيبه، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجه إلَاّ عِنْد رَأس الْعَام، وَتَمام الْحَصاد والجداد. وَفِيه: جَوَاز العقد مشاهرة ومسانهة ومياومة، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك: هَل يلْزمه وَاحِد مِمَّا سمى أَولا يلْزمه شَيْء، وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، كَذَا فِي (الْمُدَوَّنَة) ، وَالْأول قَول عبد الْملك. وَفِيه: أَن أَفعَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقواله مَحْمُولَة على الْحَقِيقَة على وَجههَا من غير عدُول، حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز والتعريض.

رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ عُبَيْدِ الله أحْسِبُهُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتَصَرَهُ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص الْعمريّ. قَوْله: (أَحْسبهُ) ، كَلَام حَمَّاد، أَرَادَ أَنه: يشكه فِي وَصله، وَذكره الْحميدِي بِلَفْظ: قَالَ حَمَّاد: (وَأَحْسبهُ) ، عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أهل خَيْبَر فَقَاتلهُمْ حَتَّى ألجاهم إِلَى قصورهم، وَعَلَيْهِم على الأَرْض) . الحَدِيث وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن صَالح عَن حَمَّاد بِغَيْر شكّ. قَوْله: (اخْتَصَرَهُ) أَي: اختصر حَمَّاد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن حماداً كَانَ يطوله تَارَة، وَيَرْوِيه تَارَة مُخْتَصرا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (١)) بن أبي أويسٍ، الأصبحيُّ ابن أخت إمام الأئمة مالك بن أنس قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) هو خاله، الإمامُ الأعظم (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) وسقط لأبي ذَرٍّ «بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ، فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي) موالي (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) بالتَّنوين من غير ياءٍ (فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي) وفي «كتاب المكاتبة» [خ¦٢٥٦٠] ممَّا (٢) ذكره معلَّقًا، ووصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» عن اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهابٍ: قال عروة: قالت عائشة: إنَّ بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمسة أواقٍ نُجِّمَت عليها في خمس سنين، لكنَّ المشهور ما في رواية هشام بن عروة: «تسع أواقٍ»، وجزم الإسماعيليُّ بأنَّ الرِّواية المعلَّقة غلطٌ، لكنْ جُمِعَ بينهما: بأنَّ الخمس هي (٣) الَّتي كانت استُحِقَّت عليها بحلول نجومها (٤) من جملة التِّسع الأواقي المذكورة في حديث (٥) هشام، ويشهد له أنَّ في رواية عمرة عن عائشة في «أبواب المساجد» [خ¦٤٥٦] فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى (فَقَالَتْ) عائشة لبريرة: (إِنْ أَحَبُّوا) أهلك (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي: الأواقي التِّسع، وهو يُشكِل على الجمع الَّذي ذكرته فلْيُتَأمَّل

(وَيَكُونَ) نصبٌ (١) عطفًا على المنصوب السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي) بعد أن أعتقك، وجواب الشَّرط: (فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) ما قالته عائشة (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) إلى عائشة (وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عَلَيْهِمْ) تعني (٢): أهلها (فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها فأعتقيها (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ) أي: عليهم، فاللَّام بمعنى «على»، كذا رويناه عن حرملة عن الشَّافعيِّ، لكن ضعَّفه النَّوويُّ: بأنَّه أنكر الاشتراط، فلو كانت بمعنى «على» لم ينكره، قال: وأقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القصَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، أو المراد: التَّوبيخ لهم؛ لأنَّه قد بيَّن لهم أنَّ الشَّرط لا يصحُّ، فلمَّا لجُّوا في اشتراطه قال ذلك، أي: لا تبالي به سواء شرطتيه أم لا. والحكمة في إذنه ثمَّ إبطاله: أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، وقد أشار الشَّافعيُّ في «الأمِّ» إلى تضعيف رواية هشام المصرِّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، لكن قال الطَّحاويُّ: حدَّثني المزنيُّ به عن الشَّافعيِّ بلفظ: «وأشرطي لهم الولاء» بهمزة قطعٍ بغير مثنَّاة فوقيَّة، ثمَّ وجهها بأن المعنى: أظهري لهم حكم الولاء، ولا يلزم أن يكون ما نقله الطَّحاويُّ عن المزنيِّ (٣) مذكورًا (٤) في «الأمِّ» (فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) الشِّراء والعتق (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ) ما شأنهم (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) أي: ليست في حكمه وقضائه (مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) أو أكثر (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: الحقُّ (وَشَرْطُ اللهِ) الذي شرطه وجعله شرعًا (أَوْثَقُ) أي: القويُّ وما سواه واهٍ، فـ «أفعل» التَّفضيل فيهما ليس على بابها (٥) (وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ملك يجوز لِأَنَّهُ يكون أمامهم، وطلبتهم خَلفه فَهُوَ من وَرَاء طلبتهم، وَكَانَ اسْم الْملك جلندي، وَكَانَ كَافِرًا، وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق منوه بن حلندي الْأَزْدِيّ. وَقَالَ شُعَيْب: هدد بن بدد، وَقَالَ مقَاتل: كَانَ من ثَقِيف وَهُوَ جد الْحجَّاج ابْن يُوسُف الثَّقَفِيّ.

وَقَالَ الْمُهلب: وَفِيه: النسْيَان عذر لَا مُؤَاخذَة فِيهِ. وَفِيه: أَن الرِّفْق بالعلماء أولى من الهجوم عَلَيْهِم بالسؤال عَن مَعَاني أَقْوَالهم فِي كل وَقت إلَاّ عِنْد انبساط نُفُوسهم، لَا سِيمَا إِذا اشْترط ذَلِك الْعَالم على المتعلم. وَفِيه: جَوَاز سُؤال الْعَالم عَن مَعَاني أَقْوَاله وأفعاله.

٣١ - (بابُ الشُّرُوطِ فِي الْوَلاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الشُّرُوط فِي الْوَلَاء.

٩٢٧٢ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْنِي بَرِيرَةُ فقالَتْ كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ فِي كلِّ عامٍ أوقِيَّةٌ فأعينيني فقالَتْ إنْ أحَبُّوا أنْ أعُدَّها لَهُمْ ويَكُونَ ولَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أهْلِهَا فقالَتْ لَهُمْ فأبَوْا عَلَيْها فجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ورسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جالِسٌ فقالَتْ إنِّي قد عَرَضْتُ ذلِكَ علَيْهِمْ فأبَوْا إلَاّ أَن يكُونَ الوَلاءُ لَهُمْ فسَمِعَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرَتْ عائِشةُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ خُذِيهَا واشْتَرِطي لَهُمُ الوَلاءَ فإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ فَفَعَلَتْ عائِشَةُ ثُمَّ قامَ رسولُ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فهْوَ باطِلٌ وإنْ كانَ مِائَةَ شَرْط قَضاءُ الله أحقُّ وشَرْطُ الله أوْثَقُ وإنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِيهِ من حَيْثُ اشْتِرَاط أهل بَرِيرَة الْوَلَاء لَهُم، وَأمره، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَائِشَة بِأَن تشْتَرط الْوَلَاء لَهُم مَعَ قَوْله: (وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق) ، وَقد مضى هَذَا فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة، وَهَذَا هُوَ الْموضع الرَّابِع عشر الَّذِي يذكر فِيهِ خبر بَرِيرَة.

٤١ - (بابٌ إذَا اشْتَرَطَ فِي المُزَارَعَةَ إذَا شِئْتُ أخْرَجْتُك)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اشْترط رب الأَرْض فِي عقد الْمُزَارعَة إِذا شِئْت أخرجتك، وَترْجم لحَدِيث هَذَا الْبَاب بِهَذِهِ التَّرْجَمَة وَقد ترْجم لهَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْمُزَارعَة، بقوله: إِذا قَالَ: (رب الأَرْض أقرك مَا أقرك الله) ، وَلم يذكر أحلاً مَعْلُوما، فهما على تراضيهما، وَقَالَ هُنَاكَ فِي قصَّة يهود خَيْبَر بِلَفْظ: نقركم على ذَلِك مَا شِئْنَا. وَفِي حَدِيث الْبَاب: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، فَعلم أَن المُرَاد بقوله: (مَا أقركم الله) ، مَا قدر الله أَنا نترككم، فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم.

٠٣٧٢ - حدَّثنا أَبُو أحمَدَ قَالَ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أَبُو غَسَّانَ الكِنَانِيُّ قَالَ أخبرَنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ لما فَدَعَ أهْلُ خَيْبَرَ عبدَ الله بنَ عُمرَ قامَ عُمَرُ خَطِيباً فقالَ إنَّ رسولَ الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ عاملَ يَهُودَ خَيْبَرَ على أمْوَالِهِمْ وَقَالَ نُقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمْ الله وإنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ خرَجَ إِلَيّ مَاله هُناكَ فعُدِيَ علَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ ففُدِعَتْ يَدَاهُ

ورِجْلَاهُ وليْسَ هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ هُمْ عَدُوَّنا وتَهَمَتنا وقَدْ رَأيْتُ إجْلَاءَهُمْ فلَمَّا أجْمَعَ عُمَرُ علَى ذَلِكَ أتاهُ أحَدُ بَنِي أبي الحُقَيْقِ فَقَالَ يَا أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أتُخْرِجُنا وقَدْ أقَرَّنا مُحَمَّدٌ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعامَلنا علَى الأمْوَال وشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا فَقَالَ عُمَرُ أظَنَنْتَ أنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَيْفَ بِكَ إذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبرَ تَعْدُو بِكَ قلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ كانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبِي القَاسِمِ قَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ الله فأجْلاهُمْ عُمَرُ وأعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مالَا وإبِلاً وَعُرُوضاً مِنْ أقْتَابٍ وحِبالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، وَقد قُلْنَا: إِن مَعْنَاهُ: مَا قدر الله أَنا نترككم فَإِذا شِئْنَا أخرجناكم، وَأَبُو أَحْمد. اخْتلفُوا فِيهِ، فَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الدَّلَائِل) وَأَبُو مَسْعُود وَأَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي: أَنه المرار، بِفَتْح الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن حمويه، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم: الْهَمدَانِي، بِفَتْح الْمِيم، وَهُوَ ثِقَة مَشْهُور، وَكَذَا سَمَّاهُ ابْن السكن فِي رِوَايَته، وَأَبُو ذَر الْهَرَوِيّ، وَقَالَ الْحَاكِم: أهل بُخَارى يَزْعمُونَ أَن أَبَا أَحْمد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي، وَوَقع فِي البُخَارِيّ للأكثرين كَذَا: أَبُو أَحْمد، غير مُسَمّى وَلَا مَنْسُوب، وَلابْن السكن فِي رِوَايَته عَن الْفربرِي: حَدثنَا أَبُو أَحْمد مرار بن حمويه، وَوَافَقَهُ أَبُو ذَر، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث، وَكَذَا شَيْخه وَهُوَ وَمن فَوْقه مدنيون.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لما فَدَعَ أهل خَيْبَر عبد الله) ، فدع بِالْفَاءِ وَالدَّال وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ، فعل ماضٍ، وَأهل خَيْبَر بِالرَّفْع فَاعله، وَعبد الله بِالنّصب مَفْعُوله. وَزعم الْهَرَوِيّ وَعبد الغافر فِي (مُعْجَمه) : أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أرسل عبد الله ابْنه إِلَى أهل خَيْبَر ليقاسمهم التَّمْر (ففدع) ، الفدع: ميل فِي المفاصل كلهَا، كَأَن المفاصل قد زَالَت عَن موَاضعهَا، وَأكْثر مَا يكون فِي الأرساغ. قَالَ: وكل ظليم أفدع لِأَن فِي أَصَابِعه اعوجاجاً، قَالَه الْأَزْهَرِي فِي (التَّهْذِيب) : وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: الفدع فِي الْيَد أَن ترَاهُ يَعْنِي: الْبَعِير يطَأ على أم قرانه، فأشخص شخص خفه، وَلَا يكون إلَاّ فِي الرسغ. وَقَالَ غَيره: أَن يصطك كعباه ويتباعد قدماه يَمِينا وَشمَالًا. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأفدع الَّذِي يمشي على ظهر قدمه، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ الَّذِي ارْتَفع أَخْمص رجله ارتفاعاً، لَو وطىء صَاحبهَا على عُصْفُور مَا آذاه، وَفِي (خلق الْإِنْسَان) لِثَابِت: إِذا زاغت الْقدَم من أَصْلهَا من الكعب وطرف السَّاق فَذَاك الفدع، رجل أفدع وَامْرَأَة فدعاء، وَقد فدع فَدَعَا. وَفِي (الْمُخَصّص) : هُوَ عوج فِي المفاصل، أَو دَاء، وَأكْثر مَا يكون فِي الرسغ فَلَا يُسْتَطَاع بَسطه، وَعَن ابْن السّكيت: الفدعة مَوضِع الفدع، وَقَالَ ابْن قرقول: فِي بعض تعاليق البُخَارِيّ: فدع يَعْنِي: كسر، وَالْمَعْرُوف مَا قَالَه أهل اللُّغَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فدع بِالْفَاءِ والمهملة الْمُشَدّدَة ثمَّ الْمُعْجَمَة المفتوحات من: الفدغ، وَهُوَ كسر الشَّيْء المجوف. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، بالغين الْمُعْجَمَة أَي: شدخ، وَجزم بِهِ الْكرْمَانِي، وَهُوَ وهم قلت: لَيْسَ الْكرْمَانِي بِأول قَائِل بِهِ حَتَّى ينْسب الْوَهم إِلَيْهِ، مَعَ أَنه جنح فِي أثْنَاء كَلَامه إِلَى أَنه بِالْعينِ الْمُهْملَة. قَوْله: (كَانَ عَامل يهود خَيْبَر على أَمْوَالهم) ، يَعْنِي: الَّتِي كَانَت لَهُم قبل أَن يفيئها الله على الْمُسلمين. قَوْله: (نقركم مَا أقركم الله) ، أَي: إِذا أمرنَا فِي حقكم بِغَيْر ذَلِك فَعَلْنَاهُ، قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ، قَوْله: (فعُدي عَلَيْهِ من اللَّيْل) ، بِضَم الْعين وَكسر الدَّال، أَي: أظلم عَلَيْهِ، وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَ الْيَهُود سحروا عبد الله بن عمر فالتوت يَدَاهُ وَرجلَاهُ، قيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا ضربوه، وَيُؤَيِّدهُ تَقْيِيده بِاللَّيْلِ، وَوَقع فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة الَّتِي علق البُخَارِيّ إسنادها آخر الْبَاب، بِلَفْظ: فَلَمَّا كَانَ زمَان عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غشوا الْمُسلمين وألقوا ابْن عمر من فَوق بَيت ففدعوا يَدَيْهِ. . الحَدِيث، قَوْله: (وتهمتنا) بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْهَاء وَقد تسكن، أَي: الَّذين نتهمهم بذلك، وَأَصله: وهمتنا، قلبت الْوَاو تَاء كَمَا فِي: التكلان، أَصله: وكلان. قَوْله: (وَقد رَأَيْت إجلاءهم) ، أَي: إخراجهم من أوطانهم، يُقَال: جلا الْقَوْم عَن مواضعهم جلاء، وأجليتهم أَنا إجلاءً، وجلوتهم. قَالَه ابْن فَارس، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جلا وَأجلى بِمَعْنى، والإجلاء: الْإِخْرَاج من الوطن على وَجه الإزعاج وَالْكَرَاهَة. قَوْله: (فَلَمَّا أجمع عمر على ذَلِك) أَي: عزم، يُقَال: أجمع على الْأَمر إِجْمَاعًا إِذا عزم. قَالَه ابْن عَرَفَة. وَابْن فَارس، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم: أجمع أمره أَي: جعله جَمِيعًا بَعْدَمَا كَانَ مُتَفَرقًا. قَوْله: (أحد بني الْحقيق) بِضَم

الْحَاء الْمُهْملَة وبقافين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة، وَبَنُو الْحقيق، رُؤَسَاء الْيَهُود. قَوْله: (أتخرجنا؟) من الْإِخْرَاج، والهمزة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْوَاو فِي: (وَقد أقرنا) للْحَال. قَوْله: (وَقد عاملنا) بِفَتْح اللَّام. قَوْله: (وَشرط ذَلِك) أَي: إقرارنا فِي أوطاننا. قَوْله: (أظننت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار، وَالْخطاب فِيهِ لأحد بني حقيق. قَوْله: (إِذا أخرجت) ، على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (تعدو بك قلوصك) أَي: تجْرِي بك قلوصك، والقلوض بِفَتْح الْقَاف وبالصاد: النَّاقة الصابرة على السّير، وَقيل: الشَّابَّة، وَقيل: أول مَا يركب من إناث الْإِبِل. وَقيل: الطَّوِيل القوائم. قَوْله: (كَانَت هَذِه) ، هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ ذَلِك. قَوْله: (هزيلة) ، بِضَم الْهَاء تَصْغِير: هزلة، والهزل ضد الْجد. قَوْله: (وَأَعْطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُم) ، أَي: بعد أَن أجلاهم وَأَعْطَاهُمْ. قَوْله: (مَالا تَمْيِيز للقيمة) ، فَإِن قلت: الْإِبِل، وَالْعرُوض أَيْضا: مَال قلت: قد يُرَاد بِالْمَالِ النَّقْد خَاصَّة، والمزروعات خَاصَّة.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أجلى يهود خَيْبَر عَنْهَا، لقَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب) ، وَإِنَّمَا كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقرهم على أَن سالمهم فِي أنفسهم، وَلَا حق لَهُم فِي الأَرْض، واستأجرهم على الْمُسَاقَاة وَلَهُم شطر الثَّمر، فَلذَلِك أَعْطَاهُم عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قيمَة شطر الثَّمر من إبل وأقتاب، وحبال يستقلون بهَا، إِذا لم يكن لَهُم فِي رَقَبَة الأَرْض شَيْء. وَفِيه: دلَالَة أَن الْعَدَاوَة توجب الْمُطَالبَة بالجنايات، كَمَا طالبهم عمر بفدعهم ابْنه، وَرشح ذَلِك بِأَن قَالَ: لَيْسَ لنا عَدو غَيرهم، فعلق الْمُطَالبَة بِشَاهِد الْعَدَاوَة، وَإِنَّمَا ترك مطالبتهم بِالْقصاصِ، لِأَنَّهُ فدع لَيْلًا وَهُوَ نَائِم، فَلم يعرف عبد الله أشخاص من فَدَعْهُ، فأشكل الْأَمر كَمَا أشكلت قَضِيَّة عبد الله بن سهل حِين وداه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من عِنْد نَفسه. وَفِيه: من اسْتدلَّ أَن الْمزَارِع إِذا كرهه رب الأَرْض لجناية بَدَت مِنْهُ أَن لَهُ أَن يُخرجهُ بعد أَن يبتديء فِي الْعَمَل، وَيُعْطِيه فِيمَا عمله ونصيبه، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لَهُ إِخْرَاجه إلَاّ عِنْد رَأس الْعَام، وَتَمام الْحَصاد والجداد. وَفِيه: جَوَاز العقد مشاهرة ومسانهة ومياومة، خلافًا للشَّافِعِيّ، وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك: هَل يلْزمه وَاحِد مِمَّا سمى أَولا يلْزمه شَيْء، وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، كَذَا فِي (الْمُدَوَّنَة) ، وَالْأول قَول عبد الْملك. وَفِيه: أَن أَفعَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقواله مَحْمُولَة على الْحَقِيقَة على وَجههَا من غير عدُول، حَتَّى يقوم دَلِيل الْمجَاز والتعريض.

رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عنْ عُبَيْدِ الله أحْسِبُهُ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ عُمَرَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتَصَرَهُ

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص الْعمريّ. قَوْله: (أَحْسبهُ) ، كَلَام حَمَّاد، أَرَادَ أَنه: يشكه فِي وَصله، وَذكره الْحميدِي بِلَفْظ: قَالَ حَمَّاد: (وَأَحْسبهُ) ، عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أهل خَيْبَر فَقَاتلهُمْ حَتَّى ألجاهم إِلَى قصورهم، وَعَلَيْهِم على الأَرْض) . الحَدِيث وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن صَالح عَن حَمَّاد بِغَيْر شكّ. قَوْله: (اخْتَصَرَهُ) أَي: اختصر حَمَّاد الحَدِيث الْمَذْكُور، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِن حماداً كَانَ يطوله تَارَة، وَيَرْوِيه تَارَة مُخْتَصرا.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد