«أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٧١

الحديث رقم ٢٧٧١ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا أوقف جماعة أرضا مشاعا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٧٧١ في صحيح البخاري

«أَمَرَ النَّبِيُّ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا. قَالُوا: لَا وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ.»

بَابُ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٧٧١

٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ

⦗١٢⦘

قَالَ:

شرح حديث ٢٧٧١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ يُعَيِّنُهَا الْمُتَصَدِّقُ لِمَنْ يُرِيدُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُفَرَّقَ ثُلُثُ مَالِهِ حَيْثُ أَرَى اللَّهُ الْوَصِيَّ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَيُفَرِّقُهُ الْوَصِيُّ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ مِنَ الْحَيِّ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ أَبَا طَلْحَةَ عَنْ قَدْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ مِنَ الْأَقَارِبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ إِضَافَةِ حُبِّ الْمَالِ إِلَى الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وَالْخَيْرُ هُنَا الْمَالُ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ وَدُخُولُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فِيهَا وَالِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّهَا وَالْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَالرَّاحَةُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ إِذَا قَصَدَ بِهِ إِجْمَامَ النَّفْسِ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ وَتَنْشِيطِهَا لِلطَّاعَةِ، وَفِيهِ كَسْبُ الْعَقَارِ، وَإِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ دَارِ الصَّدِيقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تَنَاوُلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ بَدَرَ إِلَى إِنْفَاقِ مَا يُحِبُّهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ.

اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنْ قَبْلِ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْقَائِلِ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ صَرْفُهُ فِي سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وَكُلُّ هَذَا مَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مُرَادُ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ ظَهَرَ اتُّبِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوَلِّي الْمُتَصَدِّقِ قَسْمَ صَدَقَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْغَنِيِّ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إِذَا حَصَلَ لَهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ وَالْوَقْفِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ تَمْلِيكًا وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى قَدْرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتِ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَحْبُوبِ فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاقِ أَحَبِّ الْمَحْبُوبِ فَصَوَّبَ رَأْيَهُ وَشَكَرَ عَنْ رَبِّهِ فِعْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَهُ، وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بَخْ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْوَاقِفِ جَعَلْتُ هَذَا وَقْفًا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولِ مُعَيَّنٍ، بَلْ لِلْإِمَامِ قَبُولَهَا مِنْهُ وَوَضْعَهَا فِيمَا يَرَاهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَرَابَةِ مَنْ يَجْمَعُهُ وَالْوَاقِفَ أَبٌ مُعَيَّنٌ لَا رَابِعٌ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ أُبَيًّا إِنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْأَبِ السَّادِسِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ الْأَبْعَدِ، لِأَنَّ حَسَّانًا وَأَخَاهُ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُبَيٍّ، وَنُبَيْطٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُمَا أُبَيًّا، وَنُبَيْطَ بْنَ جَابِرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّ بَنِي حَرَامٍ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَبُو طَلْحَةَ، وَحَسَّانُ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الَّذِي يَجْمَعُ أَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيًّا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

٢٧ - بَاب إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ

٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَوْقَفَ) بالألف وهي لُغَيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وقف» (جَمَاعَةٌ أَرْضًا) شركةً (مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ).

٢٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (١) التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاتين الفوقيَّة والتَّحتيَّة المشدَّدتين، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) المدنيِّ وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨] فأرسل إلى ملأ من بني النجار (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا، وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا (٢) إِلَى اللهِ) أي: لا نطلب ثمنه من أحد، لكنَّه مصروفٌ إلى الله، فالاستثناء منقطعٌ، أو معناه: لا نطلب ثمنه مصروفًا إلَّا إلى الله (٣)، أو منتهيًا إلَّا (٤) إلى الله، فالاستثناء متَّصلٌ، قاله الكِرمانيُّ، وقال في «الفتح»: ظاهره: أنَّهم تصدَّقوا بالأرض لله ﷿، فقَبِل النَّبيُّ ذلك، ففيه دليلٌ لِمَا تُرجِم له، كذا قال، فليُتَأمَّل، فإنَّه ليس فيه تصريحٌ بقبوله ذلك منهم، وإنَّما أرادوا وقفه حيث قالوا: لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، ولم يبيِّن (٥) لهم أنَّ هذا الَّذي قصدوه باطلٌ، وعند ابنِ سعدٍ في «الطبقات» عن الواقديِّ: أنَّه اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصِّدِّيق؛ لأنَّه كان ليتيمَين لم يقبله من بني النَّجَّار إلَّا بالثَّمن، فالمطابقة كما قال في

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ يُعَيِّنُهَا الْمُتَصَدِّقُ لِمَنْ يُرِيدُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُفَرَّقَ ثُلُثُ مَالِهِ حَيْثُ أَرَى اللَّهُ الْوَصِيَّ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَيُفَرِّقُهُ الْوَصِيُّ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ مِنَ الْحَيِّ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ أَبَا طَلْحَةَ عَنْ قَدْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ مِنَ الْأَقَارِبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ إِضَافَةِ حُبِّ الْمَالِ إِلَى الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وَالْخَيْرُ هُنَا الْمَالُ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ وَدُخُولُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فِيهَا وَالِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّهَا وَالْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَالرَّاحَةُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ إِذَا قَصَدَ بِهِ إِجْمَامَ النَّفْسِ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ وَتَنْشِيطِهَا لِلطَّاعَةِ، وَفِيهِ كَسْبُ الْعَقَارِ، وَإِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ دَارِ الصَّدِيقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تَنَاوُلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ بَدَرَ إِلَى إِنْفَاقِ مَا يُحِبُّهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ.

اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنْ قَبْلِ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْقَائِلِ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ صَرْفُهُ فِي سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وَكُلُّ هَذَا مَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مُرَادُ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ ظَهَرَ اتُّبِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوَلِّي الْمُتَصَدِّقِ قَسْمَ صَدَقَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْغَنِيِّ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إِذَا حَصَلَ لَهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ وَالْوَقْفِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ تَمْلِيكًا وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى قَدْرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتِ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَحْبُوبِ فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاقِ أَحَبِّ الْمَحْبُوبِ فَصَوَّبَ رَأْيَهُ وَشَكَرَ عَنْ رَبِّهِ فِعْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَهُ، وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بَخْ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْوَاقِفِ جَعَلْتُ هَذَا وَقْفًا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولِ مُعَيَّنٍ، بَلْ لِلْإِمَامِ قَبُولَهَا مِنْهُ وَوَضْعَهَا فِيمَا يَرَاهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَرَابَةِ مَنْ يَجْمَعُهُ وَالْوَاقِفَ أَبٌ مُعَيَّنٌ لَا رَابِعٌ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ أُبَيًّا إِنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْأَبِ السَّادِسِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ الْأَبْعَدِ، لِأَنَّ حَسَّانًا وَأَخَاهُ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُبَيٍّ، وَنُبَيْطٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُمَا أُبَيًّا، وَنُبَيْطَ بْنَ جَابِرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّ بَنِي حَرَامٍ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَبُو طَلْحَةَ، وَحَسَّانُ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الَّذِي يَجْمَعُ أَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيًّا.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.

٢٧ - بَاب إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ

٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٧) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَوْقَفَ) بالألف وهي لُغَيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وقف» (جَمَاعَةٌ أَرْضًا) شركةً (مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ).

٢٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (١) التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاتين الفوقيَّة والتَّحتيَّة المشدَّدتين، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) المدنيِّ وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨] فأرسل إلى ملأ من بني النجار (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا، وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا (٢) إِلَى اللهِ) أي: لا نطلب ثمنه من أحد، لكنَّه مصروفٌ إلى الله، فالاستثناء منقطعٌ، أو معناه: لا نطلب ثمنه مصروفًا إلَّا إلى الله (٣)، أو منتهيًا إلَّا (٤) إلى الله، فالاستثناء متَّصلٌ، قاله الكِرمانيُّ، وقال في «الفتح»: ظاهره: أنَّهم تصدَّقوا بالأرض لله ﷿، فقَبِل النَّبيُّ ذلك، ففيه دليلٌ لِمَا تُرجِم له، كذا قال، فليُتَأمَّل، فإنَّه ليس فيه تصريحٌ بقبوله ذلك منهم، وإنَّما أرادوا وقفه حيث قالوا: لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، ولم يبيِّن (٥) لهم أنَّ هذا الَّذي قصدوه باطلٌ، وعند ابنِ سعدٍ في «الطبقات» عن الواقديِّ: أنَّه اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصِّدِّيق؛ لأنَّه كان ليتيمَين لم يقبله من بني النَّجَّار إلَّا بالثَّمن، فالمطابقة كما قال في

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله