الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٧١
الحديث رقم ٢٧٧١ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أوقف جماعة أرضا مشاعا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁
⦗١٢⦘
قَالَ:
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة في حيٍّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام ولبث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار، وهم قبيلة كبيرة من الأنصار، وإنما طلب النبي صلى الله عليه وسلم بني النجار لأنهم كانوا أخوالَه، فجاؤوا متقلدي السيوف أي جعلوا سيوفهم على مناكبهم، قال أنس: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته أي أنه مست حضر الآن لتلك الهيئة التي رآها، وأراد بذلك تأكيد خبره بأنه لم ينس منه شيئًا، والراحلة هي المركب من الإبل، وأبو بكر راكبًا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أردفه عليه الصلاة والسلام على ناقته ليتشرف بذلك، وليعلم الناس منزلته عنده، وأشراف بني النجار محيطون به صلى الله عليه وسلم، وإنما أحاطوا به تعظيمًا له وفرحًا بقدومه إليهم، وواصل سيره حتى ألقى رحله أمام دار أبي أيوب الأنصاري، وكان يحب عليه الصلاة والسلام أن يصلي الصلاة في أي موضع أدركه وقتها؛ مبادرةً إليها في أول وقتها، ويصلي في مرابض الغنم أي مأواها ليلًا.
وأمر أصحابه ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ من بني النجار، فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا. مشيرًا إلى بستان هناك، والحائط هو البستان من النخيل، أي قرروا معي ثمنه وبيعون إياه بالثمن، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، بل نتبرع به، ونطلب الأجر من الله تعالى.
قال أنس: فكان في الحائط الذي بني في مكانه المسجد ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خِرَبٌ، وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت أي كُشفت ونُقلت، وأخرج ما فيها من العظام، ثم بالخرب فسويت أي أمرهم بتعديل الخرب فعدلت، وإنما أمر بذلك لتستوي الأرض فتصلح للصلاة، وأمر بالنخل فقُطع، فصفوا النخل قبلة المسجد أي جعلوها سواري جهة القبلة ليسقف عليها، وجعلوا عضادتيه الحجارة أي بنوا جانبي الباب بحجارة، وشرعوا وأخذوا ينقلون الحجارة العظيمة؛ لتأسيس المسجد وهم يرتجزون، أي يقولون نوع من أنواع الشعر، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم مصاحب لهم في النقل وقول الرجز، وهو يقول: اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجرة، والأنصار سموا بذلك؛ لأنهم آووا النبي صلى الله عليه وسلم وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه رضي الله عنهم، والمهاجرة هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم.
وقول الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: 69] لا يتنافى مع قول البيت والبيتين.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ يُعَيِّنُهَا الْمُتَصَدِّقُ لِمَنْ يُرِيدُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُفَرَّقَ ثُلُثُ مَالِهِ حَيْثُ أَرَى اللَّهُ الْوَصِيَّ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَيُفَرِّقُهُ الْوَصِيُّ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ مِنَ الْحَيِّ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ أَبَا طَلْحَةَ عَنْ قَدْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ مِنَ الْأَقَارِبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ إِضَافَةِ حُبِّ الْمَالِ إِلَى الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وَالْخَيْرُ هُنَا الْمَالُ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ وَدُخُولُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فِيهَا وَالِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّهَا وَالْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَالرَّاحَةُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ إِذَا قَصَدَ بِهِ إِجْمَامَ النَّفْسِ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ وَتَنْشِيطِهَا لِلطَّاعَةِ، وَفِيهِ كَسْبُ الْعَقَارِ، وَإِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ دَارِ الصَّدِيقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تَنَاوُلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ بَدَرَ إِلَى إِنْفَاقِ مَا يُحِبُّهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.
اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنْ قَبْلِ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْقَائِلِ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ صَرْفُهُ فِي سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وَكُلُّ هَذَا مَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مُرَادُ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ ظَهَرَ اتُّبِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوَلِّي الْمُتَصَدِّقِ قَسْمَ صَدَقَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْغَنِيِّ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إِذَا حَصَلَ لَهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ وَالْوَقْفِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ تَمْلِيكًا وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى قَدْرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتِ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَحْبُوبِ فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاقِ أَحَبِّ الْمَحْبُوبِ فَصَوَّبَ ﷺ رَأْيَهُ وَشَكَرَ عَنْ رَبِّهِ فِعْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَهُ، وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بَخْ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْوَاقِفِ جَعَلْتُ هَذَا وَقْفًا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولِ مُعَيَّنٍ، بَلْ لِلْإِمَامِ قَبُولَهَا مِنْهُ وَوَضْعَهَا فِيمَا يَرَاهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَرَابَةِ مَنْ يَجْمَعُهُ وَالْوَاقِفَ أَبٌ مُعَيَّنٌ لَا رَابِعٌ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ أُبَيًّا إِنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْأَبِ السَّادِسِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ الْأَبْعَدِ، لِأَنَّ حَسَّانًا وَأَخَاهُ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُبَيٍّ، وَنُبَيْطٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُمَا أُبَيًّا، وَنُبَيْطَ بْنَ جَابِرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّ بَنِي حَرَامٍ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَبُو طَلْحَةَ، وَحَسَّانُ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الَّذِي يَجْمَعُ أَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيًّا.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
٢٧ - بَاب إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَوْقَفَ) بالألف وهي لُغَيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وقف» (جَمَاعَةٌ أَرْضًا) شركةً (مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ).
٢٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (١) التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاتين الفوقيَّة والتَّحتيَّة المشدَّدتين، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) المدنيِّ وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨] فأرسل إلى ملأ من بني النجار (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا، وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا (٢) إِلَى اللهِ) أي: لا نطلب ثمنه من أحد، لكنَّه مصروفٌ إلى الله، فالاستثناء منقطعٌ، أو معناه: لا نطلب ثمنه مصروفًا إلَّا إلى الله (٣)، أو منتهيًا إلَّا (٤) إلى الله، فالاستثناء متَّصلٌ، قاله الكِرمانيُّ، وقال في «الفتح»: ظاهره: أنَّهم تصدَّقوا بالأرض لله ﷿، فقَبِل النَّبيُّ ﷺ ذلك، ففيه دليلٌ لِمَا تُرجِم له، كذا قال، فليُتَأمَّل، فإنَّه ليس فيه تصريحٌ بقبوله ﵊ ذلك منهم، وإنَّما أرادوا وقفه حيث قالوا: لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، ولم يبيِّن (٥) لهم ﵊ أنَّ هذا الَّذي قصدوه باطلٌ، وعند ابنِ سعدٍ في «الطبقات» عن الواقديِّ: أنَّه ﷺ اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصِّدِّيق؛ لأنَّه كان ليتيمَين لم يقبله من بني النَّجَّار إلَّا بالثَّمن، فالمطابقة كما قال في
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة ظَاهِرَة، ومطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لفظ الْوَقْف وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الْمَعْنى متقاربان، حكمهمَا وَاحِد.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَكثر أَنْصَارِي) ، رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا أُرِيد التَّفْضِيل أضيف إِلَى الْمُفْرد النكرَة، أَي: أَكثر كل وَاحِد وَاحِد من الْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة غَيره أَكثر الْأَنْصَار. قَوْله: (مَالا) ، نصب على التَّمْيِيز، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من نخل، للْبَيَان، وَتقدم الْكَلَام فِي تَفْسِير: بيرحاء، بِوُجُوه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدخلهَا) وَزَاد فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز: ويستظل فِيهَا. قَوْله: (شكّ ابْن مسلمة) ، هُوَ القعْنبِي شيخ البُخَارِيّ، وراوي الحَدِيث عَن مَالك، وَالشَّكّ فِيهِ بَين الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أفعل) ، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى أبي طَلْحَة. قَوْله: (فِي أَقَاربه) ، وهم أبي بن كَعْب وَحسان بن ثَابت وَأَخُوهُ وَابْن أَخِيه شَدَّاد بن أَوْس ونبيط بن جَابر، فتقاوموه، فَبَاعَ حسان حِصَّته من مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَقد مر فِيمَا مضى.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ وعَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ ويَحْيَى بنُ يَحْيَى عنْ مالِكٍ رايِحٌ
هَؤُلَاءِ الروَاة عَن مَالك، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن يُوسُف التينسي أَصله من دمشق، وَيحيى بن يحيى بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة يَعْنِي: روى هَؤُلَاءِ الحَدِيث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن مَالك، بِلَفْظ: رَايِح، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف.
٠٧٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قَالَ زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رَجلاً قَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْتُ عنْها قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنَّ لِي مِخْرَافاً وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْها.
(انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى الَّذِي يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ. وأفراده، وروح بِفَتْح الرَّاء، وَعبادَة، بِضَم الْعين. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب إِذا قَالَ أرضي أَو بستاني صَدَقَة، وَفِي: بَاب الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف.
٧٢ - (بابٌ إذَا أوْقَفَ جَماعَةٌ أرْضاً مُشاعاً فَهْوَ جائِزٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وقف جمَاعَة أَرضًا مُشْتَركَة مشَاعا فَهُوَ جَائِز. قيل: احْتَرز بقوله: جمَاعَة، عَمَّا إِذا وقف وَاحِد مشَاعا فَإِن مَالِكًا لَا يُجِيزهُ لِئَلَّا يدْخل الضَّرَر على شَرِيكه، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَن وقف الْمشَاع جَائِز مُطلقًا، وَقد سبق بَيَان الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب إِذا تصدق، أَو وقف، بعض مَاله فَهُوَ جَائِز.
١٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ظَاهره أَنهم تصدقوا بحائطهم لله عز وَجل، فقبلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم، وَهَذَا وقف الْمشَاع من جمَاعَة. فَإِن قلت: ذكر الْوَاقِدِيّ أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دفع ثمن الأَرْض لمَالِكهَا مِنْهُم، وَقدره عشرَة دَنَانِير، فَصَارَ ملكا لأبي بكر وَتصدق بِهِ أَبُو بكر، فَلَا يكون وقف مشَاع. قلت: قَالَ بَعضهم: فَإِن ثَبت ذَلِك كَانَت الْحجَّة للتَّرْجَمَة من جِهَة تَقْرِير النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلم يُنكر قَوْلهم ذَلِك، فَلَو كَانَ وقف الْمشَاع لَا يجوز لأنكر عَلَيْهِم، وَفِيه نظر لِأَن معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثامنوني بحائطكم) ، قرِّروا ثمنه معي وبيعونيه بِالثّمن، فَهَذَا يكون بيعا عِنْد دفع الثّمن، وَقد دَفعه أَبُو بكر، فَصَارَ بَينه وَبينهمْ
بيع الثّمن الَّذِي دَفعه إِلَيْهِم ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي تصدق بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِيهِ صُورَة وقف مشَاع، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد الضبيعي، وَرِجَال الحَدِيث كلهم بصريون، وَقد مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى الله) أَي: لَا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى الله، فالاستثناء مُنْقَطع أَو مَعْنَاهُ: لَا نطلب ثمنه مصروفاً، إلَاّ إِلَى الله، فالاستثناء مُتَّصِل.
٨٢ - (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَقْف كَيفَ يكْتب، فعلى هَذَا التَّقْدِير الْوَقْف مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مَقْطُوع عَمَّا قبله، وَخَبره قَوْله: كَيفَ يكْتب، وَيجوز بِإِضَافَة لفظ الْبَاب إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لفظ الْوَقْف مجروراً بِالْإِضَافَة.
٢٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أصابَ عُمَرَ بِخَيْبَرَ أرْضاً فَأتى النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّهُ لَا يُباعُ أصْلُها ولَا يُوهَبُ ولَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا) إِلَى آخر الحَدِيث، وَيُؤْخَذ من هَذِه الْأَلْفَاظ شُرُوط، وَهِي تكْتب كلهَا فِي كتاب الْوَقْف، وَقد كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتاب وَقفه، كتبه معيقيب، وَكَانَ كَاتبه، وَشهد عبد الله بن الأرقم، وَكَانَ هَذَا فِي زمن خِلَافَته، لِأَن معيقيباً كَانَ يكْتب لَهُ فِي خِلَافَته، وَقد وَصفه بأمير الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ وَقفه فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَاب، وَقد روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الْمهرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن صَدَقَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نسخهَا لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) هَذَا مَا كتب عبد الله بن عمر فِي ثمغ، فَقص من خَبره نَحْو حَدِيث نَافِع قَالَ: غير متأثل مَالا، فَمَا عفى عَنهُ من ثمره فَهُوَ للسَّائِل والمحروم، وسَاق الْقِصَّة، قَالَ: فَإِن شَاءَ: ولي ثمغ اشْترِي من ثمره رَقِيقا يعمله، وَكتب معيقيب: وَشهد عبد الله بن الأرقم.
وَابْن عون فِي السَّنَد هُوَ عبد الله ابْن عون، وَقد تقدم فِي آخر الشُّرُوط: عَن ابْن عون أنبأني نَافِع، والإنباء بِمَعْنى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمين، جزما، وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر: عَن ابْن عون أَخْبرنِي نَافِع. قَوْله: (عَن ابْن عمر قَالَ: أصَاب عمر) ، كَذَا لأكْثر الروَاة عَن نَافِع، ثمَّ عَن ابْن عون جَعَلُوهُ من مُسْند ابْن عمر. لَكِن أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، جَعَلُوهُ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور الأول.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف فِي آخر كتاب الشُّرُوط، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . وَمضى قِطْعَة مِنْهُ فِي: بَاب إِذا وقف شَيْئا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (أصَاب عمر بِخَيْبَر أَرضًا) هِيَ الَّتِي تدعى (ثمغ) ، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَتصدق بهَا عمر) أَي: تصدق بغلَّتها، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعد قَوْله: وَلَا يُورث، من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: (حبيس مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَهَذَا يدل على أَن التَّأْبِيد شَرط. قَوْله: (أَو يطعم) ، وَقد مر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: أَن يُوكل بِضَم الْيَاء.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَوْلَا أَنِّي ذكرت، صدقني لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لرددتها) . وَاسْتدلَّ بِهِ لأبي حنيفَة وَزفر فِي أَن إيقاف الأَرْض لَا يمْنَع من الرُّجُوع فِيهَا، وَأَن الَّذِي منع عمر من الرُّجُوع كَونه ذكره للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فكره أَن يُفَارِقهُ على أَمر ثمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حجَّة فِيمَا ذكره من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يدْرك عمر، رَضِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ ثُمَّ يُعَيِّنُهَا الْمُتَصَدِّقُ لِمَنْ يُرِيدُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُفَرَّقَ ثُلُثُ مَالِهِ حَيْثُ أَرَى اللَّهُ الْوَصِيَّ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَيُفَرِّقُهُ الْوَصِيُّ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَفِيهِ جَوَازُ التَّصَدُّقِ مِنَ الْحَيِّ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ أَبَا طَلْحَةَ عَنْ قَدْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ مِنَ الْأَقَارِبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ جَوَازُ إِضَافَةِ حُبِّ الْمَالِ إِلَى الرَّجُلِ الْفَاضِلِ الْعَالِمِ وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْإِنْسَانِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وَالْخَيْرُ هُنَا الْمَالُ اتِّفَاقًا، وَفِيهِ اتِّخَاذُ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ وَدُخُولُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ فِيهَا وَالِاسْتِظْلَالُ بِظِلِّهَا وَالْأَكْلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَالرَّاحَةُ وَالتَّنَزُّهُ فِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ إِذَا قَصَدَ بِهِ إِجْمَامَ النَّفْسِ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ وَتَنْشِيطِهَا لِلطَّاعَةِ، وَفِيهِ كَسْبُ الْعَقَارِ، وَإِبَاحَةُ الشُّرْبِ مِنْ دَارِ الصَّدِيقِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا إِذَا عَلِمَ طِيبَ نَفْسِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَفِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تَنَاوُلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ بَدَرَ إِلَى إِنْفَاقِ مَا يُحِبُّهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ.
اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ مِنْ قَبْلِ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِقَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْقَائِلِ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ صَرْفُهُ فِي سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وَكُلُّ هَذَا مَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مُرَادُ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ ظَهَرَ اتُّبِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوَلِّي الْمُتَصَدِّقِ قَسْمَ صَدَقَتِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْغَنِيِّ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إِذَا حَصَلَ لَهُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ وَالْوَقْفِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ تَمْلِيكًا وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى قَدْرِ نِصَابِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِهِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي طَلْحَةَ لِأَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتِ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْمَحْبُوبِ فَتَرَقَّى هُوَ إِلَى إِنْفَاقِ أَحَبِّ الْمَحْبُوبِ فَصَوَّبَ ﷺ رَأْيَهُ وَشَكَرَ عَنْ رَبِّهِ فِعْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهَا أَهْلَهُ، وَكَنَّى عَنْ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: بَخْ. وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ يَتِمُّ بِقَوْلِ الْوَاقِفِ جَعَلْتُ هَذَا وَقْفًا، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ أَبْوَابٍ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولِ مُعَيَّنٍ، بَلْ لِلْإِمَامِ قَبُولَهَا مِنْهُ وَوَضْعَهَا فِيمَا يَرَاهُ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَرَابَةِ مَنْ يَجْمَعُهُ وَالْوَاقِفَ أَبٌ مُعَيَّنٌ لَا رَابِعٌ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ أُبَيًّا إِنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْأَبِ السَّادِسِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ الْأَبْعَدِ، لِأَنَّ حَسَّانًا وَأَخَاهُ أَقْرَبُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُبَيٍّ، وَنُبَيْطٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُمَا أُبَيًّا، وَنُبَيْطَ بْنَ جَابِرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّ بَنِي حَرَامٍ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَبُو طَلْحَةَ، وَحَسَّانُ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ كَثِيرًا فَضْلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الَّذِي يَجْمَعُ أَبَا طَلْحَةَ، وَأُبَيًّا.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَجُلًا) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
٢٧ - بَاب إِذَا وَقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جَائِزٌ
٢٧٧١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٧) هذا (بابٌ) بالتنوين (إِذَا أَوْقَفَ) بالألف وهي لُغَيَّة، ولأبي ذرٍّ: «وقف» (جَمَاعَةٌ أَرْضًا) شركةً (مُشَاعًا فَهْوَ جَائِزٌ).
٢٧٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد (١) التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المثنَّاتين الفوقيَّة والتَّحتيَّة المشدَّدتين، وبعد الألف حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حميد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ) المدنيِّ وزاد في «الصَّلاة» [خ¦٤٢٨] فأرسل إلى ملأ من بني النجار (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا، وَاللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا (٢) إِلَى اللهِ) أي: لا نطلب ثمنه من أحد، لكنَّه مصروفٌ إلى الله، فالاستثناء منقطعٌ، أو معناه: لا نطلب ثمنه مصروفًا إلَّا إلى الله (٣)، أو منتهيًا إلَّا (٤) إلى الله، فالاستثناء متَّصلٌ، قاله الكِرمانيُّ، وقال في «الفتح»: ظاهره: أنَّهم تصدَّقوا بالأرض لله ﷿، فقَبِل النَّبيُّ ﷺ ذلك، ففيه دليلٌ لِمَا تُرجِم له، كذا قال، فليُتَأمَّل، فإنَّه ليس فيه تصريحٌ بقبوله ﵊ ذلك منهم، وإنَّما أرادوا وقفه حيث قالوا: لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله، ولم يبيِّن (٥) لهم ﵊ أنَّ هذا الَّذي قصدوه باطلٌ، وعند ابنِ سعدٍ في «الطبقات» عن الواقديِّ: أنَّه ﷺ اشتراه بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر الصِّدِّيق؛ لأنَّه كان ليتيمَين لم يقبله من بني النَّجَّار إلَّا بالثَّمن، فالمطابقة كما قال في
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة ظَاهِرَة، ومطابقته للجزء الأول من التَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن لفظ الْوَقْف وَلَفظ الصَّدَقَة فِي الْمَعْنى متقاربان، حكمهمَا وَاحِد.
والْحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الزَّكَاة على الْأَقَارِب، وَمضى الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (أَكثر أَنْصَارِي) ، رِوَايَة الْكشميهني، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا أُرِيد التَّفْضِيل أضيف إِلَى الْمُفْرد النكرَة، أَي: أَكثر كل وَاحِد وَاحِد من الْأَنْصَار، وَفِي رِوَايَة غَيره أَكثر الْأَنْصَار. قَوْله: (مَالا) ، نصب على التَّمْيِيز، وَكلمَة: من، فِي قَوْله: من نخل، للْبَيَان، وَتقدم الْكَلَام فِي تَفْسِير: بيرحاء، بِوُجُوه. قَوْله: (وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدخلهَا) وَزَاد فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز: ويستظل فِيهَا. قَوْله: (شكّ ابْن مسلمة) ، هُوَ القعْنبِي شيخ البُخَارِيّ، وراوي الحَدِيث عَن مَالك، وَالشَّكّ فِيهِ بَين الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف. قَوْله: (أفعل) ، على صِيغَة الْمُتَكَلّم من الْمُضَارع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى أبي طَلْحَة. قَوْله: (فِي أَقَاربه) ، وهم أبي بن كَعْب وَحسان بن ثَابت وَأَخُوهُ وَابْن أَخِيه شَدَّاد بن أَوْس ونبيط بن جَابر، فتقاوموه، فَبَاعَ حسان حِصَّته من مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بِمِائَة ألف دِرْهَم، وَقد مر فِيمَا مضى.
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ وعَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ ويَحْيَى بنُ يَحْيَى عنْ مالِكٍ رايِحٌ
هَؤُلَاءِ الروَاة عَن مَالك، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس، وَعبد الله بن يُوسُف التينسي أَصله من دمشق، وَيحيى بن يحيى بن بكير أَبُو زَكَرِيَّاء التَّمِيمِي الْحَنْظَلِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي عمْرَة الْحُدَيْبِيَة يَعْنِي: روى هَؤُلَاءِ الحَدِيث الْمَذْكُور بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور عَن مَالك، بِلَفْظ: رَايِح، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف.
٠٧٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قَالَ زَكَرِيَّاءُ بنُ إسْحَاقَ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رَجلاً قَالَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْتُ عنْها قَالَ نَعَمْ قَالَ فإنَّ لِي مِخْرَافاً وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ عَنْها.
(انْظُر الحَدِيث ٦٥٧٢ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم أَبُو يحيى الَّذِي يُقَال لَهُ: صَاعِقَة، وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ. وأفراده، وروح بِفَتْح الرَّاء، وَعبادَة، بِضَم الْعين. والْحَدِيث قد مر فِي: بَاب إِذا قَالَ أرضي أَو بستاني صَدَقَة، وَفِي: بَاب الْإِشْهَاد فِي الْوَقْف.
٧٢ - (بابٌ إذَا أوْقَفَ جَماعَةٌ أرْضاً مُشاعاً فَهْوَ جائِزٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وقف جمَاعَة أَرضًا مُشْتَركَة مشَاعا فَهُوَ جَائِز. قيل: احْتَرز بقوله: جمَاعَة، عَمَّا إِذا وقف وَاحِد مشَاعا فَإِن مَالِكًا لَا يُجِيزهُ لِئَلَّا يدْخل الضَّرَر على شَرِيكه، ورد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَن وقف الْمشَاع جَائِز مُطلقًا، وَقد سبق بَيَان الْخلاف فِيهِ فِي: بَاب إِذا تصدق، أَو وقف، بعض مَاله فَهُوَ جَائِز.
١٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الوارِثِ عنْ أبي التَّيَّاحِ عنْ أنَسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثامِنُونِي بِحَائِطِكُم هَذَا قَالُوا لَا وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَاّ إِلَى الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن ظَاهره أَنهم تصدقوا بحائطهم لله عز وَجل، فقبلها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْهُم، وَهَذَا وقف الْمشَاع من جمَاعَة. فَإِن قلت: ذكر الْوَاقِدِيّ أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دفع ثمن الأَرْض لمَالِكهَا مِنْهُم، وَقدره عشرَة دَنَانِير، فَصَارَ ملكا لأبي بكر وَتصدق بِهِ أَبُو بكر، فَلَا يكون وقف مشَاع. قلت: قَالَ بَعضهم: فَإِن ثَبت ذَلِك كَانَت الْحجَّة للتَّرْجَمَة من جِهَة تَقْرِير النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلم يُنكر قَوْلهم ذَلِك، فَلَو كَانَ وقف الْمشَاع لَا يجوز لأنكر عَلَيْهِم، وَفِيه نظر لِأَن معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثامنوني بحائطكم) ، قرِّروا ثمنه معي وبيعونيه بِالثّمن، فَهَذَا يكون بيعا عِنْد دفع الثّمن، وَقد دَفعه أَبُو بكر، فَصَارَ بَينه وَبينهمْ
بيع الثّمن الَّذِي دَفعه إِلَيْهِم ثمَّ إِن الظَّاهِر أَن أَبَا بكر هُوَ الَّذِي تصدق بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَلَيْسَ فِيهِ صُورَة وقف مشَاع، وَعبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد وَأَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره حاء مُهْملَة واسْمه يزِيد بن حميد الضبيعي، وَرِجَال الحَدِيث كلهم بصريون، وَقد مضى بِهَذَا الْإِسْنَاد مطولا فِي أَوَائِل كتاب الصَّلَاة فِي: بَاب هَل تنبش قُبُور مُشْركي الْجَاهِلِيَّة؟ قَوْله: (لَا نطلب ثمنه إلَاّ إِلَى الله) أَي: لَا نطلب ثمنه من أحد، لكنه مَصْرُوف إِلَى الله، فالاستثناء مُنْقَطع أَو مَعْنَاهُ: لَا نطلب ثمنه مصروفاً، إلَاّ إِلَى الله، فالاستثناء مُتَّصِل.
٨٢ - (بابُ الوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْوَقْف كَيفَ يكْتب، فعلى هَذَا التَّقْدِير الْوَقْف مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مَقْطُوع عَمَّا قبله، وَخَبره قَوْله: كَيفَ يكْتب، وَيجوز بِإِضَافَة لفظ الْبَاب إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يكون لفظ الْوَقْف مجروراً بِالْإِضَافَة.
٢٧٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ قَالَ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ عنُ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ أصابَ عُمَرَ بِخَيْبَرَ أرْضاً فَأتى النبِيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أصَبْتُ أرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تأمُرُنِي بِهِ قَالَ إنْ شِئْتَ حبَّسْتَ أصْلَهَا وتَصَدَّقْتَ بِهَا فتَصَدَّقَ عُمَرُ أنَّهُ لَا يُباعُ أصْلُها ولَا يُوهَبُ ولَا يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفِي سَبِيلِ الله والضَّيْفِ وابنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ على منْ ولِيهَا أنْ يأكُلَ مِنْها بالمَعْرُوفِ أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِن شِئْت حبست أَصْلهَا) إِلَى آخر الحَدِيث، وَيُؤْخَذ من هَذِه الْأَلْفَاظ شُرُوط، وَهِي تكْتب كلهَا فِي كتاب الْوَقْف، وَقد كتب عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتاب وَقفه، كتبه معيقيب، وَكَانَ كَاتبه، وَشهد عبد الله بن الأرقم، وَكَانَ هَذَا فِي زمن خِلَافَته، لِأَن معيقيباً كَانَ يكْتب لَهُ فِي خِلَافَته، وَقد وَصفه بأمير الْمُؤمنِينَ، وَكَانَ وَقفه فِي أَيَّام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مَا يشْهد لَهُ حَدِيث الْبَاب، وَقد روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد الْمهرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن وهب قَالَ: أَخْبرنِي اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن صَدَقَة عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: نسخهَا لي عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) هَذَا مَا كتب عبد الله بن عمر فِي ثمغ، فَقص من خَبره نَحْو حَدِيث نَافِع قَالَ: غير متأثل مَالا، فَمَا عفى عَنهُ من ثمره فَهُوَ للسَّائِل والمحروم، وسَاق الْقِصَّة، قَالَ: فَإِن شَاءَ: ولي ثمغ اشْترِي من ثمره رَقِيقا يعمله، وَكتب معيقيب: وَشهد عبد الله بن الأرقم.
وَابْن عون فِي السَّنَد هُوَ عبد الله ابْن عون، وَقد تقدم فِي آخر الشُّرُوط: عَن ابْن عون أنبأني نَافِع، والإنباء بِمَعْنى الْإِخْبَار عِنْد الْمُتَقَدِّمين، جزما، وَوَقع عِنْد الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر: عَن ابْن عون أَخْبرنِي نَافِع. قَوْله: (عَن ابْن عمر قَالَ: أصَاب عمر) ، كَذَا لأكْثر الروَاة عَن نَافِع، ثمَّ عَن ابْن عون جَعَلُوهُ من مُسْند ابْن عمر. لَكِن أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة سُفْيَان الثَّوْريّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ، كِلَاهُمَا عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن عمر، جَعَلُوهُ من مُسْند عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالْمَشْهُور الأول.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب الشُّرُوط فِي الْوَقْف فِي آخر كتاب الشُّرُوط، وَمضى أَيْضا فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: {وابتلوا الْيَتَامَى} (النِّسَاء: ٦) . وَمضى قِطْعَة مِنْهُ فِي: بَاب إِذا وقف شَيْئا فَلم يَدْفَعهُ إِلَى غَيره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.
قَوْله: (أصَاب عمر بِخَيْبَر أَرضًا) هِيَ الَّتِي تدعى (ثمغ) ، وَقد مر بَيَانه. قَوْله: (وَتصدق بهَا عمر) أَي: تصدق بغلَّتها، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعد قَوْله: وَلَا يُورث، من طَرِيق عبيد الله بن عمر عَن نَافِع: (حبيس مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض) ، وَهَذَا يدل على أَن التَّأْبِيد شَرط. قَوْله: (أَو يطعم) ، وَقد مر فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة: أَن يُوكل بِضَم الْيَاء.
وَمِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ: مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من طَرِيق مَالك عَن ابْن شهَاب، قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (لَوْلَا أَنِّي ذكرت، صدقني لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لرددتها) . وَاسْتدلَّ بِهِ لأبي حنيفَة وَزفر فِي أَن إيقاف الأَرْض لَا يمْنَع من الرُّجُوع فِيهَا، وَأَن الَّذِي منع عمر من الرُّجُوع كَونه ذكره للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فكره أَن يُفَارِقهُ على أَمر ثمَّ يُخَالِفهُ إِلَى غَيره. وَقَالَ بَعضهم: لَا حجَّة فِيمَا ذكره من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه مُنْقَطع لِأَن ابْن شهَاب لم يدْرك عمر، رَضِي