«شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَتَكَذَّبَنِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٩٣

الحديث رقم ٣١٩٣ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب بدء الخلق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣١٩٣ في صحيح البخاري

«شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي.»

إسناد حديث البخاري رقم ٣١٩٣

٣١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ أُرَاهُ يَقُولُ اللهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣١٩٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".

٣١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي : "أُرَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي".

[الحديث ٣١٩٣ - طرفاه في: ٩٤٧٤، ٤٩٧٥]

٣١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله : "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي".

[الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ) أَيِ الْبَدْءُ وَالْإِعَادَةُ، أَيْ أَنَّهُمَا حَمَلَا أَهْوَنَ عَلَى غَيْرِ التَّفْضِيلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ

أَيْ وَإِنِّي لَوَجِلٌ، وَأَثَرُ الرَّبِيعِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ وَأَظُنُّهُ عَنِ الْحَسَنِ وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: وَإِعَادَتُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ بَدْئِهِ، وَكُلٌّ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إِبْقَاءُ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهَا، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: وَهُوَ عَلَيْهِ هين، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ ابْتُدِئَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، وَالْإِعَادَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، انْتَهَى. وَلَا يَثْبُتُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ كَمَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحَيَوَانِ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ يَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ قَرِيبًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أَيْسَرُ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خُوطِبَ الْعِبَادُ بِمَا يَعْقِلُونَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَعْثَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ فَجَعَلَهُ مَثَلًا وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَيْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَا أَنَّ شَيْئًا يَعْظُمُ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ لِمَا لَمْ يَكُنْ كُنْ فَيَخْرُجُ مُتَّصِلًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْفَرَّاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (وَهَيِّنٌ وَهَيْنٌ مِثْلُ لَيِّنٍ وَلَيْنٌ وَمَيِّتٌ وَمَيْتٌ وَضَيِّقٌ وَضَيْقٌ) الْأَوَّلُ بِالتَّشْدِيدِ وَالثَّانِي بِالتَّخْفِيفِ فِي الْجَمِيعِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ هِيَ مُخَفَّفَةٌ بِمَنْزِلَةِ هَيْنٍ وَلَيْنٍ وَضَيْقٍ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا وَالتَّشْدِيدِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّ الْعَرَبَ تَمْدَحُ بِالْهَيْنِ اللَّيْنِ مُخَفَّفًا وَتَذُمُّ بِهِمَا مُثَقَّلًا، فَالْهَيْنُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَمِنْهُ يَمْشُونَ هَوْنًا وَعَيْنُهُ وَاوٌ، بِخِلَافِ الْهَيِّنِ بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ: أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ

مَعْنَى قَوْلِهِ: أَفَعَيِينَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، أَيْ: مَا أَعْجَزَنَا الْخَلْقُ الْأَوَّلُ حِينَ أَنْشَأْنَاكُمْ، وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ لِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ يَقُولُ: أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا إِنْشَاؤُكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَتَشُكُّوا فِي الْبَعْثِ؟ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: عَيِيتُ بِالْأَمْرِ إِذَا لَمْ أَعْرِفْ وَجْهَهُ، وَمِنْهُ الْعِيُّ فِي الْكَلَامِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ) أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَصَبٍ، وَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَهَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: أَكْذَبَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أَيْ: مِنْ إِعْيَاءٍ، وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَظَنَّ أَنَّ النَّصَبَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِسُكُونِ الصَّادِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ ضَبْطَ اللُّغُوبِ، فَقَالَ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا نَصَبَ اللَّامَ فِي الْفِعْلِ، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّصْبِ الْأَحْمَقُ.

قَوْلُهُ: (أَطْوَارًا طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ وَالْأَطْوَارُ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ وَاحِدُهَا طَوْرٌ بِالْفَتْحِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الْأَطْوَارِ كَوْنَهُ مَرَّةً نُطْفَةً وَمَرَّةً عَلَقَةً إِلَخْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ نَحْوَهُ وَقَالَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ صِحَّةٍ وَسَقَمٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَصْنَافًا فِي الْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْمَغَازِي: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) يَعْنِي: وَفْدَهُمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ وَقْتِ قُدُومِهِمْ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (أَبْشِرُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنَ الْبِشَارَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا بَشَّرْتَنَا) الْقَائِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) إِمَّا لِلْأَسَفِ عَلَيْهِمْ كَيْفَ آثَرُوا الدُّنْيَا، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُعْطِيهِمْ فَيَتَأَلَّفْهُمْ بِهِ، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ) هُمُ الْأَشْعَرِيُّونَ قَوْمُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا وَفِيهِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ هُنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيُّ مَعَ مَنْ وَفَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ حِمْيَرَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ فِي بَابِ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَطْفِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ مَعَ أَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَمَّا كَانَ زَمَانُ قُدُومِ الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفًا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ غَيْرُ قِصَّةِ الْآخَرِينَ وَقَعَ الْعَطْفُ.

قَوْلُهُ: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ أَيِ: اقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا إِذَا أَخَذْتُمْ بِهِ بِالْجَنَّةِ، كَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ الْيُسْرَى بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَهُوَ بِفَتْحِ أَنْ أَيْ مِنْ أَجْلِ تَرْكِهِمْ لَهَا، وَيُرْوَى بِكَسْرِ إِنْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ النَّبِيُّ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ)، أَيْ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَعَنْ حَالِ الْعَرْشِ، وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ يُحَدِّثُ مَعْنَى يَذْكُرُ، وَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا عَنْ أَوَّلِ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقْتَضِي السِّيَاقُ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرْشَ وَالْمَاءَ تَقَدَّمَ خَلْقُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ: نَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا جِئْنَا نَسْأَلُكَ) كَذَا الْكُشْمِيهَنِيُّ، وَلِغَيْرِهِ: جِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ، وَزَادَ فِي التَّوْحِيدِ: وَنَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَكَذَا هِيَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ هَذَا الْأَمْرِ) أَيِ الْحَاضِرِ الْمَوْجُودِ، وَالْأَمْرُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ وَيُرَادُ بِهِ الشَّأْنُ وَالْحُكْمُ

وَالْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَالْقِصَّةُ مُتَّحِدَةٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ بِالْمَعْنَى، وَلَعَلَّ رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ فِي دُعَائِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ أَصْرَحُ فِي الْعَدَمِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ قَولهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَاءَ سَابِقًا ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ فَصَرَّحَ بِتَرْتِيبِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) هَكَذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي التَّوْحِيدِ: ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ ثُمَّ إِلَّا فِي ذِكْرِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى: ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى التَّرْتِيبِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ وَهِيَ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ الْآنَ إِلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ فَرِوَايَةُ الْبَابِ بِلَفْظِ: وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ بِمَعْنَاهَا. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ الْمَذْكُورِ: كَانَ اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ وَاوٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ فَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي الْأَوَّلِيَّةِ، لَكِنْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ وَالْعَرْشَ كَانَا مَبْدَأُ هَذَا الْعَالَمِ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْعَرْشِ إِذْ ذَاكَ إِلَّا الْمَاءُ. وَمُحَصَّلُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بـ كَانَ فِي الْأَوَّلِ الْأَزَلِيَّةَ وَفِي الثَّانِيِ الْحُدُوثَ بَعْدَ الْعَدَمِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ مَرْفُوعًا: أَنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ، وَرَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْقَلَمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَا الْمَاءَ وَالْعَرْشَ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مِنْهُ صَدَرَ مِنَ الْكِتَابَةِ، أَيْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ اكْتُبْ أَوَّلَ مَا خُلِقَ، وَأَمَّا حَدِيثُ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ فَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ ثَبْتٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهَذَا التَّقْدِيرُ الْأَخِيرُ هُوَ تَأْوِيلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَكَى أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ فِي أَيِّهِمَا خُلِقَ أَوَّلًا الْعَرْشُ أَوِ الْقَلَمُ؟ قَالَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى سَبْقِ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ الثَّانِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: عِلْمِي فِي خَلْقِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ، وَلَيْسَ فِيهِ سَبْقُ خَلْقِ الْقَلَمِ عَلَى الْعَرْشِ، بَلْ فِيهِ سَبْقُ الْعَرْشِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ،

فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَدْءُ الْخَلْقِ الْعَرْشُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَخُلِقَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْمَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ) أَيْ قَدَّرَ (فِي الذِّكْرِ) أَيْ فِي مَحَلِّ الذِّكْرِ، أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (كُلَّ شَيْءٍ) أَيْ مِنَ الْكَائِنَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ مَبْدَإِ الْأَشْيَاءِ وَالْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ وَجَوَازُ جَوَابِ الْعَالِمِ بِمَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْكَفُّ إِنْ خَشِيَ عَلَى السَّائِلِ مَا يَدْخُلُ عَلَى مُعْتَقِدِهِ. وَفِيهِ أَنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ وَنَوْعَهُ حَادِثٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، لَا عَنْ عَجْزٍ عَنْ ذَلِكَ بَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ سُؤَالِ الْأَشْعَرِيِّينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَحُدُوثِ الْعِلْمِ مُسْتَمِرَّانِ فِي ذُرِّيَّتِهِمْ حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ.

قَوْلُهُ: (فَنَادَى مُنَادٍ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ) أَيِ انْفَلَتَتْ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ رَاحِلَتَكَ أَيْ أَدْرِكْ رَاحِلَتَكَ فَهُوَ بِالنَّصْبِ، أَوْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُكَ فَهُوَ بِالرَّفْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ. وَقَوْلُهُ تَفَلَّتَتْ بِالْفَاءِ أَيْ شَرَدَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (دُونَهَا السَّرَابُ) بِالضَّمِّ، أَيْ: يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا، وَالسَّرَابُ بِالْمُهْمَلَةِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مَا يُرَى نَهَارًا فِي الْفَلَاةِ كَأَنَّهُ مَاءٌ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا) فِي التَّوْحِيدِ: أَنَّهَا ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ يَعْنِي: لِأَنَّهُ قَامَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ النَّبِيُّ حَدِيثَهُ فِي ظَنِّهِ، فَتَأَسَّفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ كُنْتُ كَثِيرَ التَّطَلُّبِ لِتَحْصِيلِ مَا ظَنَّ عِمْرَانُ أَنَّهُ فَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى أَنْ وَقَفْتُ عَلَى قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ فَقَوِيَ فِي ظَنِّي أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِخُصُوصِهَا لِخُلُوِّ قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ، إِلَّا أَنَّ فِي آخِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَمَا فِيهِنَّ: وَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ ﷿.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةَ مَنَازِلَهُمْ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ مِنْهُ رَجُلٌ، فَقَالَ ابْنُ الْفَلَكِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ عِيسَى، وَرَقَبَةَ، أَبُو حَمْزَةَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَقَالَ الطَّرْقِيُّ: سَقَطَ أَبُو حَمْزَةَ مِنْ كِتَابِ الْفَرَبْرِيِّ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، فَعِنْدَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ: رَوَى عِيسَى، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ رَقَبَةَ قَالَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ رُمَيْحٍ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، قُلْتُ: وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَهُوَ يَرْوِي الصَّحِيحَ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَسْقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، لَكِنْ جَعَلَ بَيْنَ عِيسَى، وَرَقَبَةَ ضَبَّةَ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ أَلْحَقَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ وَقَدْ وَصَفُوهُ بِقِلَّةِ الْإِتْقَانِ، وَعِيسَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبُخَارِيُّ وَلَقَبُهُ غُنْجَارٌ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَقَدْ وَصَلَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى الْمَذْكُورِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ، عَنْ رَقَبَةَ، الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ رَقَبَةَ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ ابْنُ مَصْقَلَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُبْدَلُ سِينًا بَعْدَهَا قَافٌ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عِيسَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي

حَمْزَةَ نَحْوَهُ، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ) هِيَ غَايَةُ قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا أَيْ أَخْبَرَنَا عَنْ مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَهَى الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِلتَّحَقُّقِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ

خَبَرِ الصَّادِقِ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: حَتَّى يَدْخُلَ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ مُنْذُ ابْتُدِئَتْ إِلَى أَنْ تَفْنَى إِلَى أَنْ تُبْعَثَ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَفِي تَيْسِيرِ إِيرَادِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَيَقْرَبُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ مُعْجِزَاتِهِ لَا مِرْيَةَ فِي كَثْرَتِهَا أَنَّهُ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ مِثْلَهُ فِي أَهْلِ النَّارِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَقَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَيْسِيرُ الْقَوْلِ الْكَثِيرِ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَهَذَا فِيهِ تَيْسِيرُ الْجُرْمِ الْوَاسِعِ فِي الظَّرْفِ الضَّيِّقِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَنَبَذَهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ أَنَّهُمَا كَانَا مَرْئِيَّيْنِ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِحَدِيثِ الْبَابِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ كَذَلِكَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا لَفْظُ أَحْمَدَ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُطَوَّلًا، وَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ مَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ سَاقَهُ بِلَفْظِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ يُحَدِّثُنَا فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ، وَأَبِي مَرْيَمَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، انْتَهَى. وَلَمْ يَقَعْ لَهُ حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي زَيْدٍ بَيَانَ الْمَقَامِ الْمَذْكُورِ زَمَانًا وَمَكَانًا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أَحْمَدَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ) بِكَسْرِ التَّاءِ مِنْ يَشْتِمُنِي وَالشَّتْمُ هُوَ الْوَصْفُ بِمَا يَقْتَضِي النَّقْصَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْوَلَدِ لِلَّهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِمْكَانَ الْمُسْتَدْعِي لِلْحُدُوثِ، وَذَلِكَ غَايَةُ النَّقْصِ فِي حَقِّ الْبَارِي ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَا قَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَهُوَ قَوْلُ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا

قَوْلُهُ: (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ) أَيْ: خَلَقَ الْخَلْقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَوِ الْمُرَادُ أَوْجَدَ جِنْسَهُ، وَقَضَى يُطْلَقُ بِمَعْنَى حَكَمَ وَأَتْقَنَ وَفَرَغَ وَأَمْضَى.

قَوْلُهُ: (كَتَبَ فِي كِتَابِهِ) أَيْ: أَمَرَ الْقَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَرِيبًا فَقَالَ لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّفْظُ الَّذِي قَضَاهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾

قَوْلُهُ: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ) قِيلَ: مَعْنَاهُ دُونَ الْعَرْشِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي إِجْرَاءِ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ ذِكْرُهُ أَوْ عِلْمُهُ فَلَا تَكُونُ الْعِنْدِيَّةُ مَكَانِيَّةٌ بَلْ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ كَوْنِهِ مَخْفِيًّا عَنِ الْخَلْقِ مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّزِ إِدْرَاكِهِمْ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ فَوْقَ زَائِدٌ كَقَوْلِهِ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".

٣١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال النبي : "أُرَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي".

[الحديث ٣١٩٣ - طرفاه في: ٩٤٧٤، ٤٩٧٥]

٣١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله : "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي".

[الحديث ٣١٩٤ - أطرافه في: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ، وَهُوَ كُوفِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ) أَيِ الْبَدْءُ وَالْإِعَادَةُ، أَيْ أَنَّهُمَا حَمَلَا أَهْوَنَ عَلَى غَيْرِ التَّفْضِيلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَأَوْجَلُ

أَيْ وَإِنِّي لَوَجِلٌ، وَأَثَرُ الرَّبِيعِ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ نَحْوَهُ، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَسَنِ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ وَأَظُنُّهُ عَنِ الْحَسَنِ وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: وَإِعَادَتُهُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ بَدْئِهِ، وَكُلٌّ عَلَى اللَّهِ هَيِّنٌ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إِبْقَاءُ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهَا، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهَا: وَهُوَ عَلَيْهِ هين، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ ابْتُدِئَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، وَالْإِعَادَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَهُوَ أَهْوَنُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، انْتَهَى. وَلَا يَثْبُتُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ كَمَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحَيَوَانِ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ يَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ قَرِيبًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أَيْسَرُ.

وَقَالَ الزَّجَّاجُ: خُوطِبَ الْعِبَادُ بِمَا يَعْقِلُونَ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَعْثَ أَهْوَنُ مِنَ الِابْتِدَاءِ فَجَعَلَهُ مَثَلًا وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَذَكَرَ الرَّبِيعُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ أَيْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَا أَنَّ شَيْئًا يَعْظُمُ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ لِمَا لَمْ يَكُنْ كُنْ فَيَخْرُجُ مُتَّصِلًا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْفَرَّاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (وَهَيِّنٌ وَهَيْنٌ مِثْلُ لَيِّنٍ وَلَيْنٌ وَمَيِّتٌ وَمَيْتٌ وَضَيِّقٌ وَضَيْقٌ) الْأَوَّلُ بِالتَّشْدِيدِ وَالثَّانِي بِالتَّخْفِيفِ فِي الْجَمِيعِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ هِيَ مُخَفَّفَةٌ بِمَنْزِلَةِ هَيْنٍ وَلَيْنٍ وَضَيْقٍ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا وَالتَّشْدِيدِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي آخِرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّحْلِ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: أَنَّ الْعَرَبَ تَمْدَحُ بِالْهَيْنِ اللَّيْنِ مُخَفَّفًا وَتَذُمُّ بِهِمَا مُثَقَّلًا، فَالْهَيْنُ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْهَوْنِ وَهُوَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَمِنْهُ يَمْشُونَ هَوْنًا وَعَيْنُهُ وَاوٌ، بِخِلَافِ الْهَيِّنِ بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ: أَفَعَيِينَا أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأَكُمْ وَأَنْشَأَ خَلْقَكُمْ. كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ

مَعْنَى قَوْلِهِ: أَفَعَيِينَا اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، أَيْ: مَا أَعْجَزَنَا الْخَلْقُ الْأَوَّلُ حِينَ أَنْشَأْنَاكُمْ، وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ لِمُرَاعَاةِ اللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ يَقُولُ: أَفَأَعْيَا عَلَيْنَا إِنْشَاؤُكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا فَتَشُكُّوا فِي الْبَعْثِ؟ وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: عَيِيتُ بِالْأَمْرِ إِذَا لَمْ أَعْرِفْ وَجْهَهُ، وَمِنْهُ الْعِيُّ فِي الْكَلَامِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُغُوبٍ﴾ النَّصَبُ) أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أَيْ: مِنْ نَصَبٍ، وَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَهَذَا تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: أَكْذَبَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أَيْ: مِنْ إِعْيَاءٍ، وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَظَنَّ أَنَّ النَّصَبَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِسُكُونِ الصَّادِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ ضَبْطَ اللُّغُوبِ، فَقَالَ مُتَعَقِّبًا عَلَيْهِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا نَصَبَ اللَّامَ فِي الْفِعْلِ، قَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ بِالنَّصْبِ الْأَحْمَقُ.

قَوْلُهُ: (أَطْوَارًا طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ وَالْأَطْوَارُ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ وَاحِدُهَا طَوْرٌ بِالْفَتْحِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الْأَطْوَارِ كَوْنَهُ مَرَّةً نُطْفَةً وَمَرَّةً عَلَقَةً إِلَخْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ نَحْوَهُ وَقَالَ: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ صِحَّةٍ وَسَقَمٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَصْنَافًا فِي الْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي الْمَغَازِي: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) يَعْنِي: وَفْدَهُمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ وَقْتِ قُدُومِهِمْ وَمَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (أَبْشِرُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِنَ الْبِشَارَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا بَشَّرْتَنَا) الْقَائِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ) إِمَّا لِلْأَسَفِ عَلَيْهِمْ كَيْفَ آثَرُوا الدُّنْيَا، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُعْطِيهِمْ فَيَتَأَلَّفْهُمْ بِهِ، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ) هُمُ الْأَشْعَرِيُّونَ قَوْمُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ هَذَا وَفِيهِ مَا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ هُنَا نَافِعُ بْنُ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيُّ مَعَ مَنْ وَفَدَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ حِمْيَرَ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مُسْتَنَدَ ذَلِكَ فِي بَابِ قُدُومِ الْأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَطْفِ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ مَعَ أَنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، لَمَّا كَانَ زَمَانُ قُدُومِ الطَّائِفَتَيْنِ مُخْتَلِفًا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ غَيْرُ قِصَّةِ الْآخَرِينَ وَقَعَ الْعَطْفُ.

قَوْلُهُ: (اقْبَلُوا الْبُشْرَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ أَيِ: اقْبَلُوا مِنِّي مَا يَقْتَضِي أَنْ تُبَشَّرُوا إِذَا أَخَذْتُمْ بِهِ بِالْجَنَّةِ، كَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ الْيُسْرَى بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَهُوَ بِفَتْحِ أَنْ أَيْ مِنْ أَجْلِ تَرْكِهِمْ لَهَا، وَيُرْوَى بِكَسْرِ إِنْ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ النَّبِيُّ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ)، أَيْ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَعَنْ حَالِ الْعَرْشِ، وَكَأَنَّهُ ضَمَّنَ يُحَدِّثُ مَعْنَى يَذْكُرُ، وَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ أَحْوَالِ هَذَا الْعَالَمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا عَنْ أَوَّلِ جِنْسِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَقْتَضِي السِّيَاقُ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَعَلَى الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْعَرْشَ وَالْمَاءَ تَقَدَّمَ خَلْقُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ: نَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (قَالُوا جِئْنَا نَسْأَلُكَ) كَذَا الْكُشْمِيهَنِيُّ، وَلِغَيْرِهِ: جِئْنَاكَ لِنَسْأَلَكَ، وَزَادَ فِي التَّوْحِيدِ: وَنَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَكَذَا هِيَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ هَذَا الْأَمْرِ) أَيِ الْحَاضِرِ الْمَوْجُودِ، وَالْأَمْرُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ وَيُرَادُ بِهِ الشَّأْنُ وَالْحُكْمُ

وَالْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي التَّوْحِيدِ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَالْقِصَّةُ مُتَّحِدَةٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَقَعَتْ بِالْمَعْنَى، وَلَعَلَّ رَاوِيهَا أَخَذَهَا مِنْ قَوْلِهِ فِي دُعَائِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ أَصْرَحُ فِي الْعَدَمِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ لَا الْمَاءُ وَلَا الْعَرْشُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ قَولهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَاءَ سَابِقًا ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ بِلَفْظِ: كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِنَّ فَصَرَّحَ بِتَرْتِيبِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) هَكَذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي التَّوْحِيدِ: ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ ثُمَّ إِلَّا فِي ذِكْرِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى: ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى التَّرْتِيبِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ وَهِيَ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ الْآنَ إِلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ فَرِوَايَةُ الْبَابِ بِلَفْظِ: وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ بِمَعْنَاهَا. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ الْمَذْكُورِ: كَانَ اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ وَاوٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ فَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَنْ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي الْأَوَّلِيَّةِ، لَكِنْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَاءَ وَالْعَرْشَ كَانَا مَبْدَأُ هَذَا الْعَالَمِ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْعَرْشِ إِذْ ذَاكَ إِلَّا الْمَاءُ. وَمُحَصَّلُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُطْلَقَ قَوْلِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بـ كَانَ فِي الْأَوَّلِ الْأَزَلِيَّةَ وَفِي الثَّانِيِ الْحُدُوثَ بَعْدَ الْعَدَمِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ مَرْفُوعًا: أَنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ، وَرَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا مِمَّا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِأَنَّ أَوَّلِيَّةَ الْقَلَمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَا الْمَاءَ وَالْعَرْشَ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مِنْهُ صَدَرَ مِنَ الْكِتَابَةِ، أَيْ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ اكْتُبْ أَوَّلَ مَا خُلِقَ، وَأَمَّا حَدِيثُ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ فَلَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ ثَبْتٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهَذَا التَّقْدِيرُ الْأَخِيرُ هُوَ تَأْوِيلُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَحَكَى أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ فِي أَيِّهِمَا خُلِقَ أَوَّلًا الْعَرْشُ أَوِ الْقَلَمُ؟ قَالَ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى سَبْقِ خَلْقِ الْعَرْشِ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ الثَّانِي، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَقَالَ لِلْقَلَمِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ: اكْتُبْ، فَقَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: عِلْمِي فِي خَلْقِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سُبْحَانَ، وَلَيْسَ فِيهِ سَبْقُ خَلْقِ الْقَلَمِ عَلَى الْعَرْشِ، بَلْ فِيهِ سَبْقُ الْعَرْشِ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ،

فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَدْءُ الْخَلْقِ الْعَرْشُ وَالْمَاءُ وَالْهَوَاءُ، وَخُلِقَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْمَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ) أَيْ قَدَّرَ (فِي الذِّكْرِ) أَيْ فِي مَحَلِّ الذِّكْرِ، أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (كُلَّ شَيْءٍ) أَيْ مِنَ الْكَائِنَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ مَبْدَإِ الْأَشْيَاءِ وَالْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ وَجَوَازُ جَوَابِ الْعَالِمِ بِمَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْكَفُّ إِنْ خَشِيَ عَلَى السَّائِلِ مَا يَدْخُلُ عَلَى مُعْتَقِدِهِ. وَفِيهِ أَنَّ جِنْسَ الزَّمَانِ وَنَوْعَهُ حَادِثٌ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، لَا عَنْ عَجْزٍ عَنْ ذَلِكَ بَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ. وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ سُؤَالِ الْأَشْعَرِيِّينَ عَنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَحُدُوثِ الْعِلْمِ مُسْتَمِرَّانِ فِي ذُرِّيَّتِهِمْ حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ.

قَوْلُهُ: (فَنَادَى مُنَادٍ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ) أَيِ انْفَلَتَتْ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ رَاحِلَتَكَ أَيْ أَدْرِكْ رَاحِلَتَكَ فَهُوَ بِالنَّصْبِ، أَوْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُكَ فَهُوَ بِالرَّفْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ. وَقَوْلُهُ تَفَلَّتَتْ بِالْفَاءِ أَيْ شَرَدَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (دُونَهَا السَّرَابُ) بِالضَّمِّ، أَيْ: يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا، وَالسَّرَابُ بِالْمُهْمَلَةِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مَا يُرَى نَهَارًا فِي الْفَلَاةِ كَأَنَّهُ مَاءٌ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا) فِي التَّوْحِيدِ: أَنَّهَا ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ يَعْنِي: لِأَنَّهُ قَامَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ النَّبِيُّ حَدِيثَهُ فِي ظَنِّهِ، فَتَأَسَّفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ كُنْتُ كَثِيرَ التَّطَلُّبِ لِتَحْصِيلِ مَا ظَنَّ عِمْرَانُ أَنَّهُ فَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى أَنْ وَقَفْتُ عَلَى قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ فَقَوِيَ فِي ظَنِّي أَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِخُصُوصِهَا لِخُلُوِّ قِصَّةِ نَافِعِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ، إِلَّا أَنَّ فِي آخِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَمَا فِيهِنَّ: وَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ ﷿.

الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ عُمَرَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ مَقَامًا فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةَ مَنَازِلَهُمْ الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَى عِيسَى، عَنْ رَقَبَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ مِنْهُ رَجُلٌ، فَقَالَ ابْنُ الْفَلَكِيِّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ عِيسَى، وَرَقَبَةَ، أَبُو حَمْزَةَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَقَالَ الطَّرْقِيُّ: سَقَطَ أَبُو حَمْزَةَ مِنْ كِتَابِ الْفَرَبْرِيِّ وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، فَعِنْدَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ: رَوَى عِيسَى، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ رَقَبَةَ قَالَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ رُمَيْحٍ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، قُلْتُ: وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَهُوَ يَرْوِي الصَّحِيحَ عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ حِينَئِذٍ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَسْقَطَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، لَكِنْ جَعَلَ بَيْنَ عِيسَى، وَرَقَبَةَ ضَبَّةَ، وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ أَلْحَقَ فِي رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ وَقَدْ وَصَفُوهُ بِقِلَّةِ الْإِتْقَانِ، وَعِيسَى الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبُخَارِيُّ وَلَقَبُهُ غُنْجَارٌ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَقَدْ وَصَلَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى الْمَذْكُورِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ السُّكَّرِيُّ، عَنْ رَقَبَةَ، الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ رَقَبَةَ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ ابْنُ مَصْقَلَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُبْدَلُ سِينًا بَعْدَهَا قَافٌ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عِيسَى فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي

حَمْزَةَ نَحْوَهُ، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ) هِيَ غَايَةُ قَوْلِهِ أَخْبَرَنَا أَيْ أَخْبَرَنَا عَنْ مُبْتَدَأِ الْخَلْقِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَهَى الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَوَضَعَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً لِلتَّحَقُّقِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ

خَبَرِ الصَّادِقِ، وَكَانَ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: حَتَّى يَدْخُلَ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ بِجَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَخْلُوقَاتِ مُنْذُ ابْتُدِئَتْ إِلَى أَنْ تَفْنَى إِلَى أَنْ تُبْعَثَ، فَشَمِلَ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَفِي تَيْسِيرِ إِيرَادِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَيَقْرَبُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ مُعْجِزَاتِهِ لَا مِرْيَةَ فِي كَثْرَتِهَا أَنَّهُ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ مِثْلَهُ فِي أَهْلِ النَّارِ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَقَالَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قَالَ: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ تَيْسِيرُ الْقَوْلِ الْكَثِيرِ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَهَذَا فِيهِ تَيْسِيرُ الْجُرْمِ الْوَاسِعِ فِي الظَّرْفِ الضَّيِّقِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَنَبَذَهُمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ أَنَّهُمَا كَانَا مَرْئِيَّيْنِ لَهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِحَدِيثِ الْبَابِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ كَذَلِكَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، فَحَدَّثَنَا بِمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا لَفْظُ أَحْمَدَ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مُطَوَّلًا، وَتَرْجَمَ لَهُ بَابُ مَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ سَاقَهُ بِلَفْظِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا صَلَاةَ الْعَصْرِ ثُمَّ قَامَ يُحَدِّثُنَا فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: حَسَنٌ.

وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ، وَأَبِي مَرْيَمَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، انْتَهَى. وَلَمْ يَقَعْ لَهُ حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، وَأَفَادَ حَدِيثُ أَبِي زَيْدٍ بَيَانَ الْمَقَامِ الْمَذْكُورِ زَمَانًا وَمَكَانًا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي أَحْمَدَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ) بِكَسْرِ التَّاءِ مِنْ يَشْتِمُنِي وَالشَّتْمُ هُوَ الْوَصْفُ بِمَا يَقْتَضِي النَّقْصَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دَعْوَى الْوَلَدِ لِلَّهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِمْكَانَ الْمُسْتَدْعِي لِلْحُدُوثِ، وَذَلِكَ غَايَةُ النَّقْصِ فِي حَقِّ الْبَارِي ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَا قَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَهُوَ قَوْلُ مُنْكِرِي الْبَعْثِ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا

قَوْلُهُ: (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ) أَيْ: خَلَقَ الْخَلْقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَوِ الْمُرَادُ أَوْجَدَ جِنْسَهُ، وَقَضَى يُطْلَقُ بِمَعْنَى حَكَمَ وَأَتْقَنَ وَفَرَغَ وَأَمْضَى.

قَوْلُهُ: (كَتَبَ فِي كِتَابِهِ) أَيْ: أَمَرَ الْقَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَرِيبًا فَقَالَ لِلْقَلَمِ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّفْظُ الَّذِي قَضَاهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾

قَوْلُهُ: (فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ) قِيلَ: مَعْنَاهُ دُونَ الْعَرْشِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي إِجْرَاءِ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ ذِكْرُهُ أَوْ عِلْمُهُ فَلَا تَكُونُ الْعِنْدِيَّةُ مَكَانِيَّةٌ بَلْ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ كَوْنِهِ مَخْفِيًّا عَنِ الْخَلْقِ مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّزِ إِدْرَاكِهِمْ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ فَوْقَ زَائِدٌ كَقَوْلِهِ:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر