الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٤
الحديث رقم ٣٣٤ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب التيمم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
قالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش موضعان بين المدينة ومكة، انقطع عقد لي أي قلادة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه أي: لأجل طلب ذلك العقد الضائع، وأقام الصحابة الذين غزوا تلك الغزوة معه عليه الصلاة والسلام يطلبونه ويبحثون عنه، وليسوا على ماء أي ليسوا نازلين على محل يوجد فيه ماء للوضوء أو لغيره كالشرب، فجاء الناس إلى أبي بكر الصديق للشكوى مما فعلت بنته، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر رضي الله عنه لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه حتى يستيقظ بنفسه، فقالوا: ألا ترى ماذا فعلت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناسِ وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، أي وليسوا أيضا حاملين معهم ماء من محل آخر.
فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر أي لامني على الحبس المذكور، ولم تقل: أبي؛ لأن الأبوة تناسب الحنو، وما وقع من العتاب بالقول، والتأديب بالفعل غير مناسب له، وقال ما شاء الله أن يقول من اللوم والعتاب، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي أي وسطي، فلم يمنعني من التحرك مع شدة ألم الطعن إلا كون رسول الله صلى الله عليه وسلم نائمًا على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، وهي آية المائدة، فتيمم الناس بعد نزول الآية، فقال أُسيد بن الحُضير: ما هذه البركة الحاصلة للمسلمين بسبب فقد العقد، من الرخصة المشروعة بالتيمم، بأول بركتكم يا آل أبي بكر، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات، قالت: فبعثنا البعير، أي: أثرنا البعير الذي كنت راكبةً عليه في السفر فوجدنا العقد تحته.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْحَيْضِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا عَشَرَةُ أَحَادِيثَ، وَالْبَقِيَّةُ تَعْلِيقٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَالْخَالِصُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَهُوَ حَدِيثُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ. وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ وَحَدِيثِهَا فِي اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَحَدِيثِهَا مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَثَرًا كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اهـ. فَعَلَى هَذَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ؟ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ، وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ.
قَوْلُهُ: (قَوْلُ اللَّهِ)، فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَقَوْلُ اللَّهِ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ، وَعَبْدُوسٍ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَذَا فِي رِوَايَتِنَا، وَالتِّلَاوَةُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. قُلْتُ: ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمُبْهَمَةِ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ أَنَّهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّتِهَا الْمَذْكُورَةِ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءةً شَاذَّةً لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَهْمًا مِنْهُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهَا عَنَتْ آيَةَ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ قَدْ تَرْجَمَ لَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَيْضًا وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ نُزُولِهَا فِي قِصَّتِهَا، بَلِ اللَّفْظُ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا عَيَّنَتْ فَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيكُمْ) إِلَى هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّبُّوِيِّ وَكَرِيمَةَ مِنْهُ، وَهِيَ تُعَيِّنُ آيَةَ الْمَائِدَةِ دُونَ آيَةِ النِّسَاءِ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَرِجَالُهُ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَغَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَفِيهَا وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ لِعَائِشَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِسَبَبِ وُقُوعِ عِقْدِهَا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مَا جَزَمُوا بِهِ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَرَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي سِيَاقِهِمَا، وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ الْمُرَيْسِيعَ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ بَيْنَ قُدَيْدٍ وَالسَّاحِلِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ وَهُمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ.
قُلْتُ: وَمَا جَزَمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ التِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ: الْبَيْدَاءُ هِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَذَاتُ الْجَيْشِ وَرَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: الْبَيْدَاءُ أَدْنَى إِلَى مَكَّةَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَالْبَيْدَاءُ هُوَ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَيْضًا: ذَاتُ الْجَيْشِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ، قَالَ: وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقِيقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ، وَالْعَقِيقُ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لَا مِنْ طَرِيقِ خَيْبَرَ، فَاسْتَقَامَ مَا قَالَ ابْنُ التِّينِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ إِنَّ الْقِلَادَةَ سَقَطَتْ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ اهـ، وَالْأَبْوَاءُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَالَ.
وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ رَوَاهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ لَهُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالصُّلْصُلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ بَيْنَ الصَّادَيْنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ جَبَلٌ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي حَرْفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَهِمَ مُغَلْطَايْ فِي فَهْمِ كَلَامِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَزَادَهُ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ، وَعُرِفَ مِنْ تَضَافُرِ هَذِهِ
الرِّوَايَاتِ تَصْوِيبُ مَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ، وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ فِي تَعَدُّدِ السَّفَرِ عَلَى رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ صَرِيحَةٍ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عِقْدٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ، وَيُسَمَّى قِلَادَةً كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ قُرْبِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْتِمَاسِهِ) أَيْ لِأَجْلِ طَلَبِهِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَبْعُوثَ فِي طَلَبِهِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَسَقَطَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا مَاءَ فِيهِ، وَكَذَا سُلُوكُ الطَّرِيقِ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ وَهُمْ عَلَى قَصْدِ دُخُولِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ مَعَ الرَّكْبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمَكَانَ لَا مَاءَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ أَيْ لِلْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ لِجَوَازِ إِرْسَالِ الْمَطَرِ أَوْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ كَمَا وَقَعَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى.
وَفِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قَلَّتْ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ثَمَنَ الْعِقْدِ الْمَذْكُورِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَيَلْتَحِقُ بِتَحْصِيلِ الضَّائِعِ الْإِقَامَةُ لِلُحُوقِ الْمُنْقَطِعِ وَدَفْنُ الْمَيِّتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِضَاعَةِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) فِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَةِ إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، وَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَكَوْا إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ نَائِمًا وَكَانُوا لَا يُوقِظُونَهُ. وَفِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهِ لِقَوْلِهِمْ: صَنَعَتْ وَأَقَامَتْ، وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى ابْنتِهِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَالَةَ مُبَاشَرَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، أَيْ بِسَبَبِهَا. وَسَيَأْتِي مِنَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَاتَبَهَا بِهِ قَوْلُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً. وَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ تَقُلْ أَبِي ; لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأُبُوَّةِ الْحُنُوُّ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الْعِتَابِ بِالْقَوْلِ وَالتَّأْنِيبِ بِالْفِعْلِ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَتْهُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ فَلَمْ تَقُلْ أَبِي.
قَوْلُهُ: (يَطْعُنُنِي) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا هُوَ حِسِّيٌّ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَيُقَالُ يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ، هَذَا الْمَشْهُورُ فِيهِمَا، وَحُكِيَ فِيهِمَا الْفَتْحُ مَعًا فِي الْمَطَالِعِ وَغَيْرِهَا، وَالضَّمُّ فِيهِمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ. وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنتَهُ وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً كَبِيرَةً خَارِجَةً عَنْ بَيْتِهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ تَأْدِيبُ مَنْ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّبْرِ لِمَنْ نَالَهُ مَا يُوجِبُ الْحَرَكَةَ أَوْ يَحْصُلُ بِهِ تَشْوِيشٌ لِنَائِمٍ، وَكَذَا لِمُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ حِينَ أَصْبَحَ) كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا، وَأَوْرَدَهُ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْمُوَطَّأُ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ نَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَصْبَحَ بَيَانَ غَايَةِ النَّوْمِ إِلَى الصَّبَاحِ، بَلْ بَيَانُ غَايَةِ فَقْدِ الْمَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ قَوْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِقَوْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَيْ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَلَفْظُهَا ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَإِنْ أُعْرِبَتِ الْوَاوُ حَالِيَّةً كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ وَقَعَ حَالَ وُجُودِ الصَّبَاحِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ التَّهَجُّدِ فِي السَّفَرِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتَمَسَ الْمَاءَ فَلَمْ يُوجَدْ وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الوضوء وَلِهَذَا
اسْتَعْظَمُوا نُزُولَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ. وَوَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِلَّا بِوُضُوءٍ، وَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ. قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ آيَةُ التَّيَمُّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ - مَعَ تَقَدُّمِ الْعَمَلِ بِهِ - لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ آيَةِ الْوُضُوءِ نَزَلَ قَدِيمًا فَعَلِمُوا بِهِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ نَزَلَ بَقِيَّتُهَا وَهُوَ ذِكْرُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِطْلَاقُ آيَةِ التَّيَمُّمِ عَلَى هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَهَا فِي التَّفْسِيرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ أَوْ آيَةُ الْمَائِدَةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ. وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ تُسَمَّى آيَةَ الْوُضُوءِ وَآيَةُ النِّسَاءِ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلْوُضُوءِ فَيُتَّجَهُ تَخْصِيصُهَا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ. وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَخَفِيَ عَلَى الْجَمِيعِ مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إِذْ صَرَّحَ فِيهَا بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَتَيَمَّمُوا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، أَيْ فَتَيَمَّمَ النَّاسُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِبَعْضِ الْآيَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بَيَانًا لِقَوْلِهِ آيَةُ التَّيَمُّمِ أَوْ بَدَلًا. وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ مَعْنَى (فَتَيَمَّمُوا) اقْصِدُوا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُ التُّرَابِ وَلَا يَكْفِي هُبُوبُ الرِّيحِ بِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَنَوَى الْوُضُوءَ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ، وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ قَصَدَ التُّرَابَ مِنَ الرِّيحِ الْهَابَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ.
وَعَلَى تَعْينِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِلتَّيَمُّمِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ قَرِيبًا، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَسَنَذْكُرُ تَوْجِيهَهُ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قِصَّتَهَا هَذِهِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَلَى عَمَّارٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ الْأَصَحَّ مِنْهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أُسَيْدٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ الْحُضَيْرِ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْأَنْصَارِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ فِي طَلَبِ الْعِقْدِ الَّذِي ضَاعَ.
قَوْلُهُ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ) أَيْ بَلْ هِيَ مَسْبُوقَةٌ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبَرَكَاتِ، وَالْمُرَادُ بِآلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ عَائِشَةَ وَأَبِيهَا وَتَكْرَارِ الْبَرَكَةِ مِنْهُمَا. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ وَفِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ الْبُسْتِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةَ قِلَادَتِكِ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ مِنْ أَمْرٍ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا وَفِي النِّكَاحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، فَيَقْوَى قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ ضَيَاعِ الْعِقْدِ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْإِخْبَارِيُّ فَقَالَ: سَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَفِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي أَيِّ هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ كَانَتْ أَوَّلًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَتْ قِصَّةُ التَّيَمُّمِ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ. ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لابتداء الغاية تعسُّفٌ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلَّا التَّبعيض، ووقع في رواية النَّسفيِّ وعُبدوسٍ والمُستملي (١) والحَمُّويي: «﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا﴾» قال الحافظ أبو ذَرٍّ عند القراءة عليه: التَّنزيل: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾» ورواية (٢) الكتاب: «فإن لم تجدوا»، قال عياضٌ في «المشارق»: وهذا هو الصَّواب، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ … ﴾ الآيةَ» وفي رواية أبي ذَرٍّ: «إلى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾» لم يقل: «منه» وزيادتها لكريمة والشَّبُّويِّ، وهي تعيِّن آية «المائدة» دون «النِّساء».
٣٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيِّ» (٣) (ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) وهو غزوة بني
المصطلق كما قاله ابنا سعدٍ وحبَّان، وجزم به ابن عبد البِّر في «الاستذكار»، وكانت سنة ستٍّ كما ذكره المؤلِّف عنِ ابن إسحاق، أو (١) خمسٍ كما قاله ابن سعدٍ، ورجَّحه أبو (٢) عبد الله الحاكم في «الإكليل»، وفي هذه الغزوة كانت قصَّة الإفك، وقال الدَّاوديُّ: كانت قصَّة التَّيمُّم في غزاة (٣) «الفتح» ثمَّ تردَّد في ذلك (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة والمدِّ، أدنى إلى مكَّة من ذي الحُلَيفة (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، موضعٌ (٤) بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من أحد الرُّواة عن (٥) عائشة، وقِيلَ: منها، واستُبعِد، والذيفي غير (٦) هذا الحديث: «أنَّه كان بذات الجيش» كحديث (٧) عمَّار بن ياسرٍ ﵁ عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ جيِّدٍ قال: «عرَّس رسول الله ﷺ بأولات (٨) بذات الجيش ومعه عائشة زوجه فانقطع عقدها … » الحديثَ، ولم يشكَّ بينه وبين البيداء (٩) (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون (١٠) القاف، أي: قلادةٌ لي، كان ثمنها اثني عشر درهمًا، والإضافة في قولها: «لي» باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعته، لا أنَّه ملكٌ لها بدليل ما في الباب اللَّاحق [خ¦٣٣٦]: «أنَّها استعارت من أسماء قلادةً» (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ) أي: لأجل طلب العقد (وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ
وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ» فالجملة الأخيرة وهي: «وليس معهم ماءٌ» (١) ساقطةٌ عند أبي ذَرٍّ هنا فقط (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى إلى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟) بإثبات ألف (٢) الاستفهام الدَّاخلة على «لا»، وعند الحَمُّويي: «لا ترى» بسقوطها (أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسِ) بالجرِّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وأسند الفعل إليها لأنَّه كان بسببها (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المُعجَمة (قَدْ نَامَ فَقَالَ (٣): حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَ) حبست (النَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) فقال: حبست النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عناءً (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ العين، وقد تُفتَح، أوِ الفتح للقول كالطَّعن في النَّسب، والضَّمّ للرُّمح، وقِيلَ: كلاهما بالضَّمِّ، ولم تقل عائشة: فعاتبني أبي، بل أنزلته منزلة الأجنبيِّ لأنَّ منزلة الأبوَّة تقتضي الحنوَّ، وما وقع من العتاب بالقول والتَّأديب بالفعل مغايرٌ لذلك في الظَّاهر (فَلَا) وللأَصيليِّ: «فما» (يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، وعند المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ» [خ¦٣٦٧٢]: «فنام (٤) حتَّى أصبح» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ) متعلِّقٌ بـ «قام» و «أصبح»، تنازعا فيه، قال في «شرح التَّقريب»: ليس قوله: «حتَّى أصبح» لبيان غاية النَّوم إلى الصَّباح، بل لبيان فقد الماء إلى الصَّباح لأنَّه لم يطلق قوله: «حتَّى أصبح»، بل قيَّده بقوله: «حتَّى أصبح على غير ماءٍ»، أي: حتَّى آل أمره إلى أن أصبح على غير ماءٍ لأنَّ إثبات الفعل على وصفٍ أو حالٍ دون الإثبات المُطلَق (٥) (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بـ «المائدة»، ووقع عند الحميديِّ في الحديث وفيه: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا (١) به في الآية لأنَّ الطَّارئ في ذلك الوقت حكم التَّيمُّم، والوضوء كان مُقرَّرًا يدلُّ عليه: «وليس معهم ماءٌ» (فَتَيَمَّمُوا) بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا، أو بدلًا عن آية التَّيمُّم، أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال» (أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة في الأوَّل مُصغَّر أسدٍ، وبضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الضَّاد المُعجَمة والرَّاء في الآخر، الأوسيُّ الأنصاريُّ الأشهليُّ، أحد النُّقباء ليلة العقبة الثَّانية، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقةٌ بغيرها من البركات، وفي رواية عمرو بن الحارث: «لقد بارك الله للنَّاس فيكم»، وفي «تفسير إسحاق البستيِّ (٢)» من طريق ابن أبي مليكة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أعظم بركة قلادتك!» (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير مع أسيد بن حُضَيْرٍ (فَأَصَبْنَا) ولابن عساكر: «فوجدنا» (العِقْدَ تَحْتَهُ) وللمؤلِّف من هذا الوجه في «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٣]: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها، أي: القلادة، وفي الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦٣٣٦]: فبعث ﵊ رجلًا فوجدها، ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضيرٍ وناسًا معه، وجُمِعَ بينها بأنَّ أُسَيْدًا كان رأس من بُعِثَ لذلك، فلذلك سُمِّيَ في بعض الرِّوايات، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أوَّلًا، فلمَّا رجعوا ونزلت آية التَّيمُّم وأرادوا الرَّحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن الحضير، وقال النَّوويُّ: يحتمل أن يكون فاعل «وجدها» النَّبيّ ﷺ.
واستُنبِط من الحديث: جواز تأديب الرَّجل ابنته ولو كانت مُزوَّجةً كبيرةً، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، ورواته الخمسة مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٦٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٧] و «المحاربين» [خ¦٦٨٤٤]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْحَيْضِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا عَشَرَةُ أَحَادِيثَ، وَالْبَقِيَّةُ تَعْلِيقٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَالْخَالِصُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَهُوَ حَدِيثُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ. وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ وَحَدِيثِهَا فِي اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَحَدِيثِهَا مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَثَرًا كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اهـ. فَعَلَى هَذَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ.
وَاخْتُلِفَ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ؟ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ، وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ.
قَوْلُهُ: (قَوْلُ اللَّهِ)، فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَقَوْلُ اللَّهِ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ، وَعَبْدُوسٍ، وَالْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كَذَا فِي رِوَايَتِنَا، وَالتِّلَاوَةُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. قُلْتُ: ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمُبْهَمَةِ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ أَنَّهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّتِهَا الْمَذْكُورَةِ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءةً شَاذَّةً لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَهْمًا مِنْهُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهَا عَنَتْ آيَةَ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ قَدْ تَرْجَمَ لَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَيْضًا وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ نُزُولِهَا فِي قِصَّتِهَا، بَلِ اللَّفْظُ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا عَيَّنَتْ فَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيكُمْ) إِلَى هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّبُّوِيِّ وَكَرِيمَةَ مِنْهُ، وَهِيَ تُعَيِّنُ آيَةَ الْمَائِدَةِ دُونَ آيَةِ النِّسَاءِ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَرِجَالُهُ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَغَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَفِيهَا وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ لِعَائِشَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِسَبَبِ وُقُوعِ عِقْدِهَا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مَا جَزَمُوا بِهِ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَرَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي سِيَاقِهِمَا، وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّ الْمُرَيْسِيعَ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ بَيْنَ قُدَيْدٍ وَالسَّاحِلِ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ وَهُمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ.
قُلْتُ: وَمَا جَزَمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ التِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ: الْبَيْدَاءُ هِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ: وَذَاتُ الْجَيْشِ وَرَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: الْبَيْدَاءُ أَدْنَى إِلَى مَكَّةَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا. ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَالْبَيْدَاءُ هُوَ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَيْضًا: ذَاتُ الْجَيْشِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ، قَالَ: وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقِيقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ، وَالْعَقِيقُ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لَا مِنْ طَرِيقِ خَيْبَرَ، فَاسْتَقَامَ مَا قَالَ ابْنُ التِّينِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ إِنَّ الْقِلَادَةَ سَقَطَتْ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ اهـ، وَالْأَبْوَاءُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَالَ.
وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ رَوَاهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ لَهُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالصُّلْصُلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ بَيْنَ الصَّادَيْنِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ جَبَلٌ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي حَرْفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَهِمَ مُغَلْطَايْ فِي فَهْمِ كَلَامِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَزَادَهُ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ، وَعُرِفَ مِنْ تَضَافُرِ هَذِهِ
الرِّوَايَاتِ تَصْوِيبُ مَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ، وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ فِي تَعَدُّدِ السَّفَرِ عَلَى رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ صَرِيحَةٍ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (عِقْدٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ، وَيُسَمَّى قِلَادَةً كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَزَلَ وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ قُرْبِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْتِمَاسِهِ) أَيْ لِأَجْلِ طَلَبِهِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَبْعُوثَ فِي طَلَبِهِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَسَقَطَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا مَاءَ فِيهِ، وَكَذَا سُلُوكُ الطَّرِيقِ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ وَهُمْ عَلَى قَصْدِ دُخُولِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ مَعَ الرَّكْبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمَكَانَ لَا مَاءَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ أَيْ لِلْوُضُوءِ، وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ لِجَوَازِ إِرْسَالِ الْمَطَرِ أَوْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ﷺ كَمَا وَقَعَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى.
وَفِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قَلَّتْ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ثَمَنَ الْعِقْدِ الْمَذْكُورِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَيَلْتَحِقُ بِتَحْصِيلِ الضَّائِعِ الْإِقَامَةُ لِلُحُوقِ الْمُنْقَطِعِ وَدَفْنُ الْمَيِّتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِضَاعَةِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ) فِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَةِ إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، وَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَكَوْا إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ نَائِمًا وَكَانُوا لَا يُوقِظُونَهُ. وَفِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهِ لِقَوْلِهِمْ: صَنَعَتْ وَأَقَامَتْ، وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى ابْنتِهِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَالَةَ مُبَاشَرَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ) فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، أَيْ بِسَبَبِهَا. وَسَيَأْتِي مِنَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَاتَبَهَا بِهِ قَوْلُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً. وَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ تَقُلْ أَبِي ; لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأُبُوَّةِ الْحُنُوُّ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الْعِتَابِ بِالْقَوْلِ وَالتَّأْنِيبِ بِالْفِعْلِ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَتْهُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ فَلَمْ تَقُلْ أَبِي.
قَوْلُهُ: (يَطْعُنُنِي) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا هُوَ حِسِّيٌّ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَيُقَالُ يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ، هَذَا الْمَشْهُورُ فِيهِمَا، وَحُكِيَ فِيهِمَا الْفَتْحُ مَعًا فِي الْمَطَالِعِ وَغَيْرِهَا، وَالضَّمُّ فِيهِمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ. وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنتَهُ وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً كَبِيرَةً خَارِجَةً عَنْ بَيْتِهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ تَأْدِيبُ مَنْ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّبْرِ لِمَنْ نَالَهُ مَا يُوجِبُ الْحَرَكَةَ أَوْ يَحْصُلُ بِهِ تَشْوِيشٌ لِنَائِمٍ، وَكَذَا لِمُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ حِينَ أَصْبَحَ) كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا، وَأَوْرَدَهُ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْمُوَطَّأُ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ نَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَصْبَحَ بَيَانَ غَايَةِ النَّوْمِ إِلَى الصَّبَاحِ، بَلْ بَيَانُ غَايَةِ فَقْدِ الْمَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ قَوْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِقَوْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَيْ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَلَفْظُهَا ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَإِنْ أُعْرِبَتِ الْوَاوُ حَالِيَّةً كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ وَقَعَ حَالَ وُجُودِ الصَّبَاحِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ التَّهَجُّدِ فِي السَّفَرِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتَمَسَ الْمَاءَ فَلَمْ يُوجَدْ وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الوضوء وَلِهَذَا
اسْتَعْظَمُوا نُزُولَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ. وَوَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِلَّا بِوُضُوءٍ، وَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ. قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ آيَةُ التَّيَمُّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ - مَعَ تَقَدُّمِ الْعَمَلِ بِهِ - لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ آيَةِ الْوُضُوءِ نَزَلَ قَدِيمًا فَعَلِمُوا بِهِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ نَزَلَ بَقِيَّتُهَا وَهُوَ ذِكْرُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِطْلَاقُ آيَةِ التَّيَمُّمِ عَلَى هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَهَا فِي التَّفْسِيرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَةُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ أَوْ آيَةُ الْمَائِدَةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ. وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ تُسَمَّى آيَةَ الْوُضُوءِ وَآيَةُ النِّسَاءِ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلْوُضُوءِ فَيُتَّجَهُ تَخْصِيصُهَا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ. وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا، وَخَفِيَ عَلَى الْجَمِيعِ مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إِذْ صَرَّحَ فِيهَا بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَتَيَمَّمُوا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، أَيْ فَتَيَمَّمَ النَّاسُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِبَعْضِ الْآيَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بَيَانًا لِقَوْلِهِ آيَةُ التَّيَمُّمِ أَوْ بَدَلًا. وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ مَعْنَى (فَتَيَمَّمُوا) اقْصِدُوا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُ التُّرَابِ وَلَا يَكْفِي هُبُوبُ الرِّيحِ بِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَنَوَى الْوُضُوءَ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ، وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ قَصَدَ التُّرَابَ مِنَ الرِّيحِ الْهَابَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ.
وَعَلَى تَعْينِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِلتَّيَمُّمِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ قَرِيبًا، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَسَنَذْكُرُ تَوْجِيهَهُ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قِصَّتَهَا هَذِهِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَلَى عَمَّارٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ الْأَصَحَّ مِنْهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ أُسَيْدٌ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ الْحُضَيْرِ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْأَنْصَارِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ فِي طَلَبِ الْعِقْدِ الَّذِي ضَاعَ.
قَوْلُهُ: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ) أَيْ بَلْ هِيَ مَسْبُوقَةٌ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبَرَكَاتِ، وَالْمُرَادُ بِآلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ عَائِشَةَ وَأَبِيهَا وَتَكْرَارِ الْبَرَكَةِ مِنْهُمَا. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ وَفِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ الْبُسْتِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةَ قِلَادَتِكِ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ مِنْ أَمْرٍ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا وَفِي النِّكَاحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، فَيَقْوَى قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ ضَيَاعِ الْعِقْدِ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْإِخْبَارِيُّ فَقَالَ: سَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَفِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي أَيِّ هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ كَانَتْ أَوَّلًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَتْ قِصَّةُ التَّيَمُّمِ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ. ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لابتداء الغاية تعسُّفٌ إذ لا يُفهَم من نحو ذلك إلَّا التَّبعيض، ووقع في رواية النَّسفيِّ وعُبدوسٍ والمُستملي (١) والحَمُّويي: «﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا﴾» قال الحافظ أبو ذَرٍّ عند القراءة عليه: التَّنزيل: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ﴾» ورواية (٢) الكتاب: «فإن لم تجدوا»، قال عياضٌ في «المشارق»: وهذا هو الصَّواب، ووقع في رواية الأَصيليِّ: «﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ … ﴾ الآيةَ» وفي رواية أبي ذَرٍّ: «إلى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾» لم يقل: «منه» وزيادتها لكريمة والشَّبُّويِّ، وهي تعيِّن آية «المائدة» دون «النِّساء».
٣٣٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ أَبِيهِ) القاسم (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيِّ» (٣) (ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ) وهو غزوة بني
المصطلق كما قاله ابنا سعدٍ وحبَّان، وجزم به ابن عبد البِّر في «الاستذكار»، وكانت سنة ستٍّ كما ذكره المؤلِّف عنِ ابن إسحاق، أو (١) خمسٍ كما قاله ابن سعدٍ، ورجَّحه أبو (٢) عبد الله الحاكم في «الإكليل»، وفي هذه الغزوة كانت قصَّة الإفك، وقال الدَّاوديُّ: كانت قصَّة التَّيمُّم في غزاة (٣) «الفتح» ثمَّ تردَّد في ذلك (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ) بفتح المُوحَّدة والمدِّ، أدنى إلى مكَّة من ذي الحُلَيفة (أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ) بفتح الجيم وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، موضعٌ (٤) بين مكَّة والمدينة، والشَّكُّ من أحد الرُّواة عن (٥) عائشة، وقِيلَ: منها، واستُبعِد، والذيفي غير (٦) هذا الحديث: «أنَّه كان بذات الجيش» كحديث (٧) عمَّار بن ياسرٍ ﵁ عند أبي داود والنَّسائيِّ بإسنادٍ جيِّدٍ قال: «عرَّس رسول الله ﷺ بأولات (٨) بذات الجيش ومعه عائشة زوجه فانقطع عقدها … » الحديثَ، ولم يشكَّ بينه وبين البيداء (٩) (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي) بكسر العين وسكون (١٠) القاف، أي: قلادةٌ لي، كان ثمنها اثني عشر درهمًا، والإضافة في قولها: «لي» باعتبار حيازتها للعقد واستيلائها لمنفعته، لا أنَّه ملكٌ لها بدليل ما في الباب اللَّاحق [خ¦٣٣٦]: «أنَّها استعارت من أسماء قلادةً» (فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ) أي: لأجل طلب العقد (وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ
وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ) ولغير أبي ذَرٍّ: «وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ» فالجملة الأخيرة وهي: «وليس معهم ماءٌ» (١) ساقطةٌ عند أبي ذَرٍّ هنا فقط (فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) ﵁ (فَقَالُوا) له: (أَلَا تَرَى إلى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟) بإثبات ألف (٢) الاستفهام الدَّاخلة على «لا»، وعند الحَمُّويي: «لا ترى» بسقوطها (أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسِ) بالجرِّ (وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وأسند الفعل إليها لأنَّه كان بسببها (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي) بالذَّال المُعجَمة (قَدْ نَامَ فَقَالَ (٣): حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَ) حبست (النَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ) فقال: حبست النَّاس في قلادةٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ تكونين عناءً (وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي) بضمِّ العين، وقد تُفتَح، أوِ الفتح للقول كالطَّعن في النَّسب، والضَّمّ للرُّمح، وقِيلَ: كلاهما بالضَّمِّ، ولم تقل عائشة: فعاتبني أبي، بل أنزلته منزلة الأجنبيِّ لأنَّ منزلة الأبوَّة تقتضي الحنوَّ، وما وقع من العتاب بالقول والتَّأديب بالفعل مغايرٌ لذلك في الظَّاهر (فَلَا) وللأَصيليِّ: «فما» (يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ) دخل في الصَّباح، وعند المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ» [خ¦٣٦٧٢]: «فنام (٤) حتَّى أصبح» (عَلَى غَيْرِ مَاءٍ) متعلِّقٌ بـ «قام» و «أصبح»، تنازعا فيه، قال في «شرح التَّقريب»: ليس قوله: «حتَّى أصبح» لبيان غاية النَّوم إلى الصَّباح، بل لبيان فقد الماء إلى الصَّباح لأنَّه لم يطلق قوله: «حتَّى أصبح»، بل قيَّده بقوله: «حتَّى أصبح على غير ماءٍ»، أي: حتَّى آل أمره إلى أن أصبح على غير ماءٍ لأنَّ إثبات الفعل على وصفٍ أو حالٍ دون الإثبات المُطلَق (٥) (فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ) التي بـ «المائدة»، ووقع عند الحميديِّ في الحديث وفيه: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولم يقل: آية الوضوء، وإن كان مبدوءًا (١) به في الآية لأنَّ الطَّارئ في ذلك الوقت حكم التَّيمُّم، والوضوء كان مُقرَّرًا يدلُّ عليه: «وليس معهم ماءٌ» (فَتَيَمَّمُوا) بلفظ الماضي، أي: تيمَّم النَّاس لأجل الآية، أو هو أمرٌ على ما هو لفظ القرآن، ذكره بيانًا، أو بدلًا عن آية التَّيمُّم، أي: أنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ (فَقَالَ) وفي روايةٍ: «قال» (أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ) بضمِّ الهمزة في الأوَّل مُصغَّر أسدٍ، وبضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح الضَّاد المُعجَمة والرَّاء في الآخر، الأوسيُّ الأنصاريُّ الأشهليُّ، أحد النُّقباء ليلة العقبة الثَّانية، المُتوفَّى بالمدينة سنة عشرين: (مَا هِيَ) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التَّيمُّم (بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) بل هي مسبوقةٌ بغيرها من البركات، وفي رواية عمرو بن الحارث: «لقد بارك الله للنَّاس فيكم»، وفي «تفسير إسحاق البستيِّ (٢)» من طريق ابن أبي مليكة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أعظم بركة قلادتك!» (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَبَعَثْنَا) أي: أثرنا (البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ) راكبةً (عَلَيْهِ) حالة السَّير مع أسيد بن حُضَيْرٍ (فَأَصَبْنَا) ولابن عساكر: «فوجدنا» (العِقْدَ تَحْتَهُ) وللمؤلِّف من هذا الوجه في «فضل عائشة» [خ¦٣٧٧٣]: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها، أي: القلادة، وفي الباب التَّالي لهذا الباب [خ¦٣٣٦]: فبعث ﵊ رجلًا فوجدها، ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضيرٍ وناسًا معه، وجُمِعَ بينها بأنَّ أُسَيْدًا كان رأس من بُعِثَ لذلك، فلذلك سُمِّيَ في بعض الرِّوايات، وكأنَّهم لم يجدوا العقد أوَّلًا، فلمَّا رجعوا ونزلت آية التَّيمُّم وأرادوا الرَّحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن الحضير، وقال النَّوويُّ: يحتمل أن يكون فاعل «وجدها» النَّبيّ ﷺ.
واستُنبِط من الحديث: جواز تأديب الرَّجل ابنته ولو كانت مُزوَّجةً كبيرةً، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، ورواته الخمسة مدنيُّون إلَّا الأوَّل، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٦٤] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٠٧] و «المحاربين» [خ¦٦٨٤٤]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة».