«كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٤

الحديث رقم ٣٤٤ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنا في سفر مع النبي ﷺ، وإنا أسرينا حتى كنا…

«كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ، ثُمَّ فُلَانٌ، ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: لَا ضَيْرَ، أَوْ لَا يَضِيرُ، ارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟. قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ. ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ. فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا، قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا. وَدَعَا النَّبِيُّ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ، وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ. وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : اجْمَعُوا لَهَا. فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَُقَِيِّقَةٍ وَسَُوَِيِّقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا. فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ

⦗٧٧⦘

النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ».

سند حديث: ٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي…

٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنا في سفر مع النبي ﷺ، وإنا أسرينا حتى كنا…

في هذا الحديث الشريف جملة من الأحكام والمعجزات التي ظهرت للصحابة رضوان الله عليهم؛ ذلك لأنهم كانوا في سفر وغلبهم النعاس وخرج وقت صلاة الفجر فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أوضح لهم ما يجب عليهم فعله في مثل هذه الحال ألا وهو المبادرة لقضاء الصلاة.
والأمر الآخر أنه كان من بين الصحابة من أصابته جنابة ولم يكن معهم ماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمم فظهر أنه في حال فقد الماء أجزأ التيمم عن الغسل.
والأمر الثالث وهو إحدى معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس شكو إليه العطش وعدم الماء فأرسل من يبحث عن الماء فلم يجدوا ماء ووجدوا امرأة معها ماء في مزادتين لها فأخذوها للنبي صلى الله عليه وسلم فأخذ من مزادتيها ماءً ودعا الله تعالى حتى فاض الماء وجعل الصحابة يستقون ويسقون حتى من أصابته جنابة أخذ من الماء ما يغتسل به ثم أخذت المرأة مزادتيها وهي تقول وكأني بها أملأ من ذي قبل كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يجمع لها من الطعام مكافأة لها، مما كان سبباً بعد ذلك في إسلامها وإسلام قومها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب سلوك الأدب مع الأكابر كما في فعل عمر رضي الله تعالى عنه في إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم.
  • إظهار التأسف لفوات أمر من أمور الدين.
  • لا حرج على من تفوته صلاة بلا تقصير منه لقوله: لا ضير.
  • أن من أجنب ولم يجد ماء فإنه يتيم لقوله عليك بالصعيد.
  • أن العالم إذا رأى أمرا مجملا يسأل فاعله عنه ليوضحه فيوضح العالم له هو وجه الصواب.
  • استحباب الملاطفة والرفق في الإنكار.
  • الإنكار على ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين بغير عذر.
  • أن قضاء الفوائت واجب ولا يسقط بالتأخير ويأثم بتأخيره بغير عذر.
  • أن من حلت به فتنة في بلد فليخرج منه وليهرب من الفتنة بدينه كما فعل الشارع بارتحاله عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشيطان.
  • استحباب الأذان للفائتة.
  • جواز الجماعة في الصلاة الفائتة.
  • جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقن فيها نجاسة.
  • التحريض على صلاة الجماعة.
  • جواز الشكوى من الرعايا إلى الإمام عند حلول أمر شديد.
  • مشروعية قضاء الفائت الواجب وأنه لا يسقط بالتأخير.
  • فيه من دلائل النبوة حيث توضؤوا وشربوا وسقوا واغتسل الجند مما سقط من العزالي وبقيت المزادتان مملوءتان ببركته صلى الله عليه وسلم.
  • طهارة جلد الميتة بالدباغ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين، وذبائحهم ميتة.
  • جواز أخذ الإنسان من ماء غيره الذي حازه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لا سيما إذا كان الأخذ لا يضر صاحبه، فيجوز أن يأخذ ما يدفع عطشه ولو بالقوة؛ لأنه يدفع عن نفسه العطش، ولا يضر صاحبه.
  • أنَّ الماء الذي في جلد الميتة المدبوغ طهور؛ ذلك أنَّ ذبيحة المشرك ميتة محرَّمة نجسة، لكن طهَّر جلدها الدباغ الذي أذهب فضلاتها النجسة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كنا في سفر مع النبي ﷺ، وإنا أسرينا حتى كنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَاحِدِ النَّوَافِلُ مَعَ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الْفَرِيضَةِ. وَشَذَّ شُرَيْحٌ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِذَا صَحَّتِ النَّوَافِلُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَحَّتِ الْفَرَائِضُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَرَائِضِ مُشْتَرَطٌ لِلنَّوَافِلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. انْتَهَى.

وَقَدِ اعْتَرَفَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قَالَ: لَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ أَيْ مَا لَمْ تُحْدِثْ أَوْ تَجِدِ الْمَاءَ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ مِنْ أَجْلِهَا وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى وَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَالسَّبَخَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَاتٍ هِيَ الْأَرْضُ الْمَالِحَةُ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْبِتُ، وَإِذَا وَصَفْتَ الْأَرْضَ قُلْتَ هِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ، وَأَمَّا الصَّعِيدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ اشْتِرَاطُ التُّرَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُقَالُ مَسَحَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ مِنْهُ جُزْءًا، وَهَذِهِ صِفَةُ التُّرَابِ لَا صِفَةُ الصَّخْرِ مَثَلًا الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْهُ صِلَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَسُّفٌ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْتُ بِرَأْسِي مِنَ الدُّهْنِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ. قُلْتُ: هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ الْمِرَاءِ. انْتَهَى. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبِخَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ قَالَ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ قَالَ: وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبِخَةَ دَاخِلَةٌ فِي الطَّيِّبِ، وَلَمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.

٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ "لَا ضَيْرَ" أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا

عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقال النبي : "اجْمَعُوا لَهَا" فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَاسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ".

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: صَبَأَ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: "الصَّابِئِينَ- وفي نسخة الصابئون- فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ".

[الحديث ٣٤٤ - طرفاه في ٣٥٧١، ٣٤٨]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ ابْنُ مُسَرْهَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَعَوْفٌ بِالْفَاءِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ كُلُّهمْ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّفَرِ: فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْبَلَ النَّبِيُّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا فَنَزَلَ فَقَالَ مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا الْحَدِيثَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مُطَوَّلًا وَالْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاةِ قِصَّةَ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَيْضًا فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ غَزْوَةَ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ هِيَ غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهَا النَّبِيُّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ غَزْوَةً أُخْرَى غَيْرَ غَزْوَةِ

مُؤْتَةَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، أَعْنِي نَوْمَهُمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكُونَا مَعَ النَّبِيِّ لَمَّا نَامَ، وَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَأَيْضًا فَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ حَتَّى أَيْقَظَهُ عُمَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ، وَفِي الْقِصَّتَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُغَايَرَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي كُنْتُ شَاهِدًا الْقِصَّةَ. قَالَ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا. لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِمْرَانُ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِالْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ اخْتِلَافُ مَوَاطِنِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ اسْمَ طَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِتَعْيِينِ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ شَبِيهًا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ذِي مِخْبَرٍ أَيْضًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَسْرَيْنَا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ بِمَعْنَى إِذَا سِرْتُ لَيْلًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ السُّرَى سَيْرُ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَقِيلَ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ.

قَوْلُهُ: (وَقَعْنَا وَقْعَةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَهُوَ سُؤَالُ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا أُوقِظُهُمْ

قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) بِنَصْبِ أَوَّلَ ; لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَقَوْلُهُ الرَّابِعُ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَ عَوْفٌ أَنَّهُ نَسِيَ تَسْمِيَةَ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُسَمِّيهِمْ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدُهُ سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ فَسَمَّى أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ. وَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِمْرَانَ رَاوِيَ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ مَنْ شَارَكَ عِمْرَانَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ ذُو مِخْبَرٍ: فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجِئْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ، وَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ مِنَ الْوَحْيِ، كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ إِيقَاظِهِ قَطْعَ الْوَحْيِ فَلَا يُوقِظُونَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَمْرِ الْأَعَمِّ احْتِيَاطًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا) هُوَ مِنَ الْجَلَادَةِ بِمَعْنَى الصَّلَابَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ هُنَا أَجْوَفُ أَيْ رَفِيعُ الصَّوْتِ، يَخْرُجُ صَوْتُهُ مِنْ جَوْفِهِ بِقُوَّةٍ. وَفِي اسْتِعْمَالِهِ التَّكْبِيرَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَخَصَّ التَّكْبِيرَ ; لِأَنَّهُ أَصْلُ الدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي أَصَابَهُمْ) أَيْ مِنْ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا.

قَوْلُهُ: (لَا ضَيْرَ) أَيْ لَا ضَرَرَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَا يُضِيرُ شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَا يَسُوءُ

وَلَا يُضِيرُ وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِقُلُوبِ الصَّحَابَةِ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا بِأَنَّهُمْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (ارْتَحِلُوا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَغَافُلٍ أَوْ اسْتِهَانَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّبَبَ فِي الْأَمْرِ بِالِارْتِحَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، بَلْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى وَجَدُوا حَرَّ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ الصَّلَاةَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِهَا، وَقِيلَ تَحَرُّزًا مِنَ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ انْتِظَارًا لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ غَفْلَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ لِيَسْتَيْقِظَ مَنْ كَانَ نَائِمًا وَيَنْشَطَ مَنْ كَانَ كَسْلَانًا.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَدِيثَ مَدَنِيٌّ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ؟ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ النَّوْمِ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي قَالَ النَّوَوِيُّ: لَهُ جَوَابَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ: حَالٌ كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ لَا يَنَامُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَحَالٌ يَنَامُ فِيهِ قَلْبُهُ وَهُوَ نَادِرٌ، فَصَادَفَ هَذَا أَيْ قِصَّةَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ قَلْبُهُ إِذْ ذَاكَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ، كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ، وَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَيَانَ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ، فَفِي النَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَلَى أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ، مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَنَامُ قَلْبِي أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالَةُ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْرِقُ بِالنَّوْمِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْحَدَثُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ قَائِلَ هَذَا أَرَادَ تَخْصِيصَ يَقَظَةِ الْقَلْبِ بِإِدْرَاكِ حَالَةِ الِانْتِقَاضِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي خَرَجَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ وَهَذَا كَلَامٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْوِتْرِ فَتُحْمَلُ يَقَظَتُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْيَقَظَةِ لِلْوِتْرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِي النَّوْمِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالْيَقَظَةِ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ وَلَا إِشْكَالَ فِي حَدِيثِ النَّوْمِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطْمَأَنَّ فِي نَوْمِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ تَعَبُ السَّيْرِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ بِكِلَاءَةِ الْفَجْرِ. اهـ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمُحَصَّلُهُ تَخْصِيصُ الْيَقَظَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِإِدْرَاكِهِ وَقْتَ الْوِتْرِ إِدْرَاكًا مَعْنَوِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَأَنَّ نَوْمَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَ نَوْمًا مُسْتَغْرِقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بِلَالٍ لَهُ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَوْمَ بِلَالٍ كَانَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ السِّيَاقُ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ.

وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ

الضَّعِيفَةِ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ قَلْبُهُ يَقْظَانًا وَعَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَكِنْ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ النَّوْمِ عَنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ كَمَا يَطْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ حَقٌّ وَوَحْيٌ. فَهَذِهِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةِ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَيَخْرُجُ عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ فِي مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ فِي سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: (فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِارْتِحَالَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ.

قَوْلُهُ: (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّدَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْأَذَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِالتَّأْذِينِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ. وَتَرْجَمَ لَهُ خَاصَّةً بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو رِفَاعَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ رِوَايَةٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ . قُلْتُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِتَقَدُّمِ وَقْعَةَ بَدْرٍ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِلَا خِلَافٍ، فَكَيْفَ يَحْضُرُ هَذِهِ الْقِصَّةَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَهُ رِوَايَةٌ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مُنْقَطِعَةً، أَوْ مُتَّصِلَةً لَكِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَنَحْوُهُ.

وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ إِلَّا أَنْ تَجِيءَ رِوَايَةٌ عَنْ تَابِعِيٍّ غَيْرِ مُخَضْرَمٍ وَصَرَّحَ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا إِنْ وَرَدَتْ رِوَايَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا إِلَى الْآنَ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ مَعِي أَوْ مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ عُذْرِهِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَفِيهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ أَصْلًا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَسْأَلَ فَاعِلَهُ عَنِ الْحَالِ فِيهِ لِيُوَضِّحَ لَهُ وَجْهَ الصَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ تَرْكَ الشَّخْصِ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَعِيبٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفِيهِ حُسْنُ الْمُلَاطَفَةِ، وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْكَارِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) وَفِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي الْبَيَانِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِفْهَامِ ; لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الْآيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِهَا. وَدَلَّ قَوْلُهُ يَكْفِيكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمرَادُ بِقَوْلِهِ يَكْفِيكَ أَيْ لِلْأَدَاءِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا فُلَانًا) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ

زَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ عَجَّلَنِي النَّبِيُّ فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فَقَطْ ; لِأَنَّهُمَا خُوطِبَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ لَهُمَا فَيُتَّجَهُ إِطْلَاقُ لَفْظِ رَكْبٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَخُصَّا بِالْخِطَابِ ; لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ بِالْإِرْسَالِ.

قَوْلُهُ: (فَابْتَغِيَا) لِلْأَصِيلِيِّ فَابْغِيَا وَلِأَحْمَدَ فَأَبْغِيَانَا وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ يُقَالُ ابْتَغِ الشَّيْءَ أَيْ تَطَلَّبْهُ، وَابْغِ الشَّيْءَ أَيِ اطْلُبْهُ، وَأَبْغِنِي أَيِ اطْلُبْ لِي. وَفِيهِ الْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ دُونَ الْوُقُوفِ عِنْدَ خَرْقِهَا، وَأَنَّ التَّسَبُّبَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) الْمَزَادَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ كَبِيرَةٌ يُزَادُ فِيهَا جِلْدٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَأَوْ هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ لِخُلُوِّ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ - أَيْ مُدَلِّيَةٍ - رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرَّاوِيَةُ.

قَوْلُهُ: (أَمْسِ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَهَذِهِ السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: أَصْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ بَعْدَ حَذْفِ فِي.

قَوْلُهُ: (وَنَفَرْنَا) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ النَّفَرُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ النَّفَرُ النَّاسُ عَنْ كَرَاعٍ. قُلْتُ: وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا ; لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ رِجَالَهَا تَخَلَّفُوا لِطَلَبِ الْمَاءِ. وَخُلُوفٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ جَمْعُ خَالِفٍ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْخَالِفُ الْمُسْتَقِي، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ غَابَ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، أَيْ أَنَّ رِجَالَهَا غَابُوا عَنِ الْحَيِّ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا وَنَفَرْنَا خُلُوفٌ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً زَائِدَةً عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَنَفَرْنَا خُلُوفًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (الصَّابِي) بِلَا هَمْزٍ أَيِ الْمَائِلُ، وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ مِنْ صَبَأَ صُبُوءًا، أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَا لَهَا لَا لَفَاتَ الْمَقْصُودُ، أَوْ نَعَمْ لَمْ يَحْسُنْ بِهِمَا إِذْ فِيهِ تَقْرِيرٌ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَا أَحْسَنَ تَخَلُّصٍ. وَفِيهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ (١) عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّمَا أَخَذُوهَا وَاسْتَجَازُوا أَخْذَ مَائِهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً حَرْبِيَّةً، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَهْدٌ فَضَرُورَةُ الْعَطَشِ تُبِيحُ لِلْمُسْلِمِ الْمَاءَ الْمَمْلُوكَ لِغَيْرِهِ عَلَى عِوَضٍ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّارِعِ تُفْدَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَفَرَّغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَتَّضِحُ الْحِكْمَةُ فِي رَبْطِ الْأَفْوَاهِ بَعْدَ فَتْحِهَا، وَإِطْلَاقِ الْأَفْوَاهِ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مَزَادَةٍ سِوَى فَمٍ وَاحِدٍ، وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْبَرَكَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِمُشَارَكَةِ رِيقِهِ الطَّاهِرِ الْمُبَارَكِ لِلْمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَوْكَأَ) أَيْ رَبَطَ، وَقَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ) أَيْ فَتَحَ وَالْعَزَالِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا جَمْعُ عَزْلَاءَ بِإِسْكَانِ الزَّايِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ، وَلِكُلِّ مَزَادَةٍ عِزَالَانِ مِنْ أَسْفَلِهَا.

قَوْلُهُ: (أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مِنْ أَسْقَى، أَوْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ سَقَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ سَقَوْا غَيْرَهَمْ كَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا وَاسْتَقَوْا هُمْ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى) بِنَصْبِ آخِرَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْ أَعْطَى اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ أَعْطَى الْخَبَرُ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْرِفَةٌ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَصْلَحَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِتَأْخِيرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا عَمَّنْ سَقَى وَاسْتَقَى، وَلَا يُقَالُ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ غَيْرِ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ لَمْ تَكُنْ

مُحْتَاجَةً إِذْ ذَاكَ إِلَى السَّقْيِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فَسَقَى عَلَى غَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ أَصْلُهُ ايْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ وَلَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَفِيهَا لُغَاتٌ جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَبَلَغَ بِهَا غَيْرُهُ عِشْرِينَ، وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَةٌ لِبَيَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.

قَوْلُهُ: (أَشَدُّ مِلْأَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَمْلَأُ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لَهَا) فِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْمُحْتَاجِ بِرِضَا الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ تَعَيَّنَ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْهِبَاتِ وَالْإِبَاحَاتِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنَ الْمُعْطِي وَالْآخِذِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَسَوِيقَةٍ) الْعَجْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالسَّوِيقَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَذَا الدَّقِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ كَثِيرًا وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَجْوَةِ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهَا تَعَلَّمِينَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ اعْلَمِي، وَلِلْأَصِيلِيِّ قَالُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عَلَمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَا رَزِئْنَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ أَيْ نَقَصْنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَاءِ مِمَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْجَدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَائِهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُخْتَلِطًا، وَهَذَا أَبْدَعُ وَأَغْرَبُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا نَقَصْنَا مِنْ مِقْدَارِ مَائِكِ شَيْئًا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا النَّجَاسَةَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّكَرُّمِ وَالتَّفَضُّلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا) أَيْ أَشَارَتْ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ.

قَوْلُهُ: (يُغِيرُونَ) بِالضَّمِّ مِنْ أَغَارَ أَيْ دَفَعَ الْخَيْلَ فِي الْحَرْبِ.

قَوْلُهُ: (الصِّرْمَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْيَاتًا مُجْتَمِعَةً مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا) هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَا مَوْصُولَةٌ، وَأَرَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَكُمْ عَمْدًا لَا غَفْلَةً وَلَا نِسْيَانًا، بَلْ مُرَاعَاةً لِمَا سَبَقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ فِي مُرَاعَاةِ الصُّحْبَةِ الْيَسِيرَةِ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ سَبَبًا لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَدْرِي يَعْنِي رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ: وَمَا مَوْصُولَةٌ وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا نَافِيَةٌ وَأَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ. وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَإِنَّ بِالْكَسْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا أَعْلَمُ حَالَكُمْ فِي تَخَلُّفِكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا.

وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْكُفَّارِ بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ رِقَّ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ فِي الرِّقِّ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا فَكَيْفَ وَقَعَ إِطْلَاقُهَا وَتَزْوِيدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: أُطْلِقَتْ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ الَّذِي جَرَّ دُخُولَ قَوْمِهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ عَهْدٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيَحْتَاجُ

إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ احْتِمَالًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ بِثَمَنٍ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِعْطَائِهَا مَا ذَكَرَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَقَوَّمَةٌ، وَالْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَضَمَانُ الْمِثْلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ. وَيَنْعَكِسُ مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا يَجِبُ الْعِوَضُ عَنْهُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ جَوَازُ طَعَامِ الْمُخَارَجَةِ ; لِأَنَّهُمْ تَخَارَجُوا فِي عِوَضِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَبَأَ. . . إِلَخْ) هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: صَبَأَ فُلَانٌ: انْخَلَعَ. وَأَصْبَأَ، أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ. . . إِلَخْ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ عَمِّ نُوحٍ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أُصِبْ أَمَلْ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّابِئِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّابِئِ الْمَنْسُوبِ لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ

وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ. . . إِلَخْ) مُرَادُهُ إِلْحَاقُ خَوْفِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِخَوْفِ الْعَطَشِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، لَكِنْ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا وَهُوَ أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ فِي الْقِصَّةِ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَقُلْ تَيَمَّمَ، وَقَالَ فِيهِ لَوِ اغْتَسَلْتُ مِتُّ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ فِيهَا فَتَيَمَّمَ. انْتَهَى. وَرَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، وَالسِّيَاقُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَوْهَمَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَلَا الْآيَةَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلَاهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ، وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي.

وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعَنِّفْ) حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ لَمْ يَلُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَمْرًا، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ بِزِيَادَةِ هَاءِ الضَّمِيرِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي

الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ

كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله : «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع

حضور (١) الشَّيطان فيه كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالوَضُوءِ) بفتح الواو (٢) (فَتَوَضَّأَ) وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذِّن بها كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر (٣) «المواقيت» [خ¦٥٩٥] (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ) أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) أي: موجودٌ بالكليَّة، و «ماءَ» بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ، أي: معي، تعقَّبه العينيُّبأنَّ كلمة «لا» لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس» فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ» أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له (قَالَ) : (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وفي رواية سَلْم (٤) بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره (٥) أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ) (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: «ونسيه» (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من

الابتغاء، وللأَصيليِّ: «فابغيا» وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ، أي: فاطلبا (المَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح (١) أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو (٢) عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط «من ماءٍ» عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَالمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ (٣) فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأ و «بالماء» متعلِّقٌ به، و «أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس» بدلُ بعضٍ من كلٍّ، أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ، أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة» فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي» لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمسُ» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و «أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر، أي: عهدي متلبِّسٌ (٤) بالماء في أمس، ولم يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ «عهدي» -كما مرَّ- قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ «العهد» مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ. انتهى.

(وَنَفَرُنَا) أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب (٥)، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييعلى الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ، أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]

بالنَّصب (١)، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه؟! قال: والأوجه ما قاله الكِرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: «خُلُوفٌ» بالرَّفع خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟!) بالهمز، من صبأ؛ أي (٣): خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَىبتسهيله (٤) ياءً من: صبا يصبو إذا مال (٥)، أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ لكونه كان (٦) صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى (٧) رسول الله» ( وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما (وَدَعَا النَّبِيُّ ) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) ، من التَّفريغ (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفرغ» من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِالمَزَادَتَيْنِ) جمع في موضع التَّثنية على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]

(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ) أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المُهمَلة والزَّايِ وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتحالياء، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّايِ والمدِّ، أي: فم المزادتين (١) الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان (٢) من أسفلها (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ من «سقى» فتُكسَر، أو قطعٍ من «أسقى» فتُفتَح، أي: اسقوا غيركم (٣) كالدَّوابِّ (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سَقَى) ولابن عساكر: «فسقى من شاء» (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من (٤) سقى» لأنَّه (٥) لنفسه، و «سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و «استقى» (٦) قِيلَ: بمعنى سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته (٧) لماشيته (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: (أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ) (٨) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (قَالَ) أي: النَّبيُّ للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما

أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنَّها كانت كافرةً حربيَّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلَّا فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: قَسَمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة، أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً (١)) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ، أي: امتلاءً (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم (٢) آياته وباهر دلائل (٣) نبوَّته ، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا (٤) واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين (٥)، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها (٦) أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي روايةٍ: «ما بين» (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أوَّلهما، ولكريمة: «ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ» بضمِّهما (٧) مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و «الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال (٨) الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ) أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: «فجعلوها» أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله ، وللأَصيليِّ: «قالوا لها» أي: الصَّحابة بأمره (تَعْلَمِينَ)

بفتح التَّاء (١) وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في فرع «اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من «باب عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام (٢)، أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ، أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه (٣) من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمز، ولابن عساكر: «سقانا» (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» (مَا) وللأَصيليِّ: «فقالوا لها: ما» (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ) أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: «إلى (٤) هذا الرَّجل الذي» (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان (٥) المناسب التَّعبير بـ «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض (وَقَالَتْ) أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه (٦) يُشار بهما (٧) عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة لأنَّها (٨) يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي) أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقّ، فآمنت بعد ذلك (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: «بعد يُغيرون» بضمِّ الياء من «أغار»، ويجوز فتحها من «غار» وهو قليلٌ (٩) (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها

(فَقَالَتْ) أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي أعتقد (١) (أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال (٢)، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا (٣) ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: «ما أَرى هؤلاء» بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: «ما أُرى» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ «إن هؤلاءِ» بكسر الهمزة، كذا في الفرع، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ما أدري أنَّ» بالدَّال بعد الألف، و «أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر (٤)، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا (٥) مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ).

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٧١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في الفرع: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف في تفسير: (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، وقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) وقال البيضاويُّ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ المَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ العَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه أو رفيقه ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يتيمَّم» أي: مع وجود الماء.

(وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فتلا»: (﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «فَذَكَرَ ذلك» أي: عمرٌو للنَّبيِّ ( فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عَمْرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يعنِّفه» بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر، أي: لم يلُمْه رسول الله ، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرٍو ولم يذكر «التَّيمُّم» (١)، ولم يقل عمرٌو الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ كما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيَان صُورَة الضَّرْب للتعليم لَا لبَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ بَعضهم: ويعقب بِأَن سِيَاق الْكَلَام يدل على التَّصْرِيح أَن المُرَاد بَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم، لِأَن ذَلِك هُوَ الظَّاهِر من قَوْله: إِنَّمَا يَكْفِيك. انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ وَغَيره. إِن حَدِيث عمار لَا يصلح حجَّة فِي كَون التَّيَمُّم إِلَى الْكَفَّيْنِ أَو الكوعين أَو الْمرْفقين أَو الْمَنْكِبَيْنِ أَو الإبطين، كَمَا ذهبت إِلَى كل وَاحِد طَائِفَة من أهل الْعلم، وَذَلِكَ لاضطرابه كَمَا قد رَأَيْت، فَلذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد ضعف بعض أهل الْعلم حَدِيث عمار فِي التَّيَمُّم للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لما روى عَنهُ حَدِيث المناكب والأباط.

٦ - (بابٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ الْماءِ)

أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ الصَّعِيد الطّيب إِلَى آخِره، وَبَاب، بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (الصَّعِيد) مُبْتَدأ (وَالطّيب) صفته، وَقَوله: (وضوء الْمُسلم) خَبره. وَقد ذكرنَا عَن قريب معنى: الصَّعِيد الطّيب. قَوْله: (يَكْفِيهِ) أَي: يجْزِيه ويغنيه عَن المَاء عِنْد عَدمه حَقِيقَة أَو حكما، وَمثل هَذِه التَّرْجَمَة روى الْبَزَّار من طَرِيق هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب إرْسَاله، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي قلَابَة عَن عَمْرو بن بجدان عَن أبي ذَر: (اجْتمعت غنيمَة عِنْد رَسُول ا) الحَدِيث، وَفِيه، فَقَالَ: (الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر سِنِين) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَلَا يلْتَفت إِلَى تَضْعِيف ابْن الْقطَّان لهَذَا الحَدِيث بِعَمْرو بن بجدان لكَون حَاله لَا يعرف، وَيَكْفِي تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ إِيَّاه فِي معرفَة حَال عَمْرو بن بجدان، وبجدان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا دَال مُهْملَة وَفِي آخِره نون. قَوْله: (وَلَو إِلَى عشر سِنِين) المُرَاد بهَا الْكَثْرَة لَا الْعشْرَة، وَتَخْصِيص الْعشْرَة لأجل الْكَثْرَة لِأَنَّهَا مُنْتَهى عدد الْآحَاد. وَالْمعْنَى: أَن لَهُ أَن يفعل التَّيَمُّم مرّة بعد أُخْرَى، وَإِن بلغت مُدَّة عدم المَاء إِلَى عشر سِنِين، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَن التَّيَمُّم دفْعَة وَاحِدَة يَكْفِيهِ عشر سِنِين.

وقالَ الحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُمُ مَا لمْ يُحْدِثْ.

أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: يَكْفِيهِ التَّيَمُّم الْوَاحِد مَا لم يحدث، أَي: مُدَّة عدم الْحَدث. قَوْله: (يُجزئهُ) ، بِضَم الْيَاء وبالهمزة فِي آخِره من: الْإِجْزَاء، وَهُوَ لُغَة: الْكِفَايَة، وَاصْطِلَاحا: الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، ويروى: (يجْزِيه) ، بِفَتْح الْيَاء الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جزأت بالشَّيْء اكتفيت بِهِ، وجزى عني هَذَا، أَي: قضى فَهُوَ على التَّقْدِيرَيْنِ لَازم، فَلَعَلَّ التَّقْدِير:

يقْضِي عَن المَاء التَّيَمُّم، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، وَالْقَصْد أَن التَّيَمُّم حكمه حكم الْوضُوء فِي جَوَاز أَدَاء الْفَرَائِض المتعددة بِهِ والنوافل مَا لم يحدث بِأحد الحدثين، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ إِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَابْن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَاللَّيْث وَالْحسن بن حييّ وَدَاوُد بن عَليّ، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اتعالى عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يتَيَمَّم لكل صَلَاة فرض، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَشريك وَاللَّيْث وَأبي ثَوْر، وَذكره الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس من طرق ضَعِيفَة، وَمن حَدِيث قَتَادَة عَن عَمْرو بن الْعَاصِ والْحَارث عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَعند الْحَاكِم مصححاً من حَدِيث أبي ذَر، وَقد طول الْكرْمَانِي فِي الِاحْتِجَاج للشَّافِعِيّ وَمن تبعه فِي هَذَا من طَرِيق الْعقل وَالنَّقْل يُبطلهُ، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر عَن الْحسن مُعَلّقا، وَوَصله ابْن أبي شيبَة: حدّثنا هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن. قَالَ: (لَا ينْقض التَّيَمُّم إلَاّ الْحَدث) ، وَحَكَاهُ أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم وَعَطَاء، وَوَصله أَيْضا عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه: (يجزىء تيَمّم وَاحِد مَا لم يحدث) . وَوَصله أَبُو مَنْصُور أَيْضا، وَلَفظه: (التَّيَمُّم بِمَنْزِلَة الْوضُوء، إِذا تَوَضَّأت فَأَنت على وضوء حَتَّى تحدث) . وَقَالَ ابْن حزم: وروينا عَن حَمَّاد بن سَلمَة، يَعْنِي من (مُصَنفه) عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن، قَالَ: (يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا بِتَيَمُّم وَاحِد، مثل الْوضُوء، مَا لم بِحَدَث) .

وَأَمَّ ابنَ عَبَّاسٍ وهْوَ مُتَيَمِّمٌ.

٥٠

- ٥٠ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن بِي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح.

ثمَّ وَجه مُنَاسبَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّيَمُّم وضوء الْمُسلم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تجوز إِمَامَة الْمُتَيَمم للمتوضىء كإمامة المتوضىء، فَدلَّ ذَلِك على أَن التَّيَمُّم طَهَارَة مُطلقَة غير ضَرُورِيَّة، إِذْ لَو كَانَ ضَرُورِيًّا لَكَانَ ضَعِيفا، وَلَو كَانَ ضَعِيفا لما أم ابْن عَبَّاس وَهُوَ متيمم بِمن كَانَ متوضئاً، وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يجوز، وَبِه قَالَ الْحسن بن حييّ، وَكره مَالك وَعبد ابْن الْحسن ذَلِك، فَإِن فعل أَجزَأَهُ. وَقَالَ ربيعَة: لَا يؤم الْمُتَيَمم من جنابته إلَاّ من هُوَ مثله، وَبِه قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يؤمهم إلَاّ إِذا كَانَ أَمِيرا، كَذَا قَالَه ابْن حزم. وَقَالَ أَبُو طَالب: سَأَلت أَبَا عبد اعن الْجنب يؤم المتوضئين؟ قَالَ: نعم قد أمَّ ابْن عَبَّاس أَصْحَابه وَفِيهِمْ عمار بن يَاسر وَهُوَ جنب، فَتَيَمم، وَعَمْرو بن الْعَاصِ صلى بِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جنب، فَأخْبر النَّبِي فَتَبَسَّمَ. قلت: حسان بن عَطِيَّة سمع من عَمْرو بن الْعَاصِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِن يقوى بِحَدِيث ابْن عَبَّاس. فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين) ، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب مَوْقُوفا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين، وَلَا الْمُقَيد المطلقين) . قلت: هَذَانِ حديثان ضعيفان، ضعفهما الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حزم وَغَيرهمَا. فَإِن قلت: ذكر أَبُو حَفْص بن شاهين فِي كتاب النَّاسِخ والمنسوخ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب، عَن عمر بن الْخطاب، مَرْفُوعا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين) . قلت: لما ذكره ابْن شاهين ذكر بعده حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ، ثمَّ قَالَ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الحَدِيث نَاسِخا للْأولِ، وَهَذَا الحَدِيث أَجود إِسْنَادًا من حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَإِن صَحَّ فَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي فِي ذَلِك لضَرُورَة وَقعت مَعَ وجود المَاء. فَإِن قلت: يكون هَذَا رخصه لعَمْرو إِذْ لم يَنْهَهُ وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ. قلت: لَو كَانَ رخصَة لَهُ دون غَيره لم يقل لَهُ؛ أَحْسَنت وَضحك فِي وَجهه، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْمَسْأَلَة وَافق فِيهَا الْكُوفِيُّونَ وَالْجُمْهُور على خلاف ذَلِك. قلت: هَذَا عكس الْقَضِيَّة، بل الْجُمْهُور على الْمُوَافقَة، يقف عَلَيْهِ من يمعن النّظر فِي الْكتب. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاحْتج المُصَنّف لعدم الْوُجُوب بِعُمُوم قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: (فَإِنَّهُ يَكْفِيك) أَي: مَا لم تحدث أَو تَجِد المَاء، وَحمله الْجُمْهُور على أَعم من ذَلِك، أَي: لفريضة وَاحِدَة وَمَا شِئْت من النَّوَافِل. انْتهى. قلت: معنى قَوْله: (فَإِنَّهُ يَكْفِيك) أَي: فِي كل الصَّلَوَات فَرضهَا ونفلها، وَهَذَا هُوَ معنى الأعمية، وَلَيْسَ فِي قَوْله: لفريضة وَاحِدَة وَمَا شِئْت من النَّوَافِل معنى الأعمية، لِأَن معنى الأعمية فِي شَيْء أَن يكون شَامِلًا لجَمِيع أَفْرَاد ذَلِك الشَّيْء، وَلَيْسَ لقَوْله: لفريضة وَاحِدَة، إِفْرَاد. وَأما النَّفْل فَإِنَّهُ تبع للْفَرض، وَالتَّابِع لَيْسَ لَهُ حكم مُسْتَقْبل بل، حكمه حكم الْمَتْبُوع. فَافْهَم.

وقالَ يَحْيَى بنُ سعِيدٍ لَا بأسَ بالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيمُّمِ بِهَا.

يحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، ومطابقة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى الطّيب الطَّاهِر والسبخة طَاهِرَة، فَتدخل تَحت الطّيب. وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، فِي شَأْن الْهِجْرَة، أَنه قَالَ: (أَرَأَيْت دَار

هجرتكم سبخَة ذَات نخيل) يَعْنِي الْمَدِينَة، قَالَ: وَقد سمى النَّبِي الْمَدِينَة طيبَة فَدلَّ على أَن السبخة دَاخِلَة فِي الطّيب، وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إلَاّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَلم يجوز التَّيَمُّم بهَا، والسبخة بِفَتْح حروفها كلهَا، وَاحِدَة السباخ. فَإِذا قلت: أَرض سبخَة، كسرت الْبَاء. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ أَرض ذَات ملح ونزو، وَجَمعهَا: سباخ، وَقد سبخت سبخاً فَهِيَ سبخَة، وأسبخت. وَقَالَ غَيره: هِيَ أَرض تعلوها ملوحة لَا تكَاد تنْبت إِلَّا بعض الشّجر. وَفِي (الباهر) لِابْنِ عديس: سبخت، بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لعبد الْملك بن حبيب: السبخة: الأَرْض المالحة الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا، وَلَيْسَت الردغة وَلَا الرداغ كَمَا يَقُول من لَا يعرف.

١٠ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنِي يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا عَوْف قَالَ حَدثنَا أَبُو رَجَاء عَن عمرَان قَالَ كُنَّا فِي سفر مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِنَّا أسرينا حَتَّى كُنَّا فِي آخر اللَّيْل وقعنا وقْعَة وَلَا وقْعَة أحلى عِنْد الْمُسَافِر مِنْهَا فَمَا أيقظنا إِلَّا حر الشَّمْس وَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ فلَان ثمَّ فلَان ثمَّ فلَان يسميهم أَبُو رَجَاء فنسي عَوْف ثمَّ عمر بن الْخطاب الرَّابِع وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نَام لم نوقظه حَتَّى يكون هُوَ يَسْتَيْقِظ لأَنا لَا نَدْرِي مَا يحدث لَهُ فِي نَومه فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عمر وَرَأى مَا أصَاب النَّاس وَكَانَ رجلا جليدا فَكبر وَرفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يكبر وَيرْفَع صَوته بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لصوته النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شكوا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُم قَالَ لَا ضير أَو لَا يضير ارتحلوا فارتحلوا فَسَار غير بعيد ثمَّ نزل فَدَعَا بِالْوضُوءِ فَتَوَضَّأ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فصلى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ من صلَاته إِذا هُوَ بِرَجُل معتزل لم يصل مَعَ الْقَوْم قَالَ مَا مَنعك يَا فلَان أَن تصلي مَعَ الْقَوْم قَالَ أصابتني جَنَابَة وَلَا مَاء قَالَ عَلَيْك بالصعيد فَإِنَّهُ يَكْفِيك ثمَّ سَار النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاشتكى إِلَيْهِ النَّاس من الْعَطش فَنزل فَدَعَا فلَانا كَانَ يُسَمِّيه أَبُو رَجَاء نَسيَه عَوْف ودعا عليا فَقَالَ اذْهَبَا فابتغيا المَاء فَانْطَلقَا فتلقيا امْرَأَة بَين مزادتين أَو سطيحتين من مَاء على بعير لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْن المَاء قَالَت عهدي بِالْمَاءِ أمس هَذِه السَّاعَة ونفرنا خلوفا قَالَا لَهَا انطلقي إِذا قَالَت إِلَى أَيْن قَالَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء قَالَا هُوَ الَّذِي تعنين فانطلقي فجاآ بهَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وحدثاه الحَدِيث قَالَ فاستنزلوها عَن بَعِيرهَا ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِنَاء ففرغ فِيهِ من أَفْوَاه المزادتين أَو السطيحتين وأوكأ أفواههما وَأطلق العزالي وَنُودِيَ فِي النَّاس اسقوا واستقوا فسقى من شَاءَ واستقى من شَاءَ وَكَانَ آخر ذَاك أَن أعْطى الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة إِنَاء من مَاء قَالَ اذْهَبْ فأفرغه عَلَيْك وَهِي قَائِمَة تنظر إِلَى مَا يفعل بِمَائِهَا وَايْم الله لقد أقلع عَنْهَا وَإنَّهُ ليُخَيل إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشد ملأة مِنْهَا حِين ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْمَعُوا لَهَا فَجمعُوا لَهَا من بَين عَجْوَة ودقيقة وسويقة حَتَّى جمعُوا لَهَا طَعَاما فجعلوها فِي ثوب وَحملُوهَا على بَعِيرهَا وَوَضَعُوا الثَّوْب بَين يَديهَا قَالَ لَهَا تعلمين مَا رزئنا من مائك شَيْئا وَلَكِن الله هُوَ الَّذِي أسقانا فَأَتَت أَهلهَا وَقد احْتبست عَنْهُم قَالُوا مَا حَبسك يَا فُلَانَة قَالَت الْعجب لَقِيَنِي رجلَانِ فذهبا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء فَفعل كَذَا وَكَذَا فوَاللَّه إِنَّه لأسحر النَّاس من بَين هَذِه وَهَذِه

وَقَالَت باصبعيها الْوُسْطَى والسبابة فرفعتهما إِلَى السَّمَاء تَعْنِي السَّمَاء وَالْأَرْض أَو إِنَّه لرَسُول الله حَقًا فَكَانَ الْمُسلمُونَ بعد ذَلِك يغيرون على من حولهَا من الْمُشْركين وَلَا يصيبون الصرم الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَت يَوْمًا لقومها مَا أرِي أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم يدعونكم عمدا فَهَل لكم فِي الْإِسْلَام فأطاعوها فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَام) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " عَلَيْك بالصعيد فَإِنَّهُ يَكْفِيك ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُسَدّد بن مسرهد تقدم الثَّانِي يحيى بن سعيد الْقطَّان قَالَ بنْدَار مَا أَظن أَنه عصى الله تَعَالَى قطّ قد تقدم الثَّالِث عَوْف الْأَعرَابِي يُقَال لَهُ عَوْف الصدوق تقدم فِي بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان الرَّابِع أَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد العطاردي اسْمه عمرَان بن ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة قَالَ البُخَارِيّ الْأَصَح أَنه ابْن تيم أدْرك زمَان الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يره وَأسلم بعد الْفَتْح وأتى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ سنة مَاتَ فِي سنة بضع وَمِائَة. الْخَامِس عمرَان بن حُصَيْن بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمُهْملَة أَيْضا أسلم عَام خَيْبَر وَرُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مائَة حَدِيث وَثَمَانُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ مِنْهَا اثنى عشر بَعثه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى الْبَصْرَة ليفقههم وَكَانَت الْمَلَائِكَة تسلم عَلَيْهِ وَكَانَ قَاضِيا بِالْبَصْرَةِ وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل وَفِيه حَدثنَا يحيى وَفِي بعض النّسخ حَدثنِي يحيى وَفِيه مُسَدّد بن مسرهد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره مُسَدّد بِذكرِهِ وَحده وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أبي الْوَلِيد عَن سلم بن زرير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ وَعَن اسحق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث الْحسن عَن عمرَان " نمنا عَن صَلَاة الْفجْر حَتَّى طلعت الشَّمْس فَأمر الْمُؤَذّن فَأذن ثمَّ صلى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ أَقَامَ الْمُؤَذّن فصلى الْفجْر " وَقَالَ صَحِيح على مَا قدمنَا ذكره فِي صِحَة سَماع الْحسن عَن عمرَان وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن عَنهُ " فصلى رَكْعَتي الْفجْر حَتَّى إِذا أمكننا الصَّلَاة صلينَا " وَعند أَحْمد " فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل عرس فَلم نستيقظ حَتَّى أيقظنا حر الشَّمْس فَجعل الرجل يقوم دهشا إِلَى طهوره قَالَ فَأَمرهمْ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يسكنوا ثمَّ ارتحلوا فسرنا حَتَّى إِذا ارْتَفَعت الشَّمْس تَوَضَّأ ثمَّ أَمر بِلَالًا فَأذن ثمَّ صلى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ أَقَامَ فصلينا فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَلا نعيدها فِي وَقتهَا من الْغَد قَالَ أينهاكم ربكُم تبَارك وَتَعَالَى عَن الرِّبَا ويقبله مِنْكُم " وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّمَا التَّفْرِيط فِي الْيَقَظَة " وَعند ابْن حزم من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم حَدثنَا أَبُو رَجَاء " ثمَّ إِن الْجنب وجد المَاء بعد فَأمره أَن يغْتَسل وَلَا يُعِيد الصَّلَاة " وَعند مُسلم من حَدِيث ابْن شهَاب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِين قفل من غَزْوَة خَيْبَر سَار لَيْلَة حَتَّى إِذا أدْركهُ الْكرَى عرس قَالَ لِبلَال اكلأ لنا اللَّيْل فَلَمَّا تقَارب الْفجْر اسْتندَ بِلَال إِلَى رَاحِلَته فغلبته عَيناهُ فَلم يَسْتَيْقِظ وَلَا أحد من أَصْحَابه حَتَّى ضربتهم الشَّمْس فَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَوَّلهمْ استيقاظا فَقَالَ أَي بِلَال فَقَالَ بِلَال أَخذ بنفسي الَّذِي أَخذ بِنَفْسِك " وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أبي قَتَادَة " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَبْعَة رَهْط فَمَال عَن الطَّرِيق فَوضع رَأسه ثمَّ قَالَ احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالشَّمْس فِي ظَهره وقمنا فزعين " فَذكر حَدِيث الميضأة مطولا " وَإِن النَّاس فقدوا نَبِيّهم فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَعدكُم لم يكن ليخلفكم وَقَالَ النَّاس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَين أَيْدِيكُم " وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث خَالِد بن سمير عَن عبد الله بن رَبَاح حَدثنَا أَبُو قَتَادَة قَالَ " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيش الْأُمَرَاء " فَذكره قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر وَقَول خَالِد جَيش الْأُمَرَاء وهم عِنْد الْجَمِيع لِأَن جَيش الْأُمَرَاء كَانَ فِي موتَة وَهِي سَرِيَّة لم يشهدها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ابْن حزم وَقد خَالف خَالِدا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَعند أبي دَاوُد بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث جَامع بن شَدَّاد سَمِعت عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ " أقبل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة لَيْلًا فنزلنا دهاشا من الأَرْض فَقَالَ من يكلأنا فَقَالَ بِلَال أَنا قَالَ إِذا تنام قَالَ لَا فَنَامَ بِلَال حَتَّى طلعت الشَّمْس فَاسْتَيْقَظَ فلَان وَفُلَان فيهم عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ اهضبوا " أَي

تكلمُوا " وأمضوا فَاسْتَيْقَظَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الحَدِيث وَذكر أَبُو مُسلم الْكَجِّي فِي كتاب السّنَن عَن عَمْرو بن مَرْزُوق أخبرنَا المَسْعُودِيّ عَن جَامع بِلَفْظ " قَالَ عبد الله لما رَجَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة قَالَ من يحرسنا قَالَ عبد الله فَقلت أَنا قَالَ إِنَّك تنام مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ أَنْت فحرست حَتَّى كَانَ فِي وَجه الصُّبْح أدركني مَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَنمت " الحَدِيث وَعند الطَّبَرَانِيّ وَأبي دَاوُد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَرِيَّة فَتقدم النَّاس فَقَالَ هَل لكم أَن نهجع هجعة فَمن يكلؤ لنا اللَّيْلَة قَالَ ذُو مخبر أَنا فَأعْطَاهُ خطام نَاقَته وَقَالَ لَا تكن لكع قَالَ ذُو مخبر فَانْطَلَقت غير بعيد فأرسلتها مَعَ نَاقَتي ترعيان فغلبني عَيْني فَمَا أيقظني إِلَّا حر الشَّمْس على وَجْهي فَجئْت أدني الْقَوْم فأيقظته وَأَيْقَظَ النَّاس بَعضهم بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَفِي الْمُوَطَّأ عَن زيد بن أسلم قَالَ " عرس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْلَة بطرِيق مَكَّة شرفها الله ووكل بِلَالًا أَن يوقظهم للصَّلَاة " الحَدِيث وَفِي كتاب عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي سعد بن إِبْرَاهِيم عَن عَطاء بن يسَار أَن التعرس فِي غَزْوَة تَبُوك وَكَذَا ذكره عقبَة بن عَامر قَالَ " خرجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة تَبُوك فاسترقد لما كَانَ مِنْهَا على لَيْلَة فَاسْتَيْقَظَ حِين كَانَت الشَّمْس قيد رمح فَقَالَ ألم أقل لَك يَا بِلَال " وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّلَائِل من حَدِيث عبد الله بن مُصعب بن مَنْظُور عَن أَبِيه عَنهُ (ذكر مَعَانِيه ولغاته) قَوْله " كُنَّا فِي سفر مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اخْتلفُوا فِي تعْيين هَذَا السّفر فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه وَقع عِنْد رجوعهم من خَيْبَر وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " أقبل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة لَيْلًا فَنزل فَقَالَ من يكلؤنا فَقَالَ بِلَال أَنا " وَفِي حَدِيث زيد بن أسلم مُرْسلا أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ " عرس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْلًا بطرِيق مَكَّة ووكل بِلَالًا " وَفِي حَدِيث عَطاء بن يسَار مُرْسلا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَن ذَلِك كَانَ بطرِيق تَبُوك وَكَذَا فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة جَيش الْأُمَرَاء وَقد ذكرنَا هَذِه كلهَا عَن قريب قَوْله " إِنَّا أسرينا " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا سرينا يَعْنِي بِدُونِ الْهمزَة (قلت) يُقَال سرى وَأسرى لُغَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي سريت وأسريت بِمَعْنى إِذا سرت لَيْلًا وَفِي الْمُحكم السرى سير عَامَّة اللَّيْل وَقيل سير اللَّيْل كُله والْحَدِيث يُخَالف هَذَا القَوْل والسرى يذكر وَيُؤَنث وَلم يعرف اللحياني إِلَّا التَّأْنِيث وَقد سرى سرى وسرية وسرية فَهُوَ سَار وَذكر ابْن سَيّده وَقد سرى بِهِ وَأسرى بِهِ وأسراه وَفِي الْجَامِع سرى يسري سريا إِذا سَار لَيْلًا وكل سَائِر لَيْلًا فَهُوَ سَار قَوْله " وقعنا وقْعَة " أَي نمنا نومَة كَأَنَّهُمْ سقطوا عَن الْحَرَكَة قَوْله " وَلَا وقْعَة " كلمة لَا لنفي الْجِنْس ووقعة اسْمه وَقَوله " أحلى " صفة للوقعة وَخبر لَا مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون أحلى خَبرا قَوْله " مِنْهَا " أَي من الْوَقْعَة فِي آخر اللَّيْل وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(وَأحلى الْكرَى عِنْد الصَّباح يطيب ... )

قَوْله " وَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ فلَان " اعْلَم أَن كَانَ هَهُنَا يجوز أَن تكون تَامَّة وَأَن تكون نَاقِصَة فَإِن كَانَت نَاقِصَة فَقَوله أول بِالنّصب مقدما خَبَرهَا وَاسْمهَا هُوَ قَوْله فلَان وَإِن كَانَت تَامَّة بِمَعْنى وجد فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر فَقَوله أول يكون اسْمه وَيكون قَوْله فلَان بَدَلا مِنْهُ قَوْله " يسميهم أَبُو رَجَاء " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول أَي يُسمى المستيقظين وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن قَوْله " اسْتَيْقَظَ " يدل عَلَيْهِ (فَإِن قلت) مَا موقع هَذِه الْجُمْلَة من الْإِعْرَاب (قلت) الْأَقْرَب أَن تكون حَالا وَهَذِه الْجُمْلَة وَالَّتِي بعْدهَا وَهِي قَوْله " فنسي عَوْف " لَيْسَ من كَلَام عمرَان بن حُصَيْن وَإِنَّمَا هِيَ من كَلَام الرَّاوِي وعَوْف هُوَ عَوْف الْأَعرَابِي الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد وَقَوله " الرَّابِع " مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعمر مَرْفُوع لِأَنَّهُ مَعْطُوف على مَرْفُوع وَهُوَ قَوْله ثمَّ فلَان وَقَالَ بَعضهم وَيجوز نَصبه على خبر كَانَ (قلت) لم يبين هَذَا الْقَائِل أَي كَانَ هَذَا وَالْأَقْرَب أَن يكون مُقَدرا تَقْدِيره ثمَّ كَانَ عمر بن الْخطاب الرَّابِع يَعْنِي من المستيقظين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا هُوَ الرَّابِع وَقد سمى البُخَارِيّ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أول من اسْتَيْقَظَ وَلَفظه " فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " فعلى هَذَا فَأَبُو بكر هُوَ أحد المستيقظين من الْأَرْبَعَة أَولا وَالرَّابِع هُوَ عمر بن الْخطاب وَبَقِي اثْنَان من الَّذين عدهم أَبُو رَجَاء ونسيهم عَوْف الْأَعرَابِي وَبَعْضهمْ عين الثَّانِي وَالثَّالِث بِالِاحْتِمَالِ فَقَالَ يشبه أَن يكون الثَّانِي عمرَان رَاوِي الْقِصَّة وَالثَّالِث من شَارك عمرَان فِي رِوَايَة هَذِه الْقِصَّة وَهُوَ ذُو مخبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث عمر بن أُميَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ " فَمَا أيقظني إِلَّا حر الشَّمْس " وَهَذَا تصرف بالحدس والتخمين

قَوْله " وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نَام لم نوقظه " بنُون الْمُتَكَلّم وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض النّسخ لم يوقظ على صِيغَة الْمَجْهُول الْمُفْرد (فَإِن قلت) هَذَا النّوم فِي هَذِه الْقِصَّة هَل كَانَ مثل نوم غَيره أم لَا (قلت) قد يكون نَومه كنوم الْبشر فِي بعض الْأَوْقَات وَلَكِن لَا يجوز عَلَيْهِ الإضغاث لِأَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَحي (فَإِن قلت) مَا تَقول فِي نَومه يَوْم الْوَادي وَقد قَالَ " إِن عَيْني تنامان وَلَا ينَام قلبِي " قلت نعم هَذَا حكم قلبه عِنْد نَومه وَعَيْنَيْهِ فِي غَالب الْأَوْقَات وَقد ينْدر مِنْهُ غير ذَلِك كَمَا ينْدر من غَيره بِخِلَاف عَادَته وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا فِي الحَدِيث نَفسه " إِن الله قبض أَرْوَاحنَا " وَفِي الحَدِيث الآخر " لَو شَاءَ الله لأيقظنا " وَلَكِن أَرَادَ أَن يكون لمن بعدكم وَيكون هَذَا مِنْهُ لأمر يُريدهُ الله تَعَالَى من إِثْبَات حكم وَإِظْهَار شرع وَجَوَاب آخر أَن قلبه لَا يستغرقه النّوم حَتَّى يكون مِنْهُ الْحَدث فِيهِ لما رُوِيَ أَنه كَانَ محروسا وَأَنه كَانَ ينَام حَتَّى ينْفخ وَحَتَّى يسمع غَطِيطه ثمَّ يُصَلِّي وَلَا يتَوَضَّأ (فَإِن قلت) فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي وضوءه عِنْد قِيَامه من النّوم (قلت) النّوم فِيهِ نَومه مَعَ أَهله فَلَا يُمكن الِاحْتِجَاج بِهِ على وضوئِهِ بِمُجَرَّد النّوم إِذا صلى ذَلِك لملامسته الْأَهْل أَو حدث آخر أَلا ترى فِي آخر الحَدِيث " نَام حَتَّى سَمِعت غَطِيطه ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فصلى وَلم يتَوَضَّأ " وَقيل لَا ينَام قلبه من أجل الْوَحْي وَأَنه يُوحى إِلَيْهِ فِي النّوم وَلَيْسَ فِي قصَّة الْوَادي إِلَّا نوم عَيْنَيْهِ عَن رُؤْيَة الشَّمْس وَلَيْسَ هَذَا من فعل الْقلب وَقد قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِن الله قبض أَرْوَاحنَا وَلَو شَاءَ لردها إِلَيْنَا " فِي حِين غير هَذَا (فَإِن قلت) فلولا عَادَته من استغراق النّوم لما قَالَ لِبلَال اكلأ لنا الصُّبْح (قلت) كَانَ من شَأْنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - التغليس بالصبح ومراعاة أول الْفجْر وَلَا يَصح هَذَا مِمَّن نَامَتْ عينه إِذا هُوَ ظَاهر يدْرك بالجوارح الظَّاهِرَة فَوكل بِلَال بمراعاة أَوله ليعلمه بذلك كَمَا لَو شغل بشغل غير النّوم عَن مراعاته (فَإِن قلت) هَل كَانَ نومهم عَن صَلَاة الصُّبْح مرّة أَو أَكثر (قلت) قد جزم الْأصيلِيّ بِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة ورد عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض بِأَن قصَّة أبي قَتَادَة مُغَايرَة لقصة عمرَان بن حُصَيْن لِأَن فِي قصى أبي قَتَادَة لم يكن أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما نَام وَفِي قصَّة عمرَان أَن أول من اسْتَيْقَظَ أَبُو بكر وَلم يَسْتَيْقِظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى أيقظه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمن الَّذِي يدل على تعدد الْقِصَّة اخْتِلَاف مواطنها كَمَا ذَكرنَاهَا وَلَقَد تكلّف أَبُو عمر فِي الْجمع بَينهمَا بقوله أَن زمَان رجوعهم كَانَ قَرِيبا من زمَان رجوعهم من الْحُدَيْبِيَة وَأَن طَرِيق مَكَّة يصدق عَلَيْهِمَا وَفِيه تعسف على أَن رِوَايَة عبد الرَّزَّاق بِتَعْيِين غَزْوَة تَبُوك يرد عَلَيْهِ ثمَّ أَن أَبَا عمر زعم أَن نوم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ مرّة وَاحِدَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ثَلَاث مَرَّات إِحْدَاهَا رِوَايَة أبي قَتَادَة وَلم يحضرها أَبُو بكر وَعمر الثَّانِيَة حَدِيث عمرَان وحضراها وَالثَّالِثَة حضرها أَبُو بكر وبلال وَقَالَ عِيَاض حَدِيث أبي قَتَادَة غير حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ حَدِيث عمرَان وَمن الدَّلِيل على أَن ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ أَنه قد روى أَن ذَلِك كَانَ زمن الْحُدَيْبِيَة وَفِي رِوَايَة بطرِيق مَكَّة وَالْحُدَيْبِيَة كَانَت فِي السّنة السَّادِسَة وَإِسْلَام عمرَان وَأبي هُرَيْرَة الرَّاوِي حَدِيث قفوله من خَيْبَر كَانَ فِي السّنة السَّابِعَة بعد الْحُدَيْبِيَة وهما كَانَا حاضرين الْوَاقِعَة (قلت) فِيهِ نظر لِأَن إِسْلَام عمرَان كَانَ بِمَكَّة ذكره أَبُو مَنْصُور الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة وَقَالَ ابْن سعد وَأَبُو أَحْمد العسكري وَالطَّبَرَانِيّ فِي آخَرين كَانَ إِسْلَامه قَدِيما قَوْله " مَا يحدث لَهُ " بِضَم الدَّال من الْحُدُوث أَي مَا يحدث لَهُ من الْوَحْي وَكَانُوا يخَافُونَ انْقِطَاعه بالإيقاظ قَوْله " مَا أصَاب النَّاس " أَي من فَوَات صَلَاة الصُّبْح وكونهم على غير مَاء قَوْله " فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عمر " جَوَاب لما مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ كبر وَقَوله " فَكبر " يدل عَلَيْهِ قَوْله " جليدا " بِفَتْح الْجِيم من جلد الرجل بِالضَّمِّ فَهُوَ جلد وجليد أَي بَين الجلادة بِمَعْنى الْقُوَّة والصلابة وَزَاد مُسلم هُنَا " أجوف " أَي رفيع الصَّوْت يخرج صَوته من جَوْفه قَوْله " فَكبر " أَي عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِنَّمَا رفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ لمعنيين أَحدهمَا أَن اسْتِعْمَال التَّكْبِير لسلوك طَرِيق الْأَدَب وَالْجمع بَين المصلحتين وَالْآخر اخْتِصَاص لفظ التَّكْبِير لِأَنَّهُ أصل الدُّعَاء إِلَى الصَّلَاة قَوْله " حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فالنبي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل اسْتَيْقَظَ وَهُوَ لَازم بِمَعْنى تيقظ قَوْله " لصوته " أَي لأجل صَوته ويروى " بِصَوْتِهِ " أَي بِسَبَب صَوته قَوْله " قَالَ لَا ضير " ويروى " فَقَالَ لَا ضير " أَي لَا ضَرَر من ضارة يضوره ويضيره ضورا وضيرا أَي ضره قَالَ الْكسَائي سَمِعت بَعضهم يَقُول لَا ينعني ذَلِك وَلَا يضورني قَوْله " أَو لَا يضير " شكّ من عَوْف الْأَعرَابِي وَقد صرح بذلك الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَته وَلأبي نعيم فِي مستخرجه لَا يسوء وَلَا يضير وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لتأنيس قُلُوبهم لما عرض لَهُم من الأسف على فَوَات الصَّلَاة من وَقتهَا لأَنهم لم يتعمدوا ذَلِك قَوْله " ارتحلوا " بِصِيغَة الْأَمر

للْجَمَاعَة المخاطبين من الصَّحَابَة قَوْله " فارتحلوا " بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي أَي ارتحلوا عقيب أَمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك ويروى " فارتحل " أَي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) مَا كَانَ السَّبَب فِي أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالارتحال من ذَلِك الْمَكَان (قلت) بَين ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة " فَإِن هَذَا منزل حضر فِيهِ الشَّيْطَان " وَقيل كَانَ ذَلِك لأجل الْغَفْلَة وَقيل لكَون ذَلِك وَقت الْكَرَاهَة وَفِيه نظر لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب " لم يستيقظوا حَتَّى وجدوا حر الشَّمْس " وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد أَن يذهب وَقت الْكَرَاهَة وَقيل الْأَمر بذلك مَنْسُوخ بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " وَفِيه نظر لِأَن الْآيَة مَكِّيَّة والقصة بعد الْهِجْرَة قَوْله " فَسَار غير بعيد " يدل على أَن الارتحال الْمَذْكُور وَقع على خلاف سيرهم الْمُعْتَاد قَوْله " فَدَعَا بِالْوضُوءِ " بِفَتْح الْوَاو وَقَوله " وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ " المُرَاد من النداء هُوَ التأذين لِأَنَّهُ صرح فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي قَتَادَة التَّصْرِيح بِالتَّأْذِينِ قَوْله " إِذا هُوَ بِرَجُل " لم يعلم اسْمه وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح هُوَ خَلاد بن رَافع بن مَالك الْأنْصَارِيّ أَخُو رِفَاعَة وَفِيه نظر لِأَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ هُوَ شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم إِذْ فوقعة الْبَدْر مُقَدّمَة على هَذِه الْقِصَّة فاستحال أَن يكون هُوَ إِيَّاه وَقيل لَهُ رِوَايَة فَإِذا صَحَّ هَذَا يكون قد عَاشَ بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) لَا يلْزم من رِوَايَته عيشه بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لاحْتِمَال انقطاعها أَو نقلهَا صَحَابِيّ آخر قَوْله " معتزل " أَي مُنْفَرد عَن النَّاس قَوْله " وَلَا مَاء " قَالَ بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة أَي معي (قلت) تَفْسِيره تَفْسِير من لم يمس شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة لِأَن كلمة لَا على قَوْله لنفي جنس المَاء فَأَي شَيْء يقدر خَبَرهَا بقوله معي وَعدم المَاء عِنْده لَا يسْتَلْزم عَدمه عِنْد غَيره فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيم نفي جنس المَاء وَيجوز أَن تكون لَا هَهُنَا بِمَعْنى لَيْسَ فيرتفع المَاء حِينَئِذٍ وَيكون الْمَعْنى لَيْسَ مَاء عِنْدِي قَوْله " عَلَيْك بالصعيد " كلمة عَلَيْك من أَسمَاء الْأَفْعَال وَمَعْنَاهُ الزم وَالْألف وَاللَّام فِي الصَّعِيد للْعهد الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَفِي رِوَايَة سلم بن زرير " فَأمره أَن يتَيَمَّم بالصعيد ": (قلت) سلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام وزرير بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وبراءين مهملتين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف أَولهمَا مَقْصُورَة قَوْله " يَكْفِيك " أَي لإباحة الصَّلَاة وَالْمعْنَى يَكْفِيك للصَّلَاة مَا لم تحدث قَوْله " فاشتكى النَّاس إِلَيْهِ " أَي إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ويروى " فاشتكوا النَّاس " من قبيل أكلوني البراغيث قَوْله " فَدَعَا فلَان " هُوَ عمرَان بن الْحصين رَاوِي الحَدِيث وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي رِوَايَة ابْن زرير " ثمَّ عجلني النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ركب بَين يَدَيْهِ فَطلب المَاء " وَهَذِه الرِّوَايَة تدل على أَنه كَانَ هُوَ وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَط لِأَنَّهُمَا خوطبا بِلَفْظ التَّثْنِيَة وَهُوَ قَوْله " اذْهَبَا فابتغيا المَاء " (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة ابْن زرير فِي ركب فَهَذَا يدل على الْجَمَاعَة (قلت) يحْتَمل أَن يكون مَعَهُمَا غَيرهمَا ولكنهما خصا بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمَا تعينا مقصودين بِالْإِرْسَال قَوْله " فابتغيا " من الابتغاء وَهُوَ الطّلب يُقَال بغيت الشَّيْء وابتغيته وتبغيته إِذا طلبته وابتغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فابغيا " وَلأَحْمَد " فابغيانا " قَوْله " فتلقيا " ويروى " فلقيا " قَوْله " بَين مزادتين " المزادة بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الزَّاي الراوية وَيجمع على مزاد ومزائد وَسميت مزادة لِأَنَّهَا يُزَاد فِيهَا جلد آخر من غَيرهَا وَلِهَذَا قيل أَنَّهَا أكبر من الْقرْبَة وَتسَمى أَيْضا السطيحة بِفَتْح السِّين وَكسر الطَّاء وَقَالَ ابْن سَيّده السطيحة المزادة الَّتِي بَين الأديمين قوبل أَحدهمَا بِالْآخرِ وَفِي الْجَامِع هِيَ إداوة تتَّخذ من جلدين وَهِي أكبر من الْقرْبَة قَوْله " أَو سطيحتين " شكّ من الرَّاوِي وَقَالَ بَعضهم شكّ من عَوْف (قلت) تَعْيِينه بِهِ من أَيْن وَفِي رِوَايَة مُسلم " فَإِذا نَحن بإمرأة سادلة " أَي مدلية رِجْلَيْهَا بَين مزادتين قَوْله " أمس " هُوَ عِنْد الْحِجَازِيِّينَ مَبْنِيّ على الْكسر ومعرب غير منصرف للعدل والعلمية عِنْد التميميين فعلى هَذَا هُوَ بِضَم السِّين (فَإِن قلت) مَا موقعه من الْإِعْرَاب (قلت) مَرْفُوع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ قَوْله " عهدي " قَوْله " هَذِه السَّاعَة " مَنْصُوب بالظرفية وَقَالَ ابْن مَالك أَصله فِي مثل هَذِه السَّاعَة فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه قَوْله " ونفرنا " وَفِي الْمُحكم النَّفر والنفر والنفير والنفور مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال وَالْجمع أَنْفَار وَفِي الواعي النَّفر مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَالْعرب تَقول هَؤُلَاءِ نفرك أَي رهطك ورجالك الَّذين أَنْت مَعَهم وَهَؤُلَاء عشرَة نفر أَي عشرَة رجال وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا تَقول الْعَرَب جَاءَنَا فِي نفره ونفيره ونفرته كلهَا بِمَعْنى سموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم وَقَالَ الْخطابِيّ لَا وَاحِد قَوْله " خلوف " بِضَم الْخَاء جمع الخالف أَي الْمُسَافِر نَحْو شَاهد وشهود وَيُقَال حَيّ خلوف أَي غيب وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْحَيّ خلوف أَي خرج الرِّجَال وَبقيت

النِّسَاء وَقَالَ الْخطابِيّ هم الَّذين خَرجُوا للأسفار وخلفوا النِّسَاء والأثقال وارتفاع خلوف على أَنه خبر وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي " خلوفا " بِالنّصب وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي كَانَ نفرنا خلوفا وَقَالَ بَعضهم مَنْصُوب على الْحَال السَّادة مسد الْخَبَر (قلت) مَا الْخَبَر هُنَا حَتَّى تسد الْحَال مسده وَالْأَوْجه مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَنه مَنْصُوب بكان الْمُقدر قَوْله " الصابىء " بِالْهَمْزَةِ وبغيرها فَالْأول من صَبأ إِذا خرج من دين إِلَى دين وَالثَّانِي من صبا يصبو إِذا مَال وسنوسع الْكَلَام فِيهِ عِنْد تَفْسِير البُخَارِيّ فِي آخر هَذَا الحَدِيث قَوْله " تعنين " أَي تريدين من عَنى يَعْنِي إِذا قصد قَوْله " قَالَا هُوَ الَّذِي تعنين " فِيهِ حسن الْأَدَب وَحسن التَّخَلُّص إِذْ لَو قَالَا لَا لفات الْمَقْصُود وَلَو قَالَا نعم لم يحسن ذَلِك لِأَن فِيهِ تَقْرِير ذَلِك قَوْله " فاستنزلوها " من الاستنزال وَهُوَ طلب النُّزُول وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ بِلَفْظ الْجمع لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ عمرَان وَعلي من تبعهما مِمَّن يعينهما ويخدمهما قَوْله " ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فِيهِ حذف تَقْدِيره فَأتوا بهَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأحضروها بَين يَدَيْهِ ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " ففرغ " من التفريغ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " فأفرغ " من الإفراغ وَزَاد الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ " فَمَضْمض فِي المَاء وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاه المزادتين " وبهذه الزِّيَادَة تظهر الْحِكْمَة فِي ربط الأفواه بعد فتحهَا وَبِهَذَا حصلت الْبركَة لاختلاط رِيقه الْمُبَارك للْمَاء والأفواه جمع فَم لِأَن أَصله فوه فحذفوا الْوَاو لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل التَّنْوِين عِنْد الْأَفْرَاد وعوضوا من الْهَاء ميما (فَإِن قلت) لكل مزادة فَم وَاحِد فَكيف جمع (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {فقد صغت قُلُوبكُمَا} قَوْله " وأوكأ " أَي شدّ وَهُوَ فعل مَاض من الإيكاء وَهُوَ شدّ الوكاء وَهُوَ مَا يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة " وَأطلق العزالي " أَي فتحهَا وَهُوَ جمع العزلاء بِفَتْح الْعين وبالمد وَهُوَ فَم المزادة الْأَسْفَل قَالَ الْجَوْهَرِي العزالي بِكَسْر اللَّام وَإِن شِئْت فتحت مثل الصحارى والصحاري وَيُقَال العزلاء منصب المَاء من الراوية والقربة وَفِي الْجَامِع عزلاء الْقرْبَة مصب يَجْعَل فِي أحد يَديهَا ليستفرغ مِنْهُ مَا فِيهَا وَإِنَّمَا سميت عزالي السَّحَاب تَشْبِيها بهَا وَقَالَ السفاقسي روينَاهُ بِالْفَتْح وَهُوَ أَفْوَاه المزادة السُّفْلى وَقَالَ الدَّاودِيّ العزالي الجوانب الْخَارِجَة لرجلي الزق الَّذِي يُرْسل مِنْهَا المَاء وَقَالَ الدَّاودِيّ لَيْسَ فِي أَكثر الرِّوَايَات أَنهم فتحُوا أَفْوَاه المزادتين أَو السطيحتين وَلَا أَنهم أطْلقُوا العزالي وَإِنَّمَا شَقوا المزادتين وَهُوَ معنى صبوا مِنْهُمَا قَالَ ثمَّ أَعَادَهُ فيهمَا إِن كَانَ هُوَ الْمَحْفُوظ قَوْله " اسقوا واستقوا " كل مِنْهُمَا أَمر فَالْأول من السَّقْي وَالثَّانِي من الاستقاء وَالْفرق بَينهمَا أَن السَّقْي لغيره والاستقاء لنَفسِهِ وَيُقَال أَيْضا سقيته لنَفسِهِ وأسقيته لماشيته قَوْله " وَكَانَ آخر ذَلِك أَن أعْطى " يجوز فِي آخر النصب وَالرَّفْع أما النصب على أَنه خبر كَانَ مقدما على اسْمهَا وَهُوَ أَن أعطي لِأَن أَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره وَكَانَ إِعْطَاؤُهُ للرجل الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة آخر ذَلِك ويروي ذَاك وَأما الرّفْع فَظَاهر وَهُوَ أَن يكون اسْم كَانَ وَإِن أعْطى خَبره والأمران جائزان وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء وَالْأولَى أولى (قلت) وَجه الْأَوْلَوِيَّة لكَون آخر مُضَافا إِلَى الْمعرفَة فَهُوَ أولى بالاسمية وَعِنْدِي كِلَاهُمَا سَوَاء لِأَن كلا معرفَة قَوْله " الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة " وَهُوَ الرجل المعتزل الْمَذْكُور قَوْله " فأفرغه " بِقطع الْهمزَة قَوْله " وَهِي قَائِمَة " أَي الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة قَائِمَة تشاهد ذَلِك وَهِي جملَة اسمية وَقعت حَالا على الأَصْل قَوْله " وَايْم الله " بوصل الْهمزَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي أَيمن الله اسْم وضع للقسم هَكَذَا بِضَم الْمِيم وَالنُّون وألفه ألف الْوَصْل عِنْد الْأَكْثَرين وَلم يَجِيء فِي الْأَسْمَاء ألف وصل مَفْتُوحَة غَيرهَا وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف وَالتَّقْدِير أَيمن الله قسمي وَرُبمَا حذفوا مِنْهُ النُّون فَقَالُوا ايم الله وَقَالَ أَبُو عبيد كَانُوا يحلفُونَ وَيَقُولُونَ يَمِين الله لَا أفعل فَجمع الْيَمين على أَيمن ثمَّ كثر فِي كَلَامهم فحذفوا النُّون مِنْهُ وألفه ألف قطع وَهُوَ جمع وَإِنَّمَا طرحت الْهمزَة فِي الْوَصْل لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا (قلت) فِيهَا لُغَات جمع مِنْهَا النَّوَوِيّ فِي تهذيبه سبع عشرَة وَبلغ بهَا غَيره عشْرين قَوْله " أقلع " بِضَم الْهمزَة من الإقلاع يُقَال أقلع عَن الْأَمر إِذا كف عَنهُ قَوْله " أَشد ملأة " بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَسُكُون اللَّام بعْدهَا همزَة مَفْتُوحَة وَفِي رِوَايَة للبيهقي " املأ مِنْهَا " مَعْنَاهُ أَنهم يظنون أَن مَا بَقِي فِيهَا من المَاء أَكثر مِمَّا كَانَ أَولا قَوْله " من بَين عَجْوَة " الْعَجْوَة تمر من أَجود التَّمْر بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْن التِّين الْعَجْوَة نوع من تمر الْمَدِينَة أكبر من الصيحاني وَتسَمى اللينة وَهِي من أَجود تمر الْمَدِينَة قَوْله " ودقيقة وسويقة " بِفَتْح أَولهمَا وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِضَم الدَّال مُصَغرًا وَقَالَ الْكرْمَانِي دقيقة وسويقة رويا مكبرين ومصغرين قَوْله " حَتَّى جمعُوا لَهَا طَعَاما " وَزَاد أَحْمد فِي رِوَايَته " كثيرا " وَالطَّعَام فِي اللُّغَة مَا يُؤْكَل قَالَه الْجَوْهَرِي وَقَالَ وَرُبمَا خص الطَّعَام بِالْبرِّ وَفِي حَدِيث أبي سعيد كُنَّا نخرج صَدَقَة الْفطر على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من شعير " وَقَالَ بَعضهم فِيهِ إِطْلَاق

لفظ الطَّعَام على غير الْحِنْطَة والذرة خلافًا لمن أَبى ذَلِك (قلت) هَذَا القَوْل مِنْهُ يُخَالف قَول أهل اللُّغَة وَالْمرَاد هَهُنَا من الطَّعَام غير مَا ذكر من الْعَجْوَة وَهُوَ أَعم من أَن يكون حِنْطَة أَو شَعِيرًا أَو كعكا أَو نَحْو ذَلِك قَوْله " فجعلوه فِي ثوب " ويروى " فجعلوها " قَالَ الْكرْمَانِي الضَّمِير فِي جَعَلُوهُ يرجع إِلَى الطَّعَام وَفِي جعلوها إِلَى الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة (قلت) لم يَجْعَل الطَّعَام وَحده فِي الثَّوْب حَتَّى يرجع الضَّمِير إِلَيْهِ وَحده وَالصَّوَاب أَن الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى كل وَاحِد بِاعْتِبَار الْمَذْكُور قَوْله " قَالَ لَهَا " ويروى " قَالُوا لَهَا " وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " قَالَ لَهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَوجه رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنهم قَالُوا لَهَا ذَلِك بأَمْره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " وَحملُوهَا " أَي المزادة قَوْله " بَين يَديهَا " أَي قدامها قَوْله " تعلمين " بِفَتْح التَّاء وَالْعين وَتَشْديد اللَّام كَذَا ضَبطه بَعضهم ثمَّ قَالَ أَي اعلمي (قلت) لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف وَإِنَّمَا هُوَ مُفْرد مُخَاطب مؤنث من بَاب علم يعلم قَوْله " مَا رزئنا من مائك شَيْئا " بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي أَي مَا نقصنا قَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِهَا يَعْنِي بِفَتْح الزَّاي (قلت) الْكسر هُوَ الْأَشْهر يُقَال مَا رزأته مَاله وَمَا رزئته بِالْكَسْرِ مَاله أَي مَا نقصته وارتزأ الشي انتقصه قَوْله " أسقانا " ويروى " سقانا " قَوْله " الْعجب " مَرْفُوع بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره حَبَسَنِي الْعجب وَهُوَ الْأَمر الَّذِي يتعجب مِنْهُ لغرابته وَكَذَلِكَ العجيب والعجاب بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف والعجاب بِالتَّشْدِيدِ أَكثر مِنْهُ وَكَذَلِكَ الأعجوبة وَلَا يجمع عجب وَلَا عَجِيب وَيُقَال جمع عَجِيب عجائب مثل تبيع وتبائع وأعاجيب جمع أعجوبة كأحاديث جمع أحدوثة وَعَجِبت من كَذَا وتعجبت مِنْهُ واستعجبت كلهَا بِمَعْنى وأعجبني هَذَا الشَّيْء لحسنه وَعَجِبت غَيْرِي تعجيبا وَالْعجب بِضَم الْعين وَسُكُون الْجِيم اسْم من أعجب فلَان بِنَفسِهِ فَهُوَ معجب بِرَأْيهِ وبنفسه قَوْله " من بَين هَذِه وَهَذِه " تَعْنِي من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض قيل كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول فِي بَين بِلَفْظَة فِي وَأجِيب بِأَن من بَيَانِيَّة مَعَ جَوَاز اسْتِعْمَال حُرُوف الْجَرّ بَعْضهَا مَكَان بعض قَوْله " وَقَالَت بأصبعها " أَي أشارت بأصبعها وَمن إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل وَقد مر نَظِير هَذَا غير مرّة قَوْله " السبابَة " يَعْنِي المسبحة قَوْله " يغيرون " بِضَم الْيَاء من الإغارة بِالْخَيْلِ فِي الْحَرْب قَوْله " الصرم " بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ أَبْيَات من النَّاس مجتمعة وَالْجمع إصرام وَقَالَ ابْن سَيّده الصرم الأبيات المجتمعة المنقطعة من النَّاس والصرم أَيْضا الْجَمَاعَة بَين ذَلِك وَالْجمع إصرام وأصاريم وصرمان والأخيرة عَن سِيبَوَيْهٍ قَوْله " فَقَالَت يَوْمًا لقومها مَا أرى أَن هَؤُلَاءِ يدعونكم عمدا " هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر " مَا أرى أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم " وَقَالَ ابْن مَالك وَقع فِي بعض النّسخ " مَا أَدْرِي أَن هَؤُلَاءِ " كلمة أرى بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى أَظن وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنى أعلم وَمَا مَوْصُولَة قَوْله " يدعونكم " بِفَتْح الدَّال أَي يتركونكم وَالْمعْنَى ظَنِّي أَنهم يتركونكم عمدا لاستئلافكم لَا سَهوا مِنْهُم وغفلة عَنْكُم وَقيل مَا نَافِيَة وَأَن بِمَعْنى لَعَلَّ وَقيل مَا نَافِيَة وَإِن بِالْكَسْرِ وَمَعْنَاهُ لَا أعلم حالكم فِي تخلفكم عَن الْإِسْلَام مَعَ أَنهم يدعونكم عمدا " فَهَل لكم " أَي رَغْبَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهُ) الأول فِيهِ اسْتِحْبَاب سلوك الْأَدَب مَعَ الأكابر كَمَا فِي فعل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي إيقاظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. الثَّانِي فِيهِ إِظْهَار التأسف لفَوَات أَمر من أُمُور الدّين. الثَّالِث فِيهِ لَا حرج على من تفوته صَلَاة لَا بتقصير مِنْهُ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا ضير ". الرَّابِع فِيهِ أَن من أجنب وَلم يجد مَاء فَإِنَّهُ يَتِيم لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عَلَيْكُم بالصعيد ". الْخَامِس فِيهِ أَن الْعَالم إِذا رأى أمرا مُجملا يسْأَل فَاعله عَنهُ ليوضحه فيوضح لَهُ هُوَ وَجه الصَّوَاب. السَّادِس فِيهِ اسْتِحْبَاب الملاطفة والرفق فِي الْإِنْكَار على أحد فِيمَا فعله. السَّابِع فِيهِ التحريض على الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. الثَّامِن فِيهِ الْإِنْكَار على ترك الشَّخْص الصَّلَاة بِحَضْرَة الْمُصَلِّين بِغَيْر عذر. التَّاسِع فِيهِ أَن قَضَاء الْفَوَائِت وَاجِب وَلَا يسْقط بِالتَّأْخِيرِ وَيَأْثَم بِتَأْخِيرِهِ بِغَيْر عذر. الْعَاشِر فِيهِ أَن من حلت بِهِ فتْنَة فِي بلد فَليخْرجْ مِنْهُ وليهرب من الْفِتْنَة بِدِينِهِ كَمَا فعل الشَّارِع بارتحاله عَن بطن الْوَادي الَّذِي تشاءم بِهِ لأجل الشَّيْطَان. الْحَادِي عشر فِيهِ أَن من ذكر صَلَاة فَائِتَة لَهُ أَن يَأْخُذ من يصلح من وضوء وطهارة وابتغاء بقْعَة تطمئِن نَفسه للصَّلَاة عَلَيْهَا كَمَا فعل الشَّارِع بعد أَن ذكر الْفَائِتَة فارتحل بعد الذّكر ثمَّ تَوَضَّأ وَتَوَضَّأ النَّاس. الثَّانِي عشر فِيهِ اسْتِحْبَاب الْأَذَان للفائتة. الثَّالِث عشر فِيهِ جَوَاز أَدَاء الْفَائِتَة بِالْجَمَاعَة. الرَّابِع عشر فِيهِ طلب المَاء للشُّرْب وَالْوُضُوء. الْخَامِس عشر فِيهِ أَخذ المَاء الْمَمْلُوك لغيره لضَرُورَة الْعَطش بعوض وَفِيه أَن العطشان يقدم على الْجنب عِنْد صرف المَاء إِلَى النَّاس. السَّادِس عشر فِيهِ جَوَاز المعاطاة فِي الهبات والإباحات من غير لفظ من الْجَانِبَيْنِ. السَّابِع عشر فِيهِ تَقْدِيم

مصلحَة شرب الْآدَمِيّ وَالْحَيَوَان على غَيره كمصلحة الطَّهَارَة بِالْمَاءِ (فَإِن قلت) قد وَقع فِي رِوَايَة سلم بن زرير " غير أَنا لم نسق بَعِيرًا " (قلت) هَذَا مَحْمُول على أَن الْإِبِل لم تكن محتاجة إِذْ ذَاك إِلَى السَّقْي. الثَّامِن عشر فِيهِ جَوَاز الْخلْوَة بالأجنبية عِنْد أَمن الْفِتْنَة فِي حَالَة الضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة. التَّاسِع عشر فِيهِ جَوَاز اسْتِعْمَال أواني الْمُشْركين مَا لم يتَيَقَّن فِيهَا نَجَاسَة. الْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز أَخذ مَال النَّاس عِنْد الضَّرُورَة بِثمن إِن كَانَ لَهُ ثمن كَذَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم وَفِيه نظر. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز اجْتِهَاد الصَّحَابَة بِحَضْرَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه خلاف مَشْهُور وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الْفَائِتَة عَن وَقت ذكرهَا إِذا لم يكن عَن تغافل أَو استهانة وَذَلِكَ من قَوْله " ارتحلوا " بِصِيغَة الْأَمر فَافْهَم. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِيهِ مُرَاعَاة ذمام الْكَافِر والمحافظة بِهِ كَمَا حفظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذِه الْمَرْأَة فِي قَومهَا وبلادها فراعى فِي قَومهَا ذمامها وَإِن كَانَت من صميمهم. الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الْحلف من غير الِاسْتِحْلَاف. الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الشكوى من الرعايا إِلَى الإِمَام عِنْد حُلُول أَمر شَدِيد. السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ اسْتِحْبَاب التَّعْرِيس للْمُسَافِر إِذا غَلبه النّوم. السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ مَشْرُوعِيَّة قَضَاء الْفَائِت الْوَاجِب وَأَنه لَا يسْقط بِالتَّأْخِيرِ. الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ للمحتاج بِرِضا الْمَطْلُوب مِنْهُ وَبِغير رِضَاهُ إِن تعين. التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز النّوم على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كنوم وَاحِد منا فِي بعض الْأَوْقَات وَقد مر التَّحْقِيق فِيهِ. الثَّلَاثُونَ فِيهِ إِبَاحَة السّفر من غير أَن يعين يَوْمًا أَو شهر فَوَائِد. فِيهِ من دَلَائِل النُّبُوَّة حَيْثُ توضؤوا وَشَرِبُوا وَسقوا واغتسل الْجند مِمَّا سقط من العزالي وَبقيت المزادتان مملوءتان ببركته وعظيم برهانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانُوا أَرْبَعِينَ نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة سلم بن زرير وَإِنَّهُم ملأوا كل قربَة مَعَهم وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَظَاهر هَذِه الرِّوَايَة أَن جملَة من حضر هَذِه الْقِصَّة كَانُوا أَرْبَعِينَ وَلَا نعلم مخرجا لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يخرج فِي هَذَا الْعدَد فَلَعَلَّ الركب الَّذين عجلهم بَين يَدَيْهِ لطلب المَاء وَأَنَّهُمْ وجدوا الْمَرْأَة وَأَنَّهُمْ أسقوا لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبل النَّاس وَشَرِبُوا ثمَّ شرب النَّاس بعدهمْ. وَفِيه أَن جَمِيع مَا أَخَذُوهُ من المَاء مِمَّا زَاده الله وأوجده وَأَنه لم يخْتَلط فِيهِ شَيْء من مَاء تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْحَقِيقَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر مختلطا وَهَذَا أبدع وَأغْرب فِي المعجزة. وَفِيه دلَالَة أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أجلد الْمُسلمين وأصلبهم فِي أَمر الله تَعَالَى. (وَفِيه أسئلة) الأول أَن الِاسْتِيلَاء على الْكفَّار بِمُجَرَّدِهِ يُبِيح رق نِسَائِهِم وصبيانهم وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد دخلت الْمَرْأَة فِي الرّقّ باستيلائهم عَلَيْهَا وَكَيف وَقع إِطْلَاقهَا وتزويدها وَأجِيب بِأَنَّهَا أطلقت لمصْلحَة الاستئلاف الَّذِي جر دُخُول قَومهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَام وَيحْتَمل أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَان قبل ذَلِك أَو كَانَت من قوم لَهُم عهد. الثَّانِي كَيفَ جوزوا التَّصَرُّف حِينَئِذٍ فِي مَالهَا وَأجِيب بِالنّظرِ إِلَى كفرها أَو لضَرُورَة الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ والضروريات تبيح الْمَحْظُورَات. الثَّالِث أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى عَن التشاؤم وَهَهُنَا ارتحل عَن الْوَادي الَّذِي تشاءم بِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يعلم حَال ذَلِك الْوَادي وَلم يكن غَيره يعلم بِهِ فَيكون خَاصّا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأخذ بعض الْعلمَاء بِظَاهِر مَا وَقع مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من رحيله من ذَلِك الْوَادي أَن من انتبه من نوم عَن صَلَاة فَائت فِي سفر فَإِنَّهُ يتَحَوَّل عَن مَوْضِعه وَإِن كَانَ بواد فَليخْرجْ عَنهُ وَقيل إِنَّمَا يلْزم بذلك الْوَادي بِعَيْنِه وَقيل هُوَ خَاص بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَمَا ذكرنَا (قَالَ أَبُو عبد الله صَبأ خرج من دين إِلَى غَيره. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الصابئين فرقة من أهل الْكتاب يقرؤن الزبُور) . هَذَا إِلَى آخِره رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بإيراد هَذِه الإشاوة إِلَى الْفرق بَين الصابىء المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث والصابىء الْمَنْسُوب إِلَى الطَّائِفَة الَّذين بَينهم أَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان الرباحي أما الصابىء الَّذِي هُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث فِي قَول الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء فَهُوَ من صبا إِلَى الشَّيْء يصبو إِذا مَال وَهُوَ غير مَهْمُوز وَكَانَت الْعَرَب تسمي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصابىء لِأَنَّهُ خرج من دين قُرَيْش إِلَى دين الْإِسْلَام ويسمون من يدْخل فِي دين الْإِسْلَام مصبو لأَنهم كَانُوا لَا يهمزون ويسمون الْمُسلمين الصباة بِغَيْر همزَة جمع صاب غير مَهْمُوز كقاض وقضاة وغاز وغزاة وَقد يُقَال

صبا الرجل إِذا عشق وَهوى وَقد يُقَال صابىء بِالْهَمْز من صبا يصبو بِغَيْر همز وَأَن الصابئون الَّذين ذكرهم أَبُو الْعَالِيَة فأصله من صَبأ يصبأ صَبأ وصبوأ إِذا خرج عَن دين إِلَى آخر وَهَذِه الطَّائِفَة يسمون الصابئين وَاخْتلف فِي تَفْسِيره فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة هم فرقة من أهل الْكتاب يقرؤن الزبُور وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الرّبيع بن أنس عَنهُ وَعَن مُجَاهِد لَيْسُوا بيهود وَلَا نَصَارَى وَلَا دين لَهُم وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم وَلَا تنْكح نِسَاؤُهُم وَكَذَا روى عَن الْحسن وَابْن نجيح وَقَالَ ابْن زيد الصابئون أهل دين من الْأَدْيَان كَانُوا بالجزيرة جَزِيرَة الْموصل يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَيْسَ لَهُم عمل وَلَا كتاب وَلَا نَبِي وَلم يُؤمنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَن الْحسن قَالَ أخبر زِيَاد أَن الصابئين يصلونَ إِلَى الْقبْلَة وَيصلونَ الْخمس قَالَ فَأَرَادَ أَن يضع عَلَيْهِم الْجِزْيَة فَأخْبر بعد أَنهم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَعَن قَتَادَة وَأبي جَعْفَر الرَّازِيّ هم قوم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَيصلونَ إِلَى الْقبْلَة ويقرؤن الزبُور وَفِي الْكتاب الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي هم قوم من النَّصَارَى قَوْلهم أَلين من قَول النَّصَارَى قَالَ الله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} فَيُقَال الَّذين آمنُوا هم المُنَافِقُونَ أظهرُوا الْإِيمَان وأضمروا الْكفْر وَالَّذين هادوا الْيَهُود المغيرون المبدلون وَالنَّصَارَى المقيمون على الْكفْر بِمَا يصفونَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْمحَال والصابئون الْكفَّار أَيْضا المفارقون للحق وَيُقَال الَّذين آمنُوا الْمُؤْمِنُونَ حَقًا وَالَّذين هادوا الَّذين تَابُوا وَلم يُغيرُوا أَو النَّصَارَى نصار عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام والصابئون الخارجون من الْبَاطِل إِلَى الْحق من آمن بِاللَّه مَعْنَاهُ من دَامَ مِنْهُم على الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى فَلهُ أجره وَفِي كتاب الرشاطي الصابي نسبه إِلَى صابي بن متوشلخ بن خنوخ بن برد بن مهليل بن فتين بن ياش بن شِيث بن آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه الْمُنْتَهى هم جنس من أهل الْكتاب يَزْعمُونَ أَنهم من ولد صاب بن إِدْرِيس النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقيل نسبتهم إِلَى الصابىء بن ماري وَكَانَ فِي عصر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي منظومته

(الصابئيات كالكتابيات ... فِي حكم حل العقد والذكاة)

وَشَرحه أَن أَبَا حنيفَة يَقُول إِنَّهُم يَعْتَقِدُونَ نَبيا وَلَهُم كتاب فَتحل مناكحة نِسَائِهِم وتؤكل ذَبَائِحهم وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد هم يَعْتَقِدُونَ الْكَوَاكِب فَلَا تحل مناكحة نِسَائِهِم وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم

٧ - (بَاب إِذَا خافَ الجُنُبُ على نَفْسِهِ المَرَضَ أَوَ المَوْتَ أوْ خَافَ الْعَطَشَ تيمَّم)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا خَافَ الْجنب: الخ. وَقد ذكر فِيهِ حكم ثَلَاث مسَائِل.

الأولى: إِذا خَافَ الْجنب على نَفسه الْمَرَض يُبَاح لَهُ التَّيَمُّم مَعَ وجود المَاء، وَهل يلْحق بِهِ خوف الزِّيَادَة؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وَالشَّافِعِيّ، وَالأَصَح عِنْده: نعم، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري، وَعَن مَالك رِوَايَة بِالْمَنْعِ، وَقَالَ عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة: لَا يستباح التَّيَمُّم بِالْمرضِ أصلا وَكَرِهَهُ طَاوس، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم عِنْد عدم المَاء، وَأما مَعَ وجوده فَلَا، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، ذكره فِي (التَّوْضِيح) . وَفِي (شرح الْوَجِيز) : أما مرض يخَاف مِنْهُ زِيَادَة الْعلَّة وبطء الْبُرْء، فقد ذكرُوا فِيهِ ثَلَاث طرق، أظهرها أَن فِي جَوَاز التَّيَمُّم لَهُ قَولَانِ: أَحدهمَا الْمَنْع، وَهُوَ قَول أَحْمد، وأظهرهما الْجَوَاز وَهُوَ قَول الْإِصْطَخْرِي وَعَامة أَصْحَابه، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة. وَفِي (الْحِلْية) : وَهُوَ الْأَصَح. وَإِن كَانَ مرض لَا يلْحقهُ بِاسْتِعْمَال المَاء ضَرَر كالصداع والحمى لَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم، وَقَالَ دَاوُد: يجوز، ويحكى ذَلِك عَن مَالك، وَعنهُ أَنه لَا يجوز. وَلَو خَافَ من اسْتِعْمَال المَاء شَيْئا فِي الْمحل، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس؛ لَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم على مَذْهَب الشَّافِعِي، وَقَالَ غَيره إِن كَانَ الشين كأثر الجدري والجراحة لَيْسَ لَهُم التَّيَمُّم، وَإِن كَانَ يشوه من خلقه ويسود من وَجهه كثيرا فِيهِ قَولَانِ. وَالثَّانِي من الطّرق أَنه: لَا يجوز قطعا، وَالثَّالِث: أَنه يجوز قطعا.

الثَّانِيَة: إِذا خَافَ الْجنب على نَفسه الْمَوْت يجوز لَهُ التَّيَمُّم بِلَا خلاف، وَفِي قاضيخان: الْجنب الصَّحِيح فِي الْمصر إِذا خَافَ الْهَلَاك للبرد جَازَ لَهُ التَّيَمُّم، وَأما الْمُسَافِر، إِذا خَافَ الْهَلَاك من الِاغْتِسَال جَازَ لَهُ التَّيَمُّم بالِاتِّفَاقِ، وَأما الْمُحدث فِي الْمصر فَاخْتَلَفُوا فِيهِ على قَول أبي حنيفَة، فجوزه شيخ الْإِسْلَام، وَلم يجوزه الْحلْوانِي.

الثَّالِثَة: أَنه إِذا خَافَ على نَفسه الْعَطش يجوز لَهُ التَّيَمُّم، وَكَذَا عندنَا إِذا خَافَ على رَفِيقه أَو على حَيَوَان مَعَه نَحْو دَابَّته وكلبه وسنوره وطيره. وَفِي (شرح الْوَجِيز) : لَو خَافَ على نَفسه أَو مَاله من سبع أَو سَارِق فَلهُ التَّيَمُّم، وَلَو احْتَاجَ إِلَى المَاء لعطش فِي الْحَال أَو توقعه فِي الْمَآل، أَو لعطش رَفِيقه أَو لعطش حَيَوَان مُحْتَرم جَازَ لَهُ التَّيَمُّم. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة؛ أَو كَانَ المَاء عِنْد جمع فساق فخافت الْمَرْأَة على نَفسهَا الزِّنَا جَازَ لَهَا التَّيَمُّم.

قَوْله: (أَو خَافَ الْعَطش) ، غير مقتصر على الْجنب الَّذِي يخَاف الْعَطش، بل الْجنب والمحدث

فِيهِ سَوَاء.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالَّذِي قبله وَالَّذِي بعده ظَاهر، لِأَن هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا فِي حكم التَّيَمُّم.

وَيُذْكَرُ أنَّ عَمرَو بنَ الْعاصِ أجْنَبَ فِي لَيْلةٍ بارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا {وَلَا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النِّسَاء: ٩٢) فَذُكِرَ للنَّبيّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ.

عَمْرو بن الْعَاصِ القريشي السَّهْمِي أَبُو عبد ا، قدم على النَّبِي فِي سنة ثَمَان قبل الْفَتْح مُسلما، وَهُوَ من زهاد قُرَيْش، ولاه النَّبِي على عمان وَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى قبض النَّبِي، رُوِيَ لَهُ سَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، مَاتَ بِمصْر عَاملا عَلَيْهَا سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين على الْمَشْهُور يَوْم الْفطر، صلى عَلَيْهِ ابْنه عبد ا، ثمَّ صلى الْعِيد بِالنَّاسِ. قَوْله: (وَيذكر) ، تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض، وَوَصله أَبُو دَاوُد وَقَالَ: حدّثنا ابْن الْمثنى، قَالَ: حدّثنا وهب بن جرير، قَالَ: حدّثنا أبي، قَالَ: سَمِعت يحيى بن أَيُّوب يحدث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: (احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل، فَأَشْفَقت إِن اغْتَسَلت أَن أهلك، فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي، فَقَالَ: يَا عَمْرو صليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب؟ فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال، وَقلت: إِنِّي سَمِعت اتعالى يَقُول: {وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن اكان بكم رحِيما} (النِّسَاء: ٩٢) فَضَحِك نَبِي اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يقل شَيْئا) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا. قَوْله: (فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل) ، وَهِي وَرَاء وَادي الْقرى، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَيَّام. وَقيل: سميت بهَا لِأَنَّهَا بِأَرْض جذام يُقَال لَهُ السلسل، وَكَانَت فِي جمادي الأولى سنة ثَمَان من الْهِجْرَة. قَوْله: (فَأَشْفَقت) أَي: خفت. قَوْله: (فَلم يعنفه) أَي: لم يعنفه النَّبِي، يَعْنِي لم يُنكر عَلَيْهِ، كَذَا لم يعنفه بالضمير فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَلم يعنف) ، بِدُونِ الضَّمِير حذف للْعلم بِهِ، وَعدم تعنيفه إِيَّاه دَلِيل الْجَوَاز والتقرير، وَبِه علم عدم إِعَادَة الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا بِالتَّيَمُّمِ فِي هَذِه الْحَالة، وَهُوَ حجَّة على من يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ، وَدلّ أَيْضا على جَوَاز التَّيَمُّم لمن يتَوَقَّع من اسْتِعْمَال المَاء الْهَلَاك، سَوَاء كَانَ للبرد أَو لغيره، وَسَوَاء كَانَ فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر، وَسَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا. وَفِيه دلَالَة على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي عصره.

٥٤٣١١ - ح دّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ قالَ حَدَّثَنَا محَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أبي وَائِلٍ قَالَ قالَ أبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لَا يُصَلِّي. قالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى قالَ قُلْتُ فَأيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قالَ إِنِّي لَمْ أرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَولِ عَمَّارٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَعْنِي تيَمّم وَصلى) .

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة. الأول: بشر بن خَالِد العسكري، أَبُو مُحَمَّد الْفَرَائِضِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ الملقب بغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال على الْأَشْهر. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: سُلَيْمَان الْمَشْهُور بالأعمش. الْخَامِس: أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ؛ عبد ابْن قيس. السَّابِع: عبد ابْن مَسْعُود، وَالْكل تقدمُوا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصفة الْجمع مرَّتَيْنِ. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَقَوله: هُوَ غنْدر، لَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. قَوْله: (عَن شُعْبَة) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حدّثنا شُعْبَة) . وَفِيه: أَن قَوْله؛ هُوَ غنْدر، من عِنْد البُخَارِيّ وَلَيْسَ هُوَ من لفظ شَيْخه، وَفِيه: إِن الْأَعْمَش ذكر باسمه وشهرته بلقبه، وَقلت: رِوَايَة يذكر فِيهَا كَذَا سُلَيْمَان مُجَردا. وَفِيه: محاورة صحابيين جليلين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا لم يجد المَاء) هَذَا على سَبِيل الِاسْتِفْهَام، وَالسُّؤَال من أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن عبد ابْن مَسْعُود يَعْنِي: إِذا لم يجد الْجنب المَاء لَا يُصَلِّي. وَقَوله: (لم يجد) ، بِصِيغَة الْغَائِب، وَكَذَلِكَ: (لَا يُصَلِّي) بِصِيغَة الْغَائِب، وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا بِصِيغَة الْخطاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَأَبُو مُوسَى يُخَاطب عبد ا، وَكَذَا فِي رِوَايَة الاسماعيلي مَا يدل على هَذَا، وَلَفظه: (فَقَالَ عبد ا: نعم إِذا لم أجد المَاء شهرا لَا أُصَلِّي) . قَوْله: (لَو رخصت) ، أَي: قَالَ عبد الأبي مُوسَى: لَو رخصت لَهُم فِي هَذَا، أَي: فِي جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب إِذا وجد أحدهم الْبرد، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (إِذا وجد أحدكُم الْبرد) . قَوْله: (قَالَ هَكَذَا) ، فِيهِ

إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، ثمَّ فسره بقوله: يَعْنِي تيَمّم وَصلى، وَهُوَ مقول قَول أبي مُوسَى. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ أَبُو مُوسَى: قلت لعبد ا: فَأَيْنَ قَول عمار بن يَاسر لعمر بن الْخطاب؟ وَهُوَ قَوْله: (كُنَّا فِي سفر فأجنبت فتمعكت فِي التُّرَاب فَذكرت لرَسُول الله فَقَالَ: يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ) ؟ قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ ابْن مَسْعُود: إِنِّي لم أرَ عمر بن الْخطاب قنع بقول عمار بن يَاسر، وَإِنَّمَا لم يقنع عمر بقوله لِأَنَّهُ كَانَ حَاضرا مَعَه فِي تِلْكَ السفرة، وَلم يتَذَكَّر الْقِصَّة، فارتاب فِي ذَلِك وَلم يقنع بقوله، وَهَذَا وَقع هَكَذَا مُخْتَصرا فِي رِوَايَة شُعْبَة وَيَأْتِي الْآن فِي رِوَايَة عمر بن حَفْص، ثمَّ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة أتم وأكمل.

٦٤٣٢١ - ح دّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حَدَّثَنَا أبي قالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قالَ سَمِعْتُ شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ قالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأبي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ فَقَالَ أبُو مُوسَى فَكَيْفَ تصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِين قالَ لهُ النَّبيُّ كانَ يَكْفِيكَ قالَ ألَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَمَا درَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ المَاءُ انْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّما كَرِهَ عَبْد اللَّهِ لِهَذَا قالَ نَعَمْ.

وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: حدّثنا الْأَعْمَش، وَفِيه فَائِدَة تَصْرِيح سَماع الْأَعْمَش من شَقِيق. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (يَا با عبد الرَّحْمَن) أَصله: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، فحذفت الْهمزَة فِيهِ تَخْفِيفًا، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن: كنية عبد ابْن مَسْعُود. قَوْله: (إِذا أجنب) أَي: الرجل: (فَلم يجد المَاء) ، ويروى: (إِذا أجنبت فَلم تَجِد) . بتاء الْخطاب فيهمَا. قَوْله: (كَيفَ يصنع؟) بياء الْغَيْبَة، أَي: كَيفَ يصنع الرجل؟ وعَلى رِوَايَة الْخطابِيّ: (كَيفَ تصنع؟) بتاء الْخطاب أَيْضا، وَالرِّوَايَة بالغيبة أشهر وأوجه بِدَلِيل قَوْله: (فَقَالَ عبد الا يُصَلِّي) أَي: لَا يُصَلِّي الرجل الَّذِي لَا يجد المَاء حَتَّى يجد، أَي: إِلَى أَن يجد المَاء. قَوْله: (كَانَ يَكْفِيك) أَي: مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. قَوْله: (فَدَعْنَا من قَول عمار) أَي: أتركنا، وَكلمَة: دع، أَمر من: يدع، وأمات الْعَرَب ماضيه، وَالْمعْنَى: إقطع نظرك عَن قَول عمار، فَمَا تَقول فِيمَا ورد فِي الْقُرْآن؟ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَهُوَ معنى قَوْله: (كَيفَ تصنع بِهَذِهِ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الْآيَة. قَوْله: (فَمَا درى عبد اما يَقُول) أَي: فَلم يعرف عبد اما يَقُول فِي تَوْجِيه الْآيَة على وفْق فتواه، وَلَعَلَّ الْمجْلس مَا كَانَ يَقْتَضِي تَطْوِيل المناظرة، وإلَاّ فَكَانَ لعبد اأن يَقُول: المُرَاد من الْمُلَامسَة فِي الْآيَة تلاقي البشرتين فِيمَا دون الْجِمَاع، وَجعل التَّيَمُّم بَدَلا من الْوضُوء فَقَط، فَلَا يدل على جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب. قَوْله: (فِي هَذَا) ، أَي: فِي التَّيَمُّم للْجنب. قَوْله: (لَأَوْشَكَ) أَي: قرب وأسرع، وَهَذَا رد على من زعم أَنه لَا يَجِيء من بَاب: يُوشك أوشك مَاضِيا، وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ مضارعاً. قَوْله: (إِذا برد) بِفَتْح الْبَاء وَالرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي. بِضَم الرَّاء، وَالْمَشْهُور الْفَتْح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُلَازمَة بَين الرُّخْصَة فِي تيَمّم الْجنب وَتيَمّم المتبرد، حَتَّى صَحَّ أَن يُقَال: لَو رخصنا لَهُم فِي ذَلِك لَكَانَ إِذا وجد أحدهم الْبرد تيَمّم؟ قلت: الْجِهَة الجامعة بَينهمَا اشتراكهما فِي عدم الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء، لِأَن عدم الْقُدْرَة إِمَّا بفقد المَاء، وَإِمَّا بتعذر الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (فَقلت) أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قلت لشقيق. قَوْله: (لهَذَا) أَي: لأجل هَذَا الْمَعْنى، وَهُوَ احْتِمَال أَن يتَيَمَّم المتبرد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْوَاو، لَا تدخل بَين القَوْل ومقوله، فَلم قَالَ: وَإِنَّمَا كره قلت: هُوَ عطف على سَائِر مقولاته الْمقدرَة أَي قلت؛ كَذَا وَكَذَا أَيْضا. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ اعْتمد على نُسْخَة فِيهَا، وَإِنَّمَا بواو الْعَطف، والنسخ الْمَشْهُورَة: فَإِنَّمَا بِالْفَاءِ.

ذكر مَا فِيهِ من الْفَوَائِد: الأولى: فِيهِ جَوَاز الماظرة، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه مناظرة، وَالظَّاهِر مِنْهُمَا يَأْتِي على إهمال حكم الْآيَة، وَأي عذر لمن ترك الْعَمَل بِمَا فِي هَذِه الْآيَة من أجل أَن بعض النَّاس عساه أَن يستعملها على وَجههَا، وَفِي غير جِنْسهَا. وَمَا الْوَجْه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ عبد امن إبِْطَال هَذِه الرُّخْصَة مَعَ مَا فِيهِ من إِسْقَاط الصَّلَاة عَمَّن هُوَ مُخَاطب بهَا ومأمور بإقامتها؟ وَأجِيب: عَن هَذَا بِأَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْوَاحِدِ النَّوَافِلُ مَعَ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الْفَرِيضَةِ. وَشَذَّ شُرَيْحٌ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِذَا صَحَّتِ النَّوَافِلُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَحَّتِ الْفَرَائِضُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَرَائِضِ مُشْتَرَطٌ لِلنَّوَافِلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. انْتَهَى.

وَقَدِ اعْتَرَفَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قَالَ: لَكِنْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِيجَابُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ أَيْ مَا لَمْ تُحْدِثْ أَوْ تَجِدِ الْمَاءَ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ مِنْ أَجْلِهَا وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، فَإِذَا حَضَرَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى وَجَبَ طَلَبُ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. وَالسَّبَخَةُ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَاتٍ هِيَ الْأَرْضُ الْمَالِحَةُ الَّتِي لَا تَكَادُ تُنْبِتُ، وَإِذَا وَصَفْتَ الْأَرْضَ قُلْتَ هِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرُ، وَأَمَّا الصَّعِيدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ اشْتِرَاطُ التُّرَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُقَالُ مَسَحَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ مِنْهُ جُزْءًا، وَهَذِهِ صِفَةُ التُّرَابِ لَا صِفَةُ الصَّخْرِ مَثَلًا الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْهُ صِلَةً. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ تَعَسُّفٌ. قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: فَإِنْ قُلْتَ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْتُ بِرَأْسِي مِنَ الدُّهْنِ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ. قُلْتُ: هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ الْمِرَاءِ. انْتَهَى. وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبِخَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ قَالَ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ قَالَ: وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبِخَةَ دَاخِلَةٌ فِي الطَّيِّبِ، وَلَمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.

٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ "لَا ضَيْرَ" أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قَالَ "مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ" قَالَ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ قَالَ "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ" ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا

عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفًا قَالَا لَهَا انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ إِلَى أَيْنَ قَالَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَتْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ قَالَا هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ قَالَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقال النبي : "اجْمَعُوا لَهَا" فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا قَالَ لَهَا تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدْ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ قَالَتْ الْعَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَاسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ".

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: صَبَأَ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: "الصَّابِئِينَ- وفي نسخة الصابئون- فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ".

[الحديث ٣٤٤ - طرفاه في ٣٥٧١، ٣٤٨]

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ ابْنُ مُسَرْهَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْقَطَّانُ، وَعَوْفٌ بِالْفَاءِ هُوَ الْأَعْرَابِيُّ وَأَبُو رَجَاءٍ هُوَ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِمْرَانُ هُوَ ابْنُ حُصَيْنٍ كُلُّهمْ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ هَذَا السَّفَرِ: فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَقْبَلَ النَّبِيُّ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا فَنَزَلَ فَقَالَ مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا الْحَدِيثَ. وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ تَبُوكَ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مُطَوَّلًا وَالْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا فِي الصَّلَاةِ قِصَّةَ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَيْضًا فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ غَزْوَةَ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ هِيَ غَزْوَةُ مُؤْتَةَ وَلَمْ يَشْهَدْهَا النَّبِيُّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَزْوَةِ جَيْشِ الْأُمَرَاءِ غَزْوَةً أُخْرَى غَيْرَ غَزْوَةِ

مُؤْتَةَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، أَعْنِي نَوْمَهُمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَجَزَمَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَتَعَقَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ مُغَايِرَةٌ لِقِصَّةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإنَّ قِصَّةَ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ لَمْ يَكُونَا مَعَ النَّبِيِّ لَمَّا نَامَ، وَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَهُ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ، وَأَيْضًا فَقِصَّةُ عِمْرَانَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ حَتَّى أَيْقَظَهُ عُمَرُ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ فِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ، وَفِي الْقِصَّتَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمُغَايَرَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ لَا سِيَّمَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ سَمِعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ بِطُولِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي كُنْتُ شَاهِدًا الْقِصَّةَ. قَالَ فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْئًا. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهَا. لَكِنْ لِمُدَّعِي التَّعَدُّدِ أَنْ يَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِمْرَانُ حَضَرَ الْقِصَّتَيْنِ فَحَدَّثَ بِإِحْدَاهُمَا وَصَدَّقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ لَمَّا حَدَّثَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بِالْأُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ اخْتِلَافُ مَوَاطِنِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَحَاوَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ زَمَانَ رُجُوعِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ قَرِيبٌ مِنْ زَمَانِ رُجُوعِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ اسْمَ طَرِيقِ مَكَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِتَعْيِينِ غَزْوَةِ تَبُوكَ تَرُدُّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ شَبِيهًا بِقِصَّةِ عِمْرَانَ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ ذُو مِخْبَرٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ذِي مِخْبَرٍ أَيْضًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي كَلَأَ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَلَأ لَهُمُ الْفَجْرَ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَسْرَيْنَا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ سَرَيْتُ وَأَسْرَيْتُ بِمَعْنَى إِذَا سِرْتُ لَيْلًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ السُّرَى سَيْرُ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَقِيلَ سَيْرُ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَالِفُ الْقَوْلَ الثَّانِيَ.

قَوْلُهُ: (وَقَعْنَا وَقْعَةً) فِي رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِهِمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَهُوَ سُؤَالُ بَعْضِ الْقَوْمِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا أُوقِظُهُمْ

قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) بِنَصْبِ أَوَّلَ ; لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَقَوْلُهُ الرَّابِعُ هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى خَبَرِ كَانَ أَيْضًا، وَقَدْ بَيَّنَ عَوْفٌ أَنَّهُ نَسِيَ تَسْمِيَةَ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُسَمِّيهِمْ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدُهُ سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ فَسَمَّى أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ. وَيُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِمْرَانَ رَاوِيَ الْقِصَّةِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ مُشَاهَدَتُهُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ مَنْ شَارَكَ عِمْرَانَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ ذُو مِخْبَرٍ: فَمَا أَيْقَظَنِي إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجِئْتُ أَدْنَى الْقَوْمِ فَأَيْقَظْتُهُ، وَأَيْقَظَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بِضَمِّ الدَّالِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ مِنَ الْوَحْيِ، كَانُوا يَخَافُونَ مِنْ إِيقَاظِهِ قَطْعَ الْوَحْيِ فَلَا يُوقِظُونَهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَمْرِ الْأَعَمِّ احْتِيَاطًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا) هُوَ مِنَ الْجَلَادَةِ بِمَعْنَى الصَّلَابَةِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ هُنَا أَجْوَفُ أَيْ رَفِيعُ الصَّوْتِ، يَخْرُجُ صَوْتُهُ مِنْ جَوْفِهِ بِقُوَّةٍ. وَفِي اسْتِعْمَالِهِ التَّكْبِيرَ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَخَصَّ التَّكْبِيرَ ; لِأَنَّهُ أَصْلُ الدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي أَصَابَهُمْ) أَيْ مِنْ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا.

قَوْلُهُ: (لَا ضَيْرَ) أَيْ لَا ضَرَرَ، وَقَوْلُهُ أَوْ لَا يُضِيرُ شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لَا يَسُوءُ

وَلَا يُضِيرُ وَفِيهِ تَأْنِيسٌ لِقُلُوبِ الصَّحَابَةِ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا بِأَنَّهُمْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (ارْتَحِلُوا) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْفَائِتَةِ عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَغَافُلٍ أَوْ اسْتِهَانَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّبَبَ فِي الْأَمْرِ بِالِارْتِحَالِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ وَلَفْظُهُ فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلُوا عَنْ مَكَانِكُمُ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ كَانَ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، بَلْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى وَجَدُوا حَرَّ الشَّمْسِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ الصَّلَاةَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأَحْوَالِهَا، وَقِيلَ تَحَرُّزًا مِنَ الْعَدُوِّ، وَقِيلَ انْتِظَارًا لِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَحْيِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ غَفْلَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ لِيَسْتَيْقِظَ مَنْ كَانَ نَائِمًا وَيَنْشَطَ مَنْ كَانَ كَسْلَانًا.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَأْخِيرَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْحَدِيثَ مَدَنِيٌّ فَكَيْفَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمُ الْمُتَأَخِّرَ؟ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ النَّوْمِ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي قَالَ النَّوَوِيُّ: لَهُ جَوَابَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ لَهُ حَالَانِ: حَالٌ كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ لَا يَنَامُ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَحَالٌ يَنَامُ فِيهِ قَلْبُهُ وَهُوَ نَادِرٌ، فَصَادَفَ هَذَا أَيْ قِصَّةَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَا يُقَالُ الْقَلْبُ وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ الْفَجْرِ مَثَلًا لَكِنَّهُ يُدْرِكُ إِذَا كَانَ يَقْظَانًا مُرُورَ الْوَقْتِ الطَّوِيلِ، فَإِنَّ مِنِ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ حَمِيَتِ الشَّمْسُ مُدَّةً طَوِيلَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ قَلْبُهُ إِذْ ذَاكَ مُسْتَغْرِقًا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالنَّوْمِ، كَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ حَالَةَ إِلْقَاءِ الْوَحْيِ فِي الْيَقَظَةِ، وَتَكُونُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَيَانَ التَّشْرِيعِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ.

وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا جَوَابُ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ السَّهْوُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ، فَفِي النَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَدْ أُجِيبَ عَلَى أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ، مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَنَامُ قَلْبِي أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالَةُ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَسْتَغْرِقُ بِالنَّوْمِ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ الْحَدَثُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: كَأَنَّ قَائِلَ هَذَا أَرَادَ تَخْصِيصَ يَقَظَةِ الْقَلْبِ بِإِدْرَاكِ حَالَةِ الِانْتِقَاضِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي خَرَجَ جَوَابًا عَنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ وَهَذَا كَلَامٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْوِتْرِ فَتُحْمَلُ يَقَظَتُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْيَقَظَةِ لِلْوِتْرِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِي النَّوْمِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِهِ وَبَيْنَ مَنْ شَرَعَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِالْيَقَظَةِ. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ وَلَا إِشْكَالَ فِي حَدِيثِ النَّوْمِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ; لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اطْمَأَنَّ فِي نَوْمِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ تَعَبُ السَّيْرِ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ بِكِلَاءَةِ الْفَجْرِ. اهـ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمُحَصَّلُهُ تَخْصِيصُ الْيَقَظَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي بِإِدْرَاكِهِ وَقْتَ الْوِتْرِ إِدْرَاكًا مَعْنَوِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَأَنَّ نَوْمَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَ نَوْمًا مُسْتَغْرِقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بِلَالٍ لَهُ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَوْمَ بِلَالٍ كَانَ مُسْتَغْرِقًا. وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ خُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ السِّيَاقُ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ.

وَمِنَ الْأَجْوِبَةِ

الضَّعِيفَةِ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ قَلْبُهُ يَقْظَانًا وَعَلِمَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ لَكِنْ تَرَكَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ عَمْدًا لِمَصْلَحَةِ التَّشْرِيعِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِنَفْيِ النَّوْمِ عَنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ كَمَا يَطْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ حَقٌّ وَوَحْيٌ. فَهَذِهِ عِدَّةُ أَجْوِبَةٍ أَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ الْأَوَّلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ عَنْ صَلَاةِ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ وَادِيًا فَيَخْرُجُ عَنْهُ. وَقِيلَ إِنَّمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ الْوَادِي بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا غَيْرِهِ ذَلِكَ إِلَّا هُوَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ فِي مَكَانٍ عَنْ عِبَادَةٍ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّحَوُّلُ مِنْهُ، وَمِنْهُ أَمْرُ النَّاعِسِ فِي سَمَاعِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.

قَوْلُهُ: (فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِارْتِحَالَ الْمَذْكُورَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ سَيْرِهِمُ الْمُعْتَادِ.

قَوْلُهُ: (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّدَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْأَذَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا الْإِقَامَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ التَّصْرِيحُ بِالتَّأْذِينِ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ الْمَوَاقِيتِ. وَتَرْجَمَ لَهُ خَاصَّةً بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِالنَّاسِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَوَائِتِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ مَا نَصُّهُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو رِفَاعَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ رِوَايَةٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ . قُلْتُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لِتَقَدُّمِ وَقْعَةَ بَدْرٍ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِلَا خِلَافٍ، فَكَيْفَ يَحْضُرُ هَذِهِ الْقِصَّةَ بَعْدَ قَتْلِهِ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَهُ رِوَايَةٌ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مُنْقَطِعَةً، أَوْ مُتَّصِلَةً لَكِنْ نَقَلَهَا عَنْهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ وَنَحْوُهُ.

وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ إِلَّا أَنْ تَجِيءَ رِوَايَةٌ عَنْ تَابِعِيٍّ غَيْرِ مُخَضْرَمٍ وَصَرَّحَ فِيهَا بِسَمَاعِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ، إِلَّا إِنْ وَرَدَتْ رِوَايَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا إِلَى الْآنَ.

قَوْلُهُ: (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيْ مَعِي أَوْ مَوْجُودٌ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ عُذْرِهِ. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةُ تَيَمُّمِ الْجُنُبِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَفِيهَا جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْآيَةِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ، وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِيهِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَتَيَمَّمُ، فَعَمِلَ بِذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ أَصْلًا فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا رَأَى فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَسْأَلَ فَاعِلَهُ عَنِ الْحَالِ فِيهِ لِيُوَضِّحَ لَهُ وَجْهَ الصَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ تَرْكَ الشَّخْصِ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الْمُصَلِّينَ مَعِيبٌ عَلَى فَاعِلِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَفِيهِ حُسْنُ الْمُلَاطَفَةِ، وَالرِّفْقُ فِي الْإِنْكَارِ.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) وَفِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي الْبَيَانِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنَ الْإِفْهَامِ ; لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ مِنَ الْآيَةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِهَا. وَدَلَّ قَوْلُهُ يَكْفِيكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمرَادُ بِقَوْلِهِ يَكْفِيكَ أَيْ لِلْأَدَاءِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا فُلَانًا) هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ

زَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ عَجَّلَنِي النَّبِيُّ فِي رَكْبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْلُبُ الْمَاءَ وَدَلَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فَقَطْ ; لِأَنَّهُمَا خُوطِبَا بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ لَهُمَا فَيُتَّجَهُ إِطْلَاقُ لَفْظِ رَكْبٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَخُصَّا بِالْخِطَابِ ; لِأَنَّهُمَا الْمَقْصُودَانِ بِالْإِرْسَالِ.

قَوْلُهُ: (فَابْتَغِيَا) لِلْأَصِيلِيِّ فَابْغِيَا وَلِأَحْمَدَ فَأَبْغِيَانَا وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ يُقَالُ ابْتَغِ الشَّيْءَ أَيْ تَطَلَّبْهُ، وَابْغِ الشَّيْءَ أَيِ اطْلُبْهُ، وَأَبْغِنِي أَيِ اطْلُبْ لِي. وَفِيهِ الْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ دُونَ الْوُقُوفِ عِنْدَ خَرْقِهَا، وَأَنَّ التَّسَبُّبَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) الْمَزَادَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ كَبِيرَةٌ يُزَادُ فِيهَا جِلْدٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَأَوْ هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ لِخُلُوِّ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ - أَيْ مُدَلِّيَةٍ - رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرَّاوِيَةُ.

قَوْلُهُ: (أَمْسِ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَهَذِهِ السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: أَصْلُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ أَيْ بَعْدَ حَذْفِ فِي.

قَوْلُهُ: (وَنَفَرْنَا) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ النَّفَرُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ النَّفَرُ النَّاسُ عَنْ كَرَاعٍ. قُلْتُ: وَهُوَ اللَّائِقُ هُنَا ; لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ رِجَالَهَا تَخَلَّفُوا لِطَلَبِ الْمَاءِ. وَخُلُوفٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ جَمْعُ خَالِفٍ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْخَالِفُ الْمُسْتَقِي، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ غَابَ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، أَيْ أَنَّ رِجَالَهَا غَابُوا عَنِ الْحَيِّ، وَيَكُونُ قَوْلُهَا وَنَفَرْنَا خُلُوفٌ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً زَائِدَةً عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ. وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَنَفَرْنَا خُلُوفًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ السَّادَّةِ مَسَدَّ الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (الصَّابِي) بِلَا هَمْزٍ أَيِ الْمَائِلُ، وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ مِنْ صَبَأَ صُبُوءًا، أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَا لَهَا لَا لَفَاتَ الْمَقْصُودُ، أَوْ نَعَمْ لَمْ يَحْسُنْ بِهِمَا إِذْ فِيهِ تَقْرِيرٌ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَا أَحْسَنَ تَخَلُّصٍ. وَفِيهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ (١) عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إِنَّمَا أَخَذُوهَا وَاسْتَجَازُوا أَخْذَ مَائِهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً حَرْبِيَّةً، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَهْدٌ فَضَرُورَةُ الْعَطَشِ تُبِيحُ لِلْمُسْلِمِ الْمَاءَ الْمَمْلُوكَ لِغَيْرِهِ عَلَى عِوَضٍ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الشَّارِعِ تُفْدَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ.

قَوْلُهُ: (فَفَرَّغَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ زَادَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَتَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَتَّضِحُ الْحِكْمَةُ فِي رَبْطِ الْأَفْوَاهِ بَعْدَ فَتْحِهَا، وَإِطْلَاقِ الْأَفْوَاهِ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مَزَادَةٍ سِوَى فَمٍ وَاحِدٍ، وَعُرِفَ مِنْهَا أَنَّ الْبَرَكَةَ إِنَّمَا حَصَلَتْ بِمُشَارَكَةِ رِيقِهِ الطَّاهِرِ الْمُبَارَكِ لِلْمَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَوْكَأَ) أَيْ رَبَطَ، وَقَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ) أَيْ فَتَحَ وَالْعَزَالِي بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا جَمْعُ عَزْلَاءَ بِإِسْكَانِ الزَّايِ. قَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ مَصَبُّ الْمَاءِ مِنَ الرَّاوِيَةِ، وَلِكُلِّ مَزَادَةٍ عِزَالَانِ مِنْ أَسْفَلِهَا.

قَوْلُهُ: (أَسْقُوا) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ مِنْ أَسْقَى، أَوْ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ مِنْ سَقَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ سَقَوْا غَيْرَهَمْ كَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا وَاسْتَقَوْا هُمْ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى) بِنَصْبِ آخِرَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْ أَعْطَى اسْمُ كَانَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ أَعْطَى الْخَبَرُ ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْرِفَةٌ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ شُرْبِ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَصْلَحَةِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِتَأْخِيرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا عَمَّنْ سَقَى وَاسْتَقَى، وَلَا يُقَالُ قَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ غَيْرِ أَنَّا لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ; لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ لَمْ تَكُنْ

مُحْتَاجَةً إِذْ ذَاكَ إِلَى السَّقْيِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فَسَقَى عَلَى غَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَايْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ أَصْلُهُ ايْمُنُ اللَّهِ وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ وَلَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي، وَفِيهَا لُغَاتٌ جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَبَلَغَ بِهَا غَيْرُهُ عِشْرِينَ، وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَةٌ لِبَيَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.

قَوْلُهُ: (أَشَدُّ مِلْأَةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَمْلَأُ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا.

قَوْلُهُ: (اجْمَعُوا لَهَا) فِيهِ جَوَازُ الْأَخْذِ لِلْمُحْتَاجِ بِرِضَا الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ إِنْ تَعَيَّنَ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمُعَاطَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا مِنَ الْهِبَاتِ وَالْإِبَاحَاتِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنَ الْمُعْطِي وَالْآخِذِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَسَوِيقَةٍ) الْعَجْوَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَالسَّوِيقَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَذَا الدَّقِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا.

قَوْلُهُ: (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ كَثِيرًا وَفِيهِ إِطْلَاقُ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِ الْحِنْطَةِ وَالذُّرَةِ خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَجْوَةِ وَغَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَهَا تَعَلَّمِينَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ اعْلَمِي، وَلِلْأَصِيلِيِّ قَالُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ. وَقَدِ اشْتَمَلَ ذَلِكَ عَلَى عَلَمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَا رَزِئْنَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ أَيْ نَقَصْنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَاءِ مِمَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوْجَدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَائِهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ مُخْتَلِطًا، وَهَذَا أَبْدَعُ وَأَغْرَبُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا نَقَصْنَا مِنْ مِقْدَارِ مَائِكِ شَيْئًا. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا النَّجَاسَةَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّكَرُّمِ وَالتَّفَضُّلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا) أَيْ أَشَارَتْ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ.

قَوْلُهُ: (يُغِيرُونَ) بِالضَّمِّ مِنْ أَغَارَ أَيْ دَفَعَ الْخَيْلَ فِي الْحَرْبِ.

قَوْلُهُ: (الصِّرْمَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ أَبْيَاتًا مُجْتَمِعَةً مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا) هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مَا مَوْصُولَةٌ، وَأَرَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِمَعْنَى أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَكُمْ عَمْدًا لَا غَفْلَةً وَلَا نِسْيَانًا، بَلْ مُرَاعَاةً لِمَا سَبَقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ فِي مُرَاعَاةِ الصُّحْبَةِ الْيَسِيرَةِ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ سَبَبًا لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مَا أَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَدْرِي يَعْنِي رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ: وَمَا مَوْصُولَةٌ وَأَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا نَافِيَةٌ وَأَنَّ بِمَعْنَى لَعَلَّ. وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ وَإِنَّ بِالْكَسْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا أَعْلَمُ حَالَكُمْ فِي تَخَلُّفِكُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا.

وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْكُفَّارِ بِمُجَرَّدِهِ يُوجِبُ رِقَّ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَتِ الْمَرْأَةُ فِي الرِّقِّ بِاسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا فَكَيْفَ وَقَعَ إِطْلَاقُهَا وَتَزْوِيدُهَا كَمَا تَقَدَّمَ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: أُطْلِقَتْ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ الَّذِي جَرَّ دُخُولَ قَوْمِهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَانٌ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ عَهْدٌ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِثَمَنٍ إِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَرْأَةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مَعْصُومَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيَحْتَاجُ

إِلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَدَّمْنَاهُ احْتِمَالًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ بِثَمَنٍ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِعْطَائِهَا مَا ذَكَرَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ مُتَقَوَّمَةٌ، وَالْمَاءَ مِثْلِيٌّ، وَضَمَانُ الْمِثْلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْمِثْلِ. وَيَنْعَكِسُ مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ لَا يَجِبُ الْعِوَضُ عَنْهُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ جَوَازُ طَعَامِ الْمُخَارَجَةِ ; لِأَنَّهُمْ تَخَارَجُوا فِي عِوَضِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَفِيهِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَبَأَ. . . إِلَخْ) هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: صَبَأَ فُلَانٌ: انْخَلَعَ. وَأَصْبَأَ، أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ. . . إِلَخْ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ عَمِّ نُوحٍ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أُصِبْ أَمَلْ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّابِئِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّابِئِ الْمَنْسُوبِ لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧ - بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوْ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ

وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ. . . إِلَخْ) مُرَادُهُ إِلْحَاقُ خَوْفِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ بِخَوْفِ الْعَطَشِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

وَرَوَيَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، لَكِنْ زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا وَهُوَ أَبُو قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَالَ فِي الْقِصَّةِ فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَقُلْ تَيَمَّمَ، وَقَالَ فِيهِ لَوِ اغْتَسَلْتُ مِتُّ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ فِيهَا فَتَيَمَّمَ. انْتَهَى. وَرَوَاهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ، وَالسِّيَاقُ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَوْهَمَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَلَا الْآيَةَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلَاهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ، وَكَانَ النَّبِيُّ قَدْ أَمَّرَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي.

وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْآيَةِ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ تَيَمَّمَ عَنِ الْبَاقِي، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يُعَنِّفْ) حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ لَمْ يَلُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَمْرًا، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَازِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ بِزِيَادَةِ هَاءِ الضَّمِيرِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّيَمُّمِ لِمَنْ يَتَوَقَّعُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْهَلَاكَ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَجَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ بِالْمُتَوَضِّئِينَ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٣٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) ولأبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: «مُسَدَّد بن مسرهد» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ (١) وابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو (٢) الأعرابيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم والمدِّ (٣)، عمران بن مِلْحان؛ بكسر الميم وسكون اللَّام والحاء (٤) المُهمَلة، العطارديُّ، أدرك النَّبيَّ ولم يَرَهُ، وأسلم بعد الفتح، وتُوفِّي سنة بضعٍ ومئةٍ (عَنْ عِمْرَانَ) بن حصينٍ الخزاعيِّ، قاضي البصرة، قال أبو عمر: كان من فضلاء الصَّحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنَّه كان يرى الحفظة وكانت تكلِّمه حتَّى اكتوى فتركته (٥)، وتُوفِّي سنة اثنتين وخمسين، وله في «البخاريِّ» اثنا عشر حديثًا (قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في «مسلمٍ»، أو في الحديبية كما رواه أبو داود، أو في طريق مكَّة كما في «المُوطَّأ» من حديث زيد بن أسلم مُرسَلًا، أو بطريق تبوك كما رواه عبد الرَّزَّاق مُرسَلًا (مَعَ النَّبِيِّ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهريُّ: تقول: سريت وأسريت بمعنًى: إذا سرت ليلًا (حَتَّى إذا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومةً (وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي: مِنَ الوقعة في آخر اللَّيل، وكلمة: «لا» لنفي

الجنس، و «وقعة»: اسمها، و «أحلى» صفةٌ للوقعة، وخبر «لا» محذوفٌ، أو «أحلى» الخبر (فَمَا) ولابن عساكر: «وما» (أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ وَكَانَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «فكان» (أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ) اسم كان، و «أوَّلَ» بالنَّصب خبرُها مُقدَّمًا، أو «فلانٌ» بدلٌ من «أوَّل» على أنَّه اسم «كان» التَّامَّة، بمعنى: «وجد»، المستغنية عن الخبر، وقول الزَّركشيِّ: و «من» نكرةٌ موصوفةٌ، فيكون «أوَّل» أيضًا (١) نكرةً لإضافته إلى النَّكرة، أي: أوَّل رجلٍ استيقظ، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه لا (٢) يتعيَّن لجواز كونها موصولةً، أي: وكان أوَّل الذين استيقظوا، وأعاد الضَّمير بالإفراد رعايةً للَّفظ: «من». انتهى. وفلانٌ المستيقظ أوَّلًا هو أبو بكرٍ الصِّدِّيق (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أن يكون عمران الرَّاوي لأنَّ ظاهر سياقه أنَّه شاهد ذلك، ولا يمكنه مشاهدته إلَّا بعد استيقاظه، قال في «المصابيح»: والأَوْلى أن يُجعَل هذا من عطف الجمل، أي: ثمَّ استيقظ فلانٌ؛ إذ ترتُّبهم (٣) في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأوَّليَّة، ولا يمتنع أن يكون من عطف المُفرَدات، ويكون الاجتماع في الأوَّليَّة باعتبار البعض لا الكلِّ، أي: أنَّ جماعةً استيقظوا على التَّرتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ، لكن هذا لا يتأتَّى على رأي الزَّركشيِّ لأنَّه قال: «أي: أوَّل رجلٍ»، فإذا جُعِل (٤) هذا من قبيل عطف المُفرَدات لزم الإخبار عن جماعةٍ بأنَّهم أوَّل رجلٍ استيقظ، وهو باطلٌ (ثُمَّ فُلَانٌ) يحتمل أيضًا (٥) أن يكون من شارك عمران في رواية حديث (٦) هذه القصَّة المُعيَّنة، وهو ذو مِخْبَرٍ كما في «الطَّبرانيِّ» (يُسَمِّيهِمْ) أي: المستيقظين (أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (فَنَسِيَ عَوْفٌ) أي: الأعرابيُّ (ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (الرَّابِعُ) بالرَّفع صفةٌ لـ «عمر» المرفوع عطفًا على: «ثمَّ فلانٌ»، أو بالنَّصب خبر «كان» أي: ثمَّ

كان عمرُ بن الخطَّاب الرَّابعَ من المستيقظين، وأيقظ النَّاسُ بعضُهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول مع الإفراد، وللأربعة: «لم نوقِظه» بنون المتكلِّم وكسر القاف، والضَّمير المنصوب للنَّبيِّ (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ) بفتح المُثنَّاة وضمِّ الدَّال، من الحدوث (فِي نَوْمِهِ) أي: من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ) (وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصُّبح حتَّى خرج وقتها، وهم على غير ماءٍ، وجواب «لمَّا» محذوفٌ تقديره: فلمَّا استيقظ كبَّر (وَكَانَ) أي: عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) بفتح الجيم وكسر اللَّام، من الجلادة؛ وهي: الصَّلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بصَوْتِهِ) بالمُوحَّدة، أي: بسبب صوته، وللأربعة: «لصوته» باللَّام، أي: لأجل صوته (النَّبِيُّ ) وإنَّما استعمل التَّكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين؛ إحداهما: الذكر، والأخرى: الإيقاظ (١)، وخصَّ التَّكبير لأنَّه الأصل في الدُّعاء إلى الصَّلاة، واستُشكِل هذا مع قوله : «إنَّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي»، وأُجيبب أنَّ القلب إنَّما يدرك الحسيَّات المتعلِّقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلَّق بالعين لأنَّها نائمةٌ والقلب يقظان (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) ممَّا ذكر (قَالَ) ولابن عساكر: «فقال» بالفاء؛ تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصَّلاة عن وقتها: (لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ) أي: لا ضرر، يُقال: ضاره يضوره ويضيره، والشَّكُّ من عوفٍ، كما صرَّح به البيهقيُّ (ارْتَحِلُوا) بصيغة الأمر للجماعة المُخاطَبين مِنَ الصَّحابة (فَارْتَحَلَ) أي: النَّبيُّ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فارتحلوا» أي: عقب (٢) أمره بذلك، وكان السَّبب في الارتحال من ذلك الموضع

حضور (١) الشَّيطان فيه كما في «مسلمٍ» (فَسَارَ) ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ) بمن معه (فَدَعَا بِالوَضُوءِ) بفتح الواو (٢) (فَتَوَضَّأَ) وأصحابه (وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي: أُذِّن بها كما عند مسلمٍ والمؤلِّف في آخر (٣) «المواقيت» [خ¦٥٩٥] (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ) أي: انصرف (مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) لم يُسمَّ، أو هو خلَّاد بن رافع بن مالكٍ الأنصاريُّ، أخو رفاعة، لكن وهَّموا قائله (مُعْتَزِلٍ) أي: منفردٍ عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ قَالَ): يا رسول الله (أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) أي: موجودٌ بالكليَّة، و «ماءَ» بفتح الهمزة، وقول ابن حجرٍ، أي: معي، تعقَّبه العينيُّبأنَّ كلمة «لا» لنفي جنس الماء، وعدم الماء معه لا يستلزم عدمه عند غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفيُ جنس الماء، ويحتمل أن تكون «لا» هنا بمعنى: «ليس» فيرتفع «الماءُ» حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماءٌ عندي، وقال ابن دقيق العيد: حُذِف الخبر في قوله: «ولا ماءَ» أي: موجودٌ عندي، وفي حذف الخبر بسطٌ لعذره لِمَا فيه من عموم النَّفي، كأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة، بحيث لو وُجِد بسببٍ أو سعيٍ أو غير ذلك لحصَّله، فإذا نفى وجوده مُطلَقًا كان أبلغَ في النَّفيِ وأعذر له (قَالَ) : (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وفي رواية سَلْم (٤) بن زَريرٍ عند «مسلمٍ»: «فأمره (٥) أن يتيمَّم بالصَّعيد» (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) لإباحة صلاة الفرض الواحد مع النَّوافل، أو للصَّلاة مُطلَقًا ما لم تحدث (ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَنَزَلَ) (فَدَعَا فُلَانًا) هو عمران بن حصينٍ كما دلَّ عليه رواية سَلم بن زَريرٍ عند «مسلمٍ» (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العطارديُّ (نَسِيَهُ) ولابن عساكر: «ونسيه» (عَوْفٌ) الأعرابيُّ (وَدَعَا عَلِيًّا) هو ابن أبي طالبٍ (فَقَالَ) لهما: (اذْهَبَا فَابْتَغِيَا) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد المُوحَّدة، من

الابتغاء، وللأَصيليِّ: «فابغيا» وهو من الثَّلاثيِّ، وهمزته همزة وصلٍ، أي: فاطلبا (المَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزَادةٍ؛ بفتح الميم والزَّاي: الرَّاوية أو القربة الكبيرة، وسُمِّيت بذلك لأنَّه يُزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها (أَوْ) بين (سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحةٍ؛ بفتح السِّين وكسر الطَّاء المُهمَلتين، بمعنى: المزادة، أو وعاءٌ من جلدين سطح (١) أحدهما على الآخر، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو (٢) عوفٌ (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) سقط «من ماءٍ» عند ابن عساكر (فَقَالَا لَهَا: أَيْنَالمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالمَاءِ أَمْسِ) بالبناء على الكسر عند الحجازيِّين، ويُعرَب غير منصرفٍ للعلميَّة والعدل عند تميمٍ (٣) فتُفتَح سينُه إذا كان ظرفًا، ويحتمل أن يكون «عهدي» مبتدأ و «بالماء» متعلِّقٌ به، و «أمس» ظرفٌ له، وقوله: (هَذِهِ السَّاعَةَ) بدلٌ من «أمس» بدلُ بعضٍ من كلٍّ، أي: مثل هذه السَّاعة، والخبر محذوفٌ، أي: حاصلٌ ونحوه، أو «هذه السَّاعة» ظرفٌ، قال ابن مالكٍ: أصله: «في مثل هذه السَّاعة» فحُذِف المُضاف وأُقيم المُضاف إليه مقامه، وجوَّز أبو البقاء أن يكون «أمس» خبر «عهدي» لأنَّ المصدر يُخبَر عنه بظرف الزَّمان، وعلى هذا تُضَمُّ سين «أمسُ» على لغة تميمٍ، وجوَّز في «المصابيح» أن يكون «بالماء» خبر «عهدي»، و «أمس» ظرفٌ لعامل هذا الخبر، أي: عهدي متلبِّسٌ (٤) بالماء في أمس، ولم يجعل الظَّرف متعلِّقًا بـ «عهدي» -كما مرَّ- قال: لأنِّي جعلت «بالماء» خبرًا، فلو عُلِّق الظَّرف بـ «العهد» مع كونه مصدرًا لزم الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته، وهذا باطلٌ. انتهى.

(وَنَفَرُنَا) أي: رجالنا (خُلُوفًا) بضمِّ الخاء المُعجَمة واللَّام المُخفَّفة، جمع: خالفٍ، وهو المستقي أو الغائب (٥)، والنَّصب كما في رواية المُستملي والحَمُّوييعلى الحال السَّادَّة مسدَّ الخبر، قاله الزَّركشيُّ والبدر الدَّمامينيُّ وابن حجرٍ، أي: متروكون خُلُوفًا، مثل: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨]

بالنَّصب (١)، وتعقَّبه العينيُّ فقال: ما الخبر هنا حتَّى يسدُّ الحال مسدَّه؟! قال: والأوجه ما قاله الكِرمانيُّ أنَّه منصوبٌ بـ «كان» المُقدَّرة، وللأَصيليِّ: «خُلُوفٌ» بالرَّفع خبر المبتدأ، أي: غُيَّبٌ، أو خرج رجالهم للاستقاء (٢) وخلَّفوا النِّساء، أو غابوا وخلَّفوهنَّ (قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟!) بالهمز، من صبأ؛ أي (٣): خرج من دينٍ إلى آخر، ويُروَىبتسهيله (٤) ياءً من: صبا يصبو إذا مال (٥)، أي: المائل (قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي: تريدين، وفيه تخلُّصٌ حسنٌ؛ لأنَّهما لو قالا: لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لكان فيه تقريرٌ لكونه كان (٦) صابئًا، فتخلَّصا بهذا اللَّفظ، وأشارا إلى ذاته الشَّريفة، لا إلى تسميتها (فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) أي: عليٌّ وعمران (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «إلى (٧) رسول الله» ( وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحُصَين: (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي: طلبوا منها النُّزول عنه، وجُمِعَ باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممَّن يعينهما (وَدَعَا النَّبِيُّ ) بعد أن أحضروها بين يديه (بِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ) ، من التَّفريغ (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأفرغ» من الإفراغ (مِنْ أَفْوَاهِالمَزَادَتَيْنِ) جمع في موضع التَّثنية على حدِّ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]

(أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ) أي: أفرغ من أفواههما، والشَّكُّ من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي: ربط (أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ) أي: فتح (العَزَالِيَ) بفتح المُهمَلة والزَّايِ وكسر اللَّام، ويجوز فتحها وفتحالياء، جمع: عزْلاء؛ بإسكان الزَّايِ والمدِّ، أي: فم المزادتين (١) الأسفل؛ وهي عروتها التي يخرج منها الماء بسعةٍ، ولكلِّ مزادةٍ عزلاوان (٢) من أسفلها (وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا) بهمزة وصلٍ من «سقى» فتُكسَر، أو قطعٍ من «أسقى» فتُفتَح، أي: اسقوا غيركم (٣) كالدَّوابِّ (وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ سَقَى) ولابن عساكر: «فسقى من شاء» (وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ) فرَّق بينه وبين «من (٤) سقى» لأنَّه (٥) لنفسه، و «سقى» لغيره من ماشيةٍ ونحوه، و «استقى» (٦) قِيلَ: بمعنى سقى، وقِيلَ: إنَّما يقال: سقيته لنفسه، واستقيته (٧) لماشيته (وَكَانَ آخِرَ ذَلِكَ) بنصب «آخرَ» خبر «كان» مُقدَّمًا، والتَّالي اسمها، وهو قوله: (أَنْ) مصدريَّةٌ (أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ) (٨) وكان معتزلًا (إِنَاءً مِنْ مَاءٍ) ويجوز رفع «آخرُ» على أنّ «أعطى» الخبر، قال أبو البقاء: والأوَّل أقوى لأنَّ «أن» والفعل أعرف من الفعل المُفرَد، وقد قُرِئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا﴾ [النمل: ٥٦] بالوجهين (قَالَ) أي: النَّبيُّ للَّذي أصابته الجنابة: (اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ) بهمزة القطع في «فأفرغه» (وَهْيَ) أي: والحال أنَّ المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ) بالبناء للمجهول (بِمَائِهَا) قِيلَ: إنَّما

أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنَّها كانت كافرةً حربيَّةً، وعلى تقدير أن يكون لها عهدٌ فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عِوَضٍ، وإلَّا فنفس الشَّارع تُفدَى بكلِّ شيءٍ على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللهِ) بوصل الهمزة والرَّفع، مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: قَسَمي (لَقَدْ أُقْلِعَ) بضمِّ الهمزة، أي: كُفَّ (عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً (١)) بكسر الميم وسكون اللَّام وبعدها همزةٌ ثمَّ تاء تأنيثٍ، أي: امتلاءً (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) وهذا من عظيم (٢) آياته وباهر دلائل (٣) نبوَّته ، حيث توضَّؤوا وشربوا وسقوا (٤) واغتسل الجنب، بل في رواية سَلْم بن زَريرٍ: أنَّهم ملؤوا كلَّ قربةٍ كانت معهم ممَّا سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين (٥)، بل تخيَّل الصَّحابة أنَّ ماءها (٦) أكثر ممَّا كان أوَّلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ) لأصحابه: (اجْمَعُوا لَهَا) لعلَّه تطييبٌ لخاطرها في مُقابَلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنَّه عوضٌ عمَّا أخذ من الماء (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ) وفي روايةٍ: «ما بين» (عَجْوَةٍ) تمرٍ، أجود تمر المدينة (وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ) بفتح أوَّلهما، ولكريمة: «ودُقَيْقَةٌ وسُوَيْقةٌ» بضمِّهما (٧) مُصغَّرين (حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) زاد أحمد في روايته: «كثيرًا»، و «الطَّعام» في اللُّغة: ما يُؤكَل، قال (٨) الجوهريُّ: وربَّما خصَّ الطَّعام بالبُرِّ (فَجَعَلُوهُ) أي: الذي جمعوه، ولأبي ذَرٍّ: «فجعلوها» أي: الأنواع المجموعة (فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا) أي: المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قدَّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله ، وللأَصيليِّ: «قالوا لها» أي: الصَّحابة بأمره (تَعْلَمِينَ)

بفتح التَّاء (١) وسكون العين وتخفيف اللَّام، كذا في فرع «اليونينيَّة»: مُفرَدٌ مُخاطَبٌ مُؤنَّثٌ من «باب عَلِم يعلَم»، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بفتح أوَّله وثانيه وتشديد اللَّام (٢)، أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) بفتح الرَّاء وكسر الزَّاي، وقد تُفتَح، وبعدها همزةٌ ساكنةٌ، أي: ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه (٣) من الماء ممَّا زاده الله وأوجده، ويؤيِّده قوله: (وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) بالهمز، ولابن عساكر: «سقانا» (فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا) أي: أهلها، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقالوا» (مَا) وللأَصيليِّ: «فقالوا لها: ما» (حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: العَجَبُ) أي: حبسني العجب (لَقِيَنِي رَجُلَانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي) ولأبي ذَرٍّ: «إلى (٤) هذا الرَّجل الذي» (يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ) عبَّر بـ «مِن» البيانيَّة، وإلَّا فكان (٥) المناسب التَّعبير بـ «في» بدل «من»، على أنَّ حروف الجرِّ قد ينوب بعضها عن بعض (وَقَالَتْ) أي: أشارت (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ) لأنَّه (٦) يُشار بهما (٧) عند المُخاصَمة والسَّبِّ، وهي المسبِّحة لأنَّها (٨) يُشار بها إلى التَّوحيد والتَّنزيه (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي) أي: المرأة (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) (حَقًّا) هذا منها ليس بإيمانٍ للشَّكِّ، لكنَّها أخذت في النَّظر فأعقبها الحقّ، فآمنت بعد ذلك (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) وللأَصيليِّ: «بعد يُغيرون» بضمِّ الياء من «أغار»، ويجوز فتحها من «غار» وهو قليلٌ (٩) (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) بكسر الصَّاد وسكون الرَّاء؛ النَّفر ينزلون بأهليهم على الماء أو أبياتٌ من النَّاس مجتمعةٌ، وإنَّما لم يغيروا عليهم وهم كَفَرةٌ للطَّمع في اسلامهم بسببها أو لرعاية ذمامها

(فَقَالَتْ) أي: المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أَرَى) بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي أعتقد (١) (أَنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمَ) بفتح همزة «أنَّ» مع تشديد النُّون (يَدَعُونَكُمْ) بفتح الدَّال (٢)، من الإغارة (عَمْدًا) لا جهلًا (٣) ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاةً لِما سبق بيني وبينهم، وفي رواية الأكثرين: «ما أَرى هؤلاء» بفتح همزة «أرى» وإسقاط «أنَّ»، والأولى رواية أبي ذَرٍّ، ولابن عساكر: «ما أُرى» بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ «إن هؤلاءِ» بكسر الهمزة، كذا في الفرع، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «ما أدري أنَّ» بالدَّال بعد الألف، و «أنَّ» بفتح الهمزة والتَّشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إيَّاكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيِّد أن يكون «إن هؤلاء» بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يُفتَح على إعمال «أدري» فيه؛ لأنَّها قد عملت بطريق الظَّاهر (٤)، ويكون مفعول «أدري» محذوفًا، والمعنى: ما أدري لماذا تمتنعون من الإسلام أنَّ المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا (٥) مع القدرة عليكم (فَهَلْ لَكُمْ) رغبةٌ (فِي الإِسْلَامِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ).

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٥٧١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وزاد في رواية المُستملي هنا ممَّا ليس في الفرع: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف في تفسير: (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلىَ غَيْرِهِ، وقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رفيع بن مهران الرِّياحيُّ ممَّا وصله ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»: (﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٢]) هم (فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) وقال البيضاويُّ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: قومٌ بين النَّصارى والمجوس، وقِيلَ: أصل دينهم دين نوحٍ، وقِيلَ: هم عبَدة الملائكة، وقِيلَ: عبَدة الكواكب، وأورده المؤلِّف هنا ليبين الفرق بين الصَّابئ المرويِّ في الحديث، والصَّابئ المنسوب لهذه الطائفة.

(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ المَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ العَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه أو رفيقه ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يتيمَّم» أي: مع وجود الماء.

(وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: «فتلا»: (﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: «فَذَكَرَ ذلك» أي: عمرٌو للنَّبيِّ ( فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عَمْرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يعنِّفه» بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر، أي: لم يلُمْه رسول الله ، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمرٍو ولم يذكر «التَّيمُّم» (١)، ولم يقل عمرٌو الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ كما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيَان صُورَة الضَّرْب للتعليم لَا لبَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ بَعضهم: ويعقب بِأَن سِيَاق الْكَلَام يدل على التَّصْرِيح أَن المُرَاد بَيَان جَمِيع مَا يحصل بِهِ التَّيَمُّم، لِأَن ذَلِك هُوَ الظَّاهِر من قَوْله: إِنَّمَا يَكْفِيك. انْتهى. قلت: قَالَ الطَّحَاوِيّ وَغَيره. إِن حَدِيث عمار لَا يصلح حجَّة فِي كَون التَّيَمُّم إِلَى الْكَفَّيْنِ أَو الكوعين أَو الْمرْفقين أَو الْمَنْكِبَيْنِ أَو الإبطين، كَمَا ذهبت إِلَى كل وَاحِد طَائِفَة من أهل الْعلم، وَذَلِكَ لاضطرابه كَمَا قد رَأَيْت، فَلذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد ضعف بعض أهل الْعلم حَدِيث عمار فِي التَّيَمُّم للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لما روى عَنهُ حَدِيث المناكب والأباط.

٦ - (بابٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ الْماءِ)

أَي: هَذَا بَاب يبين فِيهِ الصَّعِيد الطّيب إِلَى آخِره، وَبَاب، بِالتَّنْوِينِ. قَوْله: (الصَّعِيد) مُبْتَدأ (وَالطّيب) صفته، وَقَوله: (وضوء الْمُسلم) خَبره. وَقد ذكرنَا عَن قريب معنى: الصَّعِيد الطّيب. قَوْله: (يَكْفِيهِ) أَي: يجْزِيه ويغنيه عَن المَاء عِنْد عَدمه حَقِيقَة أَو حكما، وَمثل هَذِه التَّرْجَمَة روى الْبَزَّار من طَرِيق هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب إرْسَاله، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي قلَابَة عَن عَمْرو بن بجدان عَن أبي ذَر: (اجْتمعت غنيمَة عِنْد رَسُول ا) الحَدِيث، وَفِيه، فَقَالَ: (الصَّعِيد الطّيب وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر سِنِين) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَلَا يلْتَفت إِلَى تَضْعِيف ابْن الْقطَّان لهَذَا الحَدِيث بِعَمْرو بن بجدان لكَون حَاله لَا يعرف، وَيَكْفِي تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ إِيَّاه فِي معرفَة حَال عَمْرو بن بجدان، وبجدان، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْجِيم بعْدهَا دَال مُهْملَة وَفِي آخِره نون. قَوْله: (وَلَو إِلَى عشر سِنِين) المُرَاد بهَا الْكَثْرَة لَا الْعشْرَة، وَتَخْصِيص الْعشْرَة لأجل الْكَثْرَة لِأَنَّهَا مُنْتَهى عدد الْآحَاد. وَالْمعْنَى: أَن لَهُ أَن يفعل التَّيَمُّم مرّة بعد أُخْرَى، وَإِن بلغت مُدَّة عدم المَاء إِلَى عشر سِنِين، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: أَن التَّيَمُّم دفْعَة وَاحِدَة يَكْفِيهِ عشر سِنِين.

وقالَ الحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُمُ مَا لمْ يُحْدِثْ.

أَي: قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: يَكْفِيهِ التَّيَمُّم الْوَاحِد مَا لم يحدث، أَي: مُدَّة عدم الْحَدث. قَوْله: (يُجزئهُ) ، بِضَم الْيَاء وبالهمزة فِي آخِره من: الْإِجْزَاء، وَهُوَ لُغَة: الْكِفَايَة، وَاصْطِلَاحا: الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، ويروى: (يجْزِيه) ، بِفَتْح الْيَاء الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: جزأت بالشَّيْء اكتفيت بِهِ، وجزى عني هَذَا، أَي: قضى فَهُوَ على التَّقْدِيرَيْنِ لَازم، فَلَعَلَّ التَّقْدِير:

يقْضِي عَن المَاء التَّيَمُّم، فَحذف الْجَار وأوصل الْفِعْل، وَالْقَصْد أَن التَّيَمُّم حكمه حكم الْوضُوء فِي جَوَاز أَدَاء الْفَرَائِض المتعددة بِهِ والنوافل مَا لم يحدث بِأحد الحدثين، وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ إِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَابْن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَاللَّيْث وَالْحسن بن حييّ وَدَاوُد بن عَليّ، وَهُوَ الْمَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اتعالى عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: يتَيَمَّم لكل صَلَاة فرض، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ قَول قَتَادَة وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَشريك وَاللَّيْث وَأبي ثَوْر، وَذكره الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس من طرق ضَعِيفَة، وَمن حَدِيث قَتَادَة عَن عَمْرو بن الْعَاصِ والْحَارث عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي اتعالى عَنْهُم. وَعند الْحَاكِم مصححاً من حَدِيث أبي ذَر، وَقد طول الْكرْمَانِي فِي الِاحْتِجَاج للشَّافِعِيّ وَمن تبعه فِي هَذَا من طَرِيق الْعقل وَالنَّقْل يُبطلهُ، ثمَّ إِن البُخَارِيّ ذكر عَن الْحسن مُعَلّقا، وَوَصله ابْن أبي شيبَة: حدّثنا هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن. قَالَ: (لَا ينْقض التَّيَمُّم إلَاّ الْحَدث) ، وَحَكَاهُ أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم وَعَطَاء، وَوَصله أَيْضا عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه: (يجزىء تيَمّم وَاحِد مَا لم يحدث) . وَوَصله أَبُو مَنْصُور أَيْضا، وَلَفظه: (التَّيَمُّم بِمَنْزِلَة الْوضُوء، إِذا تَوَضَّأت فَأَنت على وضوء حَتَّى تحدث) . وَقَالَ ابْن حزم: وروينا عَن حَمَّاد بن سَلمَة، يَعْنِي من (مُصَنفه) عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن، قَالَ: (يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا بِتَيَمُّم وَاحِد، مثل الْوضُوء، مَا لم بِحَدَث) .

وَأَمَّ ابنَ عَبَّاسٍ وهْوَ مُتَيَمِّمٌ.

٥٠

- ٥٠ هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن بِي شيبَة وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح.

ثمَّ وَجه مُنَاسبَة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّيَمُّم وضوء الْمُسلم، فَإِذا كَانَ كَذَلِك تجوز إِمَامَة الْمُتَيَمم للمتوضىء كإمامة المتوضىء، فَدلَّ ذَلِك على أَن التَّيَمُّم طَهَارَة مُطلقَة غير ضَرُورِيَّة، إِذْ لَو كَانَ ضَرُورِيًّا لَكَانَ ضَعِيفا، وَلَو كَانَ ضَعِيفا لما أم ابْن عَبَّاس وَهُوَ متيمم بِمن كَانَ متوضئاً، وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر. عَن مُحَمَّد بن الْحسن: لَا يجوز، وَبِه قَالَ الْحسن بن حييّ، وَكره مَالك وَعبد ابْن الْحسن ذَلِك، فَإِن فعل أَجزَأَهُ. وَقَالَ ربيعَة: لَا يؤم الْمُتَيَمم من جنابته إلَاّ من هُوَ مثله، وَبِه قَالَ يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: لَا يؤمهم إلَاّ إِذا كَانَ أَمِيرا، كَذَا قَالَه ابْن حزم. وَقَالَ أَبُو طَالب: سَأَلت أَبَا عبد اعن الْجنب يؤم المتوضئين؟ قَالَ: نعم قد أمَّ ابْن عَبَّاس أَصْحَابه وَفِيهِمْ عمار بن يَاسر وَهُوَ جنب، فَتَيَمم، وَعَمْرو بن الْعَاصِ صلى بِأَصْحَابِهِ وَهُوَ جنب، فَأخْبر النَّبِي فَتَبَسَّمَ. قلت: حسان بن عَطِيَّة سمع من عَمْرو بن الْعَاصِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِن يقوى بِحَدِيث ابْن عَبَّاس. فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين) ، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب مَوْقُوفا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين، وَلَا الْمُقَيد المطلقين) . قلت: هَذَانِ حديثان ضعيفان، ضعفهما الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حزم وَغَيرهمَا. فَإِن قلت: ذكر أَبُو حَفْص بن شاهين فِي كتاب النَّاسِخ والمنسوخ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب، عَن عمر بن الْخطاب، مَرْفُوعا: (لَا يؤم الْمُتَيَمم المتوضئين) . قلت: لما ذكره ابْن شاهين ذكر بعده حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ، ثمَّ قَالَ: يحْتَمل أَن يكون هَذَا الحَدِيث نَاسِخا للْأولِ، وَهَذَا الحَدِيث أَجود إِسْنَادًا من حَدِيث الزُّهْرِيّ، وَإِن صَحَّ فَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي فِي ذَلِك لضَرُورَة وَقعت مَعَ وجود المَاء. فَإِن قلت: يكون هَذَا رخصه لعَمْرو إِذْ لم يَنْهَهُ وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ. قلت: لَو كَانَ رخصَة لَهُ دون غَيره لم يقل لَهُ؛ أَحْسَنت وَضحك فِي وَجهه، وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْمَسْأَلَة وَافق فِيهَا الْكُوفِيُّونَ وَالْجُمْهُور على خلاف ذَلِك. قلت: هَذَا عكس الْقَضِيَّة، بل الْجُمْهُور على الْمُوَافقَة، يقف عَلَيْهِ من يمعن النّظر فِي الْكتب. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَاحْتج المُصَنّف لعدم الْوُجُوب بِعُمُوم قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: (فَإِنَّهُ يَكْفِيك) أَي: مَا لم تحدث أَو تَجِد المَاء، وَحمله الْجُمْهُور على أَعم من ذَلِك، أَي: لفريضة وَاحِدَة وَمَا شِئْت من النَّوَافِل. انْتهى. قلت: معنى قَوْله: (فَإِنَّهُ يَكْفِيك) أَي: فِي كل الصَّلَوَات فَرضهَا ونفلها، وَهَذَا هُوَ معنى الأعمية، وَلَيْسَ فِي قَوْله: لفريضة وَاحِدَة وَمَا شِئْت من النَّوَافِل معنى الأعمية، لِأَن معنى الأعمية فِي شَيْء أَن يكون شَامِلًا لجَمِيع أَفْرَاد ذَلِك الشَّيْء، وَلَيْسَ لقَوْله: لفريضة وَاحِدَة، إِفْرَاد. وَأما النَّفْل فَإِنَّهُ تبع للْفَرض، وَالتَّابِع لَيْسَ لَهُ حكم مُسْتَقْبل بل، حكمه حكم الْمَتْبُوع. فَافْهَم.

وقالَ يَحْيَى بنُ سعِيدٍ لَا بأسَ بالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيمُّمِ بِهَا.

يحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، ومطابقة هَذَا للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن معنى الطّيب الطَّاهِر والسبخة طَاهِرَة، فَتدخل تَحت الطّيب. وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث عَائِشَة رَضِي اتعالى عَنْهَا، فِي شَأْن الْهِجْرَة، أَنه قَالَ: (أَرَأَيْت دَار

هجرتكم سبخَة ذَات نخيل) يَعْنِي الْمَدِينَة، قَالَ: وَقد سمى النَّبِي الْمَدِينَة طيبَة فَدلَّ على أَن السبخة دَاخِلَة فِي الطّيب، وَلم يُخَالف فِي ذَلِك إلَاّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَلم يجوز التَّيَمُّم بهَا، والسبخة بِفَتْح حروفها كلهَا، وَاحِدَة السباخ. فَإِذا قلت: أَرض سبخَة، كسرت الْبَاء. وَقَالَ ابْن سَيّده: هِيَ أَرض ذَات ملح ونزو، وَجَمعهَا: سباخ، وَقد سبخت سبخاً فَهِيَ سبخَة، وأسبخت. وَقَالَ غَيره: هِيَ أَرض تعلوها ملوحة لَا تكَاد تنْبت إِلَّا بعض الشّجر. وَفِي (الباهر) لِابْنِ عديس: سبخت، بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا. وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لعبد الْملك بن حبيب: السبخة: الأَرْض المالحة الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا، وَلَيْسَت الردغة وَلَا الرداغ كَمَا يَقُول من لَا يعرف.

١٠ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنِي يحيى بن سعيد قَالَ حَدثنَا عَوْف قَالَ حَدثنَا أَبُو رَجَاء عَن عمرَان قَالَ كُنَّا فِي سفر مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَإِنَّا أسرينا حَتَّى كُنَّا فِي آخر اللَّيْل وقعنا وقْعَة وَلَا وقْعَة أحلى عِنْد الْمُسَافِر مِنْهَا فَمَا أيقظنا إِلَّا حر الشَّمْس وَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ فلَان ثمَّ فلَان ثمَّ فلَان يسميهم أَبُو رَجَاء فنسي عَوْف ثمَّ عمر بن الْخطاب الرَّابِع وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نَام لم نوقظه حَتَّى يكون هُوَ يَسْتَيْقِظ لأَنا لَا نَدْرِي مَا يحدث لَهُ فِي نَومه فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عمر وَرَأى مَا أصَاب النَّاس وَكَانَ رجلا جليدا فَكبر وَرفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يكبر وَيرْفَع صَوته بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لصوته النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شكوا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُم قَالَ لَا ضير أَو لَا يضير ارتحلوا فارتحلوا فَسَار غير بعيد ثمَّ نزل فَدَعَا بِالْوضُوءِ فَتَوَضَّأ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فصلى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ من صلَاته إِذا هُوَ بِرَجُل معتزل لم يصل مَعَ الْقَوْم قَالَ مَا مَنعك يَا فلَان أَن تصلي مَعَ الْقَوْم قَالَ أصابتني جَنَابَة وَلَا مَاء قَالَ عَلَيْك بالصعيد فَإِنَّهُ يَكْفِيك ثمَّ سَار النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاشتكى إِلَيْهِ النَّاس من الْعَطش فَنزل فَدَعَا فلَانا كَانَ يُسَمِّيه أَبُو رَجَاء نَسيَه عَوْف ودعا عليا فَقَالَ اذْهَبَا فابتغيا المَاء فَانْطَلقَا فتلقيا امْرَأَة بَين مزادتين أَو سطيحتين من مَاء على بعير لَهَا فَقَالَا لَهَا أَيْن المَاء قَالَت عهدي بِالْمَاءِ أمس هَذِه السَّاعَة ونفرنا خلوفا قَالَا لَهَا انطلقي إِذا قَالَت إِلَى أَيْن قَالَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء قَالَا هُوَ الَّذِي تعنين فانطلقي فجاآ بهَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وحدثاه الحَدِيث قَالَ فاستنزلوها عَن بَعِيرهَا ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِإِنَاء ففرغ فِيهِ من أَفْوَاه المزادتين أَو السطيحتين وأوكأ أفواههما وَأطلق العزالي وَنُودِيَ فِي النَّاس اسقوا واستقوا فسقى من شَاءَ واستقى من شَاءَ وَكَانَ آخر ذَاك أَن أعْطى الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة إِنَاء من مَاء قَالَ اذْهَبْ فأفرغه عَلَيْك وَهِي قَائِمَة تنظر إِلَى مَا يفعل بِمَائِهَا وَايْم الله لقد أقلع عَنْهَا وَإنَّهُ ليُخَيل إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشد ملأة مِنْهَا حِين ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْمَعُوا لَهَا فَجمعُوا لَهَا من بَين عَجْوَة ودقيقة وسويقة حَتَّى جمعُوا لَهَا طَعَاما فجعلوها فِي ثوب وَحملُوهَا على بَعِيرهَا وَوَضَعُوا الثَّوْب بَين يَديهَا قَالَ لَهَا تعلمين مَا رزئنا من مائك شَيْئا وَلَكِن الله هُوَ الَّذِي أسقانا فَأَتَت أَهلهَا وَقد احْتبست عَنْهُم قَالُوا مَا حَبسك يَا فُلَانَة قَالَت الْعجب لَقِيَنِي رجلَانِ فذهبا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء فَفعل كَذَا وَكَذَا فوَاللَّه إِنَّه لأسحر النَّاس من بَين هَذِه وَهَذِه

وَقَالَت باصبعيها الْوُسْطَى والسبابة فرفعتهما إِلَى السَّمَاء تَعْنِي السَّمَاء وَالْأَرْض أَو إِنَّه لرَسُول الله حَقًا فَكَانَ الْمُسلمُونَ بعد ذَلِك يغيرون على من حولهَا من الْمُشْركين وَلَا يصيبون الصرم الَّذِي هِيَ مِنْهُ فَقَالَت يَوْمًا لقومها مَا أرِي أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم يدعونكم عمدا فَهَل لكم فِي الْإِسْلَام فأطاعوها فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَام) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " عَلَيْك بالصعيد فَإِنَّهُ يَكْفِيك ". (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول مُسَدّد بن مسرهد تقدم الثَّانِي يحيى بن سعيد الْقطَّان قَالَ بنْدَار مَا أَظن أَنه عصى الله تَعَالَى قطّ قد تقدم الثَّالِث عَوْف الْأَعرَابِي يُقَال لَهُ عَوْف الصدوق تقدم فِي بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان الرَّابِع أَبُو رَجَاء بِفَتْح الرَّاء وَتَخْفِيف الْجِيم وبالمد العطاردي اسْمه عمرَان بن ملْحَان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة قَالَ البُخَارِيّ الْأَصَح أَنه ابْن تيم أدْرك زمَان الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يره وَأسلم بعد الْفَتْح وأتى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ سنة مَاتَ فِي سنة بضع وَمِائَة. الْخَامِس عمرَان بن حُصَيْن بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمُهْملَة أَيْضا أسلم عَام خَيْبَر وَرُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مائَة حَدِيث وَثَمَانُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ مِنْهَا اثنى عشر بَعثه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَى الْبَصْرَة ليفقههم وَكَانَت الْمَلَائِكَة تسلم عَلَيْهِ وَكَانَ قَاضِيا بِالْبَصْرَةِ وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه القَوْل وَفِيه حَدثنَا يحيى وَفِي بعض النّسخ حَدثنِي يحيى وَفِيه مُسَدّد بن مسرهد فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره مُسَدّد بِذكرِهِ وَحده وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن أبي الْوَلِيد عَن سلم بن زرير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ وَعَن اسحق بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث الْحسن عَن عمرَان " نمنا عَن صَلَاة الْفجْر حَتَّى طلعت الشَّمْس فَأمر الْمُؤَذّن فَأذن ثمَّ صلى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ أَقَامَ الْمُؤَذّن فصلى الْفجْر " وَقَالَ صَحِيح على مَا قدمنَا ذكره فِي صِحَة سَماع الْحسن عَن عمرَان وَعند الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن عَنهُ " فصلى رَكْعَتي الْفجْر حَتَّى إِذا أمكننا الصَّلَاة صلينَا " وَعند أَحْمد " فَلَمَّا كَانَ آخر اللَّيْل عرس فَلم نستيقظ حَتَّى أيقظنا حر الشَّمْس فَجعل الرجل يقوم دهشا إِلَى طهوره قَالَ فَأَمرهمْ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن يسكنوا ثمَّ ارتحلوا فسرنا حَتَّى إِذا ارْتَفَعت الشَّمْس تَوَضَّأ ثمَّ أَمر بِلَالًا فَأذن ثمَّ صلى الرَّكْعَتَيْنِ قبل الْفجْر ثمَّ أَقَامَ فصلينا فَقَالُوا يَا رَسُول الله أَلا نعيدها فِي وَقتهَا من الْغَد قَالَ أينهاكم ربكُم تبَارك وَتَعَالَى عَن الرِّبَا ويقبله مِنْكُم " وَفِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنَّمَا التَّفْرِيط فِي الْيَقَظَة " وَعند ابْن حزم من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم حَدثنَا أَبُو رَجَاء " ثمَّ إِن الْجنب وجد المَاء بعد فَأمره أَن يغْتَسل وَلَا يُعِيد الصَّلَاة " وَعند مُسلم من حَدِيث ابْن شهَاب عَن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِين قفل من غَزْوَة خَيْبَر سَار لَيْلَة حَتَّى إِذا أدْركهُ الْكرَى عرس قَالَ لِبلَال اكلأ لنا اللَّيْل فَلَمَّا تقَارب الْفجْر اسْتندَ بِلَال إِلَى رَاحِلَته فغلبته عَيناهُ فَلم يَسْتَيْقِظ وَلَا أحد من أَصْحَابه حَتَّى ضربتهم الشَّمْس فَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَوَّلهمْ استيقاظا فَقَالَ أَي بِلَال فَقَالَ بِلَال أَخذ بنفسي الَّذِي أَخذ بِنَفْسِك " وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أبي قَتَادَة " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَبْعَة رَهْط فَمَال عَن الطَّرِيق فَوضع رَأسه ثمَّ قَالَ احْفَظُوا علينا صَلَاتنَا فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالشَّمْس فِي ظَهره وقمنا فزعين " فَذكر حَدِيث الميضأة مطولا " وَإِن النَّاس فقدوا نَبِيّهم فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَعدكُم لم يكن ليخلفكم وَقَالَ النَّاس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَين أَيْدِيكُم " وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث خَالِد بن سمير عَن عبد الله بن رَبَاح حَدثنَا أَبُو قَتَادَة قَالَ " بعث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيش الْأُمَرَاء " فَذكره قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر وَقَول خَالِد جَيش الْأُمَرَاء وهم عِنْد الْجَمِيع لِأَن جَيش الْأُمَرَاء كَانَ فِي موتَة وَهِي سَرِيَّة لم يشهدها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ابْن حزم وَقد خَالف خَالِدا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَعند أبي دَاوُد بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث جَامع بن شَدَّاد سَمِعت عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ " أقبل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة لَيْلًا فنزلنا دهاشا من الأَرْض فَقَالَ من يكلأنا فَقَالَ بِلَال أَنا قَالَ إِذا تنام قَالَ لَا فَنَامَ بِلَال حَتَّى طلعت الشَّمْس فَاسْتَيْقَظَ فلَان وَفُلَان فيهم عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ اهضبوا " أَي

تكلمُوا " وأمضوا فَاسْتَيْقَظَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " الحَدِيث وَذكر أَبُو مُسلم الْكَجِّي فِي كتاب السّنَن عَن عَمْرو بن مَرْزُوق أخبرنَا المَسْعُودِيّ عَن جَامع بِلَفْظ " قَالَ عبد الله لما رَجَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة قَالَ من يحرسنا قَالَ عبد الله فَقلت أَنا قَالَ إِنَّك تنام مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ أَنْت فحرست حَتَّى كَانَ فِي وَجه الصُّبْح أدركني مَا قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَنمت " الحَدِيث وَعند الطَّبَرَانِيّ وَأبي دَاوُد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي " كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَرِيَّة فَتقدم النَّاس فَقَالَ هَل لكم أَن نهجع هجعة فَمن يكلؤ لنا اللَّيْلَة قَالَ ذُو مخبر أَنا فَأعْطَاهُ خطام نَاقَته وَقَالَ لَا تكن لكع قَالَ ذُو مخبر فَانْطَلَقت غير بعيد فأرسلتها مَعَ نَاقَتي ترعيان فغلبني عَيْني فَمَا أيقظني إِلَّا حر الشَّمْس على وَجْهي فَجئْت أدني الْقَوْم فأيقظته وَأَيْقَظَ النَّاس بَعضهم بَعْضًا حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَفِي الْمُوَطَّأ عَن زيد بن أسلم قَالَ " عرس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْلَة بطرِيق مَكَّة شرفها الله ووكل بِلَالًا أَن يوقظهم للصَّلَاة " الحَدِيث وَفِي كتاب عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج أَخْبرنِي سعد بن إِبْرَاهِيم عَن عَطاء بن يسَار أَن التعرس فِي غَزْوَة تَبُوك وَكَذَا ذكره عقبَة بن عَامر قَالَ " خرجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة تَبُوك فاسترقد لما كَانَ مِنْهَا على لَيْلَة فَاسْتَيْقَظَ حِين كَانَت الشَّمْس قيد رمح فَقَالَ ألم أقل لَك يَا بِلَال " وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّلَائِل من حَدِيث عبد الله بن مُصعب بن مَنْظُور عَن أَبِيه عَنهُ (ذكر مَعَانِيه ولغاته) قَوْله " كُنَّا فِي سفر مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " اخْتلفُوا فِي تعْيين هَذَا السّفر فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه وَقع عِنْد رجوعهم من خَيْبَر وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " أقبل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من الْحُدَيْبِيَة لَيْلًا فَنزل فَقَالَ من يكلؤنا فَقَالَ بِلَال أَنا " وَفِي حَدِيث زيد بن أسلم مُرْسلا أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ " عرس رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْلًا بطرِيق مَكَّة ووكل بِلَالًا " وَفِي حَدِيث عَطاء بن يسَار مُرْسلا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَن ذَلِك كَانَ بطرِيق تَبُوك وَكَذَا فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة جَيش الْأُمَرَاء وَقد ذكرنَا هَذِه كلهَا عَن قريب قَوْله " إِنَّا أسرينا " وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا سرينا يَعْنِي بِدُونِ الْهمزَة (قلت) يُقَال سرى وَأسرى لُغَتَانِ وَقَالَ الْجَوْهَرِي سريت وأسريت بِمَعْنى إِذا سرت لَيْلًا وَفِي الْمُحكم السرى سير عَامَّة اللَّيْل وَقيل سير اللَّيْل كُله والْحَدِيث يُخَالف هَذَا القَوْل والسرى يذكر وَيُؤَنث وَلم يعرف اللحياني إِلَّا التَّأْنِيث وَقد سرى سرى وسرية وسرية فَهُوَ سَار وَذكر ابْن سَيّده وَقد سرى بِهِ وَأسرى بِهِ وأسراه وَفِي الْجَامِع سرى يسري سريا إِذا سَار لَيْلًا وكل سَائِر لَيْلًا فَهُوَ سَار قَوْله " وقعنا وقْعَة " أَي نمنا نومَة كَأَنَّهُمْ سقطوا عَن الْحَرَكَة قَوْله " وَلَا وقْعَة " كلمة لَا لنفي الْجِنْس ووقعة اسْمه وَقَوله " أحلى " صفة للوقعة وَخبر لَا مَحْذُوف وَيجوز أَن يكون أحلى خَبرا قَوْله " مِنْهَا " أَي من الْوَقْعَة فِي آخر اللَّيْل وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر

(وَأحلى الْكرَى عِنْد الصَّباح يطيب ... )

قَوْله " وَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ فلَان " اعْلَم أَن كَانَ هَهُنَا يجوز أَن تكون تَامَّة وَأَن تكون نَاقِصَة فَإِن كَانَت نَاقِصَة فَقَوله أول بِالنّصب مقدما خَبَرهَا وَاسْمهَا هُوَ قَوْله فلَان وَإِن كَانَت تَامَّة بِمَعْنى وجد فَلَا تحْتَاج إِلَى خبر فَقَوله أول يكون اسْمه وَيكون قَوْله فلَان بَدَلا مِنْهُ قَوْله " يسميهم أَبُو رَجَاء " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول أَي يُسمى المستيقظين وَلَيْسَ بإضمار قبل الذّكر لِأَن قَوْله " اسْتَيْقَظَ " يدل عَلَيْهِ (فَإِن قلت) مَا موقع هَذِه الْجُمْلَة من الْإِعْرَاب (قلت) الْأَقْرَب أَن تكون حَالا وَهَذِه الْجُمْلَة وَالَّتِي بعْدهَا وَهِي قَوْله " فنسي عَوْف " لَيْسَ من كَلَام عمرَان بن حُصَيْن وَإِنَّمَا هِيَ من كَلَام الرَّاوِي وعَوْف هُوَ عَوْف الْأَعرَابِي الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد وَقَوله " الرَّابِع " مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَعمر مَرْفُوع لِأَنَّهُ مَعْطُوف على مَرْفُوع وَهُوَ قَوْله ثمَّ فلَان وَقَالَ بَعضهم وَيجوز نَصبه على خبر كَانَ (قلت) لم يبين هَذَا الْقَائِل أَي كَانَ هَذَا وَالْأَقْرَب أَن يكون مُقَدرا تَقْدِيره ثمَّ كَانَ عمر بن الْخطاب الرَّابِع يَعْنِي من المستيقظين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا هُوَ الرَّابِع وَقد سمى البُخَارِيّ فِي عَلَامَات النُّبُوَّة أول من اسْتَيْقَظَ وَلَفظه " فَكَانَ أول من اسْتَيْقَظَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " فعلى هَذَا فَأَبُو بكر هُوَ أحد المستيقظين من الْأَرْبَعَة أَولا وَالرَّابِع هُوَ عمر بن الْخطاب وَبَقِي اثْنَان من الَّذين عدهم أَبُو رَجَاء ونسيهم عَوْف الْأَعرَابِي وَبَعْضهمْ عين الثَّانِي وَالثَّالِث بِالِاحْتِمَالِ فَقَالَ يشبه أَن يكون الثَّانِي عمرَان رَاوِي الْقِصَّة وَالثَّالِث من شَارك عمرَان فِي رِوَايَة هَذِه الْقِصَّة وَهُوَ ذُو مخبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيث عمر بن أُميَّة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ " فَمَا أيقظني إِلَّا حر الشَّمْس " وَهَذَا تصرف بالحدس والتخمين

قَوْله " وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا نَام لم نوقظه " بنُون الْمُتَكَلّم وَالضَّمِير الْمَنْصُوب يرجع إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض النّسخ لم يوقظ على صِيغَة الْمَجْهُول الْمُفْرد (فَإِن قلت) هَذَا النّوم فِي هَذِه الْقِصَّة هَل كَانَ مثل نوم غَيره أم لَا (قلت) قد يكون نَومه كنوم الْبشر فِي بعض الْأَوْقَات وَلَكِن لَا يجوز عَلَيْهِ الإضغاث لِأَن رُؤْيا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم وَحي (فَإِن قلت) مَا تَقول فِي نَومه يَوْم الْوَادي وَقد قَالَ " إِن عَيْني تنامان وَلَا ينَام قلبِي " قلت نعم هَذَا حكم قلبه عِنْد نَومه وَعَيْنَيْهِ فِي غَالب الْأَوْقَات وَقد ينْدر مِنْهُ غير ذَلِك كَمَا ينْدر من غَيره بِخِلَاف عَادَته وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا فِي الحَدِيث نَفسه " إِن الله قبض أَرْوَاحنَا " وَفِي الحَدِيث الآخر " لَو شَاءَ الله لأيقظنا " وَلَكِن أَرَادَ أَن يكون لمن بعدكم وَيكون هَذَا مِنْهُ لأمر يُريدهُ الله تَعَالَى من إِثْبَات حكم وَإِظْهَار شرع وَجَوَاب آخر أَن قلبه لَا يستغرقه النّوم حَتَّى يكون مِنْهُ الْحَدث فِيهِ لما رُوِيَ أَنه كَانَ محروسا وَأَنه كَانَ ينَام حَتَّى ينْفخ وَحَتَّى يسمع غَطِيطه ثمَّ يُصَلِّي وَلَا يتَوَضَّأ (فَإِن قلت) فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور فِي وضوءه عِنْد قِيَامه من النّوم (قلت) النّوم فِيهِ نَومه مَعَ أَهله فَلَا يُمكن الِاحْتِجَاج بِهِ على وضوئِهِ بِمُجَرَّد النّوم إِذا صلى ذَلِك لملامسته الْأَهْل أَو حدث آخر أَلا ترى فِي آخر الحَدِيث " نَام حَتَّى سَمِعت غَطِيطه ثمَّ أُقِيمَت الصَّلَاة فصلى وَلم يتَوَضَّأ " وَقيل لَا ينَام قلبه من أجل الْوَحْي وَأَنه يُوحى إِلَيْهِ فِي النّوم وَلَيْسَ فِي قصَّة الْوَادي إِلَّا نوم عَيْنَيْهِ عَن رُؤْيَة الشَّمْس وَلَيْسَ هَذَا من فعل الْقلب وَقد قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِن الله قبض أَرْوَاحنَا وَلَو شَاءَ لردها إِلَيْنَا " فِي حِين غير هَذَا (فَإِن قلت) فلولا عَادَته من استغراق النّوم لما قَالَ لِبلَال اكلأ لنا الصُّبْح (قلت) كَانَ من شَأْنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - التغليس بالصبح ومراعاة أول الْفجْر وَلَا يَصح هَذَا مِمَّن نَامَتْ عينه إِذا هُوَ ظَاهر يدْرك بالجوارح الظَّاهِرَة فَوكل بِلَال بمراعاة أَوله ليعلمه بذلك كَمَا لَو شغل بشغل غير النّوم عَن مراعاته (فَإِن قلت) هَل كَانَ نومهم عَن صَلَاة الصُّبْح مرّة أَو أَكثر (قلت) قد جزم الْأصيلِيّ بِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة ورد عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض بِأَن قصَّة أبي قَتَادَة مُغَايرَة لقصة عمرَان بن حُصَيْن لِأَن فِي قصى أبي قَتَادَة لم يكن أَبُو بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما نَام وَفِي قصَّة عمرَان أَن أول من اسْتَيْقَظَ أَبُو بكر وَلم يَسْتَيْقِظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى أيقظه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمن الَّذِي يدل على تعدد الْقِصَّة اخْتِلَاف مواطنها كَمَا ذَكرنَاهَا وَلَقَد تكلّف أَبُو عمر فِي الْجمع بَينهمَا بقوله أَن زمَان رجوعهم كَانَ قَرِيبا من زمَان رجوعهم من الْحُدَيْبِيَة وَأَن طَرِيق مَكَّة يصدق عَلَيْهِمَا وَفِيه تعسف على أَن رِوَايَة عبد الرَّزَّاق بِتَعْيِين غَزْوَة تَبُوك يرد عَلَيْهِ ثمَّ أَن أَبَا عمر زعم أَن نوم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ مرّة وَاحِدَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ ثَلَاث مَرَّات إِحْدَاهَا رِوَايَة أبي قَتَادَة وَلم يحضرها أَبُو بكر وَعمر الثَّانِيَة حَدِيث عمرَان وحضراها وَالثَّالِثَة حضرها أَبُو بكر وبلال وَقَالَ عِيَاض حَدِيث أبي قَتَادَة غير حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ حَدِيث عمرَان وَمن الدَّلِيل على أَن ذَلِك وَقع مرَّتَيْنِ أَنه قد روى أَن ذَلِك كَانَ زمن الْحُدَيْبِيَة وَفِي رِوَايَة بطرِيق مَكَّة وَالْحُدَيْبِيَة كَانَت فِي السّنة السَّادِسَة وَإِسْلَام عمرَان وَأبي هُرَيْرَة الرَّاوِي حَدِيث قفوله من خَيْبَر كَانَ فِي السّنة السَّابِعَة بعد الْحُدَيْبِيَة وهما كَانَا حاضرين الْوَاقِعَة (قلت) فِيهِ نظر لِأَن إِسْلَام عمرَان كَانَ بِمَكَّة ذكره أَبُو مَنْصُور الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة وَقَالَ ابْن سعد وَأَبُو أَحْمد العسكري وَالطَّبَرَانِيّ فِي آخَرين كَانَ إِسْلَامه قَدِيما قَوْله " مَا يحدث لَهُ " بِضَم الدَّال من الْحُدُوث أَي مَا يحدث لَهُ من الْوَحْي وَكَانُوا يخَافُونَ انْقِطَاعه بالإيقاظ قَوْله " مَا أصَاب النَّاس " أَي من فَوَات صَلَاة الصُّبْح وكونهم على غير مَاء قَوْله " فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عمر " جَوَاب لما مَحْذُوف تَقْدِيره فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ كبر وَقَوله " فَكبر " يدل عَلَيْهِ قَوْله " جليدا " بِفَتْح الْجِيم من جلد الرجل بِالضَّمِّ فَهُوَ جلد وجليد أَي بَين الجلادة بِمَعْنى الْقُوَّة والصلابة وَزَاد مُسلم هُنَا " أجوف " أَي رفيع الصَّوْت يخرج صَوته من جَوْفه قَوْله " فَكبر " أَي عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِنَّمَا رفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ لمعنيين أَحدهمَا أَن اسْتِعْمَال التَّكْبِير لسلوك طَرِيق الْأَدَب وَالْجمع بَين المصلحتين وَالْآخر اخْتِصَاص لفظ التَّكْبِير لِأَنَّهُ أصل الدُّعَاء إِلَى الصَّلَاة قَوْله " حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فالنبي مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل اسْتَيْقَظَ وَهُوَ لَازم بِمَعْنى تيقظ قَوْله " لصوته " أَي لأجل صَوته ويروى " بِصَوْتِهِ " أَي بِسَبَب صَوته قَوْله " قَالَ لَا ضير " ويروى " فَقَالَ لَا ضير " أَي لَا ضَرَر من ضارة يضوره ويضيره ضورا وضيرا أَي ضره قَالَ الْكسَائي سَمِعت بَعضهم يَقُول لَا ينعني ذَلِك وَلَا يضورني قَوْله " أَو لَا يضير " شكّ من عَوْف الْأَعرَابِي وَقد صرح بذلك الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَته وَلأبي نعيم فِي مستخرجه لَا يسوء وَلَا يضير وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لتأنيس قُلُوبهم لما عرض لَهُم من الأسف على فَوَات الصَّلَاة من وَقتهَا لأَنهم لم يتعمدوا ذَلِك قَوْله " ارتحلوا " بِصِيغَة الْأَمر

للْجَمَاعَة المخاطبين من الصَّحَابَة قَوْله " فارتحلوا " بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي أَي ارتحلوا عقيب أَمر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك ويروى " فارتحل " أَي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (فَإِن قلت) مَا كَانَ السَّبَب فِي أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالارتحال من ذَلِك الْمَكَان (قلت) بَين ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة " فَإِن هَذَا منزل حضر فِيهِ الشَّيْطَان " وَقيل كَانَ ذَلِك لأجل الْغَفْلَة وَقيل لكَون ذَلِك وَقت الْكَرَاهَة وَفِيه نظر لِأَن فِي حَدِيث الْبَاب " لم يستيقظوا حَتَّى وجدوا حر الشَّمْس " وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بعد أَن يذهب وَقت الْكَرَاهَة وَقيل الْأَمر بذلك مَنْسُوخ بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا " وَفِيه نظر لِأَن الْآيَة مَكِّيَّة والقصة بعد الْهِجْرَة قَوْله " فَسَار غير بعيد " يدل على أَن الارتحال الْمَذْكُور وَقع على خلاف سيرهم الْمُعْتَاد قَوْله " فَدَعَا بِالْوضُوءِ " بِفَتْح الْوَاو وَقَوله " وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ " المُرَاد من النداء هُوَ التأذين لِأَنَّهُ صرح فِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي قَتَادَة التَّصْرِيح بِالتَّأْذِينِ قَوْله " إِذا هُوَ بِرَجُل " لم يعلم اسْمه وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح هُوَ خَلاد بن رَافع بن مَالك الْأنْصَارِيّ أَخُو رِفَاعَة وَفِيه نظر لِأَن ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ هُوَ شهد بَدْرًا وَقتل يَوْم إِذْ فوقعة الْبَدْر مُقَدّمَة على هَذِه الْقِصَّة فاستحال أَن يكون هُوَ إِيَّاه وَقيل لَهُ رِوَايَة فَإِذا صَحَّ هَذَا يكون قد عَاشَ بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) لَا يلْزم من رِوَايَته عيشه بعد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لاحْتِمَال انقطاعها أَو نقلهَا صَحَابِيّ آخر قَوْله " معتزل " أَي مُنْفَرد عَن النَّاس قَوْله " وَلَا مَاء " قَالَ بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة أَي معي (قلت) تَفْسِيره تَفْسِير من لم يمس شَيْئا من علم الْعَرَبيَّة لِأَن كلمة لَا على قَوْله لنفي جنس المَاء فَأَي شَيْء يقدر خَبَرهَا بقوله معي وَعدم المَاء عِنْده لَا يسْتَلْزم عَدمه عِنْد غَيره فَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيم نفي جنس المَاء وَيجوز أَن تكون لَا هَهُنَا بِمَعْنى لَيْسَ فيرتفع المَاء حِينَئِذٍ وَيكون الْمَعْنى لَيْسَ مَاء عِنْدِي قَوْله " عَلَيْك بالصعيد " كلمة عَلَيْك من أَسمَاء الْأَفْعَال وَمَعْنَاهُ الزم وَالْألف وَاللَّام فِي الصَّعِيد للْعهد الْمَذْكُور فِي الْآيَة الْكَرِيمَة وَفِي رِوَايَة سلم بن زرير " فَأمره أَن يتَيَمَّم بالصعيد ": (قلت) سلم بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام وزرير بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وبراءين مهملتين بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف أَولهمَا مَقْصُورَة قَوْله " يَكْفِيك " أَي لإباحة الصَّلَاة وَالْمعْنَى يَكْفِيك للصَّلَاة مَا لم تحدث قَوْله " فاشتكى النَّاس إِلَيْهِ " أَي إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ويروى " فاشتكوا النَّاس " من قبيل أكلوني البراغيث قَوْله " فَدَعَا فلَان " هُوَ عمرَان بن الْحصين رَاوِي الحَدِيث وَيدل على ذَلِك قَوْله فِي رِوَايَة ابْن زرير " ثمَّ عجلني النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ركب بَين يَدَيْهِ فَطلب المَاء " وَهَذِه الرِّوَايَة تدل على أَنه كَانَ هُوَ وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَط لِأَنَّهُمَا خوطبا بِلَفْظ التَّثْنِيَة وَهُوَ قَوْله " اذْهَبَا فابتغيا المَاء " (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة ابْن زرير فِي ركب فَهَذَا يدل على الْجَمَاعَة (قلت) يحْتَمل أَن يكون مَعَهُمَا غَيرهمَا ولكنهما خصا بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمَا تعينا مقصودين بِالْإِرْسَال قَوْله " فابتغيا " من الابتغاء وَهُوَ الطّلب يُقَال بغيت الشَّيْء وابتغيته وتبغيته إِذا طلبته وابتغيتك الشَّيْء جعلتك طَالبا لَهُ وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ " فابغيا " وَلأَحْمَد " فابغيانا " قَوْله " فتلقيا " ويروى " فلقيا " قَوْله " بَين مزادتين " المزادة بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الزَّاي الراوية وَيجمع على مزاد ومزائد وَسميت مزادة لِأَنَّهَا يُزَاد فِيهَا جلد آخر من غَيرهَا وَلِهَذَا قيل أَنَّهَا أكبر من الْقرْبَة وَتسَمى أَيْضا السطيحة بِفَتْح السِّين وَكسر الطَّاء وَقَالَ ابْن سَيّده السطيحة المزادة الَّتِي بَين الأديمين قوبل أَحدهمَا بِالْآخرِ وَفِي الْجَامِع هِيَ إداوة تتَّخذ من جلدين وَهِي أكبر من الْقرْبَة قَوْله " أَو سطيحتين " شكّ من الرَّاوِي وَقَالَ بَعضهم شكّ من عَوْف (قلت) تَعْيِينه بِهِ من أَيْن وَفِي رِوَايَة مُسلم " فَإِذا نَحن بإمرأة سادلة " أَي مدلية رِجْلَيْهَا بَين مزادتين قَوْله " أمس " هُوَ عِنْد الْحِجَازِيِّينَ مَبْنِيّ على الْكسر ومعرب غير منصرف للعدل والعلمية عِنْد التميميين فعلى هَذَا هُوَ بِضَم السِّين (فَإِن قلت) مَا موقعه من الْإِعْرَاب (قلت) مَرْفُوع على أَنه خبر الْمُبْتَدَأ وَهُوَ قَوْله " عهدي " قَوْله " هَذِه السَّاعَة " مَنْصُوب بالظرفية وَقَالَ ابْن مَالك أَصله فِي مثل هَذِه السَّاعَة فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه قَوْله " ونفرنا " وَفِي الْمُحكم النَّفر والنفر والنفير والنفور مَا دون الْعشْرَة من الرِّجَال وَالْجمع أَنْفَار وَفِي الواعي النَّفر مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَالْعرب تَقول هَؤُلَاءِ نفرك أَي رهطك ورجالك الَّذين أَنْت مَعَهم وَهَؤُلَاء عشرَة نفر أَي عشرَة رجال وَلَا يَقُولُونَ عشرُون نَفرا وَلَا ثَلَاثُونَ نَفرا تَقول الْعَرَب جَاءَنَا فِي نفره ونفيره ونفرته كلهَا بِمَعْنى سموا بذلك لأَنهم إِذا حزبهم أَمر اجْتَمعُوا ثمَّ نفروا إِلَى عدوهم وَقَالَ الْخطابِيّ لَا وَاحِد قَوْله " خلوف " بِضَم الْخَاء جمع الخالف أَي الْمُسَافِر نَحْو شَاهد وشهود وَيُقَال حَيّ خلوف أَي غيب وَقَالَ ابْن عَرَفَة الْحَيّ خلوف أَي خرج الرِّجَال وَبقيت

النِّسَاء وَقَالَ الْخطابِيّ هم الَّذين خَرجُوا للأسفار وخلفوا النِّسَاء والأثقال وارتفاع خلوف على أَنه خبر وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي " خلوفا " بِالنّصب وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي كَانَ نفرنا خلوفا وَقَالَ بَعضهم مَنْصُوب على الْحَال السَّادة مسد الْخَبَر (قلت) مَا الْخَبَر هُنَا حَتَّى تسد الْحَال مسده وَالْأَوْجه مَا قَالَه الْكرْمَانِي أَنه مَنْصُوب بكان الْمُقدر قَوْله " الصابىء " بِالْهَمْزَةِ وبغيرها فَالْأول من صَبأ إِذا خرج من دين إِلَى دين وَالثَّانِي من صبا يصبو إِذا مَال وسنوسع الْكَلَام فِيهِ عِنْد تَفْسِير البُخَارِيّ فِي آخر هَذَا الحَدِيث قَوْله " تعنين " أَي تريدين من عَنى يَعْنِي إِذا قصد قَوْله " قَالَا هُوَ الَّذِي تعنين " فِيهِ حسن الْأَدَب وَحسن التَّخَلُّص إِذْ لَو قَالَا لَا لفات الْمَقْصُود وَلَو قَالَا نعم لم يحسن ذَلِك لِأَن فِيهِ تَقْرِير ذَلِك قَوْله " فاستنزلوها " من الاستنزال وَهُوَ طلب النُّزُول وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ بِلَفْظ الْجمع لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ عمرَان وَعلي من تبعهما مِمَّن يعينهما ويخدمهما قَوْله " ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " فِيهِ حذف تَقْدِيره فَأتوا بهَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأحضروها بَين يَدَيْهِ ودعا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " ففرغ " من التفريغ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني " فأفرغ " من الإفراغ وَزَاد الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ " فَمَضْمض فِي المَاء وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاه المزادتين " وبهذه الزِّيَادَة تظهر الْحِكْمَة فِي ربط الأفواه بعد فتحهَا وَبِهَذَا حصلت الْبركَة لاختلاط رِيقه الْمُبَارك للْمَاء والأفواه جمع فَم لِأَن أَصله فوه فحذفوا الْوَاو لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل التَّنْوِين عِنْد الْأَفْرَاد وعوضوا من الْهَاء ميما (فَإِن قلت) لكل مزادة فَم وَاحِد فَكيف جمع (قلت) هَذَا من قبيل قَوْله تَعَالَى {فقد صغت قُلُوبكُمَا} قَوْله " وأوكأ " أَي شدّ وَهُوَ فعل مَاض من الإيكاء وَهُوَ شدّ الوكاء وَهُوَ مَا يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة " وَأطلق العزالي " أَي فتحهَا وَهُوَ جمع العزلاء بِفَتْح الْعين وبالمد وَهُوَ فَم المزادة الْأَسْفَل قَالَ الْجَوْهَرِي العزالي بِكَسْر اللَّام وَإِن شِئْت فتحت مثل الصحارى والصحاري وَيُقَال العزلاء منصب المَاء من الراوية والقربة وَفِي الْجَامِع عزلاء الْقرْبَة مصب يَجْعَل فِي أحد يَديهَا ليستفرغ مِنْهُ مَا فِيهَا وَإِنَّمَا سميت عزالي السَّحَاب تَشْبِيها بهَا وَقَالَ السفاقسي روينَاهُ بِالْفَتْح وَهُوَ أَفْوَاه المزادة السُّفْلى وَقَالَ الدَّاودِيّ العزالي الجوانب الْخَارِجَة لرجلي الزق الَّذِي يُرْسل مِنْهَا المَاء وَقَالَ الدَّاودِيّ لَيْسَ فِي أَكثر الرِّوَايَات أَنهم فتحُوا أَفْوَاه المزادتين أَو السطيحتين وَلَا أَنهم أطْلقُوا العزالي وَإِنَّمَا شَقوا المزادتين وَهُوَ معنى صبوا مِنْهُمَا قَالَ ثمَّ أَعَادَهُ فيهمَا إِن كَانَ هُوَ الْمَحْفُوظ قَوْله " اسقوا واستقوا " كل مِنْهُمَا أَمر فَالْأول من السَّقْي وَالثَّانِي من الاستقاء وَالْفرق بَينهمَا أَن السَّقْي لغيره والاستقاء لنَفسِهِ وَيُقَال أَيْضا سقيته لنَفسِهِ وأسقيته لماشيته قَوْله " وَكَانَ آخر ذَلِك أَن أعْطى " يجوز فِي آخر النصب وَالرَّفْع أما النصب على أَنه خبر كَانَ مقدما على اسْمهَا وَهُوَ أَن أعطي لِأَن أَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره وَكَانَ إِعْطَاؤُهُ للرجل الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة آخر ذَلِك ويروي ذَاك وَأما الرّفْع فَظَاهر وَهُوَ أَن يكون اسْم كَانَ وَإِن أعْطى خَبره والأمران جائزان وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء وَالْأولَى أولى (قلت) وَجه الْأَوْلَوِيَّة لكَون آخر مُضَافا إِلَى الْمعرفَة فَهُوَ أولى بالاسمية وَعِنْدِي كِلَاهُمَا سَوَاء لِأَن كلا معرفَة قَوْله " الَّذِي أَصَابَته الْجَنَابَة " وَهُوَ الرجل المعتزل الْمَذْكُور قَوْله " فأفرغه " بِقطع الْهمزَة قَوْله " وَهِي قَائِمَة " أَي الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة قَائِمَة تشاهد ذَلِك وَهِي جملَة اسمية وَقعت حَالا على الأَصْل قَوْله " وَايْم الله " بوصل الْهمزَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي أَيمن الله اسْم وضع للقسم هَكَذَا بِضَم الْمِيم وَالنُّون وألفه ألف الْوَصْل عِنْد الْأَكْثَرين وَلم يَجِيء فِي الْأَسْمَاء ألف وصل مَفْتُوحَة غَيرهَا وَهُوَ مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف وَالتَّقْدِير أَيمن الله قسمي وَرُبمَا حذفوا مِنْهُ النُّون فَقَالُوا ايم الله وَقَالَ أَبُو عبيد كَانُوا يحلفُونَ وَيَقُولُونَ يَمِين الله لَا أفعل فَجمع الْيَمين على أَيمن ثمَّ كثر فِي كَلَامهم فحذفوا النُّون مِنْهُ وألفه ألف قطع وَهُوَ جمع وَإِنَّمَا طرحت الْهمزَة فِي الْوَصْل لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاهَا (قلت) فِيهَا لُغَات جمع مِنْهَا النَّوَوِيّ فِي تهذيبه سبع عشرَة وَبلغ بهَا غَيره عشْرين قَوْله " أقلع " بِضَم الْهمزَة من الإقلاع يُقَال أقلع عَن الْأَمر إِذا كف عَنهُ قَوْله " أَشد ملأة " بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا وَسُكُون اللَّام بعْدهَا همزَة مَفْتُوحَة وَفِي رِوَايَة للبيهقي " املأ مِنْهَا " مَعْنَاهُ أَنهم يظنون أَن مَا بَقِي فِيهَا من المَاء أَكثر مِمَّا كَانَ أَولا قَوْله " من بَين عَجْوَة " الْعَجْوَة تمر من أَجود التَّمْر بِالْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْن التِّين الْعَجْوَة نوع من تمر الْمَدِينَة أكبر من الصيحاني وَتسَمى اللينة وَهِي من أَجود تمر الْمَدِينَة قَوْله " ودقيقة وسويقة " بِفَتْح أَولهمَا وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة بِضَم الدَّال مُصَغرًا وَقَالَ الْكرْمَانِي دقيقة وسويقة رويا مكبرين ومصغرين قَوْله " حَتَّى جمعُوا لَهَا طَعَاما " وَزَاد أَحْمد فِي رِوَايَته " كثيرا " وَالطَّعَام فِي اللُّغَة مَا يُؤْكَل قَالَه الْجَوْهَرِي وَقَالَ وَرُبمَا خص الطَّعَام بِالْبرِّ وَفِي حَدِيث أبي سعيد كُنَّا نخرج صَدَقَة الْفطر على عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من شعير " وَقَالَ بَعضهم فِيهِ إِطْلَاق

لفظ الطَّعَام على غير الْحِنْطَة والذرة خلافًا لمن أَبى ذَلِك (قلت) هَذَا القَوْل مِنْهُ يُخَالف قَول أهل اللُّغَة وَالْمرَاد هَهُنَا من الطَّعَام غير مَا ذكر من الْعَجْوَة وَهُوَ أَعم من أَن يكون حِنْطَة أَو شَعِيرًا أَو كعكا أَو نَحْو ذَلِك قَوْله " فجعلوه فِي ثوب " ويروى " فجعلوها " قَالَ الْكرْمَانِي الضَّمِير فِي جَعَلُوهُ يرجع إِلَى الطَّعَام وَفِي جعلوها إِلَى الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة (قلت) لم يَجْعَل الطَّعَام وَحده فِي الثَّوْب حَتَّى يرجع الضَّمِير إِلَيْهِ وَحده وَالصَّوَاب أَن الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى كل وَاحِد بِاعْتِبَار الْمَذْكُور قَوْله " قَالَ لَهَا " ويروى " قَالُوا لَهَا " وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " قَالَ لَهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " وَوجه رِوَايَة الْأصيلِيّ أَنهم قَالُوا لَهَا ذَلِك بأَمْره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَوْله " وَحملُوهَا " أَي المزادة قَوْله " بَين يَديهَا " أَي قدامها قَوْله " تعلمين " بِفَتْح التَّاء وَالْعين وَتَشْديد اللَّام كَذَا ضَبطه بَعضهم ثمَّ قَالَ أَي اعلمي (قلت) لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التعسف وَإِنَّمَا هُوَ مُفْرد مُخَاطب مؤنث من بَاب علم يعلم قَوْله " مَا رزئنا من مائك شَيْئا " بِفَتْح الرَّاء وَكسر الزَّاي أَي مَا نقصنا قَالَ الْكرْمَانِي وَفِي بَعْضهَا بِفَتْحِهَا يَعْنِي بِفَتْح الزَّاي (قلت) الْكسر هُوَ الْأَشْهر يُقَال مَا رزأته مَاله وَمَا رزئته بِالْكَسْرِ مَاله أَي مَا نقصته وارتزأ الشي انتقصه قَوْله " أسقانا " ويروى " سقانا " قَوْله " الْعجب " مَرْفُوع بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره حَبَسَنِي الْعجب وَهُوَ الْأَمر الَّذِي يتعجب مِنْهُ لغرابته وَكَذَلِكَ العجيب والعجاب بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف والعجاب بِالتَّشْدِيدِ أَكثر مِنْهُ وَكَذَلِكَ الأعجوبة وَلَا يجمع عجب وَلَا عَجِيب وَيُقَال جمع عَجِيب عجائب مثل تبيع وتبائع وأعاجيب جمع أعجوبة كأحاديث جمع أحدوثة وَعَجِبت من كَذَا وتعجبت مِنْهُ واستعجبت كلهَا بِمَعْنى وأعجبني هَذَا الشَّيْء لحسنه وَعَجِبت غَيْرِي تعجيبا وَالْعجب بِضَم الْعين وَسُكُون الْجِيم اسْم من أعجب فلَان بِنَفسِهِ فَهُوَ معجب بِرَأْيهِ وبنفسه قَوْله " من بَين هَذِه وَهَذِه " تَعْنِي من بَين السَّمَاء وَالْأَرْض قيل كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول فِي بَين بِلَفْظَة فِي وَأجِيب بِأَن من بَيَانِيَّة مَعَ جَوَاز اسْتِعْمَال حُرُوف الْجَرّ بَعْضهَا مَكَان بعض قَوْله " وَقَالَت بأصبعها " أَي أشارت بأصبعها وَمن إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل وَقد مر نَظِير هَذَا غير مرّة قَوْله " السبابَة " يَعْنِي المسبحة قَوْله " يغيرون " بِضَم الْيَاء من الإغارة بِالْخَيْلِ فِي الْحَرْب قَوْله " الصرم " بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَهُوَ أَبْيَات من النَّاس مجتمعة وَالْجمع إصرام وَقَالَ ابْن سَيّده الصرم الأبيات المجتمعة المنقطعة من النَّاس والصرم أَيْضا الْجَمَاعَة بَين ذَلِك وَالْجمع إصرام وأصاريم وصرمان والأخيرة عَن سِيبَوَيْهٍ قَوْله " فَقَالَت يَوْمًا لقومها مَا أرى أَن هَؤُلَاءِ يدعونكم عمدا " هَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة أبي ذَر " مَا أرى أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم " وَقَالَ ابْن مَالك وَقع فِي بعض النّسخ " مَا أَدْرِي أَن هَؤُلَاءِ " كلمة أرى بِضَم الْهمزَة بِمَعْنى أَظن وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنى أعلم وَمَا مَوْصُولَة قَوْله " يدعونكم " بِفَتْح الدَّال أَي يتركونكم وَالْمعْنَى ظَنِّي أَنهم يتركونكم عمدا لاستئلافكم لَا سَهوا مِنْهُم وغفلة عَنْكُم وَقيل مَا نَافِيَة وَأَن بِمَعْنى لَعَلَّ وَقيل مَا نَافِيَة وَإِن بِالْكَسْرِ وَمَعْنَاهُ لَا أعلم حالكم فِي تخلفكم عَن الْإِسْلَام مَعَ أَنهم يدعونكم عمدا " فَهَل لكم " أَي رَغْبَة (ذكر استنباط الْأَحْكَام مِنْهُ) الأول فِيهِ اسْتِحْبَاب سلوك الْأَدَب مَعَ الأكابر كَمَا فِي فعل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي إيقاظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. الثَّانِي فِيهِ إِظْهَار التأسف لفَوَات أَمر من أُمُور الدّين. الثَّالِث فِيهِ لَا حرج على من تفوته صَلَاة لَا بتقصير مِنْهُ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا ضير ". الرَّابِع فِيهِ أَن من أجنب وَلم يجد مَاء فَإِنَّهُ يَتِيم لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عَلَيْكُم بالصعيد ". الْخَامِس فِيهِ أَن الْعَالم إِذا رأى أمرا مُجملا يسْأَل فَاعله عَنهُ ليوضحه فيوضح لَهُ هُوَ وَجه الصَّوَاب. السَّادِس فِيهِ اسْتِحْبَاب الملاطفة والرفق فِي الْإِنْكَار على أحد فِيمَا فعله. السَّابِع فِيهِ التحريض على الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة. الثَّامِن فِيهِ الْإِنْكَار على ترك الشَّخْص الصَّلَاة بِحَضْرَة الْمُصَلِّين بِغَيْر عذر. التَّاسِع فِيهِ أَن قَضَاء الْفَوَائِت وَاجِب وَلَا يسْقط بِالتَّأْخِيرِ وَيَأْثَم بِتَأْخِيرِهِ بِغَيْر عذر. الْعَاشِر فِيهِ أَن من حلت بِهِ فتْنَة فِي بلد فَليخْرجْ مِنْهُ وليهرب من الْفِتْنَة بِدِينِهِ كَمَا فعل الشَّارِع بارتحاله عَن بطن الْوَادي الَّذِي تشاءم بِهِ لأجل الشَّيْطَان. الْحَادِي عشر فِيهِ أَن من ذكر صَلَاة فَائِتَة لَهُ أَن يَأْخُذ من يصلح من وضوء وطهارة وابتغاء بقْعَة تطمئِن نَفسه للصَّلَاة عَلَيْهَا كَمَا فعل الشَّارِع بعد أَن ذكر الْفَائِتَة فارتحل بعد الذّكر ثمَّ تَوَضَّأ وَتَوَضَّأ النَّاس. الثَّانِي عشر فِيهِ اسْتِحْبَاب الْأَذَان للفائتة. الثَّالِث عشر فِيهِ جَوَاز أَدَاء الْفَائِتَة بِالْجَمَاعَة. الرَّابِع عشر فِيهِ طلب المَاء للشُّرْب وَالْوُضُوء. الْخَامِس عشر فِيهِ أَخذ المَاء الْمَمْلُوك لغيره لضَرُورَة الْعَطش بعوض وَفِيه أَن العطشان يقدم على الْجنب عِنْد صرف المَاء إِلَى النَّاس. السَّادِس عشر فِيهِ جَوَاز المعاطاة فِي الهبات والإباحات من غير لفظ من الْجَانِبَيْنِ. السَّابِع عشر فِيهِ تَقْدِيم

مصلحَة شرب الْآدَمِيّ وَالْحَيَوَان على غَيره كمصلحة الطَّهَارَة بِالْمَاءِ (فَإِن قلت) قد وَقع فِي رِوَايَة سلم بن زرير " غير أَنا لم نسق بَعِيرًا " (قلت) هَذَا مَحْمُول على أَن الْإِبِل لم تكن محتاجة إِذْ ذَاك إِلَى السَّقْي. الثَّامِن عشر فِيهِ جَوَاز الْخلْوَة بالأجنبية عِنْد أَمن الْفِتْنَة فِي حَالَة الضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة. التَّاسِع عشر فِيهِ جَوَاز اسْتِعْمَال أواني الْمُشْركين مَا لم يتَيَقَّن فِيهَا نَجَاسَة. الْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز أَخذ مَال النَّاس عِنْد الضَّرُورَة بِثمن إِن كَانَ لَهُ ثمن كَذَا اسْتدلَّ بِهِ بَعضهم وَفِيه نظر. الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز اجْتِهَاد الصَّحَابَة بِحَضْرَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه خلاف مَشْهُور وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز تَأْخِير الْفَائِتَة عَن وَقت ذكرهَا إِذا لم يكن عَن تغافل أَو استهانة وَذَلِكَ من قَوْله " ارتحلوا " بِصِيغَة الْأَمر فَافْهَم. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِيهِ مُرَاعَاة ذمام الْكَافِر والمحافظة بِهِ كَمَا حفظ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذِه الْمَرْأَة فِي قَومهَا وبلادها فراعى فِي قَومهَا ذمامها وَإِن كَانَت من صميمهم. الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الْحلف من غير الِاسْتِحْلَاف. الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الشكوى من الرعايا إِلَى الإِمَام عِنْد حُلُول أَمر شَدِيد. السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِيهِ اسْتِحْبَاب التَّعْرِيس للْمُسَافِر إِذا غَلبه النّوم. السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ مَشْرُوعِيَّة قَضَاء الْفَائِت الْوَاجِب وَأَنه لَا يسْقط بِالتَّأْخِيرِ. الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ للمحتاج بِرِضا الْمَطْلُوب مِنْهُ وَبِغير رِضَاهُ إِن تعين. التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِيهِ جَوَاز النّوم على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كنوم وَاحِد منا فِي بعض الْأَوْقَات وَقد مر التَّحْقِيق فِيهِ. الثَّلَاثُونَ فِيهِ إِبَاحَة السّفر من غير أَن يعين يَوْمًا أَو شهر فَوَائِد. فِيهِ من دَلَائِل النُّبُوَّة حَيْثُ توضؤوا وَشَرِبُوا وَسقوا واغتسل الْجند مِمَّا سقط من العزالي وَبقيت المزادتان مملوءتان ببركته وعظيم برهانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانُوا أَرْبَعِينَ نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة سلم بن زرير وَإِنَّهُم ملأوا كل قربَة مَعَهم وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَظَاهر هَذِه الرِّوَايَة أَن جملَة من حضر هَذِه الْقِصَّة كَانُوا أَرْبَعِينَ وَلَا نعلم مخرجا لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يخرج فِي هَذَا الْعدَد فَلَعَلَّ الركب الَّذين عجلهم بَين يَدَيْهِ لطلب المَاء وَأَنَّهُمْ وجدوا الْمَرْأَة وَأَنَّهُمْ أسقوا لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبل النَّاس وَشَرِبُوا ثمَّ شرب النَّاس بعدهمْ. وَفِيه أَن جَمِيع مَا أَخَذُوهُ من المَاء مِمَّا زَاده الله وأوجده وَأَنه لم يخْتَلط فِيهِ شَيْء من مَاء تِلْكَ الْمَرْأَة فِي الْحَقِيقَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر مختلطا وَهَذَا أبدع وَأغْرب فِي المعجزة. وَفِيه دلَالَة أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أجلد الْمُسلمين وأصلبهم فِي أَمر الله تَعَالَى. (وَفِيه أسئلة) الأول أَن الِاسْتِيلَاء على الْكفَّار بِمُجَرَّدِهِ يُبِيح رق نِسَائِهِم وصبيانهم وَإِذا كَانَ كَذَلِك فقد دخلت الْمَرْأَة فِي الرّقّ باستيلائهم عَلَيْهَا وَكَيف وَقع إِطْلَاقهَا وتزويدها وَأجِيب بِأَنَّهَا أطلقت لمصْلحَة الاستئلاف الَّذِي جر دُخُول قَومهَا أَجْمَعِينَ فِي الْإِسْلَام وَيحْتَمل أَنَّهَا كَانَ لَهَا أَمَان قبل ذَلِك أَو كَانَت من قوم لَهُم عهد. الثَّانِي كَيفَ جوزوا التَّصَرُّف حِينَئِذٍ فِي مَالهَا وَأجِيب بِالنّظرِ إِلَى كفرها أَو لضَرُورَة الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ والضروريات تبيح الْمَحْظُورَات. الثَّالِث أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى عَن التشاؤم وَهَهُنَا ارتحل عَن الْوَادي الَّذِي تشاءم بِهِ وَأجِيب بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يعلم حَال ذَلِك الْوَادي وَلم يكن غَيره يعلم بِهِ فَيكون خَاصّا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأخذ بعض الْعلمَاء بِظَاهِر مَا وَقع مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من رحيله من ذَلِك الْوَادي أَن من انتبه من نوم عَن صَلَاة فَائت فِي سفر فَإِنَّهُ يتَحَوَّل عَن مَوْضِعه وَإِن كَانَ بواد فَليخْرجْ عَنهُ وَقيل إِنَّمَا يلْزم بذلك الْوَادي بِعَيْنِه وَقيل هُوَ خَاص بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَمَا ذكرنَا (قَالَ أَبُو عبد الله صَبأ خرج من دين إِلَى غَيره. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة الصابئين فرقة من أهل الْكتاب يقرؤن الزبُور) . هَذَا إِلَى آخِره رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بإيراد هَذِه الإشاوة إِلَى الْفرق بَين الصابىء المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث والصابىء الْمَنْسُوب إِلَى الطَّائِفَة الَّذين بَينهم أَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان الرباحي أما الصابىء الَّذِي هُوَ المُرَاد فِي هَذَا الحَدِيث فِي قَول الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة الَّذِي يُقَال لَهُ الصابىء فَهُوَ من صبا إِلَى الشَّيْء يصبو إِذا مَال وَهُوَ غير مَهْمُوز وَكَانَت الْعَرَب تسمي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الصابىء لِأَنَّهُ خرج من دين قُرَيْش إِلَى دين الْإِسْلَام ويسمون من يدْخل فِي دين الْإِسْلَام مصبو لأَنهم كَانُوا لَا يهمزون ويسمون الْمُسلمين الصباة بِغَيْر همزَة جمع صاب غير مَهْمُوز كقاض وقضاة وغاز وغزاة وَقد يُقَال

صبا الرجل إِذا عشق وَهوى وَقد يُقَال صابىء بِالْهَمْز من صبا يصبو بِغَيْر همز وَأَن الصابئون الَّذين ذكرهم أَبُو الْعَالِيَة فأصله من صَبأ يصبأ صَبأ وصبوأ إِذا خرج عَن دين إِلَى آخر وَهَذِه الطَّائِفَة يسمون الصابئين وَاخْتلف فِي تَفْسِيره فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة هم فرقة من أهل الْكتاب يقرؤن الزبُور وَقد وصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الرّبيع بن أنس عَنهُ وَعَن مُجَاهِد لَيْسُوا بيهود وَلَا نَصَارَى وَلَا دين لَهُم وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم وَلَا تنْكح نِسَاؤُهُم وَكَذَا روى عَن الْحسن وَابْن نجيح وَقَالَ ابْن زيد الصابئون أهل دين من الْأَدْيَان كَانُوا بالجزيرة جَزِيرَة الْموصل يَقُولُونَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَيْسَ لَهُم عمل وَلَا كتاب وَلَا نَبِي وَلم يُؤمنُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَن الْحسن قَالَ أخبر زِيَاد أَن الصابئين يصلونَ إِلَى الْقبْلَة وَيصلونَ الْخمس قَالَ فَأَرَادَ أَن يضع عَلَيْهِم الْجِزْيَة فَأخْبر بعد أَنهم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَعَن قَتَادَة وَأبي جَعْفَر الرَّازِيّ هم قوم يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَيصلونَ إِلَى الْقبْلَة ويقرؤن الزبُور وَفِي الْكتاب الزَّاهِر لِابْنِ الْأَنْبَارِي هم قوم من النَّصَارَى قَوْلهم أَلين من قَول النَّصَارَى قَالَ الله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} فَيُقَال الَّذين آمنُوا هم المُنَافِقُونَ أظهرُوا الْإِيمَان وأضمروا الْكفْر وَالَّذين هادوا الْيَهُود المغيرون المبدلون وَالنَّصَارَى المقيمون على الْكفْر بِمَا يصفونَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من الْمحَال والصابئون الْكفَّار أَيْضا المفارقون للحق وَيُقَال الَّذين آمنُوا الْمُؤْمِنُونَ حَقًا وَالَّذين هادوا الَّذين تَابُوا وَلم يُغيرُوا أَو النَّصَارَى نصار عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام والصابئون الخارجون من الْبَاطِل إِلَى الْحق من آمن بِاللَّه مَعْنَاهُ من دَامَ مِنْهُم على الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى فَلهُ أجره وَفِي كتاب الرشاطي الصابي نسبه إِلَى صابي بن متوشلخ بن خنوخ بن برد بن مهليل بن فتين بن ياش بن شِيث بن آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه الْمُنْتَهى هم جنس من أهل الْكتاب يَزْعمُونَ أَنهم من ولد صاب بن إِدْرِيس النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقيل نسبتهم إِلَى الصابىء بن ماري وَكَانَ فِي عصر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي منظومته

(الصابئيات كالكتابيات ... فِي حكم حل العقد والذكاة)

وَشَرحه أَن أَبَا حنيفَة يَقُول إِنَّهُم يَعْتَقِدُونَ نَبيا وَلَهُم كتاب فَتحل مناكحة نِسَائِهِم وتؤكل ذَبَائِحهم وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد هم يَعْتَقِدُونَ الْكَوَاكِب فَلَا تحل مناكحة نِسَائِهِم وَلَا تُؤْكَل ذَبَائِحهم

٧ - (بَاب إِذَا خافَ الجُنُبُ على نَفْسِهِ المَرَضَ أَوَ المَوْتَ أوْ خَافَ الْعَطَشَ تيمَّم)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا خَافَ الْجنب: الخ. وَقد ذكر فِيهِ حكم ثَلَاث مسَائِل.

الأولى: إِذا خَافَ الْجنب على نَفسه الْمَرَض يُبَاح لَهُ التَّيَمُّم مَعَ وجود المَاء، وَهل يلْحق بِهِ خوف الزِّيَادَة؟ فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وَالشَّافِعِيّ، وَالأَصَح عِنْده: نعم، وَبِه قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري، وَعَن مَالك رِوَايَة بِالْمَنْعِ، وَقَالَ عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ فِي رِوَايَة: لَا يستباح التَّيَمُّم بِالْمرضِ أصلا وَكَرِهَهُ طَاوس، وَإِنَّمَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم عِنْد عدم المَاء، وَأما مَعَ وجوده فَلَا، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد، ذكره فِي (التَّوْضِيح) . وَفِي (شرح الْوَجِيز) : أما مرض يخَاف مِنْهُ زِيَادَة الْعلَّة وبطء الْبُرْء، فقد ذكرُوا فِيهِ ثَلَاث طرق، أظهرها أَن فِي جَوَاز التَّيَمُّم لَهُ قَولَانِ: أَحدهمَا الْمَنْع، وَهُوَ قَول أَحْمد، وأظهرهما الْجَوَاز وَهُوَ قَول الْإِصْطَخْرِي وَعَامة أَصْحَابه، وَهُوَ قَول مَالك وَأبي حنيفَة. وَفِي (الْحِلْية) : وَهُوَ الْأَصَح. وَإِن كَانَ مرض لَا يلْحقهُ بِاسْتِعْمَال المَاء ضَرَر كالصداع والحمى لَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم، وَقَالَ دَاوُد: يجوز، ويحكى ذَلِك عَن مَالك، وَعنهُ أَنه لَا يجوز. وَلَو خَافَ من اسْتِعْمَال المَاء شَيْئا فِي الْمحل، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس؛ لَا يجوز لَهُ التَّيَمُّم على مَذْهَب الشَّافِعِي، وَقَالَ غَيره إِن كَانَ الشين كأثر الجدري والجراحة لَيْسَ لَهُم التَّيَمُّم، وَإِن كَانَ يشوه من خلقه ويسود من وَجهه كثيرا فِيهِ قَولَانِ. وَالثَّانِي من الطّرق أَنه: لَا يجوز قطعا، وَالثَّالِث: أَنه يجوز قطعا.

الثَّانِيَة: إِذا خَافَ الْجنب على نَفسه الْمَوْت يجوز لَهُ التَّيَمُّم بِلَا خلاف، وَفِي قاضيخان: الْجنب الصَّحِيح فِي الْمصر إِذا خَافَ الْهَلَاك للبرد جَازَ لَهُ التَّيَمُّم، وَأما الْمُسَافِر، إِذا خَافَ الْهَلَاك من الِاغْتِسَال جَازَ لَهُ التَّيَمُّم بالِاتِّفَاقِ، وَأما الْمُحدث فِي الْمصر فَاخْتَلَفُوا فِيهِ على قَول أبي حنيفَة، فجوزه شيخ الْإِسْلَام، وَلم يجوزه الْحلْوانِي.

الثَّالِثَة: أَنه إِذا خَافَ على نَفسه الْعَطش يجوز لَهُ التَّيَمُّم، وَكَذَا عندنَا إِذا خَافَ على رَفِيقه أَو على حَيَوَان مَعَه نَحْو دَابَّته وكلبه وسنوره وطيره. وَفِي (شرح الْوَجِيز) : لَو خَافَ على نَفسه أَو مَاله من سبع أَو سَارِق فَلهُ التَّيَمُّم، وَلَو احْتَاجَ إِلَى المَاء لعطش فِي الْحَال أَو توقعه فِي الْمَآل، أَو لعطش رَفِيقه أَو لعطش حَيَوَان مُحْتَرم جَازَ لَهُ التَّيَمُّم. وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة؛ أَو كَانَ المَاء عِنْد جمع فساق فخافت الْمَرْأَة على نَفسهَا الزِّنَا جَازَ لَهَا التَّيَمُّم.

قَوْله: (أَو خَافَ الْعَطش) ، غير مقتصر على الْجنب الَّذِي يخَاف الْعَطش، بل الْجنب والمحدث

فِيهِ سَوَاء.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالَّذِي قبله وَالَّذِي بعده ظَاهر، لِأَن هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا فِي حكم التَّيَمُّم.

وَيُذْكَرُ أنَّ عَمرَو بنَ الْعاصِ أجْنَبَ فِي لَيْلةٍ بارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا {وَلَا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النِّسَاء: ٩٢) فَذُكِرَ للنَّبيّ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ.

عَمْرو بن الْعَاصِ القريشي السَّهْمِي أَبُو عبد ا، قدم على النَّبِي فِي سنة ثَمَان قبل الْفَتْح مُسلما، وَهُوَ من زهاد قُرَيْش، ولاه النَّبِي على عمان وَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى قبض النَّبِي، رُوِيَ لَهُ سَبْعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ ثَلَاثَة، مَاتَ بِمصْر عَاملا عَلَيْهَا سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين على الْمَشْهُور يَوْم الْفطر، صلى عَلَيْهِ ابْنه عبد ا، ثمَّ صلى الْعِيد بِالنَّاسِ. قَوْله: (وَيذكر) ، تَعْلِيق بِصِيغَة التمريض، وَوَصله أَبُو دَاوُد وَقَالَ: حدّثنا ابْن الْمثنى، قَالَ: حدّثنا وهب بن جرير، قَالَ: حدّثنا أبي، قَالَ: سَمِعت يحيى بن أَيُّوب يحدث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: (احْتَلَمت فِي لَيْلَة بَارِدَة فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل، فَأَشْفَقت إِن اغْتَسَلت أَن أهلك، فَتَيَمَّمت ثمَّ صليت بِأَصْحَابِي الصُّبْح، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي، فَقَالَ: يَا عَمْرو صليت بِأَصْحَابِك وَأَنت جنب؟ فَأَخْبَرته بِالَّذِي مَنَعَنِي من الِاغْتِسَال، وَقلت: إِنِّي سَمِعت اتعالى يَقُول: {وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن اكان بكم رحِيما} (النِّسَاء: ٩٢) فَضَحِك نَبِي اعليه الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يقل شَيْئا) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا. قَوْله: (فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل) ، وَهِي وَرَاء وَادي الْقرى، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَيَّام. وَقيل: سميت بهَا لِأَنَّهَا بِأَرْض جذام يُقَال لَهُ السلسل، وَكَانَت فِي جمادي الأولى سنة ثَمَان من الْهِجْرَة. قَوْله: (فَأَشْفَقت) أَي: خفت. قَوْله: (فَلم يعنفه) أَي: لم يعنفه النَّبِي، يَعْنِي لم يُنكر عَلَيْهِ، كَذَا لم يعنفه بالضمير فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَلم يعنف) ، بِدُونِ الضَّمِير حذف للْعلم بِهِ، وَعدم تعنيفه إِيَّاه دَلِيل الْجَوَاز والتقرير، وَبِه علم عدم إِعَادَة الصَّلَاة الَّتِي صلاهَا بِالتَّيَمُّمِ فِي هَذِه الْحَالة، وَهُوَ حجَّة على من يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ، وَدلّ أَيْضا على جَوَاز التَّيَمُّم لمن يتَوَقَّع من اسْتِعْمَال المَاء الْهَلَاك، سَوَاء كَانَ للبرد أَو لغيره، وَسَوَاء كَانَ فِي السّفر أَو فِي الْحَضَر، وَسَوَاء كَانَ جنبا أَو مُحدثا. وَفِيه دلَالَة على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي عصره.

٥٤٣١١ - ح دّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ قالَ حَدَّثَنَا محَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أبي وَائِلٍ قَالَ قالَ أبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لَا يُصَلِّي. قالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى قالَ قُلْتُ فَأيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قالَ إِنِّي لَمْ أرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَولِ عَمَّارٍ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (يَعْنِي تيَمّم وَصلى) .

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة. الأول: بشر بن خَالِد العسكري، أَبُو مُحَمَّد الْفَرَائِضِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْبَصْرِيّ الملقب بغندر، بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال على الْأَشْهر. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: سُلَيْمَان الْمَشْهُور بالأعمش. الْخَامِس: أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. السَّادِس: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ؛ عبد ابْن قيس. السَّابِع: عبد ابْن مَسْعُود، وَالْكل تقدمُوا.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصفة الْجمع مرَّتَيْنِ. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَقَوله: هُوَ غنْدر، لَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ. قَوْله: (عَن شُعْبَة) ، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (حدّثنا شُعْبَة) . وَفِيه: أَن قَوْله؛ هُوَ غنْدر، من عِنْد البُخَارِيّ وَلَيْسَ هُوَ من لفظ شَيْخه، وَفِيه: إِن الْأَعْمَش ذكر باسمه وشهرته بلقبه، وَقلت: رِوَايَة يذكر فِيهَا كَذَا سُلَيْمَان مُجَردا. وَفِيه: محاورة صحابيين جليلين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا لم يجد المَاء) هَذَا على سَبِيل الِاسْتِفْهَام، وَالسُّؤَال من أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن عبد ابْن مَسْعُود يَعْنِي: إِذا لم يجد الْجنب المَاء لَا يُصَلِّي. وَقَوله: (لم يجد) ، بِصِيغَة الْغَائِب، وَكَذَلِكَ: (لَا يُصَلِّي) بِصِيغَة الْغَائِب، وَهِي رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا بِصِيغَة الْخطاب فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَأَبُو مُوسَى يُخَاطب عبد ا، وَكَذَا فِي رِوَايَة الاسماعيلي مَا يدل على هَذَا، وَلَفظه: (فَقَالَ عبد ا: نعم إِذا لم أجد المَاء شهرا لَا أُصَلِّي) . قَوْله: (لَو رخصت) ، أَي: قَالَ عبد الأبي مُوسَى: لَو رخصت لَهُم فِي هَذَا، أَي: فِي جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب إِذا وجد أحدهم الْبرد، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: (إِذا وجد أحدكُم الْبرد) . قَوْله: (قَالَ هَكَذَا) ، فِيهِ

إِطْلَاق القَوْل على الْفِعْل، ثمَّ فسره بقوله: يَعْنِي تيَمّم وَصلى، وَهُوَ مقول قَول أبي مُوسَى. قَوْله: (قَالَ: قلت) أَي: قَالَ أَبُو مُوسَى: قلت لعبد ا: فَأَيْنَ قَول عمار بن يَاسر لعمر بن الْخطاب؟ وَهُوَ قَوْله: (كُنَّا فِي سفر فأجنبت فتمعكت فِي التُّرَاب فَذكرت لرَسُول الله فَقَالَ: يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ) ؟ قَوْله: (قَالَ) أَي: قَالَ ابْن مَسْعُود: إِنِّي لم أرَ عمر بن الْخطاب قنع بقول عمار بن يَاسر، وَإِنَّمَا لم يقنع عمر بقوله لِأَنَّهُ كَانَ حَاضرا مَعَه فِي تِلْكَ السفرة، وَلم يتَذَكَّر الْقِصَّة، فارتاب فِي ذَلِك وَلم يقنع بقوله، وَهَذَا وَقع هَكَذَا مُخْتَصرا فِي رِوَايَة شُعْبَة وَيَأْتِي الْآن فِي رِوَايَة عمر بن حَفْص، ثمَّ فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة أتم وأكمل.

٦٤٣٢١ - ح دّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حَدَّثَنَا أبي قالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قالَ سَمِعْتُ شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ قالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأبي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ فَقَالَ أبُو مُوسَى فَكَيْفَ تصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِين قالَ لهُ النَّبيُّ كانَ يَكْفِيكَ قالَ ألَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَمَا درَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ المَاءُ انْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّما كَرِهَ عَبْد اللَّهِ لِهَذَا قالَ نَعَمْ.

وَهَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت: حدّثنا الْأَعْمَش، وَفِيه فَائِدَة تَصْرِيح سَماع الْأَعْمَش من شَقِيق. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (يَا با عبد الرَّحْمَن) أَصله: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، فحذفت الْهمزَة فِيهِ تَخْفِيفًا، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن: كنية عبد ابْن مَسْعُود. قَوْله: (إِذا أجنب) أَي: الرجل: (فَلم يجد المَاء) ، ويروى: (إِذا أجنبت فَلم تَجِد) . بتاء الْخطاب فيهمَا. قَوْله: (كَيفَ يصنع؟) بياء الْغَيْبَة، أَي: كَيفَ يصنع الرجل؟ وعَلى رِوَايَة الْخطابِيّ: (كَيفَ تصنع؟) بتاء الْخطاب أَيْضا، وَالرِّوَايَة بالغيبة أشهر وأوجه بِدَلِيل قَوْله: (فَقَالَ عبد الا يُصَلِّي) أَي: لَا يُصَلِّي الرجل الَّذِي لَا يجد المَاء حَتَّى يجد، أَي: إِلَى أَن يجد المَاء. قَوْله: (كَانَ يَكْفِيك) أَي: مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. قَوْله: (فَدَعْنَا من قَول عمار) أَي: أتركنا، وَكلمَة: دع، أَمر من: يدع، وأمات الْعَرَب ماضيه، وَالْمعْنَى: إقطع نظرك عَن قَول عمار، فَمَا تَقول فِيمَا ورد فِي الْقُرْآن؟ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) وَهُوَ معنى قَوْله: (كَيفَ تصنع بِهَذِهِ الْآيَة) وَهِي قَوْله تَعَالَى: {فَلم تَجدوا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) الْآيَة. قَوْله: (فَمَا درى عبد اما يَقُول) أَي: فَلم يعرف عبد اما يَقُول فِي تَوْجِيه الْآيَة على وفْق فتواه، وَلَعَلَّ الْمجْلس مَا كَانَ يَقْتَضِي تَطْوِيل المناظرة، وإلَاّ فَكَانَ لعبد اأن يَقُول: المُرَاد من الْمُلَامسَة فِي الْآيَة تلاقي البشرتين فِيمَا دون الْجِمَاع، وَجعل التَّيَمُّم بَدَلا من الْوضُوء فَقَط، فَلَا يدل على جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب. قَوْله: (فِي هَذَا) ، أَي: فِي التَّيَمُّم للْجنب. قَوْله: (لَأَوْشَكَ) أَي: قرب وأسرع، وَهَذَا رد على من زعم أَنه لَا يَجِيء من بَاب: يُوشك أوشك مَاضِيا، وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ مضارعاً. قَوْله: (إِذا برد) بِفَتْح الْبَاء وَالرَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي. بِضَم الرَّاء، وَالْمَشْهُور الْفَتْح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُلَازمَة بَين الرُّخْصَة فِي تيَمّم الْجنب وَتيَمّم المتبرد، حَتَّى صَحَّ أَن يُقَال: لَو رخصنا لَهُم فِي ذَلِك لَكَانَ إِذا وجد أحدهم الْبرد تيَمّم؟ قلت: الْجِهَة الجامعة بَينهمَا اشتراكهما فِي عدم الْقُدْرَة على اسْتِعْمَال المَاء، لِأَن عدم الْقُدْرَة إِمَّا بفقد المَاء، وَإِمَّا بتعذر الِاسْتِعْمَال. قَوْله: (فَقلت) أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قلت لشقيق. قَوْله: (لهَذَا) أَي: لأجل هَذَا الْمَعْنى، وَهُوَ احْتِمَال أَن يتَيَمَّم المتبرد، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْوَاو، لَا تدخل بَين القَوْل ومقوله، فَلم قَالَ: وَإِنَّمَا كره قلت: هُوَ عطف على سَائِر مقولاته الْمقدرَة أَي قلت؛ كَذَا وَكَذَا أَيْضا. انْتهى. قلت: كَأَنَّهُ اعْتمد على نُسْخَة فِيهَا، وَإِنَّمَا بواو الْعَطف، والنسخ الْمَشْهُورَة: فَإِنَّمَا بِالْفَاءِ.

ذكر مَا فِيهِ من الْفَوَائِد: الأولى: فِيهِ جَوَاز الماظرة، وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه مناظرة، وَالظَّاهِر مِنْهُمَا يَأْتِي على إهمال حكم الْآيَة، وَأي عذر لمن ترك الْعَمَل بِمَا فِي هَذِه الْآيَة من أجل أَن بعض النَّاس عساه أَن يستعملها على وَجههَا، وَفِي غير جِنْسهَا. وَمَا الْوَجْه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ عبد امن إبِْطَال هَذِه الرُّخْصَة مَعَ مَا فِيهِ من إِسْقَاط الصَّلَاة عَمَّن هُوَ مُخَاطب بهَا ومأمور بإقامتها؟ وَأجِيب: عَن هَذَا بِأَن

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا إله إلا الله