الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٩
الحديث رقم ٣٣٩ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التيمم للوجه والكفين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ( سَعِيدِ) بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.
معنى هذا الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان في يوم من الأيام صائمًا، ولما حان وقت الإفطار جيء له بالطعام، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيرا ًمني تواضعاً وهضما لنفسه، أو من حيثية اختيار الفقر والصبر، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من بقية الصحابة.
ومصعب رضي الله عنه كان قبل الإسلام عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دللاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: ( ومغانم كثيرة يأخذونها ).
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا" أي: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا) أو قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها). كما جاء عن عمر رضي الله عنه، وهذا لما كان الخوف غالباً عليهم فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وخشية أن لا يلحق بمن تقدمه من الصالحين، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِمُسْلِمٍ فِي سَرِيَّةٍ وَزَادَ فَأَجْنَبْنَا وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِثْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَعَّكْتُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ فَتَمَرَّغْتُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَقَلَّبْتُ، وَكَأَنَّ عَمَّارًا اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِذَا وَقَعَ بَدَلَ الْوُضُوءِ وَقَعَ عَلَى هَيْئَةِ الْوُضُوءِ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنِ الْغُسْلِ يَقَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْغُسْلِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْحَقَّ، وَأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَفِي تَرْكِهِ أَمْرَ عُمَرَ أَيْضًا بِقَضَائِهَا مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (١).
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّيَمُّمِ هِيَ الصِّفَةُ الْمَشْرُوحَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَتْ بِالْأَمْرِ دَلَّتْ عَلَى النَّسْخِ وَلَزِمَ قَبُولُهَا، لَكِنْ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْفِعْلِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْأَكْمَلِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ.
قَوْلُهُ: (وَنَفَخَ فِيهِمَا) وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ الْآتِيَةِ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّفْخِ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَفْخًا خَفِيفًا، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَفَلَ فِيهِمَا وَالتَّفْلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ دُونَ الْبَزْقِ، وَالنَّفْثُ دُونَهُ. وَسِيَاقُ هَؤُلَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْفِعْلِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ - كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ - أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْقَوْلِ، وَلَفْظُهُمْ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ زَادَ يَحْيَى ثُمَّ تَنْفُخُ ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ وَاسْتُدِلَّ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ التُّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى سُقُوطِ اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّخْفِيفِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ أَخْذًا مِنْ كَوْنِ عَمَّارٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَسُقُوطُ إِيجَابِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ.
٥ - بَاب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.
٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) أَيْ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ، وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقد عقد المؤلِّف ﵀ للضَّربة الواحدة بابًا يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٤٧] فليُتأمَّل، مع قول العينيِّ: «ضربةٌ واحدةٌ».
٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن مِنهالٍ؛ بكسر الميم (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتَيْبَة، الفقيه الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: «أخبرني» بالإفراد «الحكم» (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة، ابن عبد الله الهمْدانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «عن ابن عبد الرَّحمن» (بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة والزَّاي المُعجَمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن (قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا) إشارةٌ إلى سياق المتن السَّابق من رواية آدم عن شعبة [خ¦٣٣٨] لكن ليس في رواية حجَّاجٍ هذه قصَّة عمر، قال حجَّاجٌ: (وَضَرَبَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا) أي: قرَّبهما (مِنْ فِيهِ) كنايةٌ عن النَّفخ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه كان نفخًا خفيفًا (ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ) (١) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ثمَّ (٢) مسح بهما وجهه» (وَكَفَّيْهِ) أي: إلى الرُّسغين، أو إلى المرفقين.
(وَقَالَ النَّضْرُ) بالنُّون والضَّاد المُعجَمة، ابن شُمَيْلٍ ممَّا وصله مسلمٌ: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) هو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
جَابر عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث اسحق الْحَرْبِيّ وَقَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَيْضا إِسْنَاده صَحِيح وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من يمْنَع صِحَّته وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا ووردت فِي ذَلِك آثَار صَحِيحَة. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن أَنه قَالَ " ضَرْبَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " وروى عَن إِبْرَاهِيم وطاووس وَسَالم وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب نَحوه وروى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم فِي التَّيَمُّم " قَالَ تضع راحتيك فِي الصَّعِيد فتمسح وَجهك ثمَّ تضعهما الثَّانِيَة فتمسح يَديك وذراعيك إِلَى الْمرْفقين " قَالَ مُحَمَّد وَبِه نَأْخُذ وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه أخبرنَا ابْن مهْدي عَن زَمعَة عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه قَالَ " التَّيَمُّم ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " حَدثنَا ابْن علية عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ قَالَ " التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وروى فِي ذَلِك أَيْضا عَن أبي أُمَامَة وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا ولكنهما ضعيفان فَحَدِيث أبي أُمَامَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَالَ التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَفِي إِسْنَاده جَعْفَر بن الزبير قَالَ شُعْبَة وضع أَربع مائَة حَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة أخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ عَنْهَا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " فِي التَّيَمُّم ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَفِي إِسْنَاده الْحَرِيش بن حُرَيْث ضعفه أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة. الرَّابِع احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة على جَوَاز التَّيَمُّم من الصَّخْرَة الَّتِي لَا غُبَار عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُعْتَبرا لما نفخ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي يَدَيْهِ. الْخَامِس فِيهِ أَن النفخ سنة أَو مُسْتَحبّ
٥ - (بابٌ التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكفَّيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، وَمعنى أَحَادِيث هَذَا الْبَاب هُوَ معنى الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه رُوِيَ هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة مَرْفُوعا، وَهَهُنَا أخرجه عَن سِتَّة مَشَايِخ كلهم عَن شبعة، ثَلَاثَة مِنْهَا مَوْقُوفَة، وَثَلَاثَة مَرْفُوعَة، كَمَا ستقف عَلَيْهَا، وَهَهُنَا: عَن حجاج عَن شُعْبَة، وحجاح هُوَ ابْن منهال، بِكَسْر الْمِيم. وَقَوله: بَاب، منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: التَّيَمُّم، كَمَا ذكرنَا. وَقَوله؛ التَّيَمُّم للْوَجْه، مُبْتَدأ، وَالْكَفَّيْنِ، عطف على: الْوَجْه، أَي: وللكفين، وَخَبره مَحْذُوف أَي: التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ الْآن، ثمَّ يقدر بعد ذَلِك لَفْظَة: جَوَازًا، يَعْنِي من حَيْثُ الْجَوَاز، أَو يقدر وجوبا، يَعْنِي من حَيْثُ الْوُجُوب. وَالْمَقْصُود مِنْهُ إِثْبَات أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة سَوَاء كَانَ وجوبا أَو جَوَازًا. وَقَالَ بَعضهم؛ بَاب التَّيَمُّم للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، أَي: هُوَ الْوَاجِب المجزىء. قلت: تَقْيِيده بِالْوُجُوب لَا يفهم مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَعم من ذَلِك، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وأتى بذلك بِصِيغَة الْجَزْم مَعَ شهرة الْخلاف فِيهِ لقُوَّة دَلِيله، فَإِن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي صفة التَّيَمُّم لم يَصح مِنْهَا سوى حَدِيث أبي جهيم وعمار، وَمَا عداهما فضعيف أَو مُخْتَلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَالرَّاجِح عدم رَفعه. وَأما حَدِيث أبي جهيم فورد بِذكر الْيَدَيْنِ مُجملا، وَأما حَدِيث عمار فورد بِذكر الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وبذكر الْمرْفقين فِي (السّنَن) . انْتهى. قلت: قَوْله: لم يَصح مِنْهَا سوى حَدِيث أبي جهيم وعمار، غير مُسلم، وَكُنَّا قد ذكرنَا أَنه رُوِيَ فِيهِ عَن جَابر مَرْفُوعا: (إِن التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين) ، وَأَن الْحَاكِم قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح، وَأَن الذَّهَبِيّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من يمْنَع صِحَّته. فَإِن قلت: رَوَاهُ جمَاعَة مَوْقُوفا. قلت: الرّفْع أقوى وَأثبت لِأَنَّهُ أسْند من وَجْهَيْن، وَقَوله: أما حَدِيث أبي جهيم فورد بِذكر الْيَدَيْنِ مُجملا، غير صَحِيح، وَلَا يُطلق عَلَيْهِ حد الْإِجْمَال، بل هُوَ مُطلق يتَنَاوَل إِلَى الْكَفَّيْنِ وَإِلَى الْمرْفقين وَإِلَى مَا وَرَاء ذَلِك، وَلَكِن رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي هَذَا الحَدِيث خصصته وفسرته، بقوله: (فَمسح بِوَجْهِهِ وذراعيه) . فَإِن قلت: هَذَا الْقَائِل لم يرد الْإِجْمَال الاصطلاحي، بل أَرَادَ الْإِجْمَال اللّغَوِيّ. قلت: إِن كَانَ ذَلِك فَحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ أوضحه وكشفه، كَمَا ذكرنَا.
٩٣٣ - ح دّثنا حَجَّاجٌ قالَ أخبرنَا شُعْبَةُ أَخْبرنِي الْحَكَمُ عنْ ذَرَ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ أبِيهِ قالَ عَمَّارٌ بِهَذَا وَضَرَبَ شُعْبَةُ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أدْناهُمَا مِنْ فيهِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَن سِتَّة من الْمَشَايِخ. الأول: مَوْقُوف يرويهِ عَن حجاج بن منهال إِلَى آخِره، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حدّثنا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ: حدّثنا حجاج، قَالَ: حدّثنا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الحكم عَن ذَر عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن عمار رَضِي اتعالى عَنهُ: (أَن رَسُول الله قَالَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا وَضرب شُعْبَة بكفيه إِلَى الأَرْض وأدناهما من فِيهِ، فَنفخ فيهمَا، ثمَّ مسح وَجهه وكفيه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ذَر عَن ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه. قَالَ بَعضهم: أَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنه وهم فِيهِ، لِأَنَّهُ أسقط لَفْظَة (ابْن) ، وَلَا بُد مِنْهَا لِأَن: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن لَا رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: رِوَايَة مُحَمَّد بن خُزَيْمَة الْمَذْكُورَة تبتنى على صِحَة قَول من يَقُول: إِن أَبْزَى وَالِد عبد الرَّحْمَن صَحَابِيّ، وَهُوَ قَول ابْن مَنْدَه، فَإِنَّهُ جعله من الصَّحَابَة، وروى بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن عبيد االرازي عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى، عَن أَبِيه، (عَن رَسُول الله أَنه: خطب للنَّاس قَائِما، ثمَّ قَالَ: مَا بَال أَقوام لَا يعلمُونَ جيرانهم وَلَا يفقهونهم وَلَا يعظونهم وَلَا يأمرونهم وَلَا ينهونهم) ؟ . الحَدِيث، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (الْمسند) عَن مُحَمَّد بن أبي سهل عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل عَن عَلْقَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي بِهَذَا، وَقد رده أَبُو نعيم عَلَيْهِ، وَقَالَ: ذكر ابْن مَنْدَه أَن البُخَارِيّ ذكره فِي كتاب الوجدان، وَأخرج لَهُ حَدِيث أبي سَلمَة عَن ابْن أَبْزَى عَن النَّبِي، وَلم يقل فِيهِ: عَن أَبِيه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى الْخُزَاعِيّ، ذكره البُخَارِيّ فِي الوجدان، وَلَا يَصح لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، ولابنه عبد الرَّحْمَن صُحْبَة وَرِوَايَة. قلت: وَكَذَلِكَ لم يذكر أَبُو عمر: أَبْزَى فِي الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ذكر عبد الرَّحْمَن لِأَنَّهُ لم يَصح عِنْده صُحْبَة أَبْزَى، وَمَعَ هَذَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي صُحْبَة عبد الرَّحْمَن أَيْضا، فَإِن ابْن حبَان ذكره فِي التَّابِعين، وَقَالَ: أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: لم يحدث ابْن أبي ليلى من التَّابِعين إلَاّ عَن ابْن أَبْزَى، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَهُ صُحْبَة، وَذكره غير وَاحِد فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أدْرك النَّبِي وَصلى خَلفه، روى عَنهُ ابناه عبد اوسعيد.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: حجاج بن منهال. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم بن عتيبة. الرَّابِع: ذَر بن عبد االهمداني. الْخَامِس: سعيد بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: أَبوهُ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى. السَّابِع: عمار بن يَاسر رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: (أَخْبرنِي الحكم) وَهُوَ رِوَايَة كَرِيمَة، والأصيلي وَابْن الْمُنْذر، وَفِي راية غَيرهم عَن الحكم. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: عَن ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عمار بِهَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى سِيَاق الْمَتْن الَّذِي قبله، من رِوَايَة آدم عَن شُعْبَة: وَهُوَ كَذَلِك، إلَاّ أَنه لَيْسَ فِي رِوَايَة حجاج هَذِه قصَّة عمر رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (وَضرب شُعْبَة) مقول الْحجَّاج. قَوْله: (ثمَّ أدناهما) أَي: قربهما من فِيهِ، وَهِي كِنَايَة عَن النفخ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ خَفِيفا، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: نقل فيهمَا، قَالَ أهل اللُّغَة: التفل دون البزق، والنفث دونه، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت مستوفاة.
وقالَ النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ قالَ سَمِعْتُ ذَرَّاً يَقُولُ عنِ ابنِ عبد الرَّحْمَنِ ابنِ أبْزى اقالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ منِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبِيهِ قالَ قالَ عَمَّارٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: أَنه تَعْلِيق، وَقد وَصله مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن النَّضر. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّضر من كَلَام البُخَارِيّ: وَالظَّاهِر أَنه علق عَن النَّضر لِأَنَّهُ مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ بالعراق، وَكَانَ البُخَارِيّ حينئذٍ ابْن سبع سِنِين ببخاري.
النَّوْع الثَّانِي فِي رِجَاله: وهم تِسْعَة. الأول: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل، والبقية ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه: القَوْل أَولا والإخبار بِصِيغَة الْجمع ثَانِيًا، والعنعنة ثَالِثا، وَالْقَوْل رَابِعا وخامساً بَينهمَا السماع، والعنعنة سادساً، وَالْقَوْل سابعاً، وَالسَّمَاع ثامناً، والعنعنة تاسعاً، وَالْقَوْل عاشراً. قَوْله: (قَالَ الحكم) : الخ إِشَارَة إِلَى أَن الحكم كَمَا سمع هَذَا الْخَبَر من ذَر، سَمعه أَيْضا من شيخ ذَر وَهُوَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن، فَكَأَنَّهُ
سَمعه أَولا من ذَر ثمَّ لَقِي سعيداً فَأَخذه عَنهُ، وَلَكِن سَمَاعه من ذَر أثبت لوروده كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات. ثمَّ قَوْله: (وَقَالَ الحكم) : يحْتَمل أَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام شُعْبَة فَيكون دَاخِلا فِي إِسْنَاده. كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: يحْتَمل أَن يكون من كَلَام النَّضر، وَهُوَ الظَّاهِر.
(النَّوْع الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ: قَوْله: (الصَّعِيد الطّيب) أَي: الأَرْض الطاهرة، وَقد مر مرّة أَن الصَّعِيد وَجه الأَرْض، فعيل بِمَعْنى مفعول أَي مصعود عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: الصَّعِيد: الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شجر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الطّيب النَّظِيف، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه الطَّاهِر. وَقيل: الْحَلَال، وَقيل: الطّيب، مَا تستطيبه النَّفس، وَذكر فِي (الْهِدَايَة) فِي اسْتِدْلَال الشَّافِعِي على أَن التَّيَمُّم لَا يجوز إلَاّ بِالتُّرَابِ، بقوله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) أَي: تُرَابا منبتاً، قَالَه ابْن عَبَّاس قلت: فِي شَرحه الَّذِي قَالَه عبد ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض، وَالِاسْتِدْلَال للشَّافِعِيّ بِهَذَا غير موجه لِأَنَّهُ غير قَائِل بِاشْتِرَاط الإنبات فِي التُّرَاب الَّذِي يجوز بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الإنبات لَيْسَ بِشَرْط فِي الْأَصَح. قَوْله: (يَكْفِيهِ من المَاء) ، يَعْنِي: يَكْفِي الْمُسلم، أَي: يجْزِيه عِنْد عدم المَاء.
٩٣٣ - ح دّثنا حَجَّاجٌ قالَ أخبرنَا شُعْبَةُ أَخْبرنِي الْحَكَمُ عنْ ذَرَ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ أبِيهِ قالَ عَمَّارٌ بِهَذَا وَضَرَبَ شُعْبَةُ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أدْناهُمَا مِنْ فيهِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَن سِتَّة من الْمَشَايِخ. الأول: مَوْقُوف يرويهِ عَن حجاج بن منهال إِلَى آخِره، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حدّثنا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ: حدّثنا حجاج، قَالَ: حدّثنا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الحكم عَن ذَر عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن عمار رَضِي اتعالى عَنهُ: (أَن رَسُول الله قَالَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا وَضرب شُعْبَة بكفيه إِلَى الأَرْض وأدناهما من فِيهِ، فَنفخ فيهمَا، ثمَّ مسح وَجهه وكفيه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ذَر عَن ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه. قَالَ بَعضهم: أَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنه وهم فِيهِ، لِأَنَّهُ أسقط لَفْظَة (ابْن) ، وَلَا بُد مِنْهَا لِأَن: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن لَا رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: رِوَايَة مُحَمَّد بن خُزَيْمَة الْمَذْكُورَة تبتنى على صِحَة قَول من يَقُول: إِن أَبْزَى وَالِد عبد الرَّحْمَن صَحَابِيّ، وَهُوَ قَول ابْن مَنْدَه، فَإِنَّهُ جعله من الصَّحَابَة، وروى بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن عبيد االرازي عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى، عَن أَبِيه، (عَن رَسُول الله أَنه: خطب للنَّاس قَائِما، ثمَّ قَالَ: مَا بَال أَقوام لَا يعلمُونَ جيرانهم وَلَا يفقهونهم وَلَا يعظونهم وَلَا يأمرونهم وَلَا ينهونهم) ؟ . الحَدِيث، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (الْمسند) عَن مُحَمَّد بن أبي سهل عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل عَن عَلْقَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي بِهَذَا، وَقد رده أَبُو نعيم عَلَيْهِ، وَقَالَ: ذكر ابْن مَنْدَه أَن البُخَارِيّ ذكره فِي كتاب الوجدان، وَأخرج لَهُ حَدِيث أبي سَلمَة عَن ابْن أَبْزَى عَن النَّبِي، وَلم يقل فِيهِ: عَن أَبِيه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى الْخُزَاعِيّ، ذكره البُخَارِيّ فِي الوجدان، وَلَا يَصح لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، ولابنه عبد الرَّحْمَن صُحْبَة وَرِوَايَة. قلت: وَكَذَلِكَ لم يذكر أَبُو عمر: أَبْزَى فِي الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ذكر عبد الرَّحْمَن لِأَنَّهُ لم يَصح عِنْده صُحْبَة أَبْزَى، وَمَعَ هَذَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي صُحْبَة عبد الرَّحْمَن أَيْضا، فَإِن ابْن حبَان ذكره فِي التَّابِعين، وَقَالَ: أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: لم يحدث ابْن أبي ليلى من التَّابِعين إلَاّ عَن ابْن أَبْزَى، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَهُ صُحْبَة، وَذكره غير وَاحِد فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أدْرك النَّبِي وَصلى خَلفه، روى عَنهُ ابناه عبد اوسعيد.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: حجاج بن منهال. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم بن عتيبة. الرَّابِع: ذَر بن عبد االهمداني. الْخَامِس: سعيد بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: أَبوهُ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى. السَّابِع: عمار بن يَاسر رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: (أَخْبرنِي الحكم) وَهُوَ رِوَايَة كَرِيمَة، والأصيلي وَابْن الْمُنْذر، وَفِي راية غَيرهم عَن الحكم. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: عَن ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عمار بِهَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى سِيَاق الْمَتْن الَّذِي قبله، من رِوَايَة آدم عَن شُعْبَة: وَهُوَ كَذَلِك، إلَاّ أَنه لَيْسَ فِي رِوَايَة حجاج هَذِه قصَّة عمر رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (وَضرب شُعْبَة) مقول الْحجَّاج. قَوْله: (ثمَّ أدناهما) أَي: قربهما من فِيهِ، وَهِي كِنَايَة عَن النفخ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ خَفِيفا، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: نقل فيهمَا، قَالَ أهل اللُّغَة: التفل دون البزق، والنفث دونه، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت مستوفاة.
وقالَ النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ قالَ سَمِعْتُ ذَرَّاً يَقُولُ عنِ ابنِ عبد الرَّحْمَنِ ابنِ أبْزى اقالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ منِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبِيهِ قالَ قالَ عَمَّارٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: أَنه تَعْلِيق، وَقد وَصله مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن النَّضر. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّضر من كَلَام البُخَارِيّ: وَالظَّاهِر أَنه علق عَن النَّضر لِأَنَّهُ مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ بالعراق، وَكَانَ البُخَارِيّ حينئذٍ ابْن سبع سِنِين ببخاري.
النَّوْع الثَّانِي فِي رِجَاله: وهم تِسْعَة. الأول: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل، والبقية ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه: القَوْل أَولا والإخبار بِصِيغَة الْجمع ثَانِيًا، والعنعنة ثَالِثا، وَالْقَوْل رَابِعا وخامساً بَينهمَا السماع، والعنعنة سادساً، وَالْقَوْل سابعاً، وَالسَّمَاع ثامناً، والعنعنة تاسعاً، وَالْقَوْل عاشراً. قَوْله: (قَالَ الحكم) : الخ إِشَارَة إِلَى أَن الحكم كَمَا سمع هَذَا الْخَبَر من ذَر، سَمعه أَيْضا من شيخ ذَر وَهُوَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن، فَكَأَنَّهُ سَمعه أَولا من ذَر ثمَّ لَقِي سعيداً فَأَخذه عَنهُ، وَلَكِن سَمَاعه من ذَر أثبت لوروده كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات. ثمَّ قَوْله: (وَقَالَ الحكم) : يحْتَمل أَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام شُعْبَة فَيكون دَاخِلا فِي إِسْنَاده. كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: يحْتَمل أَن يكون من كَلَام النَّضر، وَهُوَ الظَّاهِر.
(النَّوْع الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ: قَوْله: (الصَّعِيد الطّيب) أَي: الأَرْض الطاهرة، وَقد مر مرّة أَن الصَّعِيد وَجه الأَرْض، فعيل بِمَعْنى مفعول أَي مصعود عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: الصَّعِيد: الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شجر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الطّيب النَّظِيف، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه الطَّاهِر. وَقيل: الْحَلَال، وَقيل: الطّيب، مَا تستطيبه النَّفس، وَذكر فِي (الْهِدَايَة) فِي اسْتِدْلَال الشَّافِعِي على أَن التَّيَمُّم لَا يجوز إلَاّ بِالتُّرَابِ، بقوله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) أَي: تُرَابا منبتاً، قَالَه ابْن عَبَّاس قلت: فِي شَرحه الَّذِي قَالَه عبد ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض، وَالِاسْتِدْلَال للشَّافِعِيّ بِهَذَا غير موجه لِأَنَّهُ غير قَائِل بِاشْتِرَاط الإنبات فِي التُّرَاب الَّذِي يجوز بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الإنبات لَيْسَ بِشَرْط فِي الْأَصَح. قَوْله: (يَكْفِيهِ من المَاء) ، يَعْنِي: يَكْفِي الْمُسلم، أَي: يجْزِيه عِنْد عدم المَاء.
٠٤٣٧ - ح دّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرَ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبْزَى عنْ أبِيهِ أنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فأجْنَبْنَا وقالَ تَفَلَ فِيهِمَا.
هَذِه رِوَايَته الثَّالِثَة فِي الْخَبَر الْمَذْكُور، وَهِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب يروي عَن شُعْبَة إِلَى آخِره. وأفادت رِوَايَته هَذِه أَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، كَانَ قد أجنب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن اجْتِهَاده خَالف اجْتِهَاد عمار. قَوْله: (شهد) أَي: حضر. قَوْله: (وَقَالَ لَهُ عمار) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فِي سَرِيَّة) بتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقطعَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَربع مائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجَمعهَا: السَّرَايَا، سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم، من الشَّيْء السّري: النفيس. وَقيل: سموا بذلك لأَنهم يبعثون سرا وخفية، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ، لِأَن لَام السِّرّ: رَاء، وَهَذِه: يَاء، قَوْله: (فأجنبنا) أَي: صرنا جنبا، وَالْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع، والمؤنث، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَقَالَ تفل فيهمَا) أَي: فِي الْيَدَيْنِ، وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَالَ الْجَوْهَرِي: التفل شَبيه بالبزاق، وَهُوَ أقل مِنْهُ، أَوله البزق ثمَّ التفل ثمَّ النفث ثمَّ النفخ، وَالْمَقْصُود أَنه قَالَ مَكَان نفخ فيهمَا: تفل فيهمَا.
١٤٣٨ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرَ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ قالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فأتَيْتُ النبيَّ فَقال: (يَكْفِيكَ الوَجْهُ والكَفَّيْنِ) .
هَذِه رِوَايَته الرَّابِعَة عَن مُحَمَّد بن كثير عَن شُعْبَة الخ. قَوْله: (تمعكت) أَي: تمرغت، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة. قَوْله: (يَكْفِيك الْوَجْه) ، أَي: يَكْفِيك مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّم. قَوْله: (وَالْكَفَّيْنِ) ، بِالنّصب رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره: (والكفان) بِالرَّفْع، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْوَجْه وَهُوَ مَرْفُوع على الفاعلية، وَالْأَحْسَن فِي وَجه النصب أَن تكون: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، أَي: يَكْفِيك الْوَجْه مَعَ الْكَفَّيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، إِذا الأَصْل مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، فَحذف الْمُضَاف وَبَقِي الْمَجْرُور بِهِ على مَا كَانَ عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: على قَوْله هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون الْوَجْه أَيْضا مجروراً كالكفين، وَهَذَا لَهُ وَجه إِن صحت الرِّوَايَة بِهِ، وَقَالَ بَعضهم فِي رِوَايَة أبي ذَر: (يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ) ، بِالنّصب فيهمَا على المفعولية إِمَّا بإضمار، أَعنِي: أَو التَّقْدِير يَكْفِيك أَن تمسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ مس من الْعَرَبيَّة. لِأَن فِي التَّقْدِير:
الأول: يبْقى الْفِعْل بِلَا فَاعل وَهُوَ لَا يجوز، وَفِي الثَّانِي: أَخذ الْفِعْل فَاعله فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير لعدم الدَّاعِي إِلَى ذَلِك، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.
ويستنبط مِنْهُ: أَن التَّيَمُّم هُوَ مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لَا غير، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة مِنْهُم: أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ النَّوَوِيّ: رَوَاهُ أَبُو ثَوْر وَغَيره عَن الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَأنْكرهُ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره. قَالَ: هُوَ إِنْكَار مَرْدُود لِأَن أَبَا ثَوْر ثِقَة وَقَالَ هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ مرجوحاً عِنْد الْأَصْحَاب وَلكنه قوي من حَيْثُ الدَّلِيل، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من هَذَا الحَدِيث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلِمُسْلِمٍ فِي سَرِيَّةٍ وَزَادَ فَأَجْنَبْنَا وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِثْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَعَّكْتُ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ فَتَمَرَّغْتُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَقَلَّبْتُ، وَكَأَنَّ عَمَّارًا اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِذَا وَقَعَ بَدَلَ الْوُضُوءِ وَقَعَ عَلَى هَيْئَةِ الْوُضُوءِ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنِ الْغُسْلِ يَقَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْغُسْلِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْحَقَّ، وَأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَفِي تَرْكِهِ أَمْرَ عُمَرَ أَيْضًا بِقَضَائِهَا مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ (١).
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّيَمُّمِ هِيَ الصِّفَةُ الْمَشْرُوحَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَتْ بِالْأَمْرِ دَلَّتْ عَلَى النَّسْخِ وَلَزِمَ قَبُولُهَا، لَكِنْ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْفِعْلِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْأَكْمَلِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ.
قَوْلُهُ: (وَنَفَخَ فِيهِمَا) وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ الْآتِيَةِ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّفْخِ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَفْخًا خَفِيفًا، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَفَلَ فِيهِمَا وَالتَّفْلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ دُونَ الْبَزْقِ، وَالنَّفْثُ دُونَهُ. وَسِيَاقُ هَؤُلَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْفِعْلِ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ - كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ - أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْقَوْلِ، وَلَفْظُهُمْ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ زَادَ يَحْيَى ثُمَّ تَنْفُخُ ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ وَاسْتُدِلَّ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ التُّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى سُقُوطِ اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّخْفِيفِ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ أَخْذًا مِنْ كَوْنِ عَمَّارٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَسُقُوطُ إِيجَابِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ.
٥ - بَاب التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ
٣٣٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا يَقُولُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الْحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.
٣٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا. وَقَالَ: تَفَلَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) أَيْ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ، وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وقد عقد المؤلِّف ﵀ للضَّربة الواحدة بابًا يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦٣٤٧] فليُتأمَّل، مع قول العينيِّ: «ضربةٌ واحدةٌ».
٣٣٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن مِنهالٍ؛ بكسر الميم (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الحَكَمِ) بن عُتَيْبَة، الفقيه الكوفيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: «أخبرني» بالإفراد «الحكم» (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة، ابن عبد الله الهمْدانيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وللحَمُّويي والمُستملي: «عن ابن عبد الرَّحمن» (بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة والزَّاي المُعجَمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن (قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا) إشارةٌ إلى سياق المتن السَّابق من رواية آدم عن شعبة [خ¦٣٣٨] لكن ليس في رواية حجَّاجٍ هذه قصَّة عمر، قال حجَّاجٌ: (وَضَرَبَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا) أي: قرَّبهما (مِنْ فِيهِ) كنايةٌ عن النَّفخ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه كان نفخًا خفيفًا (ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ) (١) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ثمَّ (٢) مسح بهما وجهه» (وَكَفَّيْهِ) أي: إلى الرُّسغين، أو إلى المرفقين.
(وَقَالَ النَّضْرُ) بالنُّون والضَّاد المُعجَمة، ابن شُمَيْلٍ ممَّا وصله مسلمٌ: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) هو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
جَابر عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث اسحق الْحَرْبِيّ وَقَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَقَالَ الذَّهَبِيّ أَيْضا إِسْنَاده صَحِيح وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من يمْنَع صِحَّته وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا ووردت فِي ذَلِك آثَار صَحِيحَة. مِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث قَتَادَة عَن الْحسن أَنه قَالَ " ضَرْبَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " وروى عَن إِبْرَاهِيم وطاووس وَسَالم وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب نَحوه وروى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم فِي التَّيَمُّم " قَالَ تضع راحتيك فِي الصَّعِيد فتمسح وَجهك ثمَّ تضعهما الثَّانِيَة فتمسح يَديك وذراعيك إِلَى الْمرْفقين " قَالَ مُحَمَّد وَبِه نَأْخُذ وَقَالَ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه أخبرنَا ابْن مهْدي عَن زَمعَة عَن ابْن طَاوس عَن أَبِيه قَالَ " التَّيَمُّم ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين " حَدثنَا ابْن علية عَن دَاوُد عَن الشّعبِيّ قَالَ " التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وروى فِي ذَلِك أَيْضا عَن أبي أُمَامَة وَعَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مَرْفُوعا ولكنهما ضعيفان فَحَدِيث أبي أُمَامَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " قَالَ التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَفِي إِسْنَاده جَعْفَر بن الزبير قَالَ شُعْبَة وضع أَربع مائَة حَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة أخرجه الْبَزَّار بِإِسْنَادِهِ عَنْهَا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " فِي التَّيَمُّم ضربتان ضَرْبَة للْوَجْه وضربة لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمرْفقين " وَفِي إِسْنَاده الْحَرِيش بن حُرَيْث ضعفه أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة. الرَّابِع احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة على جَوَاز التَّيَمُّم من الصَّخْرَة الَّتِي لَا غُبَار عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُعْتَبرا لما نفخ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي يَدَيْهِ. الْخَامِس فِيهِ أَن النفخ سنة أَو مُسْتَحبّ
٥ - (بابٌ التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكفَّيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، وَمعنى أَحَادِيث هَذَا الْبَاب هُوَ معنى الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق، غير أَنه رُوِيَ هُنَاكَ عَن آدم عَن شُعْبَة مَرْفُوعا، وَهَهُنَا أخرجه عَن سِتَّة مَشَايِخ كلهم عَن شبعة، ثَلَاثَة مِنْهَا مَوْقُوفَة، وَثَلَاثَة مَرْفُوعَة، كَمَا ستقف عَلَيْهَا، وَهَهُنَا: عَن حجاج عَن شُعْبَة، وحجاح هُوَ ابْن منهال، بِكَسْر الْمِيم. وَقَوله: بَاب، منون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: التَّيَمُّم، كَمَا ذكرنَا. وَقَوله؛ التَّيَمُّم للْوَجْه، مُبْتَدأ، وَالْكَفَّيْنِ، عطف على: الْوَجْه، أَي: وللكفين، وَخَبره مَحْذُوف أَي: التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ الْآن، ثمَّ يقدر بعد ذَلِك لَفْظَة: جَوَازًا، يَعْنِي من حَيْثُ الْجَوَاز، أَو يقدر وجوبا، يَعْنِي من حَيْثُ الْوُجُوب. وَالْمَقْصُود مِنْهُ إِثْبَات أَن التَّيَمُّم ضَرْبَة وَاحِدَة سَوَاء كَانَ وجوبا أَو جَوَازًا. وَقَالَ بَعضهم؛ بَاب التَّيَمُّم للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، أَي: هُوَ الْوَاجِب المجزىء. قلت: تَقْيِيده بِالْوُجُوب لَا يفهم مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَعم من ذَلِك، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وأتى بذلك بِصِيغَة الْجَزْم مَعَ شهرة الْخلاف فِيهِ لقُوَّة دَلِيله، فَإِن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي صفة التَّيَمُّم لم يَصح مِنْهَا سوى حَدِيث أبي جهيم وعمار، وَمَا عداهما فضعيف أَو مُخْتَلف فِي رَفعه وَوَقفه، وَالرَّاجِح عدم رَفعه. وَأما حَدِيث أبي جهيم فورد بِذكر الْيَدَيْنِ مُجملا، وَأما حَدِيث عمار فورد بِذكر الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وبذكر الْمرْفقين فِي (السّنَن) . انْتهى. قلت: قَوْله: لم يَصح مِنْهَا سوى حَدِيث أبي جهيم وعمار، غير مُسلم، وَكُنَّا قد ذكرنَا أَنه رُوِيَ فِيهِ عَن جَابر مَرْفُوعا: (إِن التَّيَمُّم ضَرْبَة للْوَجْه وضربة للذراعين إِلَى الْمرْفقين) ، وَأَن الْحَاكِم قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح، وَأَن الذَّهَبِيّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول من يمْنَع صِحَّته. فَإِن قلت: رَوَاهُ جمَاعَة مَوْقُوفا. قلت: الرّفْع أقوى وَأثبت لِأَنَّهُ أسْند من وَجْهَيْن، وَقَوله: أما حَدِيث أبي جهيم فورد بِذكر الْيَدَيْنِ مُجملا، غير صَحِيح، وَلَا يُطلق عَلَيْهِ حد الْإِجْمَال، بل هُوَ مُطلق يتَنَاوَل إِلَى الْكَفَّيْنِ وَإِلَى الْمرْفقين وَإِلَى مَا وَرَاء ذَلِك، وَلَكِن رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِي هَذَا الحَدِيث خصصته وفسرته، بقوله: (فَمسح بِوَجْهِهِ وذراعيه) . فَإِن قلت: هَذَا الْقَائِل لم يرد الْإِجْمَال الاصطلاحي، بل أَرَادَ الْإِجْمَال اللّغَوِيّ. قلت: إِن كَانَ ذَلِك فَحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ أوضحه وكشفه، كَمَا ذكرنَا.
٩٣٣ - ح دّثنا حَجَّاجٌ قالَ أخبرنَا شُعْبَةُ أَخْبرنِي الْحَكَمُ عنْ ذَرَ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ أبِيهِ قالَ عَمَّارٌ بِهَذَا وَضَرَبَ شُعْبَةُ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أدْناهُمَا مِنْ فيهِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَن سِتَّة من الْمَشَايِخ. الأول: مَوْقُوف يرويهِ عَن حجاج بن منهال إِلَى آخِره، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حدّثنا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ: حدّثنا حجاج، قَالَ: حدّثنا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الحكم عَن ذَر عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن عمار رَضِي اتعالى عَنهُ: (أَن رَسُول الله قَالَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا وَضرب شُعْبَة بكفيه إِلَى الأَرْض وأدناهما من فِيهِ، فَنفخ فيهمَا، ثمَّ مسح وَجهه وكفيه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ذَر عَن ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه. قَالَ بَعضهم: أَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنه وهم فِيهِ، لِأَنَّهُ أسقط لَفْظَة (ابْن) ، وَلَا بُد مِنْهَا لِأَن: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن لَا رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: رِوَايَة مُحَمَّد بن خُزَيْمَة الْمَذْكُورَة تبتنى على صِحَة قَول من يَقُول: إِن أَبْزَى وَالِد عبد الرَّحْمَن صَحَابِيّ، وَهُوَ قَول ابْن مَنْدَه، فَإِنَّهُ جعله من الصَّحَابَة، وروى بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن عبيد االرازي عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى، عَن أَبِيه، (عَن رَسُول الله أَنه: خطب للنَّاس قَائِما، ثمَّ قَالَ: مَا بَال أَقوام لَا يعلمُونَ جيرانهم وَلَا يفقهونهم وَلَا يعظونهم وَلَا يأمرونهم وَلَا ينهونهم) ؟ . الحَدِيث، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (الْمسند) عَن مُحَمَّد بن أبي سهل عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل عَن عَلْقَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي بِهَذَا، وَقد رده أَبُو نعيم عَلَيْهِ، وَقَالَ: ذكر ابْن مَنْدَه أَن البُخَارِيّ ذكره فِي كتاب الوجدان، وَأخرج لَهُ حَدِيث أبي سَلمَة عَن ابْن أَبْزَى عَن النَّبِي، وَلم يقل فِيهِ: عَن أَبِيه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى الْخُزَاعِيّ، ذكره البُخَارِيّ فِي الوجدان، وَلَا يَصح لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، ولابنه عبد الرَّحْمَن صُحْبَة وَرِوَايَة. قلت: وَكَذَلِكَ لم يذكر أَبُو عمر: أَبْزَى فِي الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ذكر عبد الرَّحْمَن لِأَنَّهُ لم يَصح عِنْده صُحْبَة أَبْزَى، وَمَعَ هَذَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي صُحْبَة عبد الرَّحْمَن أَيْضا، فَإِن ابْن حبَان ذكره فِي التَّابِعين، وَقَالَ: أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: لم يحدث ابْن أبي ليلى من التَّابِعين إلَاّ عَن ابْن أَبْزَى، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَهُ صُحْبَة، وَذكره غير وَاحِد فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أدْرك النَّبِي وَصلى خَلفه، روى عَنهُ ابناه عبد اوسعيد.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: حجاج بن منهال. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم بن عتيبة. الرَّابِع: ذَر بن عبد االهمداني. الْخَامِس: سعيد بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: أَبوهُ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى. السَّابِع: عمار بن يَاسر رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: (أَخْبرنِي الحكم) وَهُوَ رِوَايَة كَرِيمَة، والأصيلي وَابْن الْمُنْذر، وَفِي راية غَيرهم عَن الحكم. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: عَن ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عمار بِهَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى سِيَاق الْمَتْن الَّذِي قبله، من رِوَايَة آدم عَن شُعْبَة: وَهُوَ كَذَلِك، إلَاّ أَنه لَيْسَ فِي رِوَايَة حجاج هَذِه قصَّة عمر رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (وَضرب شُعْبَة) مقول الْحجَّاج. قَوْله: (ثمَّ أدناهما) أَي: قربهما من فِيهِ، وَهِي كِنَايَة عَن النفخ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ خَفِيفا، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: نقل فيهمَا، قَالَ أهل اللُّغَة: التفل دون البزق، والنفث دونه، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت مستوفاة.
وقالَ النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ قالَ سَمِعْتُ ذَرَّاً يَقُولُ عنِ ابنِ عبد الرَّحْمَنِ ابنِ أبْزى اقالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ منِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبِيهِ قالَ قالَ عَمَّارٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: أَنه تَعْلِيق، وَقد وَصله مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن النَّضر. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّضر من كَلَام البُخَارِيّ: وَالظَّاهِر أَنه علق عَن النَّضر لِأَنَّهُ مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ بالعراق، وَكَانَ البُخَارِيّ حينئذٍ ابْن سبع سِنِين ببخاري.
النَّوْع الثَّانِي فِي رِجَاله: وهم تِسْعَة. الأول: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل، والبقية ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه: القَوْل أَولا والإخبار بِصِيغَة الْجمع ثَانِيًا، والعنعنة ثَالِثا، وَالْقَوْل رَابِعا وخامساً بَينهمَا السماع، والعنعنة سادساً، وَالْقَوْل سابعاً، وَالسَّمَاع ثامناً، والعنعنة تاسعاً، وَالْقَوْل عاشراً. قَوْله: (قَالَ الحكم) : الخ إِشَارَة إِلَى أَن الحكم كَمَا سمع هَذَا الْخَبَر من ذَر، سَمعه أَيْضا من شيخ ذَر وَهُوَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن، فَكَأَنَّهُ
سَمعه أَولا من ذَر ثمَّ لَقِي سعيداً فَأَخذه عَنهُ، وَلَكِن سَمَاعه من ذَر أثبت لوروده كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات. ثمَّ قَوْله: (وَقَالَ الحكم) : يحْتَمل أَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام شُعْبَة فَيكون دَاخِلا فِي إِسْنَاده. كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: يحْتَمل أَن يكون من كَلَام النَّضر، وَهُوَ الظَّاهِر.
(النَّوْع الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ: قَوْله: (الصَّعِيد الطّيب) أَي: الأَرْض الطاهرة، وَقد مر مرّة أَن الصَّعِيد وَجه الأَرْض، فعيل بِمَعْنى مفعول أَي مصعود عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: الصَّعِيد: الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شجر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الطّيب النَّظِيف، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه الطَّاهِر. وَقيل: الْحَلَال، وَقيل: الطّيب، مَا تستطيبه النَّفس، وَذكر فِي (الْهِدَايَة) فِي اسْتِدْلَال الشَّافِعِي على أَن التَّيَمُّم لَا يجوز إلَاّ بِالتُّرَابِ، بقوله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) أَي: تُرَابا منبتاً، قَالَه ابْن عَبَّاس قلت: فِي شَرحه الَّذِي قَالَه عبد ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض، وَالِاسْتِدْلَال للشَّافِعِيّ بِهَذَا غير موجه لِأَنَّهُ غير قَائِل بِاشْتِرَاط الإنبات فِي التُّرَاب الَّذِي يجوز بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الإنبات لَيْسَ بِشَرْط فِي الْأَصَح. قَوْله: (يَكْفِيهِ من المَاء) ، يَعْنِي: يَكْفِي الْمُسلم، أَي: يجْزِيه عِنْد عدم المَاء.
٩٣٣ - ح دّثنا حَجَّاجٌ قالَ أخبرنَا شُعْبَةُ أَخْبرنِي الْحَكَمُ عنْ ذَرَ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ أبِيهِ قالَ عَمَّارٌ بِهَذَا وَضَرَبَ شُعْبَةُ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أدْناهُمَا مِنْ فيهِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قد ذكرنَا أَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب عَن سِتَّة من الْمَشَايِخ. الأول: مَوْقُوف يرويهِ عَن حجاج بن منهال إِلَى آخِره، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ: حدّثنا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة قَالَ: حدّثنا حجاج، قَالَ: حدّثنا شُعْبَة، قَالَ: أَخْبرنِي الحكم عَن ذَر عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه عَن عمار رَضِي اتعالى عَنهُ: (أَن رَسُول الله قَالَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا وَضرب شُعْبَة بكفيه إِلَى الأَرْض وأدناهما من فِيهِ، فَنفخ فيهمَا، ثمَّ مسح وَجهه وكفيه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن أَبِيه، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ذَر عَن ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه. قَالَ بَعضهم: أَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنه وهم فِيهِ، لِأَنَّهُ أسقط لَفْظَة (ابْن) ، وَلَا بُد مِنْهَا لِأَن: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن لَا رِوَايَة لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: رِوَايَة مُحَمَّد بن خُزَيْمَة الْمَذْكُورَة تبتنى على صِحَة قَول من يَقُول: إِن أَبْزَى وَالِد عبد الرَّحْمَن صَحَابِيّ، وَهُوَ قَول ابْن مَنْدَه، فَإِنَّهُ جعله من الصَّحَابَة، وروى بِإِسْنَادِهِ عَن هِشَام عَن عبيد االرازي عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حبَان عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى، عَن أَبِيه، (عَن رَسُول الله أَنه: خطب للنَّاس قَائِما، ثمَّ قَالَ: مَا بَال أَقوام لَا يعلمُونَ جيرانهم وَلَا يفقهونهم وَلَا يعظونهم وَلَا يأمرونهم وَلَا ينهونهم) ؟ . الحَدِيث، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (الْمسند) عَن مُحَمَّد بن أبي سهل عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل عَن عَلْقَمَة بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي بِهَذَا، وَقد رده أَبُو نعيم عَلَيْهِ، وَقَالَ: ذكر ابْن مَنْدَه أَن البُخَارِيّ ذكره فِي كتاب الوجدان، وَأخرج لَهُ حَدِيث أبي سَلمَة عَن ابْن أَبْزَى عَن النَّبِي، وَلم يقل فِيهِ: عَن أَبِيه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَبْزَى، وَالِد عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى الْخُزَاعِيّ، ذكره البُخَارِيّ فِي الوجدان، وَلَا يَصح لَهُ صُحْبَة وَلَا رِوَايَة، ولابنه عبد الرَّحْمَن صُحْبَة وَرِوَايَة. قلت: وَكَذَلِكَ لم يذكر أَبُو عمر: أَبْزَى فِي الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا ذكر عبد الرَّحْمَن لِأَنَّهُ لم يَصح عِنْده صُحْبَة أَبْزَى، وَمَعَ هَذَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي صُحْبَة عبد الرَّحْمَن أَيْضا، فَإِن ابْن حبَان ذكره فِي التَّابِعين، وَقَالَ: أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: لم يحدث ابْن أبي ليلى من التَّابِعين إلَاّ عَن ابْن أَبْزَى، وَقَالَ البُخَارِيّ: لَهُ صُحْبَة، وَذكره غير وَاحِد فِي الصَّحَابَة، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أدْرك النَّبِي وَصلى خَلفه، روى عَنهُ ابناه عبد اوسعيد.
ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: حجاج بن منهال. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: الحكم بن عتيبة. الرَّابِع: ذَر بن عبد االهمداني. الْخَامِس: سعيد بن عبد الرَّحْمَن. السَّادِس: أَبوهُ عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى. السَّابِع: عمار بن يَاسر رَضِي اتعالى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ قَوْله: (أَخْبرنِي الحكم) وَهُوَ رِوَايَة كَرِيمَة، والأصيلي وَابْن الْمُنْذر، وَفِي راية غَيرهم عَن الحكم. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ رِوَايَة أبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: عَن ابْن عبد الرَّحْمَن.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (قَالَ عمار بِهَذَا) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى سِيَاق الْمَتْن الَّذِي قبله، من رِوَايَة آدم عَن شُعْبَة: وَهُوَ كَذَلِك، إلَاّ أَنه لَيْسَ فِي رِوَايَة حجاج هَذِه قصَّة عمر رَضِي اتعالى عَنهُ. قَوْله: (وَضرب شُعْبَة) مقول الْحجَّاج. قَوْله: (ثمَّ أدناهما) أَي: قربهما من فِيهِ، وَهِي كِنَايَة عَن النفخ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ خَفِيفا، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب: نقل فيهمَا، قَالَ أهل اللُّغَة: التفل دون البزق، والنفث دونه، وَبَقِيَّة الْكَلَام قد مرت مستوفاة.
وقالَ النَّضْرُ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ قالَ سَمِعْتُ ذَرَّاً يَقُولُ عنِ ابنِ عبد الرَّحْمَنِ ابنِ أبْزى اقالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ منِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبِيهِ قالَ قالَ عَمَّارٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ.
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول: أَنه تَعْلِيق، وَقد وَصله مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن النَّضر. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) من طَرِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ النَّضر من كَلَام البُخَارِيّ: وَالظَّاهِر أَنه علق عَن النَّضر لِأَنَّهُ مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ بالعراق، وَكَانَ البُخَارِيّ حينئذٍ ابْن سبع سِنِين ببخاري.
النَّوْع الثَّانِي فِي رِجَاله: وهم تِسْعَة. الأول: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل، والبقية ذكرُوا غير مرّة. وَفِيه: القَوْل أَولا والإخبار بِصِيغَة الْجمع ثَانِيًا، والعنعنة ثَالِثا، وَالْقَوْل رَابِعا وخامساً بَينهمَا السماع، والعنعنة سادساً، وَالْقَوْل سابعاً، وَالسَّمَاع ثامناً، والعنعنة تاسعاً، وَالْقَوْل عاشراً. قَوْله: (قَالَ الحكم) : الخ إِشَارَة إِلَى أَن الحكم كَمَا سمع هَذَا الْخَبَر من ذَر، سَمعه أَيْضا من شيخ ذَر وَهُوَ سعيد بن عبد الرَّحْمَن، فَكَأَنَّهُ سَمعه أَولا من ذَر ثمَّ لَقِي سعيداً فَأَخذه عَنهُ، وَلَكِن سَمَاعه من ذَر أثبت لوروده كَذَا فِي أَكثر الرِّوَايَات. ثمَّ قَوْله: (وَقَالَ الحكم) : يحْتَمل أَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام شُعْبَة فَيكون دَاخِلا فِي إِسْنَاده. كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: يحْتَمل أَن يكون من كَلَام النَّضر، وَهُوَ الظَّاهِر.
(النَّوْع الثَّالِث فِي مَعْنَاهُ: قَوْله: (الصَّعِيد الطّيب) أَي: الأَرْض الطاهرة، وَقد مر مرّة أَن الصَّعِيد وَجه الأَرْض، فعيل بِمَعْنى مفعول أَي مصعود عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَة: الصَّعِيد: الأَرْض الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا وَلَا شجر، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: الطّيب النَّظِيف، وَأكْثر الْعلمَاء على أَنه الطَّاهِر. وَقيل: الْحَلَال، وَقيل: الطّيب، مَا تستطيبه النَّفس، وَذكر فِي (الْهِدَايَة) فِي اسْتِدْلَال الشَّافِعِي على أَن التَّيَمُّم لَا يجوز إلَاّ بِالتُّرَابِ، بقوله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} (النِّسَاء: ٣٤، والمائدة: ٦) أَي: تُرَابا منبتاً، قَالَه ابْن عَبَّاس قلت: فِي شَرحه الَّذِي قَالَه عبد ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض، وَالِاسْتِدْلَال للشَّافِعِيّ بِهَذَا غير موجه لِأَنَّهُ غير قَائِل بِاشْتِرَاط الإنبات فِي التُّرَاب الَّذِي يجوز بِهِ التَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الإنبات لَيْسَ بِشَرْط فِي الْأَصَح. قَوْله: (يَكْفِيهِ من المَاء) ، يَعْنِي: يَكْفِي الْمُسلم، أَي: يجْزِيه عِنْد عدم المَاء.
٠٤٣٧ - ح دّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرَ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبْزَى عنْ أبِيهِ أنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فأجْنَبْنَا وقالَ تَفَلَ فِيهِمَا.
هَذِه رِوَايَته الثَّالِثَة فِي الْخَبَر الْمَذْكُور، وَهِي عَن سُلَيْمَان بن حَرْب يروي عَن شُعْبَة إِلَى آخِره. وأفادت رِوَايَته هَذِه أَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، كَانَ قد أجنب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن اجْتِهَاده خَالف اجْتِهَاد عمار. قَوْله: (شهد) أَي: حضر. قَوْله: (وَقَالَ لَهُ عمار) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فِي سَرِيَّة) بتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقطعَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَربع مائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو، وَجَمعهَا: السَّرَايَا، سموا بذلك لأَنهم يكونُونَ خُلَاصَة الْعَسْكَر وخيارهم، من الشَّيْء السّري: النفيس. وَقيل: سموا بذلك لأَنهم يبعثون سرا وخفية، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ، لِأَن لَام السِّرّ: رَاء، وَهَذِه: يَاء، قَوْله: (فأجنبنا) أَي: صرنا جنبا، وَالْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والمثنى وَالْجمع، والمؤنث، وَقد ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (وَقَالَ تفل فيهمَا) أَي: فِي الْيَدَيْنِ، وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق. قَالَ الْجَوْهَرِي: التفل شَبيه بالبزاق، وَهُوَ أقل مِنْهُ، أَوله البزق ثمَّ التفل ثمَّ النفث ثمَّ النفخ، وَالْمَقْصُود أَنه قَالَ مَكَان نفخ فيهمَا: تفل فيهمَا.
١٤٣٨ - ح دّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرَ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبْزَى عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ قالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فأتَيْتُ النبيَّ فَقال: (يَكْفِيكَ الوَجْهُ والكَفَّيْنِ) .
هَذِه رِوَايَته الرَّابِعَة عَن مُحَمَّد بن كثير عَن شُعْبَة الخ. قَوْله: (تمعكت) أَي: تمرغت، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة. قَوْله: (يَكْفِيك الْوَجْه) ، أَي: يَكْفِيك مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فِي التَّيَمُّم. قَوْله: (وَالْكَفَّيْنِ) ، بِالنّصب رِوَايَة أبي ذَر وكريمة، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَغَيره: (والكفان) بِالرَّفْع، وَهُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ مَعْطُوف على الْوَجْه وَهُوَ مَرْفُوع على الفاعلية، وَالْأَحْسَن فِي وَجه النصب أَن تكون: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، أَي: يَكْفِيك الْوَجْه مَعَ الْكَفَّيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَاو، بِمَعْنى: مَعَ، إِذا الأَصْل مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، فَحذف الْمُضَاف وَبَقِي الْمَجْرُور بِهِ على مَا كَانَ عَلَيْهِ. انْتهى. قلت: على قَوْله هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون الْوَجْه أَيْضا مجروراً كالكفين، وَهَذَا لَهُ وَجه إِن صحت الرِّوَايَة بِهِ، وَقَالَ بَعضهم فِي رِوَايَة أبي ذَر: (يَكْفِيك الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ) ، بِالنّصب فيهمَا على المفعولية إِمَّا بإضمار، أَعنِي: أَو التَّقْدِير يَكْفِيك أَن تمسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام من لَيْسَ لَهُ مس من الْعَرَبيَّة. لِأَن فِي التَّقْدِير:
الأول: يبْقى الْفِعْل بِلَا فَاعل وَهُوَ لَا يجوز، وَفِي الثَّانِي: أَخذ الْفِعْل فَاعله فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّقْدِير لعدم الدَّاعِي إِلَى ذَلِك، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ.
ويستنبط مِنْهُ: أَن التَّيَمُّم هُوَ مسح الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لَا غير، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة مِنْهُم: أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالَ النَّوَوِيّ: رَوَاهُ أَبُو ثَوْر وَغَيره عَن الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم، وَأنْكرهُ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره. قَالَ: هُوَ إِنْكَار مَرْدُود لِأَن أَبَا ثَوْر ثِقَة وَقَالَ هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ مرجوحاً عِنْد الْأَصْحَاب وَلكنه قوي من حَيْثُ الدَّلِيل، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من هَذَا الحَدِيث