«أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٢٩

الحديث رقم ٤٥٢٩ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٢٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا، فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.»

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إِلَى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿يَعْفُونَ﴾ يَهَبْنَ

إسناد حديث البخاري رقم ٤٥٢٩

٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ . حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٢٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةٌ إِلَيْهِ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّصَ عُمُومَ الْآيَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَنَّى حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى السِّيَاقِ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْمُتَبَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) هَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ: بَارِكَةً مُدْبِرَةً فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ امْرَأَةً مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مُنْكَدِرٍ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ الْمَرْأَةَ مِنْ دُبُرِهَا فَحَمَلَتْ، وَقَوْلُهُ: فَحَمَلَتْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الدُّبُرِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ وَأَبَاحَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِنِسَائِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجْمَلُ وَالْمُفَسِّرُ قُدِّمَ الْمُفَسِّرُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةً فِي طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ مُحْبِيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُحْبِيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ لِخُلُوِّهَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ مُحْبِيَةً بِمِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ بَارِكَةً وَقَوْلُهُ صِمَامٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ هُوَ الْمَنْفَذُ.

٤٠ - بَاب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾

٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ح حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، فَيَبْدُو لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتُرِيدُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ وَلِيُّهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، لَكِنَّهُ سَاقَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي النِّكَاحِ بِتَمَامِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ، وَكَذَا مَا جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ أُخْتِ مَعْقِلٍ وَاسْمِ زَوْجِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي مَعْقِلٌ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ تَصْرِيحِ الْحَسَنِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ مَعْقِلٍ، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا وَهُوَ ابْنُ طَهْمَانَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَنُ بِتَحْدِيثِ مَعْقِلٍ لَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو (العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، التَّميميُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، و «يسار» بالسِّين المهملة مخفَّفةً، المزنيُّ (قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ) اسمها: جُمَيل؛ بضمِّ الجيم مصغَّرًا؛ كما عند ابن الكلبيِّ، أو ليلى كما عند السُّهيليِّ (تُخْطَبُ إِلَيَّ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طهمان ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠]: (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد بن دينارٍ العبديِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) فيه تصريح الحسن بالتَّحديث عن معقلٍ كالسَّابق.

وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين وفتح الميمَين، عبد الله المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب: فاطمة كما عند ابن إسحاق، ويُحتَمل التَّعدُّد بأن يكون لها اسمان ولقبٌ، أو لقبانِ واسمٌ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) هو -كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي- أبو البدَّاح بن عاصمٍ، وتعقَّبه الذَّهبيُّ (٢): بأنَّ أبا البدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، والصُّحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزَّوج، وجزم بعض المتأخِّرين -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- بأنَّه البدَّاح بن عاصمٍ، وكنيته أبو عمرٍو، قال: فإن كان محفوظًا فهو أخو

أبي البدَّاح بن عاصم (١) التَّابعيِّ، وفي «كتاب المجاز» للشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه عبد الله بن رواحة (فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا) من ولِّيها أخيها معقلٍ (فَأَبَى) فامتنع (مَعْقِلٌ) أن يُراجعها له (فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) وهذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ لكنَّ قوله في بقيَّتها: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ظاهرٌ في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء، وفيه: أنَّ المرأة (٢) لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ إذ لو تملَّكت (٣) من ذلك؛ لم يكن لعضل الوليِّ معنًى، ولا يُعارَض بإسناد النِّكاح إليهنَّ؛ لأنَّه بسبب توقُّفه على إذنهنَّ، وفي هذه المسألة خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته محرَّرًا في موضعه من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٣٣١].

(٤١) (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ (٤)) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾» أي: يموتون (٥) (﴿مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) يتركون (﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾) مِنْ (٦) بعدهم (﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾) فلا يتزوَّجن ولا يخرجن ولا يتزيَّنَّ (﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) من الليالي، ويُحتَمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذَكَرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا يُحَسُّ بها، ولا يخرج عن ذلك إلَّا المتوفَّي عنها زوجُها وهي حاملٌ، فإنَّ عدَّتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده (٧) سوى لحظةٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والأَمَة فإنَّ عدَّتها

على النِّصف من عدَّة الحرَّة؛ شهران وخمس ليالٍ؛ لأنَّها لمَّا كانت على النِّصف من الحرَّة في الحدِّ؛ فكذلك في العدَّة، وكان ابن عبَّاسٍ يرى أن تتربَّص (١) بأبعد الأجلين؛ من الوضع وأربعة (٢) أشهرٍ وعَشْرٍ؛ للجمع بين الآيتين، وهو مأخذٌ جيِّدٌ ومسلكٌ قويٌّ لولا ما ثبتت به السُّنَّة في حديث سُبَيْعة الأسلميَّة الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا بحول الله وقوَّته [خ¦٤٥٣٢] وتأنيث «العشر» باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غُرَر الشُّهور والأيَّام تَبَعٌ (٣)؛ ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ ذهابًا إلى «الأيَّام»، حتَّى إنَّهم يقولون: صُمت عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) انقضت عدَّتهنَّ (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: فلا إثم عليكم أيُّها الأولياء أو المسلمون (﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّعرُّض للخُطَّاب والتَّزيُّن وسائر ما حرم للعدَّة (٤) (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالوجه الذي لا يُنكِره الشَّرع (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فيجازيكم عليه، وسقط قوله: «﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾».

(﴿يَعْفُونَ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عبَّاسٍ وغيره: (يَهَبْنَ) من الهبة (٥)، أي: المطلَّقات، فلا يأخذن شيئًا، والصِّيغة تحتمل التَّذكير والتَّأنيث، يقال: الرِّجال يعفون، والنِّساء يعفون، قالوا: وفي الأوَّل: ضميرٌ، والنُّون: علامة الرَّفع، وفي الثَّاني: لامُ الفعل، والنُّون: ضمير النِّساء (٦)، ولذلك لم يؤثِّر فيه ﴿أَن﴾ ههنا، ونُصِبَ المعطوفُ، وسقط قوله: «﴿يَعْفُونَ﴾: يَهَبْنَ» لأبي ذرٍّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةٌ إِلَيْهِ.

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّصَ عُمُومَ الْآيَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَنَّى حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى السِّيَاقِ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْمُتَبَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) هَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ: بَارِكَةً مُدْبِرَةً فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ امْرَأَةً مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مُنْكَدِرٍ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ الْمَرْأَةَ مِنْ دُبُرِهَا فَحَمَلَتْ، وَقَوْلُهُ: فَحَمَلَتْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الدُّبُرِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ وَأَبَاحَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِنِسَائِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجْمَلُ وَالْمُفَسِّرُ قُدِّمَ الْمُفَسِّرُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةً فِي طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ مُحْبِيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُحْبِيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ لِخُلُوِّهَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ مُحْبِيَةً بِمِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ بَارِكَةً وَقَوْلُهُ صِمَامٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ هُوَ الْمَنْفَذُ.

٤٠ - بَاب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾

٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ح حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، فَيَبْدُو لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتُرِيدُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ وَلِيُّهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، لَكِنَّهُ سَاقَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي النِّكَاحِ بِتَمَامِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ، وَكَذَا مَا جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ أُخْتِ مَعْقِلٍ وَاسْمِ زَوْجِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي مَعْقِلٌ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ تَصْرِيحِ الْحَسَنِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ مَعْقِلٍ، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا وَهُوَ ابْنُ طَهْمَانَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَنُ بِتَحْدِيثِ مَعْقِلٍ لَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو (العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، التَّميميُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، و «يسار» بالسِّين المهملة مخفَّفةً، المزنيُّ (قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ) اسمها: جُمَيل؛ بضمِّ الجيم مصغَّرًا؛ كما عند ابن الكلبيِّ، أو ليلى كما عند السُّهيليِّ (تُخْطَبُ إِلَيَّ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طهمان ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠]: (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد بن دينارٍ العبديِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) فيه تصريح الحسن بالتَّحديث عن معقلٍ كالسَّابق.

وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين وفتح الميمَين، عبد الله المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب: فاطمة كما عند ابن إسحاق، ويُحتَمل التَّعدُّد بأن يكون لها اسمان ولقبٌ، أو لقبانِ واسمٌ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) هو -كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي- أبو البدَّاح بن عاصمٍ، وتعقَّبه الذَّهبيُّ (٢): بأنَّ أبا البدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، والصُّحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزَّوج، وجزم بعض المتأخِّرين -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- بأنَّه البدَّاح بن عاصمٍ، وكنيته أبو عمرٍو، قال: فإن كان محفوظًا فهو أخو

أبي البدَّاح بن عاصم (١) التَّابعيِّ، وفي «كتاب المجاز» للشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه عبد الله بن رواحة (فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا) من ولِّيها أخيها معقلٍ (فَأَبَى) فامتنع (مَعْقِلٌ) أن يُراجعها له (فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) وهذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ لكنَّ قوله في بقيَّتها: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ظاهرٌ في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء، وفيه: أنَّ المرأة (٢) لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ إذ لو تملَّكت (٣) من ذلك؛ لم يكن لعضل الوليِّ معنًى، ولا يُعارَض بإسناد النِّكاح إليهنَّ؛ لأنَّه بسبب توقُّفه على إذنهنَّ، وفي هذه المسألة خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته محرَّرًا في موضعه من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٣٣١].

(٤١) (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ (٤)) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾» أي: يموتون (٥) (﴿مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) يتركون (﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾) مِنْ (٦) بعدهم (﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾) فلا يتزوَّجن ولا يخرجن ولا يتزيَّنَّ (﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) من الليالي، ويُحتَمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذَكَرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا يُحَسُّ بها، ولا يخرج عن ذلك إلَّا المتوفَّي عنها زوجُها وهي حاملٌ، فإنَّ عدَّتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده (٧) سوى لحظةٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والأَمَة فإنَّ عدَّتها

على النِّصف من عدَّة الحرَّة؛ شهران وخمس ليالٍ؛ لأنَّها لمَّا كانت على النِّصف من الحرَّة في الحدِّ؛ فكذلك في العدَّة، وكان ابن عبَّاسٍ يرى أن تتربَّص (١) بأبعد الأجلين؛ من الوضع وأربعة (٢) أشهرٍ وعَشْرٍ؛ للجمع بين الآيتين، وهو مأخذٌ جيِّدٌ ومسلكٌ قويٌّ لولا ما ثبتت به السُّنَّة في حديث سُبَيْعة الأسلميَّة الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا بحول الله وقوَّته [خ¦٤٥٣٢] وتأنيث «العشر» باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غُرَر الشُّهور والأيَّام تَبَعٌ (٣)؛ ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ ذهابًا إلى «الأيَّام»، حتَّى إنَّهم يقولون: صُمت عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) انقضت عدَّتهنَّ (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: فلا إثم عليكم أيُّها الأولياء أو المسلمون (﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّعرُّض للخُطَّاب والتَّزيُّن وسائر ما حرم للعدَّة (٤) (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالوجه الذي لا يُنكِره الشَّرع (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فيجازيكم عليه، وسقط قوله: «﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾».

(﴿يَعْفُونَ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عبَّاسٍ وغيره: (يَهَبْنَ) من الهبة (٥)، أي: المطلَّقات، فلا يأخذن شيئًا، والصِّيغة تحتمل التَّذكير والتَّأنيث، يقال: الرِّجال يعفون، والنِّساء يعفون، قالوا: وفي الأوَّل: ضميرٌ، والنُّون: علامة الرَّفع، وفي الثَّاني: لامُ الفعل، والنُّون: ضمير النِّساء (٦)، ولذلك لم يؤثِّر فيه ﴿أَن﴾ ههنا، ونُصِبَ المعطوفُ، وسقط قوله: «﴿يَعْفُونَ﴾: يَهَبْنَ» لأبي ذرٍّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد