الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4529
الحديث رقم 4529 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إِلَى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. ﴿يَعْفُونَ﴾ يَهَبْنَ
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ : حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ . حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةٌ إِلَيْهِ.
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّصَ عُمُومَ الْآيَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَنَّى حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى السِّيَاقِ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْمُتَبَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) هَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ: بَارِكَةً مُدْبِرَةً فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ امْرَأَةً مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مُنْكَدِرٍ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ الْمَرْأَةَ مِنْ دُبُرِهَا فَحَمَلَتْ، وَقَوْلُهُ: فَحَمَلَتْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الدُّبُرِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ وَأَبَاحَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِنِسَائِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجْمَلُ وَالْمُفَسِّرُ قُدِّمَ الْمُفَسِّرُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةً فِي طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ مُحْبِيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُحْبِيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ لِخُلُوِّهَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ مُحْبِيَةً بِمِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ بَارِكَةً وَقَوْلُهُ صِمَامٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ هُوَ الْمَنْفَذُ.
٤٠ - بَاب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ح حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، فَيَبْدُو لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتُرِيدُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ وَلِيُّهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، لَكِنَّهُ سَاقَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي النِّكَاحِ بِتَمَامِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ، وَكَذَا مَا جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ أُخْتِ مَعْقِلٍ وَاسْمِ زَوْجِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي مَعْقِلٌ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ تَصْرِيحِ الْحَسَنِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ مَعْقِلٍ، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا وَهُوَ ابْنُ طَهْمَانَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَنُ بِتَحْدِيثِ مَعْقِلٍ لَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو (العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، التَّميميُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، و «يسار» بالسِّين المهملة مخفَّفةً، المزنيُّ (قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ) اسمها: جُمَيل؛ بضمِّ الجيم مصغَّرًا؛ كما عند ابن الكلبيِّ، أو ليلى كما عند السُّهيليِّ (تُخْطَبُ إِلَيَّ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طهمان ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠]: (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد بن دينارٍ العبديِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) فيه تصريح الحسن بالتَّحديث عن معقلٍ كالسَّابق.
وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين وفتح الميمَين، عبد الله المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب: فاطمة كما عند ابن إسحاق، ويُحتَمل التَّعدُّد بأن يكون لها اسمان ولقبٌ، أو لقبانِ واسمٌ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) هو -كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي- أبو البدَّاح بن عاصمٍ، وتعقَّبه الذَّهبيُّ (٢): بأنَّ أبا البدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، والصُّحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزَّوج، وجزم بعض المتأخِّرين -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- بأنَّه البدَّاح بن عاصمٍ، وكنيته أبو عمرٍو، قال: فإن كان محفوظًا فهو أخو
أبي البدَّاح بن عاصم (١) التَّابعيِّ، وفي «كتاب المجاز» للشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه عبد الله بن رواحة (فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا) من ولِّيها أخيها معقلٍ (فَأَبَى) فامتنع (مَعْقِلٌ) أن يُراجعها له (فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) وهذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ لكنَّ قوله في بقيَّتها: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ظاهرٌ في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء، وفيه: أنَّ المرأة (٢) لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ إذ لو تملَّكت (٣) من ذلك؛ لم يكن لعضل الوليِّ معنًى، ولا يُعارَض بإسناد النِّكاح إليهنَّ؛ لأنَّه بسبب توقُّفه على إذنهنَّ، وفي هذه المسألة خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته محرَّرًا في موضعه من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٣٣١].
(٤١) (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ (٤)) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾» أي: يموتون (٥) (﴿مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) يتركون (﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾) مِنْ (٦) بعدهم (﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾) فلا يتزوَّجن ولا يخرجن ولا يتزيَّنَّ (﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) من الليالي، ويُحتَمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذَكَرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا يُحَسُّ بها، ولا يخرج عن ذلك إلَّا المتوفَّي عنها زوجُها وهي حاملٌ، فإنَّ عدَّتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده (٧) سوى لحظةٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والأَمَة فإنَّ عدَّتها
على النِّصف من عدَّة الحرَّة؛ شهران وخمس ليالٍ؛ لأنَّها لمَّا كانت على النِّصف من الحرَّة في الحدِّ؛ فكذلك في العدَّة، وكان ابن عبَّاسٍ يرى أن تتربَّص (١) بأبعد الأجلين؛ من الوضع وأربعة (٢) أشهرٍ وعَشْرٍ؛ للجمع بين الآيتين، وهو مأخذٌ جيِّدٌ ومسلكٌ قويٌّ لولا ما ثبتت به السُّنَّة في حديث سُبَيْعة الأسلميَّة الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا بحول الله وقوَّته [خ¦٤٥٣٢] وتأنيث «العشر» باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غُرَر الشُّهور والأيَّام تَبَعٌ (٣)؛ ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ ذهابًا إلى «الأيَّام»، حتَّى إنَّهم يقولون: صُمت عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) انقضت عدَّتهنَّ (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: فلا إثم عليكم أيُّها الأولياء أو المسلمون (﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّعرُّض للخُطَّاب والتَّزيُّن وسائر ما حرم للعدَّة (٤) (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالوجه الذي لا يُنكِره الشَّرع (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فيجازيكم عليه، وسقط قوله: «﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾».
(﴿يَعْفُونَ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عبَّاسٍ وغيره: (يَهَبْنَ) من الهبة (٥)، أي: المطلَّقات، فلا يأخذن شيئًا، والصِّيغة تحتمل التَّذكير والتَّأنيث، يقال: الرِّجال يعفون، والنِّساء يعفون، قالوا: وفي الأوَّل: ضميرٌ، والنُّون: علامة الرَّفع، وفي الثَّاني: لامُ الفعل، والنُّون: ضمير النِّساء (٦)، ولذلك لم يؤثِّر فيه ﴿أَن﴾ ههنا، ونُصِبَ المعطوفُ، وسقط قوله: «﴿يَعْفُونَ﴾: يَهَبْنَ» لأبي ذرٍّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينظر الله عز وَجل إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ.
٤٥٢٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِرَ ارضى الله عَنهُ قَالَ كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَالَه بَعضهم: وَذكر الْحَافِظ الْمزي أَنه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر. بالنُّون مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح وَغَيره عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن سهل بن أبي سهل، وَغَيره.
وَظَاهر حَدِيث جَابر هَذَا يُوهم أَنه مُطَابق لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ روى بِوُجُوه كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن يَهُودِيّا قَالَ: إِذا نكح الرجل امْرَأَته مجبية خرج وَلَده أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} إِن شِئْتُم مجبية، وَإِن شِئْتُم غير مجببة إِذا كَانَ ذَلِك فِي صمام وَاحِد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه: وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن الْيَهُود قَالُوا للْمُسلمين: من أَتَى امْرَأَته وَهِي مُدبرَة جَاءَ وَلَده أَحول، فَأنْزل الله عز وَجل: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُدبرَة ومقبلة مَا كَانَ فِي الْفرج، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ: إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا، وَمن طَرِيق أبي حَازِم عَن ابْن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: إِذا أتيت الْمَرْأَة من دبرهَا فَحملت. وَقَوله: (فَحملت) يدل على أَن مُرَاده أَن الْإِتْيَان فِي الْفرج لَا فِي الدبر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي تَوْقِيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك على الْفرج إِعْلَام مِنْهُ إيَّاهُم أَن الدبر بِخِلَاف ذَلِك. قلت: لِأَن تنصيصه على الْفرج يُنَافِي دُخُول الدبر قَوْله: (مجبية) من جبى يجبى تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جِيم وياء مُوَحدَة وَألف، وَمَعْنَاهُ: مَكِّيَّة على وَجههَا تَشْبِيها بهيئة السُّجُود، وَعَن سعيد بن الْمسيب: أنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْغَزل، أخرجه الدَّارمِيّ وَلَفظه (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم أَنى شِئْتُم) ، قَالَ: إِن شِئْت فاعزل وَإِن شِئْت فَلَا تعزل، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه: وَعند الطَّبَرِيّ: أَن أُنَاسًا من حمير أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا رَسُول الله: إِنِّي رجل أحب النِّسَاء، فَكيف ترى فِي ذَلِك؟ فَنزلت: وَعِنْده مقَاتل، قَالَ: حييّ بن أَخطب وَنَفر من الْيَهُود للْمُسلمين إِنَّه لَا يحل لكم جماع النِّسَاء إِلَّا مستلقيات، وَإِنَّا نجد فِي كتاب الله عز وَجل أَن جماع الْمَرْأَة غير مستلقية دنس عِنْد الله تَعَالَى، فَنزلت: وَعَن ابْن عَبَّاس الْحَرْث منبت الْوَلَد، وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال.
٤٠ - (بابٌ: {وإذَا طَلَقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنّ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحَنّ أزْوَاجَهُنَّ} (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِره وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْآيَة فِي الرجل يُطلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ فتنقضي عدتهَا ثمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجهَا وَأَن يُرَاجِعهَا وتريد الْمَرْأَة ذَلِك فيمنعها أولياؤها من ذَلِك، فَنهى الله تَعَالَى أَن يمنعوها، وَكَذَلِكَ روى الْعَوْفِيّ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك إِنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَقد روى أَن هَذِه الْآيَة هِيَ الَّتِي نزلت فِي معقل بن يسَار، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي جَابر بن عبد الله وَابْن عَم لَهُ، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأزْوَاج الَّذين يعضلون نِسَاءَهُمْ بعد انْقِضَاء الْعدة ظلما وَإِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأَوْلِيَاء فِي عضلهن أَن يرجعن إِلَى أَزوَاجهنَّ. وَقَالَ ابْن جرير: اتّفق أهل التَّفْسِير على أَن الْمُخَاطب بذلك الْأَوْلِيَاء. قَوْله: (فبلغن أَجلهنَّ) ، وبلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على اخْتِلَاف البلوغين. قَوْله: (فَلَا تعضلوهن) ، أَي: لَا تضيقوا عَلَيْهِنَّ بمنعكم إياهن، وَفِي (تَفْسِير عبد بن أبي سعيد) العضل الْحَبْس، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن الْفراء وقطرب وَأبي عبيد عضل الْمَرْأَة يعضلها ويعضلها، وَعَن أبي عَمْرو: يعضلها، يَعْنِي: بِفَتْح الضَّاد، وَأُمُور معضلات شَدَّاد بِكَسْر الضَّاد. وَعَن ابْن دُرَيْد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعهَا من الزَّوْج ظلما. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ من قَوْلهم: عضلت الدَّجَاجَة فَهِيَ معضل إِذا احْتبسَ بيضها، ونشب فَلم يخرج.
٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ
هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.
حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .
هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.
٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ
هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.
حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .
هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.
٤١ - (بابٌ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا} إِلَى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي يتوفون مِنْكُم} الْآيَة. قَوْله: (وَالَّذين) أَي: وَأَزْوَاج الَّذين يتوفون مِنْكُم، وَالْخطاب
للْمُسلمين، وَقيل: للمكلفين، قَالَ الْكفَّار مخاطبون بالتفاصيل بِشَرْط الْإِيمَان. قَوْله: (ويذرون) أَي: يتركون. قَوْله: (أَزْوَاجًا) أَي: زَوْجَات قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: بعدهمْ، وَقيل: يحبسن أَنْفسهنَّ وينتظرون أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَهَذَا الحكم يَشْمَل الزَّوْجَات الْمَدْخُول بِهن بِالْإِجْمَاع إِلَّا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَإِنَّهَا تَعْتَد بِالْوَضْعِ وَلم تمكث بعده سوى لَحْظَة لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَعشرا) ، إِنَّمَا لم يقل وَعشرَة، ذَهَابًا، إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام دَاخِلَة فِيهَا ثمَّ الْحِكْمَة فِي هَذِه الْمدَّة مَا قَالَه الرَّاغِب: إِن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ إِن الْوَلَد فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر، وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر، فَجعل ذَلِك عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَزيد عَلَيْهِ عشرَة أَيَّام للاستظهار، وخصت الْعشْرَة لِأَنَّهَا أكمل الْأَعْدَاد وَأَشْرَفهَا. وَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: مَا بَال الْعشْرَة؟ قَالَ: فِيهِ ينْفخ الرّوح، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: روى عَنْهُمَا ابْن جرير، وَمن هُنَا ذهب أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن عدَّة أم الْوَلَد عدَّة الْحرَّة لِأَنَّهَا صَارَت فراشا كالحرائر، وروى فِيهِ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ: لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَذهب إِلَى هَذَا أَيْضا طَائِفَة من السّلف مِنْهُم، سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَبِه كَانَ يَأْمر يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ طَاوُوس وَقَتَادَة: عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا نصف عدَّة الْحرَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح بن حيى: تَعْتَد بِثَلَاث حيض، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: عدتهن حَيْضَة، وَبِه يَقُول ابْن عمر وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَاللَّيْث وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر. قَوْله: (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ) ، أَي: إِذا انْقَضتْ عدتهن، قَالَه الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس. قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا الْأَئِمَّة وَجَمَاعَة الْمُسلمين، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَي: أولياؤها. قَوْله: (فِيمَا فعلن) ، يَعْنِي: النِّسَاء اللَّاتِي انْقَضتْ عدتهن من التَّعَرُّض للخطاب، وَعَن الْحسن وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ: بِالنِّكَاحِ الْحَلَال الطّيب. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنكره الشَّرْع.
يَعْفُونَ يَهَبْنَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: يعفون، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} (الْبَقَرَة: ١٢٣٧) وَفَسرهُ بقوله يهبن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه قَول ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَنَافِع وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمُقَاتِل وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ، قَالَ: وَخَالفهُم مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (إِلَّا أَن يعفون) يَعْنِي: الرِّجَال. قَالَ: وَهُوَ قَول شَاذ لم يُتَابع عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الرِّجَال وَجمع النِّسَاء، تَقول: الرِّجَال وَالنِّسَاء يعفون، وَالْفرق تقديري، فالواو فِي الأول ضمير الرِّجَال وَالنُّون عَلامَة الرّفْع، وَفِي الثَّانِي الْوَاو لَام الْفِعْل وَالنُّون ضمير النِّسَاء فَلهَذَا لم تعْمل فِيهَا أَن، وَلَكِن فِي مَحل النصب، فوزن جمع الْمُذكر، يعفون، وَوزن جمع الْمُؤَنَّث يفعلن، فَافْهَم.
٤٥٣٠ - ح دَّثني أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَّفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا} قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرَى فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها يَا ابنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْ مَكانِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بسطَام بن الْمُنْتَشِر العيشي الْبَصْرِيّ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع بِفَتْح الزَّاي، وحبِيب هوابن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد
الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر قَاضِي عبد الله بن الزبير والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا} وَتَمَامه (وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج) الْآيَة. قَوْله: (فَلم تَكْتُبهَا) ؟ اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار بِمَعْنى: لم تكْتب هَذِه الْآيَة وَقد نسختها الْآيَة الْأُخْرَى؟ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) والمنسوخة هِيَ قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول} (الْبَقَرَة: ٢٤٠) قَوْله: (أَو تدعها) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: فَلم تدعها أَي: تتركها مَكْتُوبَة. قَوْله: (قَالَ: يَا ابْن أخي) أَي: قَالَ عُثْمَان لِابْنِ الزبير يَا ابْن أخي، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على عَادَة الْعَرَب، أَو نظرا إِلَى أخوة الْإِيمَان، أَو لِأَن عُثْمَان من أَوْلَاد قصي وَكَذَلِكَ عبد الله بن الزبير. قَوْله: (لَا أغير شَيْئا من مَكَانَهُ) ، أَي: لَا أغير شَيْئا مِمَّا كتب من الْقُرْآن وَكَانَ عبد الله ظن أَن مَا نسخ لَا يكْتب وَلَيْسَ كَمَا ظَنّه بل لَهُ فَوَائِد الأولى: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه كَمَا فعل فِي آيَات عديدة، وَمن صُدُور الحافظين أَيْضا. الثَّانِيَة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره. الثَّالِثَة: إِن كَانَ تثقيلاً وَنسخ بتَخْفِيف عرف بتذكره قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا وَنسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب لِأَن يظْهر فِيهَا عِنْد ذَلِك التَّسْلِيم والانقياد، وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام إِنَّه إِذا مَاتَ الرجل لم يكن لامْرَأَته شَيْء من الْمِيرَاث إلَاّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى سنة، فالآية أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة) أوجبت أَمريْن: أَحدهمَا: وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من تَرِكَة الزَّوْج سنة. وَالثَّانِي: وجوب الِاعْتِدَاد سنة لِأَن وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من مَال الْمَيِّت يُوجب الْمَنْع من التَّزْوِيج بِزَوْج آخر ثمَّ نسخ هَذَا أَن الحكمان إِمَّا وجوب الْعدة فِي السّنة فبقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة
أشهر وَعشرا} وَقيل: نسخ مَا زَاد فِيهِ، وَأما وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فمنسوخ بِتَقْدِير نصِيبهَا من الْمِيرَاث، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا نسخ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان من الْحول وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل، كَقَوْلِه عز وَجل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء} مَعَ قَوْله: (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء) .
٤٥٣١ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحٍ عنْ مُجاهِد والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا قَالَ كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأَنْزَلَ الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا وَصِيَّة لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعْلنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} . قَالَ جَعَلَ الله لَهَا تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْله: حَدثنِي، ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق. قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا حدث بِهِ فِي الْأَحْزَاب أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور كَمَا حدث بِهِ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وباللام: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ.
قَوْله: (كَانَت هَذِه الْعدة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (فَأنْزل الله: {وَالذين يتوفون} ) ، فِي الْآيَة ذكرهَا ثمَّ قَالَ: (جعل الله لَهَا) أَي: للمعتدة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى (تَمام السّنة) وبحسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد فِي بَيت أهل الزَّوْج إِلَى التَّمام، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا يدل على أَن مُجَاهدًا لَا يرى نسخ هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم) إِلَى آخرهَا وَعند الْأَكْثَرين هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (وَصِيَّة) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَالَّذين يتوفون يوصون وَصِيَّة، أَو ألزم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ قِرَاءَة عبد الله كتب عَلَيْكُم الْوَصِيَّة لأزواجكم، وقرىء وَصِيَّة بِالرَّفْع بِتَقْدِير: وَحكم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، يَعْنِي: قبل أَن يحتضروا. قَوْله: (لأزواجهم) ، أَي: لزوجاتهم. قَوْله: (مَتَاعا) ، نصب بِتَقْدِير: يوصون مَتَاعا أَو بِتَقْدِير: متعوهن مَتَاعا وَقِرَاءَة أبي: مَتَاع لأزواجهم مَتَاعا، فعلى هَذَا نصب مَتَاعا بقوله: مَتَاع لِأَنَّهُ فِي معنى: التمتيع. قَوْله: (غير إِخْرَاج) ، حَال من الْأزْوَاج أَي: غير مخرجات، أَو بدل من: مَتَاعا. وَحَاصِل الْمَعْنى: وَحقّ الَّذين يتوفون عَن أَزوَاجهم أَن يوصوا قبل أَن يحتضروا بِأَن تتمتع أَزوَاجهم بعدهمْ حولا كَامِلا. أَي: ينْفق عَلَيْهِنَّ من تركته وَلَا يخرجهن من مساكنهن، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخت الْمدَّة. قَوْله: {أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) ونسحت النَّفَقَة بِالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ الرّبع أَو الثّمن، وَهَذَا عِنْد الْجُمْهُور غير مُجَاهِد كَمَا ذكره الْآن. قَوْله: (فالعدة) ، كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا وَهِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) ، قَائِل هَذَا هُوَ شبْل بن عباد الرَّاوِي، وَالضَّمِير فِي: زعم، يرجع إِلَى بن أبي نجيح الرَّاوِي عَن مُجَاهِد.
وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ} (الْبَقَرَة: ٢٤) .
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: قيل: هَذَا عطف على قَوْله: عَن مُجَاهِد، وَهُوَ من رِوَايَة ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق، إِذْ لَو كَانَ عطفا لقَالَ: وَعَن عَطاء، وَقد روى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود. قَالَ: حَدثنَا شبْل عَن ابْن أبي نجيح. قَالَ: قَالَ عَطاء: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا.
قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ} . قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْمَّدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا.
هَذَا من عَطاء كالتفسير لما رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: قَالَ عَطاء: إِن شَاءَت إِلَى آخِره، بعد أَن ذكر مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس.
وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أبِي نَجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا
هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا مدرجا فِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّذِي تقدم عَن روح بن شبْل، وَاخْتَارَهُ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف مَعْطُوفًا على قَوْله أخبرنَا روح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه بعد. وَالثَّانِي: أَن يكون البُخَارِيّ علقه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء مؤنث الأورق بن عَمْرو الْخَوَارِزْمِيّ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَإِن كَانَ كَذَا فقد وَصله أَبُو نعيم سُلَيْمَان بن أَحْمد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن الْفرْيَابِيّ. عَن وَرْقَاء، فَذكره.
وَعَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ الله غَيْرَ إخْرَاجٍ نَحْوَهُ.
هَذَا أَيْضا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَالْأَظْهَر هُوَ الْوَجْه الثَّانِي أَنه رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن ابْن أبي نجيح روى عَن مُجَاهِد وَحده وقوفا عَلَيْهِ، وروى أَيْضا عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا رُوِيَ فِيمَا مضى عَن مُجَاهِد.
٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الإِشَارَةٌ إِلَيْهِ.
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ صَلَحَ أَنْ يُخَصِّصَ عُمُومَ الْآيَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَنَّى حَيْثُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى السِّيَاقِ، وَيُغْنِي ذَلِكَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ غَيْرِ الْمُتَبَادِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ) هَذَا السِّيَاقُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ: بَارِكَةً مُدْبِرَةً فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ امْرَأَةً مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ ابْنِ مُنْكَدِرٍ بِلَفْظِ: إِذَا أَتَيْتَ الْمَرْأَةَ مِنْ دُبُرِهَا فَحَمَلَتْ، وَقَوْلُهُ: فَحَمَلَتْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْإِتْيَانَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الدُّبُرِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ أَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِي زَعْمِهِمْ وَأَبَاحَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِنِسَائِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُجْمَلُ وَالْمُفَسِّرُ قُدِّمَ الْمُفَسِّرُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ زِيَادَةً فِي طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بِلَفْظِ: إِنْ شَاءَ مُحْبِيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُحْبِيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَفْسِيرِ الزُّهْرِيِّ لِخُلُوِّهَا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ. وَقَوْلُهُ مُحْبِيَةً بِمِيمٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَيْ بَارِكَةً وَقَوْلُهُ صِمَامٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّخْفِيفِ هُوَ الْمَنْفَذُ.
٤٠ - بَاب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ح حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ اتَّفَقَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَتَقْضِي عِدَّتَهَا، فَيَبْدُو لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَتُرِيدُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ وَلِيُّهَا. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ، لَكِنَّهُ سَاقَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي النِّكَاحِ بِتَمَامِهِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ، وَكَذَا مَا جَاءَ فِي تَسْمِيَةِ أُخْتِ مَعْقِلٍ وَاسْمِ زَوْجِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي مَعْقِلٌ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ تَصْرِيحِ الْحَسَنِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ مَعْقِلٍ، وَرِوَايَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا وَهُوَ ابْنُ طَهْمَانَ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي النِّكَاحِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَسَنُ بِتَحْدِيثِ مَعْقِلٍ لَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ رَاشِدٍ كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أي: ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرٍو (العَقَدِيُّ) بفتح العين المهملة والقاف، قال: (حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، التَّميميُّ (١) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، و «يسار» بالسِّين المهملة مخفَّفةً، المزنيُّ (قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ) اسمها: جُمَيل؛ بضمِّ الجيم مصغَّرًا؛ كما عند ابن الكلبيِّ، أو ليلى كما عند السُّهيليِّ (تُخْطَبُ إِلَيَّ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو ابن طهمان ممَّا وصله المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٠]: (عَنْ يُونُسَ) هو ابن عبيد بن دينارٍ العبديِّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ) فيه تصريح الحسن بالتَّحديث عن معقلٍ كالسَّابق.
وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بسكون العين وفتح الميمَين، عبد الله المُقْعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عبيدٍ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ: (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ) قيل في اسمها غير ما سبق في هذا الباب: فاطمة كما عند ابن إسحاق، ويُحتَمل التَّعدُّد بأن يكون لها اسمان ولقبٌ، أو لقبانِ واسمٌ (طَلَّقَهَا زَوْجُهَا) هو -كما في «أحكام القرآن» لإسماعيل القاضي- أبو البدَّاح بن عاصمٍ، وتعقَّبه الذَّهبيُّ (٢): بأنَّ أبا البدَّاح تابعيٌّ على الصَّواب، والصُّحبة لأبيه، فيحتمل أن يكون هو الزَّوج، وجزم بعض المتأخِّرين -فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ- بأنَّه البدَّاح بن عاصمٍ، وكنيته أبو عمرٍو، قال: فإن كان محفوظًا فهو أخو
أبي البدَّاح بن عاصم (١) التَّابعيِّ، وفي «كتاب المجاز» للشَّيخ عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه عبد الله بن رواحة (فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا) من ولِّيها أخيها معقلٍ (فَأَبَى) فامتنع (مَعْقِلٌ) أن يُراجعها له (فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]) وهذا صريحٌ في نزول هذه الآية في هذه القصَّة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السِّياق للأزواج حيث وقع فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء﴾ لكنَّ قوله في بقيَّتها: ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ ظاهرٌ في أنَّ العضل يتعلَّق بالأولياء، وفيه: أنَّ المرأة (٢) لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ إذ لو تملَّكت (٣) من ذلك؛ لم يكن لعضل الوليِّ معنًى، ولا يُعارَض بإسناد النِّكاح إليهنَّ؛ لأنَّه بسبب توقُّفه على إذنهنَّ، وفي هذه المسألة خلافٌ يأتي إن شاء الله تعالى، بعون الله وقوَّته محرَّرًا في موضعه من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥٣٣١].
(٤١) (﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ (٤)) وفي نسخةٍ: «باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾» أي: يموتون (٥) (﴿مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾) يتركون (﴿أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾) مِنْ (٦) بعدهم (﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾) فلا يتزوَّجن ولا يخرجن ولا يتزيَّنَّ (﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) من الليالي، ويُحتَمل أن تكون الحكمة في هذا المقدار: أنَّ الجنين في غالب الأمر يتحرَّك لثلاثة أشهرٍ إن كان ذَكَرًا، ولأربعةٍ إن كان أنثى، واعتُبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر استظهارًا؛ إذ ربَّما تضعف حركته في المبادئ فلا يُحَسُّ بها، ولا يخرج عن ذلك إلَّا المتوفَّي عنها زوجُها وهي حاملٌ، فإنَّ عدَّتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده (٧) سوى لحظةٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والأَمَة فإنَّ عدَّتها
على النِّصف من عدَّة الحرَّة؛ شهران وخمس ليالٍ؛ لأنَّها لمَّا كانت على النِّصف من الحرَّة في الحدِّ؛ فكذلك في العدَّة، وكان ابن عبَّاسٍ يرى أن تتربَّص (١) بأبعد الأجلين؛ من الوضع وأربعة (٢) أشهرٍ وعَشْرٍ؛ للجمع بين الآيتين، وهو مأخذٌ جيِّدٌ ومسلكٌ قويٌّ لولا ما ثبتت به السُّنَّة في حديث سُبَيْعة الأسلميَّة الآتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا بحول الله وقوَّته [خ¦٤٥٣٢] وتأنيث «العشر» باعتبار اللَّيالي؛ لأنَّها غُرَر الشُّهور والأيَّام تَبَعٌ (٣)؛ ولذلك لا يستعملون التَّذكير في مثله قطُّ ذهابًا إلى «الأيَّام»، حتَّى إنَّهم يقولون: صُمت عشرًا، ويشهد له قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] و ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] (﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾) انقضت عدَّتهنَّ (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾) أي: فلا إثم عليكم أيُّها الأولياء أو المسلمون (﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾) من التَّعرُّض للخُطَّاب والتَّزيُّن وسائر ما حرم للعدَّة (٤) (﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾) بالوجه الذي لا يُنكِره الشَّرع (﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فيجازيكم عليه، وسقط قوله: «﴿فَإِذَا بَلَغْنَ﴾ … » إلى آخره لغير أبي ذرٍّ، وقال: «إلى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾».
(﴿يَعْفُونَ﴾) أي: من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قال ابن عبَّاسٍ وغيره: (يَهَبْنَ) من الهبة (٥)، أي: المطلَّقات، فلا يأخذن شيئًا، والصِّيغة تحتمل التَّذكير والتَّأنيث، يقال: الرِّجال يعفون، والنِّساء يعفون، قالوا: وفي الأوَّل: ضميرٌ، والنُّون: علامة الرَّفع، وفي الثَّاني: لامُ الفعل، والنُّون: ضمير النِّساء (٦)، ولذلك لم يؤثِّر فيه ﴿أَن﴾ ههنا، ونُصِبَ المعطوفُ، وسقط قوله: «﴿يَعْفُونَ﴾: يَهَبْنَ» لأبي ذرٍّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الصُّغْرَى، يَعْنِي وَطْء النِّسَاء فِي أدبارهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح، وَالطَّيَالِسِي وَالْبَيْهَقِيّ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا ينظر الله عز وَجل إِلَى رجل وطىء امْرَأَة فِي دبرهَا، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وَابْن مَاجَه وَأحمد. وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله نَحْو حَدِيث خُزَيْمَة وَفِي رِوَايَة لَا بِحل مَا تَأتي النِّسَاء فِي حشوشهن وَفِي رِوَايَة فِي محاشهن اخرجه الطَّحَاوِيّ وَمِنْهَا: حَدِيث طلق بن عَليّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة، وَفِي رِوَايَة فِي أعجازهن، أَو قَالَ: فِي أدبارهن، وَأما الْآيَة فتأولوها: بفأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم مُسْتَقْبلين ومستدبرين، وَلَكِن فِي مَوضِع الْحَرْث، وَهُوَ الْفرج. فَإِن قلت: الْقَاعِدَة عنْدكُمْ أَن الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قلت: نعم لَكِن وَردت أَحَادِيث كَثِيرَة فأخرجت الْآيَة عَن عمومها وأقصرتها على إِبَاحَة الْوَطْء فِي الْفرج، وَلَكِن على أَي وَجه كَانَ.
٤٥٢٨ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمِ حدَّثنا سُفْيَانُ عَن ابنِ المُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جابِرَ ارضى الله عَنهُ قَالَ كانَت اليَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَها مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ {نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأَتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٣) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ قَالَه بَعضهم: وَذكر الْحَافِظ الْمزي أَنه سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر. بالنُّون مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي النِّكَاح وَغَيره عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن سهل بن أبي سهل، وَغَيره.
وَظَاهر حَدِيث جَابر هَذَا يُوهم أَنه مُطَابق لحَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ روى بِوُجُوه كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد، فروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن يَهُودِيّا قَالَ: إِذا نكح الرجل امْرَأَته مجبية خرج وَلَده أَحول فَأنْزل الله تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} إِن شِئْتُم مجبية، وَإِن شِئْتُم غير مجببة إِذا كَانَ ذَلِك فِي صمام وَاحِد. وَأخرجه مُسلم أَيْضا نَحوه: وروى الطَّحَاوِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله أَن الْيَهُود قَالُوا للْمُسلمين: من أَتَى امْرَأَته وَهِي مُدبرَة جَاءَ وَلَده أَحول، فَأنْزل الله عز وَجل: {نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم} فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مُدبرَة ومقبلة مَا كَانَ فِي الْفرج، وَفِي رِوَايَة لمُسلم من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، بِلَفْظ: إِذا أَتَى الرجل امْرَأَته من دبرهَا فِي قبلهَا، وَمن طَرِيق أبي حَازِم عَن ابْن الْمُنْكَدر بِلَفْظ: إِذا أتيت الْمَرْأَة من دبرهَا فَحملت. وَقَوله: (فَحملت) يدل على أَن مُرَاده أَن الْإِتْيَان فِي الْفرج لَا فِي الدبر. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَفِي تَوْقِيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك على الْفرج إِعْلَام مِنْهُ إيَّاهُم أَن الدبر بِخِلَاف ذَلِك. قلت: لِأَن تنصيصه على الْفرج يُنَافِي دُخُول الدبر قَوْله: (مجبية) من جبى يجبى تجبية، كعلى يعلى تعلية، ومادته جِيم وياء مُوَحدَة وَألف، وَمَعْنَاهُ: مَكِّيَّة على وَجههَا تَشْبِيها بهيئة السُّجُود، وَعَن سعيد بن الْمسيب: أنزلت هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي الْغَزل، أخرجه الدَّارمِيّ وَلَفظه (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم أَنى شِئْتُم) ، قَالَ: إِن شِئْت فاعزل وَإِن شِئْت فَلَا تعزل، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن ابْن عَبَّاس نَحوه: وَعند الطَّبَرِيّ: أَن أُنَاسًا من حمير أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ رجل مِنْهُم: يَا رَسُول الله: إِنِّي رجل أحب النِّسَاء، فَكيف ترى فِي ذَلِك؟ فَنزلت: وَعِنْده مقَاتل، قَالَ: حييّ بن أَخطب وَنَفر من الْيَهُود للْمُسلمين إِنَّه لَا يحل لكم جماع النِّسَاء إِلَّا مستلقيات، وَإِنَّا نجد فِي كتاب الله عز وَجل أَن جماع الْمَرْأَة غير مستلقية دنس عِنْد الله تَعَالَى، فَنزلت: وَعَن ابْن عَبَّاس الْحَرْث منبت الْوَلَد، وَقَالَ السّديّ: هِيَ مزرعة يَزع فِيهَا أَو يحرث فِيهَا، وَقَالَ ابْن حزم: مَا رويت إِبَاحَة الْوَطْء فِي دبرهَا إلاّ عَن ابْن عَمْرو وَحده باخْتلَاف عَنهُ، وَعَن مَالك باخْتلَاف عَنهُ فَقَط، وَذكر أَبُو الْحسن المرغيناني، أَن من أَتَى امْرَأَته فِي الْمحل الْمَكْرُوه فَلَا حد عَلَيْهِ عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة وَيُعَزر، وَقَالَ هُوَ كَالزِّنَا، وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا اتّفق الْعلمَاء الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم وَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: لَا يحل الْوَطْء فِي الدبر فِي شَيْء من الْآدَمِيّين وَلَا غَيرهم من الْحَيَوَان على حَال من الْأَحْوَال.
٤٠ - (بابٌ: {وإذَا طَلَقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنّ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحَنّ أزْوَاجَهُنَّ} (الْبَقَرَة: ٢٣٢)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الْبَقَرَة: ٢٣٢) إِلَى آخِره وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، نزلت هَذِه الْآيَة فِي الرجل يُطلق امْرَأَته طَلْقَة أَو طَلْقَتَيْنِ فتنقضي عدتهَا ثمَّ يَبْدُو لَهُ تَزْوِيجهَا وَأَن يُرَاجِعهَا وتريد الْمَرْأَة ذَلِك فيمنعها أولياؤها من ذَلِك، فَنهى الله تَعَالَى أَن يمنعوها، وَكَذَلِكَ روى الْعَوْفِيّ عَنهُ، وَكَذَا قَالَ مَسْرُوق وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك إِنَّهَا نزلت فِي ذَلِك، وَقد روى أَن هَذِه الْآيَة هِيَ الَّتِي نزلت فِي معقل بن يسَار، على مَا يَجِيء الْآن، وَقَالَ السّديّ: نزلت فِي جَابر بن عبد الله وَابْن عَم لَهُ، وَالصَّحِيح الأول، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأزْوَاج الَّذين يعضلون نِسَاءَهُمْ بعد انْقِضَاء الْعدة ظلما وَإِمَّا أَن يُخَاطب بِهِ الْأَوْلِيَاء فِي عضلهن أَن يرجعن إِلَى أَزوَاجهنَّ. وَقَالَ ابْن جرير: اتّفق أهل التَّفْسِير على أَن الْمُخَاطب بذلك الْأَوْلِيَاء. قَوْله: (فبلغن أَجلهنَّ) ، وبلوغ الْأَجَل فِي هَذِه الْآيَة انْقِضَاء الْعدة بِخِلَاف الْآيَة السَّابِقَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على اخْتِلَاف البلوغين. قَوْله: (فَلَا تعضلوهن) ، أَي: لَا تضيقوا عَلَيْهِنَّ بمنعكم إياهن، وَفِي (تَفْسِير عبد بن أبي سعيد) العضل الْحَبْس، وَفِي (الموعب) لِابْنِ التياني: عَن الْفراء وقطرب وَأبي عبيد عضل الْمَرْأَة يعضلها ويعضلها، وَعَن أبي عَمْرو: يعضلها، يَعْنِي: بِفَتْح الضَّاد، وَأُمُور معضلات شَدَّاد بِكَسْر الضَّاد. وَعَن ابْن دُرَيْد: عضل أيمه يعضلها عضلاً. وعضلها تعضيلاً. منعهَا من الزَّوْج ظلما. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ من قَوْلهم: عضلت الدَّجَاجَة فَهِيَ معضل إِذا احْتبسَ بيضها، ونشب فَلم يخرج.
٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ
هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.
حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .
هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.
٤٥٢٩ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا عَبَّادُ بنُ رَاشِدٍ حدَّثنا الحَسَنُ قَال حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إلَيَّ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من تَمام الحَدِيث وَالْبُخَارِيّ أخرجه هُنَا مُخْتَصرا. وَفِي الطَّرِيق الثَّالِث تَمَامه. وَأخرجه من ثَلَاث طرق كَمَا ترى، وَعبيد الله بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَأَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو والعقدي، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين نِسْبَة إِلَى العقد، قوم من قيس، وهم صنف من الأزد، وَعباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، ابْن رَاشد، وَالْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ، وَمَعْقِل: بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمُزنِيّ، وَقَالَ الْعجلِيّ: يكنى أَبَا عَليّ وَلَا نعلم فِي الصَّحَابَة أحدا يكنى بِهِ غَيره. قلت: طلق بن عَليّ يكنى أَبَا عَليّ، وَكَذَلِكَ قيس بن عَاصِم الْمنْقري، ذكره أَبُو أَحْمد وَغَيره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي النِّكَاح عَن أبي معمر، وَفِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد وَفِي النِّكَاح أَيْضا عَن أَحْمد بن أبي عَمْرو وَفِي الطَّلَاق أَيْضا عَن أبي مُوسَى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن حميد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سوار بن عبد الله وَغَيره.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ عنْ يُونُسَ عنِ الحَسَنِ حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ
هَذَا طَرِيق ثَان وَهُوَ مُعَلّق، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن طهْمَان، وَيُونُس هُوَ ابْن عبيد، وَوَصله البُخَارِيّ فِي النِّكَاح، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق بَيَان تَصْرِيح الْحسن بِالتَّحْدِيثِ عَن معقل.
حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ أنَّ أُخْتَ مَعْقِلٍ بنِ يَسَارٍ طَلَقَهَا زَوْجُها فَتَرَكَها حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها فَخَطَبَها فَأَبَى مَعْقِلٌ فَنَزَلَتْ {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْوَاجَهُنَّ} .
هَذَا طَرِيق ثَالِث عَن أبي معمر، بِفَتْح الميمين، عبد الله الْمَشْهُور بالمقعد، عَن عبد الْوَارِث بن سعيد عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ. قَوْله: (إِن أُخْت معقل بن يسَار) وَاسْمهَا جميل بنت يسَار، بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي رِوَايَة أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي اسْمهَا فَاطِمَة بنت يسَار، وسماها ابْن فتحون: جملى، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، وسماها مُحَمَّدًا الْمُنْذِرِيّ: ليلى.
٤١ - (بابٌ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا} إِلَى {بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الْبَقَرَة: ٢٣٤)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي يتوفون مِنْكُم} الْآيَة. قَوْله: (وَالَّذين) أَي: وَأَزْوَاج الَّذين يتوفون مِنْكُم، وَالْخطاب
للْمُسلمين، وَقيل: للمكلفين، قَالَ الْكفَّار مخاطبون بالتفاصيل بِشَرْط الْإِيمَان. قَوْله: (ويذرون) أَي: يتركون. قَوْله: (أَزْوَاجًا) أَي: زَوْجَات قَوْله: (يَتَرَبَّصْنَ) أَي: بعدهمْ، وَقيل: يحبسن أَنْفسهنَّ وينتظرون أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَهَذَا الحكم يَشْمَل الزَّوْجَات الْمَدْخُول بِهن بِالْإِجْمَاع إِلَّا الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت حَامِلا فَإِنَّهَا تَعْتَد بِالْوَضْعِ وَلم تمكث بعده سوى لَحْظَة لعُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) وَكَانَ ابْن عَبَّاس يرى أَن عَلَيْهَا أَن تَتَرَبَّص بأبعد الْأَجَليْنِ من الْوَضع أَو أَرْبَعَة أشهر وَعشرا للْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ يسْتَثْنى مِنْهَا الزَّوْجَة إِذا كَانَت أمة، فَإِن عدتهَا على النّصْف من عدَّة الْحرَّة: شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام، وَعَن الْحسن وَبَعض الظَّاهِرِيَّة التَّسْوِيَة بَين الْحَرَائِر وَالْإِمَاء. قَوْله: (وَعشرا) ، إِنَّمَا لم يقل وَعشرَة، ذَهَابًا، إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّام دَاخِلَة فِيهَا ثمَّ الْحِكْمَة فِي هَذِه الْمدَّة مَا قَالَه الرَّاغِب: إِن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ إِن الْوَلَد فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر، وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر، فَجعل ذَلِك عدَّة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا، وَزيد عَلَيْهِ عشرَة أَيَّام للاستظهار، وخصت الْعشْرَة لِأَنَّهَا أكمل الْأَعْدَاد وَأَشْرَفهَا. وَقَالَ سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: سَأَلت سعيد بن الْمسيب: مَا بَال الْعشْرَة؟ قَالَ: فِيهِ ينْفخ الرّوح، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: روى عَنْهُمَا ابْن جرير، وَمن هُنَا ذهب أَحْمد فِي رِوَايَة: إِن عدَّة أم الْوَلَد عدَّة الْحرَّة لِأَنَّهَا صَارَت فراشا كالحرائر، وروى فِيهِ حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ: لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه أَيْضا. وَذهب إِلَى هَذَا أَيْضا طَائِفَة من السّلف مِنْهُم، سعيد بن الْمسيب وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالزهْرِيّ وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَبِه كَانَ يَأْمر يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَبِه يَقُول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ طَاوُوس وَقَتَادَة: عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا نصف عدَّة الْحرَّة، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح بن حيى: تَعْتَد بِثَلَاث حيض، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَعَطَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ: عدتهن حَيْضَة، وَبِه يَقُول ابْن عمر وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَاللَّيْث وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر. قَوْله: (فَإِذا بلغن أَجلهنَّ) ، أَي: إِذا انْقَضتْ عدتهن، قَالَه الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس. قَوْله: (فَلَا جنَاح عَلَيْكُم) ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَيهَا الْأَئِمَّة وَجَمَاعَة الْمُسلمين، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: أَي: أولياؤها. قَوْله: (فِيمَا فعلن) ، يَعْنِي: النِّسَاء اللَّاتِي انْقَضتْ عدتهن من التَّعَرُّض للخطاب، وَعَن الْحسن وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ: بِالنِّكَاحِ الْحَلَال الطّيب. قَوْله: (بِالْمَعْرُوفِ) ، أَي: بِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يُنكره الشَّرْع.
يَعْفُونَ يَهَبْنَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير: يعفون، فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح} (الْبَقَرَة: ١٢٣٧) وَفَسرهُ بقوله يهبن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه قَول ابْن عَبَّاس وَشُرَيْح وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَنَافِع وَمُجاهد وَالشعْبِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَمُقَاتِل وَجَابِر بن زيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي وَالزهْرِيّ وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَالسُّديّ، قَالَ: وَخَالفهُم مُحَمَّد بن كَعْب، فَقَالَ: (إِلَّا أَن يعفون) يَعْنِي: الرِّجَال. قَالَ: وَهُوَ قَول شَاذ لم يُتَابع عَلَيْهِ انْتهى. قلت: هَذِه اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين جمع الرِّجَال وَجمع النِّسَاء، تَقول: الرِّجَال وَالنِّسَاء يعفون، وَالْفرق تقديري، فالواو فِي الأول ضمير الرِّجَال وَالنُّون عَلامَة الرّفْع، وَفِي الثَّانِي الْوَاو لَام الْفِعْل وَالنُّون ضمير النِّسَاء فَلهَذَا لم تعْمل فِيهَا أَن، وَلَكِن فِي مَحل النصب، فوزن جمع الْمُذكر، يعفون، وَوزن جمع الْمُؤَنَّث يفعلن، فَافْهَم.
٤٥٣٠ - ح دَّثني أُمَيَّةُ بنُ بِسْطامٍ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ قَالَ ابنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَّفوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا} قَال قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرَى فَلَم تَكْتُبُها أوْ تَدَعُها يَا ابنَ أخِي لَا أُغَيِّرُ شَيْئا مِنْ مَكانِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن بسطَام بن الْمُنْتَشِر العيشي الْبَصْرِيّ وَهُوَ شيخ مُسلم أَيْضا، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن زُرَيْع مصغر زرع بِفَتْح الزَّاي، وحبِيب هوابن الشَّهِيد أَبُو مُحَمَّد
الْأَزْدِيّ الْأمَوِي الْبَصْرِيّ، وَابْن أبي مليكَة هُوَ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة بِضَم الْمِيم، واسْمه زُهَيْر قَاضِي عبد الله بن الزبير والْحَدِيث من أَفْرَاده.
قَوْله: (قَالَ ابْن الزبير) ، أَي: عبد الله بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا} وَتَمَامه (وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول غير إِخْرَاج) الْآيَة. قَوْله: (فَلم تَكْتُبهَا) ؟ اسْتِفْهَام على سَبِيل الْإِنْكَار بِمَعْنى: لم تكْتب هَذِه الْآيَة وَقد نسختها الْآيَة الْأُخْرَى؟ وَهِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) والمنسوخة هِيَ قَوْله: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم مَتَاعا إِلَى الْحول} (الْبَقَرَة: ٢٤٠) قَوْله: (أَو تدعها) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: فَلم تدعها أَي: تتركها مَكْتُوبَة. قَوْله: (قَالَ: يَا ابْن أخي) أَي: قَالَ عُثْمَان لِابْنِ الزبير يَا ابْن أخي، إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على عَادَة الْعَرَب، أَو نظرا إِلَى أخوة الْإِيمَان، أَو لِأَن عُثْمَان من أَوْلَاد قصي وَكَذَلِكَ عبد الله بن الزبير. قَوْله: (لَا أغير شَيْئا من مَكَانَهُ) ، أَي: لَا أغير شَيْئا مِمَّا كتب من الْقُرْآن وَكَانَ عبد الله ظن أَن مَا نسخ لَا يكْتب وَلَيْسَ كَمَا ظَنّه بل لَهُ فَوَائِد الأولى: أَن الله تَعَالَى لَو أَرَادَ نسخ لَفظه لرفعه كَمَا فعل فِي آيَات عديدة، وَمن صُدُور الحافظين أَيْضا. الثَّانِيَة: أَن فِي تِلَاوَته ثَوابًا كَمَا فِي تِلَاوَة غَيره. الثَّالِثَة: إِن كَانَ تثقيلاً وَنسخ بتَخْفِيف عرف بتذكره قدر اللطف، وَإِن كَانَ تَخْفِيفًا وَنسخ بتثقيل علم أَن المُرَاد انقياد النَّفس للأصعب لِأَن يظْهر فِيهَا عِنْد ذَلِك التَّسْلِيم والانقياد، وَكَانَ الحكم فِي أول الْإِسْلَام إِنَّه إِذا مَاتَ الرجل لم يكن لامْرَأَته شَيْء من الْمِيرَاث إلَاّ النَّفَقَة وَالسُّكْنَى سنة، فالآية أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة) أوجبت أَمريْن: أَحدهمَا: وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من تَرِكَة الزَّوْج سنة. وَالثَّانِي: وجوب الِاعْتِدَاد سنة لِأَن وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى من مَال الْمَيِّت يُوجب الْمَنْع من التَّزْوِيج بِزَوْج آخر ثمَّ نسخ هَذَا أَن الحكمان إِمَّا وجوب الْعدة فِي السّنة فبقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة
أشهر وَعشرا} وَقيل: نسخ مَا زَاد فِيهِ، وَأما وجوب النَّفَقَة وَالسُّكْنَى فمنسوخ بِتَقْدِير نصِيبهَا من الْمِيرَاث، وَقيل: لَيْسَ فِيهَا نسخ، وَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَان من الْحول وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: كَيفَ نسخت الْآيَة الْمُتَقَدّمَة الْمُتَأَخِّرَة. قلت: قد تكون الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة وَهِي مُتَأَخِّرَة فِي التَّنْزِيل، كَقَوْلِه عز وَجل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء} مَعَ قَوْله: (قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء) .
٤٥٣١ - ح دَّثنا إسْحَاقُ حدَّثنا رَوْحٌ حدَّثنا شِبْلٌ عنِ ابنِ نَجيحٍ عنْ مُجاهِد والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا قَالَ كَانَتْ هاذِهِ العِدَّةُ تَعْتَدُ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأَنْزَلَ الله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجا وَصِيَّة لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعْلنَ فِي أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} . قَالَ جَعَلَ الله لَهَا تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شاءَت خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْها زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْله: حَدثنِي، ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق. قيل: هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا حدث بِهِ فِي الْأَحْزَاب أَو إِسْحَاق بن مَنْصُور كَمَا حدث بِهِ فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا، وروح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وشبل، بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وباللام: ابْن عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن أبي نجيح هُوَ عبد الله بن أبي نجيح الْمَكِّيّ.
قَوْله: (كَانَت هَذِه الْعدة) ، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (فَأنْزل الله: {وَالذين يتوفون} ) ، فِي الْآيَة ذكرهَا ثمَّ قَالَ: (جعل الله لَهَا) أَي: للمعتدة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة الأولى (تَمام السّنة) وبحسب الْوَصِيَّة فَإِن شَاءَت قبلت الْوَصِيَّة وَتعْتَد فِي بَيت أهل الزَّوْج إِلَى التَّمام، وَإِن شَاءَت اكتفت بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا يدل على أَن مُجَاهدًا لَا يرى نسخ هَذِه الْآيَة أَعنِي قَوْله: (ويذرون أَزْوَاجًا وَصِيَّة لأزواجهم) إِلَى آخرهَا وَعند الْأَكْثَرين هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِالْآيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} قَوْله: (وَصِيَّة) ، مَنْصُوب بِتَقْدِير: وَالَّذين يتوفون يوصون وَصِيَّة، أَو ألزم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، وَيدل عَلَيْهِ قِرَاءَة عبد الله كتب عَلَيْكُم الْوَصِيَّة لأزواجكم، وقرىء وَصِيَّة بِالرَّفْع بِتَقْدِير: وَحكم الَّذين يتوفون وَصِيَّة، يَعْنِي: قبل أَن يحتضروا. قَوْله: (لأزواجهم) ، أَي: لزوجاتهم. قَوْله: (مَتَاعا) ، نصب بِتَقْدِير: يوصون مَتَاعا أَو بِتَقْدِير: متعوهن مَتَاعا وَقِرَاءَة أبي: مَتَاع لأزواجهم مَتَاعا، فعلى هَذَا نصب مَتَاعا بقوله: مَتَاع لِأَنَّهُ فِي معنى: التمتيع. قَوْله: (غير إِخْرَاج) ، حَال من الْأزْوَاج أَي: غير مخرجات، أَو بدل من: مَتَاعا. وَحَاصِل الْمَعْنى: وَحقّ الَّذين يتوفون عَن أَزوَاجهم أَن يوصوا قبل أَن يحتضروا بِأَن تتمتع أَزوَاجهم بعدهمْ حولا كَامِلا. أَي: ينْفق عَلَيْهِنَّ من تركته وَلَا يخرجهن من مساكنهن، وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخت الْمدَّة. قَوْله: {أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) ونسحت النَّفَقَة بِالْإِرْثِ الَّذِي هُوَ الرّبع أَو الثّمن، وَهَذَا عِنْد الْجُمْهُور غير مُجَاهِد كَمَا ذكره الْآن. قَوْله: (فالعدة) ، كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا وَهِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر وَالْعشر. قَوْله: (زعم ذَلِك عَن مُجَاهِد) ، قَائِل هَذَا هُوَ شبْل بن عباد الرَّاوِي، وَالضَّمِير فِي: زعم، يرجع إِلَى بن أبي نجيح الرَّاوِي عَن مُجَاهِد.
وَقَالَ عَطَاءٌ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها عِنْدَ أهْلها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُ الله تَعَالَى: {غَيْرَ إخْرَاجٍ} (الْبَقَرَة: ٢٤) .
أَي: قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: قيل: هَذَا عطف على قَوْله: عَن مُجَاهِد، وَهُوَ من رِوَايَة ابْن أبي نجيح عَن عَطاء، وَوهم من زعم أَنه مُعَلّق. قلت: ظَاهره التَّعْلِيق، إِذْ لَو كَانَ عطفا لقَالَ: وَعَن عَطاء، وَقد روى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمروزِي، قَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن مَسْعُود. قَالَ: حَدثنَا شبْل عَن ابْن أبي نجيح. قَالَ: قَالَ عَطاء: قَالَ ابْن عَبَّاس إِلَى آخر مَا ذكر هُنَا.
قَالَ عَطَاءٌ إنْ شَاءَتِ اعْتَدَتْ عِنْدَ أهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتها وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ} . قَالَ عَطَاءٌ ثُمَّ جَاءَ المِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْمَّدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلا سَكْنَى لَهَا.
هَذَا من عَطاء كالتفسير لما رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد حَيْثُ قَالَ: قَالَ عَطاء: إِن شَاءَت إِلَى آخِره، بعد أَن ذكر مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس.
وَعَنْ مُحَمَّد بنِ يُوسُفَ حدَّثنا وَرْقَاءُ عَنْ ابنِ أبِي نَجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ بِهَذَا
هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا مدرجا فِي رِوَايَة إِسْحَاق الَّذِي تقدم عَن روح بن شبْل، وَاخْتَارَهُ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن يُوسُف مَعْطُوفًا على قَوْله أخبرنَا روح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه بعد. وَالثَّانِي: أَن يكون البُخَارِيّ علقه عَن شَيْخه مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء مؤنث الأورق بن عَمْرو الْخَوَارِزْمِيّ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَإِن كَانَ كَذَا فقد وَصله أَبُو نعيم سُلَيْمَان بن أَحْمد عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعيد بن أبي مَرْيَم عَن الْفرْيَابِيّ. عَن وَرْقَاء، فَذكره.
وَعَنِ ابنِ أبِي نَجِيحٍ عنْ عَطَاءٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَسَخَتْ هاذِهِ الآيَةُ عِدَّتَها فِي أهْلِها فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ لِقَوْلِ الله غَيْرَ إخْرَاجٍ نَحْوَهُ.
هَذَا أَيْضا يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورين، وَالْأَظْهَر هُوَ الْوَجْه الثَّانِي أَنه رُوِيَ عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، وَالْحَاصِل أَن ابْن أبي نجيح روى عَن مُجَاهِد وَحده وقوفا عَلَيْهِ، وروى أَيْضا عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. قَوْله: (نَحوه) ، أَي: نَحْو مَا رُوِيَ فِيمَا مضى عَن مُجَاهِد.
٤٥٣٢ - ح دَّثنا حِبَّانُ حدَّثنا عَبْدُ الله أخْبرنا عَبْدُ الله بنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قَالَ جَلَسْتُ إلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحمانِ بنُ أبِي لَيْلَى فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ فِي شَأنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحَارِثِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذالِكَ فَقُلْتُ إنِّي لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الكُوفَةِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ فَلَقِيتُ مَالِكَ بنَ عَامِرٍ أوْ مَالِكَ بنَ عَوْفٍ قُلْتُ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابنِ مَسْعُودٍ فِي المُتَوَفَّى عَنْها زَوْجَها وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالَ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ القُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) إِلَى آخِره. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَعبد الله بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ.
قَوْله: (فِيهِ عظم) بِضَم الْعين وَسُكُون الظَّاء، وَهُوَ جمع عَظِيم، وَأَرَادَ بِهِ عُظَمَاء الْأَنْصَار، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى واسْمه يسَار أَبُو عِيسَى الْكُوفِي، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى: أدْركْت عشْرين وَمِائَة من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهم من الْأَنْصَار. قَوْله: (فَذكرت حَدِيث عبد الله بن عتبَة) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الناء، الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن مَسْعُود الْهُذلِيّ ابْن أخي عبد الله ابْن مَسْعُود، ذكره الْعقيلِيّ فِي (الصَّحَابَة) قَالَ أَبُو عمر: فغلط، وَإِنَّمَا هُوَ تَابِعِيّ أَو من كبار التَّابِعين بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ وَالِد عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة الْفَقِيه الْمدنِي الشَّاعِر شيخ ابْن شهَاب، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَذكره البُخَارِيّ فِي التَّابِعين، ولد فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأتى بِهِ فمسحه بِيَدِهِ ودعا لَهُ، وَكَانَ إِذْ ذَاك غُلَاما خماسيا أَو سداسيا. قَوْله: (سبيعة بنت الْحَارِث) بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مصغر سَبْعَة الأسْلَمِيَّة. كَانَت امْرَأَة سعد بن خَوْلَة فَتوفي عَنْهَا بِمَكَّة، فَقَالَ لَهَا أَبُو السنابل بن بعكك إِن أَجلك أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَانَت قد وضعت بعد وَفَاة زَوجهَا بِليَال، قيل: خمس وَعشْرين لَيْلَة؟ وَقيل: أقل من ذَلِك، فَلَمَّا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل ذَلِك أَتَت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَخْبَرته، فَقَالَ لَهَا: قد حللت فَانْكِحِي من شِئْت، وَبَعْضهمْ يروي: إِذا أَتَاك من ترْضينَ فتزوجي. قَوْله: (وَلَكِن عَمه) أَي عَم عبد الله بن عتبَة، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. قَوْله: (لَا يَقُول ذَلِك) أَي: لَا يَقُول مَا قيل فِي شَأْن سبيعة الأسْلَمِيَّة، وَقد ذكرنَا الْآن مَا قَالَ لَهَا أَبُو السنابل. قَوْله: (فَقلت إِنِّي لجريء) أَي: صَاحب جَرَاءَة غير متسحي. قَوْله: (على رجل فِي جَانب الْكُوفَة) أَرَادَ بِهِ عبد الله بن عتبَة وَكَانَ سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان. قَوْله: (قَالَ ثمَّ خرجت) ، أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين. قَوْله: (فَلَقِيت مَالك بن عَامر) الْهَمدَانِي، يكنى بِأبي عَطِيَّة قَالَ الْكرْمَانِي الصحابيّ باخْتلَاف، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: مَالك بن عَامر الوداعي تَابِعِيّ كُوفِي، يُقَال أدْرك الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (أَو مَالك بن عَوْف) ، شكّ من الرَّاوِي، وَهُوَ مَالك بن عَوْف بن نَضْلَة بن جريج بن حبيب الْجُشَمِي صَاحب ابْن مَسْعُود. قَوْله: (وَهِي حَامِل) ، الْوَاو وَفِيه حَال. قَوْله: (أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظ) ؟ أَي: طول الْعدة بِالْحملِ إِذا زَادَت مدَّته على مُدَّة الْأَشْهر. وَقد يَمْتَد ذَلِك حَتَّى تجَاوز تِسْعَة أشهر إِلَى أَربع سِنِين أَي: إِذا جعلتم التَّغْلِيظ عَلَيْهَا فاجعلوا لَهَا الرُّخْصَة إِذا وضعت أقل من أَرْبَعَة أشهر. قَوْله: (لنزلت) ، اللَّام فِيهِ للتَّأْكِيد. قَوْله: (سُورَة النِّسَاء الْقصرى) ، وَهِي سُورَة الطَّلَاق، وفيهَا {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} (الطَّلَاق: ٤) . قَوْله: (بعد الطُّولى) ، لَيْسَ المُرَاد مِنْهَا سُورَة النِّسَاء، وَإِنَّمَا المُرَاد السُّورَة الَّتِي هِيَ أطول جَمِيع السُّور الْقُرْآن يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة، وفيهَا: {وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا} (الْبَقَرَة: ٢٣٤) وَقَالَ الْخطابِيّ: حمل ابْن مَسْعُود على النّسخ أَي جعل مَا فِي الطَّلَاق نَاسِخا لما فِي الْبَقَرَة، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يجمع عَلَيْهَا العدتين فَتعْتَد أقصاهما وَذَلِكَ لِأَن أحداهما ترفع الْأُخْرَى، فَلَمَّا أمكن الْجمع بَينهمَا جمع، وَأما عَامَّة الْفُقَهَاء فَالْأَمْر عِنْدهم مَحْمُول على التَّخْصِيص لخَبر سبيعة الأسْلَمِيَّة.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56