«مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦٥

الحديث رقم ٤٥٦٥ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٦٥ في صحيح البخاري

«مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ».

﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٥٦٥

٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٤ - بَاب ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية

سَيُطَوَّقُونَ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ

٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: (خَبِيرٌ) قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا النَّقْلِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ: وَقِيلَ: فِيمَنْ يَبْخَلُ بِالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعِيَالِ وَذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ، نَعَمِ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُلْزَمُونَ، كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِالطَّوْقِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَيُطَوَّقُونَ، قَالَ: بِطَوْقٍ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّطْوِيقِ الْمَذْكُورِ، هَلْ يَكُونُ حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: لَا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ. ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ سُئِلُوا أَنْ يُخْبِرُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عِنْدَهُمْ فَبَخِلُوا بِذَلِكَ وَكَتَمُوهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا﴾ أَيْ: بِإِثْمِهِ.

١٥ - بَاب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾

٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ؛ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ

فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا؛ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : يَا سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُونهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ، وَيَصْطبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فِيمَا كَانَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي خَبَرُهُ، وَفِيهِ شَرْحُ حَدِيثِ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ) أَيْ: كِسَاءٍ غَلِيظٍ، مَنْسُوبٍ إِلَى فَدَكَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (يَعُودُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) فِيهِ عِيَادَةُ الْكَبِيرِ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ فِي دَارِهِ. وَقَوْلُهُ: (فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) أَيْ: فِي مَنَازِلِ بَنِي الْحَارِثِ، وَهُمْ قَوْمُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَقِيعَةِ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) أَيْ: قَبْلَ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ) كَذَا فِيهِ تَكْرَارُ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ آخِرًا بَعْدَ الْبُدَاءَةِ بِهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ أَحَدِهِمَا، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ: الْيَهُودِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ، نَعَمْ مِنْ لَازِمِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمُ - الْإِشْرَاكُ، وَعَطْفُهُمْ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ تَنْوِيهًا بِهِمْ فِي الشَّرِّ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَانُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِعبدةِ الْأَوْثَانِ وَبِالْيَهُودِ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ تَوْجِيهُ إِعَادَةِ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ

كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْلَاطَ بِشَيْئَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمَّا فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِشَيْئَيْنِ رَأَى إِعَادَةَ ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ تَأْكِيدًا، وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَا هُنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ مَا احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ، وَإِطْلَاقُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْيَهُودِ؛ لِكَوْنِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَهُمْ وَيُرَجِّحُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُوَافِقُونَهُمْ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَمُعَادَاتِهِ وَقِتَالِهِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَطَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ: (عَجَاجَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، أَيْ: غُبَارُهَا، وَقَوْلُهُ: خَمَّرَ أَيْ: غَطَّى، وَقَوْلُهُ: أَنْفَهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَجْهَهُ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ كُفَّارٌ، وَيَنْوِي حِينَئِذٍ بِالسَّلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَلَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ عُمُومٍ فِيهَا تَخْصِيصٌ، كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عَبَّرَ عَنِ انْتِهَاءِ مَسِيرِهِ بِالْوُقُوفِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بِنَصْبِ أَحْسَنَ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَيَجُوزُ فِي أَحْسَنَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا وَالِاسْمُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَأَحْسَنُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ لَكِنْ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَشْدِيدَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ نُونٍ مِنَ الْحِسِّ، أَيْ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (يَتَثَاوَرُونَ) بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ: يَتَوَاثَبُونَ، أَيْ: قَارَبُوا أَنْ يَثِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَقْتَتِلُوا، يُقَالُ: ثَارَ إِذَا قَامَ بِسُرْعَةٍ وَانْزِعَاجٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى سَكَنُوا) بِالنُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَجَوَابَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

قَوْلُهُ: (أَيَا سَعْدُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَيْ سَعْدُ.

قَوْلُهُ: (أَبُو حُبَابٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مَشْهُورًا بِهَا أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ) بِثُبُوتِ الْوَاوِ لِلْأَكْثَرِ، وَبِحَذْفِهَا لِبَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ الْبُحَيْرَةِ بِالتَّصْغِيرِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرْيَةِ وَعَلَى الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَنَقَلَ يَاقُوتٌ أَنَّ الْبَحْرَةَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ) يَعْنِي: يُرَئِّسُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُسَوِّدُوهُ، وَسُمِّيَ الرَّئِيسُ مُعَصَّبًا؛ لِمَا يَعْصِبُ بِرَأْسِهِ مِنَ الْأُمُورِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَ رُءُوسَهُمْ بِعِصَابَةٍ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ، يَمْتَازُونَ بِهَا، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: فَيُعَصِّبُونَهُ وَالتَّقْدِيرُ فَهُمْ يُعَصِّبُونَهُ، أَوْ فَإِذَا هُمْ يُعَصِّبُونَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (شَرِقَ بِذَلِكَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: غُصَّ بِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَسَدِ، يُقَالُ: غُصَّ بِالطَّعَامِ وَشَجِيَ بِالْعَظْمِ وَشَرِقَ بِالْمَاءِ إِذَا اعْتَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَلْقِ فَمَنَعَهُ الْإِسَاغَةَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ) هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ ابْنُ حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ مُتَّحِدًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الْآيَةَ، وَبِمَا بَعْدَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا تَتَبَيَّنُ الْمُنَاسَبَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ) أَيْ: فِي قِتَالِهِمْ، أَيْ: فَتَرَكَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَهُ أَصْلًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ أَوَّلًا وَوُقُوعِهِ آخِرًا، وَإِلَّا فَعَفْوُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾) قال البخاريُّ -كأبي عبيدة-: هو (كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) وعند عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ من طريق إبراهيم النَّخعيِّ بإسنادٍ جيدٍ قال: بطَوْقٍ من النَّار.

٤٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وبعد النُّون المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ، المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم، الملقَّب بقيصر التَّميميَّ يقول: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة، أي: أعطاه الله (مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، أي: صُوِّر له (مَالُهُ) الذي لم يؤدِّ زكاته (شُجَاعًا) قال في «المصابيح»: نُصِب على الحال، أي: حيَّةً (أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه؛ لكثرة سُمِّه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانِ) بزايٍّ فموحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهو أخبث ما يكون منها (يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المشدَّدة، أي: يُجعَل طوقًا في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ) (١) بكسر اللَّام والزَّاي بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «بلهزمتيه» بالتَّثنية (يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ) بكسر المعجمة، أي: جانبي فمه (٢) (يَقُولُ) أي: الشُّجاع له (٣): (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) يقول له ذلك تهكُّمًا ويزيده حسرةً (ثُمَّ تَلَا) أي: قرأ (هَذِهِ الآيَةَ (٤): ﴿ء وَلَا يَحْسَبَنَّ (٥) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن

فَضْلِهِ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ١٨٠]) سقط لأبي ذرٍّ لفظ (١) «إلى آخر» وقال (٢): «الآية».

وهذا الحديث سبق في «باب إثم مانع الزَّكاة» في كتابه [خ¦١٤٠٣].

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: اليهود (﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]) باللِّسان والفعل؛ من هجاء الرَّسول والطَّعن في الدِّين وإغراء الكفرة على المسلمين، أخبره تعالى بذلك عند مقدمه المدينة قبل وقعة بدرٍ؛ مسلِّيًا له عمَّا يناله من الأذى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٤ - بَاب ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية

سَيُطَوَّقُونَ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ

٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: (خَبِيرٌ) قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا النَّقْلِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ: وَقِيلَ: فِيمَنْ يَبْخَلُ بِالنَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعِيَالِ وَذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ، نَعَمِ الْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يُلْزَمُونَ، كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِالطَّوْقِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: سَيُطَوَّقُونَ، قَالَ: بِطَوْقٍ مِنَ النَّارِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ شَرْحِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّطْوِيقِ الْمَذْكُورِ، هَلْ يَكُونُ حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا. وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: لَا يَمْنَعُ عَبْدٌ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ يُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ. ثُمَّ قَرَأَ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ سُئِلُوا أَنْ يُخْبِرُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ عِنْدَهُمْ فَبَخِلُوا بِذَلِكَ وَكَتَمُوهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا﴾ أَيْ: بِإِثْمِهِ.

١٥ - بَاب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾

٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ؛ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتْ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَيِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ

فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا؛ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : يَا سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُونهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ . وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ، وَيَصْطبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ بَدْرًا فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فِيمَا كَانَ يَهْجُو بِهِ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي خَبَرُهُ، وَفِيهِ شَرْحُ حَدِيثِ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَبَيْنَ فِنْحَاصَ الْيَهُودِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَلَتْ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ) أَيْ: كِسَاءٍ غَلِيظٍ، مَنْسُوبٍ إِلَى فَدَكَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ، وَهِيَ بَلَدٌ مَشْهُورٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (يَعُودُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) فِيهِ عِيَادَةُ الْكَبِيرِ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ فِي دَارِهِ. وَقَوْلُهُ: (فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ) أَيْ: فِي مَنَازِلِ بَنِي الْحَارِثِ، وَهُمْ قَوْمُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.

قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَقِيعَةِ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ) أَيْ: قَبْلَ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ) كَذَا فِيهِ تَكْرَارُ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ آخِرًا بَعْدَ الْبُدَاءَةِ بِهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ أَحَدِهِمَا، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ: الْيَهُودِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَدَلِ أَوْ عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ، نَعَمْ مِنْ لَازِمِ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمُ - الْإِشْرَاكُ، وَعَطْفُهُمْ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ تَنْوِيهًا بِهِمْ فِي الشَّرِّ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي رُجْحَانُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِعبدةِ الْأَوْثَانِ وَبِالْيَهُودِ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ تَوْجِيهُ إِعَادَةِ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ

كَأَنَّهُ فَسَّرَ الْأَخْلَاطَ بِشَيْئَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمَّا فَسَّرَ الْمُشْرِكِينَ بِشَيْئَيْنِ رَأَى إِعَادَةَ ذِكْرِ الْمُسْلِمِينَ تَأْكِيدًا، وَلَوْ كَانَ قَالَ: لَا هُنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ مَا احْتَاجَ إِلَى إِعَادَةِ، وَإِطْلَاقُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْيَهُودِ؛ لِكَوْنِهِمْ يُضَاهُونَ قَوْلَهُمْ وَيُرَجِّحُونَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُوَافِقُونَهُمْ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَمُعَادَاتِهِ وَقِتَالِهِ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَعَطَفَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

قَوْلُهُ: (عَجَاجَةُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَجِيمَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، أَيْ: غُبَارُهَا، وَقَوْلُهُ: خَمَّرَ أَيْ: غَطَّى، وَقَوْلُهُ: أَنْفَهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَجْهَهُ.

قَوْلُهُ: (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ كُفَّارٌ، وَيَنْوِي حِينَئِذٍ بِالسَّلَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي سَلَّمَ بِهِ عَلَيْهِمْ صِيغَةُ عُمُومٍ فِيهَا تَخْصِيصٌ، كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ) عَبَّرَ عَنِ انْتِهَاءِ مَسِيرِهِ بِالْوُقُوفِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بِنَصْبِ أَحْسَنَ وَفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وَيَجُوزُ فِي أَحْسَنَ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا وَالِاسْمُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَأَحْسَنُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ لَكِنْ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ النُّونِ عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِكِ، حَكَاهُ عِيَاضٌ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَشْدِيدَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ نُونٍ مِنَ الْحِسِّ، أَيْ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (يَتَثَاوَرُونَ) بِمُثَلَّثَةٍ، أَيْ: يَتَوَاثَبُونَ، أَيْ: قَارَبُوا أَنْ يَثِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَقْتَتِلُوا، يُقَالُ: ثَارَ إِذَا قَامَ بِسُرْعَةٍ وَانْزِعَاجٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى سَكَنُوا) بِالنُّونِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُثَنَّاةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ وَجَوَابَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ.

قَوْلُهُ: (أَيَا سَعْدُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَيْ سَعْدُ.

قَوْلُهُ: (أَبُو حُبَابٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَهِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَكَنَّاهُ النَّبِيُّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ مَشْهُورًا بِهَا أَوْ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ.

قَوْلُهُ: (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ) بِثُبُوتِ الْوَاوِ لِلْأَكْثَرِ، وَبِحَذْفِهَا لِبَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ الْبُحَيْرَةِ بِالتَّصْغِيرِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَرْيَةِ وَعَلَى الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَنَقَلَ يَاقُوتٌ أَنَّ الْبَحْرَةَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ) يَعْنِي: يُرَئِّسُوهُ عَلَيْهِمْ وَيُسَوِّدُوهُ، وَسُمِّيَ الرَّئِيسُ مُعَصَّبًا؛ لِمَا يَعْصِبُ بِرَأْسِهِ مِنَ الْأُمُورِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يُعَصِّبُونَ رُءُوسَهُمْ بِعِصَابَةٍ لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِمْ، يَمْتَازُونَ بِهَا، وَوَقَعَ فِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: فَيُعَصِّبُونَهُ وَالتَّقْدِيرُ فَهُمْ يُعَصِّبُونَهُ، أَوْ فَإِذَا هُمْ يُعَصِّبُونَهُ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: لَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِكَ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (شَرِقَ بِذَلِكَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: غُصَّ بِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْحَسَدِ، يُقَالُ: غُصَّ بِالطَّعَامِ وَشَجِيَ بِالْعَظْمِ وَشَرِقَ بِالْمَاءِ إِذَا اعْتَرَضَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَلْقِ فَمَنَعَهُ الْإِسَاغَةَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ) هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ ابْنُ حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ مُتَّحِدًا، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الْآيَةَ، وَبِمَا بَعْدَ مَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا تَتَبَيَّنُ الْمُنَاسَبَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾

قَوْلُهُ: (حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ) أَيْ: فِي قِتَالِهِمْ، أَيْ: فَتَرَكَ الْعَفْوَ عَنْهُمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَرَكَهُ أَصْلًا بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ أَوَّلًا وَوُقُوعِهِ آخِرًا، وَإِلَّا فَعَفْوُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾) قال البخاريُّ -كأبي عبيدة-: هو (كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ) وعند عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصورٍ من طريق إبراهيم النَّخعيِّ بإسنادٍ جيدٍ قال: بطَوْقٍ من النَّار.

٤٥٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضمِّ الميم وبعد النُّون المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فراءٌ، المروزيُّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم، الملقَّب بقيصر التَّميميَّ يقول: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ آتَاهُ اللهُ) بمدِّ الهمزة، أي: أعطاه الله (مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، أي: صُوِّر له (مَالُهُ) الذي لم يؤدِّ زكاته (شُجَاعًا) قال في «المصابيح»: نُصِب على الحال، أي: حيَّةً (أَقْرَعَ) لا شعر على رأسه؛ لكثرة سُمِّه وطول عمره (لَهُ زَبِيبَتَانِ) بزايٍّ فموحَّدتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهو أخبث ما يكون منها (يُطَوَّقُهُ) بفتح الواو المشدَّدة، أي: يُجعَل طوقًا في عنقه (يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ) (١) بكسر اللَّام والزَّاي بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ والأصيليِّ: «بلهزمتيه» بالتَّثنية (يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ) بكسر المعجمة، أي: جانبي فمه (٢) (يَقُولُ) أي: الشُّجاع له (٣): (أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ) يقول له ذلك تهكُّمًا ويزيده حسرةً (ثُمَّ تَلَا) أي: قرأ (هَذِهِ الآيَةَ (٤): ﴿ء وَلَا يَحْسَبَنَّ (٥) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن

فَضْلِهِ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ١٨٠]) سقط لأبي ذرٍّ لفظ (١) «إلى آخر» وقال (٢): «الآية».

وهذا الحديث سبق في «باب إثم مانع الزَّكاة» في كتابه [خ¦١٤٠٣].

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين في قوله: (﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: اليهود (﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]) باللِّسان والفعل؛ من هجاء الرَّسول والطَّعن في الدِّين وإغراء الكفرة على المسلمين، أخبره تعالى بذلك عند مقدمه المدينة قبل وقعة بدرٍ؛ مسلِّيًا له عمَّا يناله من الأذى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل