«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٦٦

الحديث رقم ٤٥٦٦ من كتاب «سورة آل عمران» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٦٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ

⦗٤٠⦘

ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : يَا سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ، يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْفُ عَنْهُ، وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، لَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ اللهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا الرَّسُولَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا».

﴿لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٥٦٦

٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٦٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) اسم جدِّه حارثة، الكلبيَّ ( أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ) بفتح القاف وكسر الطَّاء المهملة، كساءٌ غليظٌ (فَدَكِيَّةٍ) بفاءٍ فدالٍ مهملةٍ مفتوحتين، صفتها (١)، منسوبةٌ إلى فَدَك؛ بلدٍ مشهورٍ على مرحلتين من المدينة (وَأَرْدَفَ) بالواو في «اليونينيَّة»، وفي الفرع: «فأردف» (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ) حال كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة، الأنصاريَّ أحد النُّقباء (فِي) منازل (بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) وهم قوم سعدٍ (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وقِيْعة» بكسر القاف بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بألفٍ ورفع «ابنُ» صفةً لعبد الله، لا صفةً لأُبيٍّ؛ لأنَّ «سلول» اسم (٢) أمِّ عبد الله غير منصرفٍ (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) أي: يُظهِر الإسلام (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ، وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالجرِّ بدلًا (٣) من سابقه (وَاليَهُودِ، وَالمُسْلِمِينَ) بذكر «المسلمين» أوَّلًا وآخرًا، وسقطت الأخيرة من رواية مسلمٍ (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء والواو المخفَّفة والحاء المهملة، ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر، أحد السَّابقين، شهد

بدرًا واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمانٍ (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين وجيمين مخفَّفتين (١)، أي: غبارها و «عجاجةُ» رفع فاعلٍ (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم، أي: غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وجهه» (بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحَّدة (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين، أو قال: السَّلام على من اتَّبع الهدى (ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ) (٢) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ) بالفاء في «اليونينيَّة» وفي الفرع: «وقال» بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ؛ إِنَّهُ لَا) شيءٌ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة وفتح السِّين والنُّون «أفعل تفضيل» وهو اسم «لا»، وخبرها «شيءٌ» المقدَّر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا أُحسِنُ ما تقول» بضمِّ الهمزة (٣) وكسر السِّين وضمِّ النُّون: و «ما» (٤): بميمٍ واحدةٍ (إِنْ كَانَ حَقًّا) شرطٌ قُدِّم جزاؤه (فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ) بالياء قبل النُّون، ولأبي ذرٍّ: «فلا تؤذنا» بحذفها على الأصل في الجزم (فِي مَجْلِسِنَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «في (٥) مجالسنا»؛ بالجمع (ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ) أي: إلى منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ

عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ) بهمزة وصلٍ وفتح الشِّين المعجمة (فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واستبَّ» (المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) عَطَف اليهود على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم؛ تنبيهًا على زيادة شرِّهم (حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) (١) بالمثلَّثة، أي: قاربوا أن يثب بعضهم على بعضٍ فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضَّاد المعجمتين، يُسَكِّنهم (حَتَّى سَكَنُوا) بالنُّون، من السُّكون، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي -وقال في «الفتح»: عن الكُشْميهَنيِّ-: «حتَّى سكتوا» بالمثنَّاة الفوقيَّة، من السكوت (ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ (٢) النَّبِيُّ : يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟!) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف الموحَّدة الأولى (يُرِيدُ: عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ؛ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ: «نزَّل» بإسقاط الهمزة وتشديد الزَّاي (لَقَدِ اصْطَلَحَ) بدلٌ أو عطف بيانٍ، وفي نسخةٍ: «ولقد اصطلح» (أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ) بضمِّ الموحَّدة، مصغَّرًا، أي: البُلَيدة، والمراد: المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «البَحْرة» بفتح الموحَّدة وسكون المهملة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج المُلْك (فَيُعَصِّبُونَهُ بِالعِصَابَةِ) أي: فيعمِّمونه بعمامة الملوك، وقال في «الكواكب»: أي (٣): يجعلونه رئيسًا لهم ويسوِّدونه عليهم، وكان الرَّئيس مُعصَّبًا لِمَا يُعصَّب برأيه من الأمر، وقيل: كان الرُّؤساء يُعصِّبون رؤوسهم بعصابةٍ يُعرَفون بها، وفي بعض النُّسخ: «يعصِّبونه» بغير فاءٍ، فيكون بدلًا من قوله: «على أن يتوَّجوه» والنُّون ثابتةٌ في «فيُعَصِّبونه» ساقطةٌ من «يتوَّجوه» قال في «المصابيح»: ففيه الجمع بين إعمال «أن» وإهمالها في كلامٍ واحدٍ، كما في قوله:

أن تقرآن على أَسْمَاءَ وَيْحَكُما … منِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشعِرا أَحَدَا

ولأبي ذرٍّ وحده: «فيُعصِّبوه (١)» بالفاء وحذف النُّون، كذا في غير ما نسخةٍ من المقابل على «اليونينيَّة» المصحَّحة بحضرة إمام النُّحاة في عصره ابن مالكٍ مع جمعٍ من الحفَّاظ، والأصول المعتمدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: «ووقع في غير البخاريِّ»: «فيُعصِّبونه» أي: بالنُّون؛ والتَّقدير: فهم يُعصِّبونه، أو: فإذا هم يُعصِّبونه، ولعلَّه لم يقف على رواية الأكثرين بالنُّون (فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ؛ شَرِقَ) ولأبي ذرٍّ: «أعطاك شَرِقَ» (٢) بفتح الشِّين المعجمة وبعد الرَّاء المكسورة قافٌ، أي: غصَّ ابن أُبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الذي أعطاك الله، وسقط لفظ الجلالة بعد «أعطاك» لدلالة الأولى (فَذَلِكَ) الحقُّ الذي أَتيتَ به (فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ) من فِعْله وقوله القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ، وَكَانَ النَّبيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عنِ المُشْرِكِيْنَ وَأَهَلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ على الأَذَى، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ (٣) الآيَةَ [آل عمران: ١٨٦]) هذا حديثٌ آخر أورده (٤) ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» عن (٥) السَّابق بسند البخاريِّ، وقال في آخره: «وكان رسول الله يتأوَّل في العفو ما أمره الله به حتَّى أذن الله فيهم» فكلُّ من قام بحقٍّ أو أمر بمعروف أو نهى عن منكرٍ؛ فلا بدَّ أن يُؤذَى، فما له دواءٌ إلَّا الصَّبر في الله، والاستعانة به، والرُّجوع إليه (وَقَالَ اللهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [البقرة: ١٠٩]) زاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من وجهٍ آخر ما تظهر به المناسبة؛ وهو قوله: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَأَوَّلُ العَفْوَ) ولأبي ذرٍّ: «في العفو» (مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ (٦)، حَتَّى أَذِنَ اللهُ) له (فِيهِمْ) بالقتال، فتَرَك العفو عنهم؛ أي (٧): بالنِّسبة للقتال، وإلَّا فكم عفا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أخبرنا» (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) اسم جدِّه حارثة، الكلبيَّ ( أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ) بفتح القاف وكسر الطَّاء المهملة، كساءٌ غليظٌ (فَدَكِيَّةٍ) بفاءٍ فدالٍ مهملةٍ مفتوحتين، صفتها (١)، منسوبةٌ إلى فَدَك؛ بلدٍ مشهورٍ على مرحلتين من المدينة (وَأَرْدَفَ) بالواو في «اليونينيَّة»، وفي الفرع: «فأردف» (أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ) حال كونه (يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) بضمِّ العين وتخفيف الموحَّدة، الأنصاريَّ أحد النُّقباء (فِي) منازل (بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ) وهم قوم سعدٍ (قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وقِيْعة» بكسر القاف بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ (قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) بألفٍ ورفع «ابنُ» صفةً لعبد الله، لا صفةً لأُبيٍّ؛ لأنَّ «سلول» اسم (٢) أمِّ عبد الله غير منصرفٍ (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ) أي: يُظهِر الإسلام (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) ولم يسلم قطُّ (فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة، أنواعٌ (مِنَ المُسْلِمِينَ، وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ) بالجرِّ بدلًا (٣) من سابقه (وَاليَهُودِ، وَالمُسْلِمِينَ) بذكر «المسلمين» أوَّلًا وآخرًا، وسقطت الأخيرة من رواية مسلمٍ (وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الرَّاء والواو المخفَّفة والحاء المهملة، ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجيُّ الأنصاريُّ الشَّاعر، أحد السَّابقين، شهد

بدرًا واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمانٍ (فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) بفتح العين وجيمين مخفَّفتين (١)، أي: غبارها و «عجاجةُ» رفع فاعلٍ (خَمَّرَ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم، أي: غطَّى (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «وجهه» (بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا) بالموحَّدة (فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ناويًا المسلمين، أو قال: السَّلام على من اتَّبع الهدى (ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ) (٢) عن الدَّابَّة (فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ) بالفاء في «اليونينيَّة» وفي الفرع: «وقال» بالواو (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ) بالتَّنوين (ابْنُ سَلُولَ) للنَّبيِّ : (أَيُّهَا المَرْءُ؛ إِنَّهُ لَا) شيءٌ (أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ) بفتح الهمزة وفتح السِّين والنُّون «أفعل تفضيل» وهو اسم «لا»، وخبرها «شيءٌ» المقدَّر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «لا أُحسِنُ ما تقول» بضمِّ الهمزة (٣) وكسر السِّين وضمِّ النُّون: و «ما» (٤): بميمٍ واحدةٍ (إِنْ كَانَ حَقًّا) شرطٌ قُدِّم جزاؤه (فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ) بالياء قبل النُّون، ولأبي ذرٍّ: «فلا تؤذنا» بحذفها على الأصل في الجزم (فِي مَجْلِسِنَا) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «في (٥) مجالسنا»؛ بالجمع (ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ) أي: إلى منزلك (فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ، فَقَالَ

عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَاغْشَنَا بِهِ) بهمزة وصلٍ وفتح الشِّين المعجمة (فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «واستبَّ» (المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَاليَهُودُ) عَطَف اليهود على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم؛ تنبيهًا على زيادة شرِّهم (حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ) (١) بالمثلَّثة، أي: قاربوا أن يثب بعضهم على بعضٍ فيقتتلوا (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ يُخَفِّضُهُمْ) بالخاء والضَّاد المعجمتين، يُسَكِّنهم (حَتَّى سَكَنُوا) بالنُّون، من السُّكون، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي -وقال في «الفتح»: عن الكُشْميهَنيِّ-: «حتَّى سكتوا» بالمثنَّاة الفوقيَّة، من السكوت (ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ (٢) النَّبِيُّ : يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟!) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف الموحَّدة الأولى (يُرِيدُ: عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، قَالَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَ) الله (الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ؛ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ) ولأبي ذرٍّ: «نزَّل» بإسقاط الهمزة وتشديد الزَّاي (لَقَدِ اصْطَلَحَ) بدلٌ أو عطف بيانٍ، وفي نسخةٍ: «ولقد اصطلح» (أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ) بضمِّ الموحَّدة، مصغَّرًا، أي: البُلَيدة، والمراد: المدينة النَّبويَّة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «البَحْرة» بفتح الموحَّدة وسكون المهملة (عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ) بتاج المُلْك (فَيُعَصِّبُونَهُ بِالعِصَابَةِ) أي: فيعمِّمونه بعمامة الملوك، وقال في «الكواكب»: أي (٣): يجعلونه رئيسًا لهم ويسوِّدونه عليهم، وكان الرَّئيس مُعصَّبًا لِمَا يُعصَّب برأيه من الأمر، وقيل: كان الرُّؤساء يُعصِّبون رؤوسهم بعصابةٍ يُعرَفون بها، وفي بعض النُّسخ: «يعصِّبونه» بغير فاءٍ، فيكون بدلًا من قوله: «على أن يتوَّجوه» والنُّون ثابتةٌ في «فيُعَصِّبونه» ساقطةٌ من «يتوَّجوه» قال في «المصابيح»: ففيه الجمع بين إعمال «أن» وإهمالها في كلامٍ واحدٍ، كما في قوله:

أن تقرآن على أَسْمَاءَ وَيْحَكُما … منِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشعِرا أَحَدَا

ولأبي ذرٍّ وحده: «فيُعصِّبوه (١)» بالفاء وحذف النُّون، كذا في غير ما نسخةٍ من المقابل على «اليونينيَّة» المصحَّحة بحضرة إمام النُّحاة في عصره ابن مالكٍ مع جمعٍ من الحفَّاظ، والأصول المعتمدة، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «الفتح»: «ووقع في غير البخاريِّ»: «فيُعصِّبونه» أي: بالنُّون؛ والتَّقدير: فهم يُعصِّبونه، أو: فإذا هم يُعصِّبونه، ولعلَّه لم يقف على رواية الأكثرين بالنُّون (فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ؛ شَرِقَ) ولأبي ذرٍّ: «أعطاك شَرِقَ» (٢) بفتح الشِّين المعجمة وبعد الرَّاء المكسورة قافٌ، أي: غصَّ ابن أُبيٍّ (بِذَلِكَ) الحقِّ الذي أعطاك الله، وسقط لفظ الجلالة بعد «أعطاك» لدلالة الأولى (فَذَلِكَ) الحقُّ الذي أَتيتَ به (فَعَلَ بِهِ ما رَأَيْتَ) من فِعْله وقوله القبيح (فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ، وَكَانَ النَّبيُّ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عنِ المُشْرِكِيْنَ وَأَهَلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ على الأَذَى، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ (٣) الآيَةَ [آل عمران: ١٨٦]) هذا حديثٌ آخر أورده (٤) ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» عن (٥) السَّابق بسند البخاريِّ، وقال في آخره: «وكان رسول الله يتأوَّل في العفو ما أمره الله به حتَّى أذن الله فيهم» فكلُّ من قام بحقٍّ أو أمر بمعروف أو نهى عن منكرٍ؛ فلا بدَّ أن يُؤذَى، فما له دواءٌ إلَّا الصَّبر في الله، والاستعانة به، والرُّجوع إليه (وَقَالَ اللهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [البقرة: ١٠٩]) زاد أبو نُعيمٍ في «مستخرجه» من وجهٍ آخر ما تظهر به المناسبة؛ وهو قوله: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ﴾ [البقرة: ١٠٩] (وَكَانَ النَّبِيُّ يَتَأَوَّلُ العَفْوَ) ولأبي ذرٍّ: «في العفو» (مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ (٦)، حَتَّى أَذِنَ اللهُ) له (فِيهِمْ) بالقتال، فتَرَك العفو عنهم؛ أي (٧): بالنِّسبة للقتال، وإلَّا فكم عفا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله