الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٢٢
الحديث رقم ٤٦٢٢ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ وَإِذْ قَالَ اللهُ يَقُولُ قَالَ اللهُ، وَإِذْ هَا هُنَا صِلَةٌ، الْمَائِدَةُ أَصْلُهَا مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ، وَالْمَعْنَى مِيدَ بِهَا صَاحِبُهَا مِنْ خَيْرٍ، يُقَالُ: مَادَنِي يَمِيدُنِي. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ مُمِيتُكَ
٤٦٢٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويستثنى من هذا صحابي كان يعيَّر بأنه ليس ابنًا لأبيه حقيقةً فسأل عن ذلك، فهذا لا يعتبر استهزاءً، بل المراد غيره، ويقول الرجل الذي ضاعت ناقته: أين ناقتي؟ استهزاءً أيضًا، أي ما دمتَ رسول الله فأخبرني بهذا الأمر الغيبي، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}، فإن كان السائل من المنافقين فهذا النهي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم، ويتأثروا بأخلاقهم، وإن كان السائل من جُهَّال المؤمنين فهذا نهي أن يعودوا لمثل ذلك، فقرأها حتى انتهى من الآية كلها، فقد نهاهم الله عن سؤال مثل هذه الأسئلة؛ لما فيها من الاستهزاء وعدم الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعن سؤال ما عفا الله عنه وسكت عنه، أما السؤال عن حكمٍ خَفِيَ عن السائل أو عن معنى آية مما يترتب عليه نفع في الدين فمأمور به.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فقال: لا تسألوني اليوم عن شيءٍ إلا بيَّنته لكم، فأشفق الصَّحابة أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر، قال: فجعلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا شمالًا إلَّا وجدت كُلًّا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدعَى لغير أبيه، فقال: يا نبيَّ الله؛ من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثمَّ قام عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، عائذًا بالله من شرِّ الفتن … » الحديث.
٤٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بإسكان الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم الخراسانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء (١) المعجمة والمثلَّثة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، زهير بن معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين- ابن خُفَافٍ؛ بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، الجَرميُّ؛ بفتح الجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ) له ﵊: (مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا [المائدة: ١٠١]) سقط «﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» في رواية أبي ذرٍّ. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقيل: نزلت في شأن الحجِّ، فعن عليٍّ: «لمَّا نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ قال: لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ غريبٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]) يجوز كون ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: سَمَّى، فيتعدَّى لاثنين؛ أحدهما محذوفٌ، أي: ما سمَّى الله حيوانًا بحيرةً، ومنع أبو حيَّان كون ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: شرع أو وضع أو أمر، وخرَّج الآية على التَّصيير، وجعل المفعول الثاني محذوفًا، أي: ما صيَّر الله بحيرةً مشروعةً.
(﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ﴾): ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] معناه: (يَقُولُ: قَالَ اللهُ (١)) غرضه: أنَّ لفظ «قال» الذي هو ماضٍ بمعنى «يقول» المضارع؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما يقول هذا القول يوم القيامة؛ توبيخًا للنَّصارى وتقريعًا، ويؤيِّده قوله: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وذلك في القيامة، وَ (﴿إِذْ﴾ هَهُنَا: صِلَةٌ) أي: زائدةٌ؛ لأنَّ «إذ» للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره: «إذ» قد تجيء بمعنى: إذا، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله:
ثُمَّ جزاك اللهُ عنِّي إذ جزى
جنَّاتِ عَدْنٍ في السَّمَواتِ العُلا
وصوَّب ابن جريرٍ قول السُّدِّيِّ أنَّ هذا كان في الدُّنيا حين رُفِع إلى السَّماء الدُّنيا.
(المَائِدَةُ) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ (٢) [المائدة: ١١٢] (أَصْلُهَا: مَفْعُولَةٌ) مراده: أنَّ لفظ «المائدة» وإن كان على لفظ «فاعلةٍ» فهو بمعنى «مفعولةٍ» يعني: مميودةٍ؛ لأنَّ «ماد» أصله: ميد، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والمفعول منها للمؤنَّث: مميودةٌ (كـ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]) وإن كانت على وزن «فاعلةٍ» فهي بمعنى: مرضيَّةٍ؛ لامتناع وصف العيشة بكونها راضيةً، وإنَّما الرِّضا وصف صاحبها (وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ) التَّمثيل بهذه غير واضحٌ؛ لأنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي النُّعْمَانِ قَالَ كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرَ فَأمَرَ مُناديا فَنادَى فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ هَذَا منادٍ يُنادي أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ لي اذْهَبْ فأهْرِقْها قَالَ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ قَالَ وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ قَال فأنْزَلَ الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي ولقبه عَارِم، والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب صب الْخمر فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أنس.
قَوْله: (الفضيخ) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر: إِن قَوْله: (وَزَادَنِي مُحَمَّد) ، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: أَي زادني مُحَمَّد فِيهِ، وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلام البيكندي، وَلم يَقع لفظ البيكندي إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ يعلم أَن المُرَاد بِمُحَمد الْمَذْكُور مُجَردا عَن النِّسْبَة هُوَ البيكندي، وَلم يقف الْكرْمَانِي على هَذَا، فَقَالَ: مُحَمَّد. قَالَ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَكَذَا لم يقف عَلَيْهِ بعض من كتب على مَوَاضِع من البُخَارِيّ مِمَّن عاصرناه، فَقَالَ الْقَائِل: وَزَادَنِي هُوَ الْفربرِي، وَمُحَمّد هُوَ البُخَارِيّ، وَهُوَ ذُهُول جدا، وَحَاصِل الْكَلَام: أَن البُخَارِيّ سمع هَذَا الحَدِيث من أبي النُّعْمَان مُخْتَصرا. وَمن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي النُّعْمَان مطولا. قَوْله: (فَأمر) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فجرت) أَي سَالَتْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث تعْيين وَقت التَّحْرِيم، وَقد روى أَحْمد وَأَبُو يعلى من حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ أَنه كَانَ يهدي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل عَام راوية خمر. فَلَمَّا كَانَ عَام حرمت جَاءَ براوية فَقَالَ: أشعرت أَنَّهَا قد حرمت بعْدك؟ قَالَ أَفلا أبيعها وانتفع بِثمنِهَا؟ فَنَهَاهُ. انْتهى. وَكَانَ إِسْلَام تَمِيم بعد الْفَتْح.
١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ} (الْمَائِدَة: ١٠١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا تسألوا عَن أَشْيَاء} هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره لفظ: بَاب قَوْله: وَإِنَّمَا هُوَ (لَا تسألوا) إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا تسألوا) الْآيَة تَأْدِيب من الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ، وَنهي لَهُم عَن أَن يسْأَلُوا عَن أَشْيَاء مِمَّا لَا فَائِدَة لَهُم فِي السُّؤَال والنقيب عَنْهَا لِأَنَّهَا إِن ظَهرت تِلْكَ الْأُمُور رُبمَا ساءتهم وشق عَلَيْهِم سماعهَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يبلغنِي أحد عَن أحد شَيْئا آني أحب أَن أخرج إِلَيْكُم وَأَنا سليم الصَّدْر) .
٤٦٢١ - ح دَّثنا مُنْذِرُ بنُ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ الجَارُودِيُّ حدَّثنا أبي حَدِيثا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطَّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرا قَالَ فَغَطَى أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أبَى قَالَ فُلانٌ فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُنْذِر، على وزن اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حبيب ابْن علْبَاء بن حبيب بن الْجَارُود الْعَبْدي الْبَصْرِيّ الجارودي، نِسْبَة إِلَى جده الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كفارت الْأَيْمَان، وَأَبوهُ مَاله ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أنس هُوَ ابْن أنس بن مَالك يروي عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن معمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن مَحْمُود بن غيلَان مُخْتَصرا.
قَوْله: (لَهُم حنين) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة،
قَالَ النَّوَوِيّ: فِي مُعظم النّسخ، ولمعظم الروَاة يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ خُرُوج الصَّوْت من الْأنف بغنة وَفِي (التَّوْضِيح) وَعند العذري بحاء مُهْملَة، وَمِمَّنْ ذكرهَا القَاضِي وَصَاحب (التَّحْرِير) ، وَذكر الْقَزاز أَنه قد يكون الحنين والخنين وَاحِدًا إِلَّا أَن الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ من الصَّدْر وبالمعجمة من الْأنف، وَقَالَ ابْن سَيّده الحنين من بكاء النِّسَاء دون الانتحاب، وَقيل: هُوَ تردد الْبكاء حَتَّى يصير فِي الصَّوْت غنة، وَقيل: هُوَ رفع الصَّوْت بالبكاء، وَقيل: هُوَ صَوت يخرج من الْأنف حَتَّى يخن، والخنين أَيْضا الضحك إِذا أظهره الْإِنْسَان فَخرج خافيا. وَقَالَ فِي الْحَاء الْمُهْملَة، الحنين الشَّديد من الْبكاء والطرب، وَقيل: هُوَ صَوت الطَّرب كَانَ ذَلِك عَن حزن أَو فَرح، وَقَالَ الْخطابِيّ: الحنين بكاء دون الانتحاب. قلت: وَأَصله من حنين الْمَرْأَة وَهُوَ نزاعها إِلَى وَلَدهَا وَإِن لم يكن لَهَا صَوت عِنْد ذَلِك، وَقَالَ ابْن فَارس، وَقد يكون حنينها صَوتهَا، وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من حنين الْجذع قَوْله: (فَقَالَ رجل: من أبي) قَالَ بَعضهم: تقدم فِي الْعلم أَنه عبد الله بن حذافة. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن الَّذِي فِي الْعلم من رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس وَهَذَا من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُوسَى بن أنس عَن أنس فَمن أَيْن التَّعْيِين؟ على أَن فِي رِوَايَة العسكري نزلت فِي قيس بن حذافة وَفِي رِوَايَة: خَارِجَة بن حذافة، وكل هَؤُلَاءِ صحابة.
رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ
أَي: روى هَذَا الحَدِيث النَّضر بن شُمَيْل، وروح بن عبَادَة عَن شُعْبَة بِإِسْنَادِهِ: أما رِوَايَة النَّضر فوصلها مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود ابْن غيلَان وَمُحَمّد بن قدامَة السّلمِيّ وَيحيى بن مُحَمَّد اللؤْلُؤِي، وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة. قَالَ مَحْمُود: حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل، وَقَالَ الْآخرَانِ أخبرنَا النَّضر أخبرنَا شُعْبَة حَدثنَا مُوسَى بن أنس عَن أنس بن مَالك. قَالَ: بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن أَصْحَابه شَيْء، فَخَطب فَقَالَ: عرضت عَليّ الْجنَّة وَالنَّار الحَدِيث، وَفِي آخِره. فَنزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبدُ لكم تَسُؤْكُمْ} (الْمَائِدَة: ١٠١) وَأما رِوَايَة روح بن عبَادَة فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الِاعْتِصَام، وَرَوَاهَا مُسلم أَيْضا. وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن معمر بن ربعي الْقَيْسِي حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا شُعْبَة. قَالَ رجل: يَا رَسُول الله، من أبي؟ قَالَ: أَبوك فلَان، فَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء} الْآيَة بِتَمَامِهَا.
١٣ - (بابُ: {مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ} (الْمَائِدَة: ١٠٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا جعل الله} إِلَى آخِره. قَوْله: (مَا جعل الله) ، أَي: مَا أوجبهَا، وَلَا أَمر بهَا وَلم يرد حَقِيقَة الْجعل لِأَن الْكل خلقه وتدبيره، وَلَكِن المُرَاد بَيَان ابتداعهم فِيمَا صنعوه من ذَلِك، والآن يَأْتِي تَفْسِير هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة.
وَإذْ قَالَ الله يَقُولُ قَالَ الله وَإذْ هاهُنَا صِلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم} (الْمَائِدَة: ١١٠) وَأَن لفظ. قَالَ الَّذِي هُوَ مَاض بِمَعْنى يَقُول الْمُضَارع لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يَقُول هَذَا القَوْل يَوْم الْقِيَامَة وَإِن كلمة إِذْ صلَة أَي: زَائِدَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِأَن للماضي وَهَاهُنَا المُرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل. قلت: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ هُنَا. فَقَالَ قَتَادَة: هَذَا خطاب الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام، يَوْم الْقِيَامَة توبيخا وتقريعا لِلنَّصَارَى، وَقَالَ السّديّ: هَذَا الْخطاب وَالْجَوَاب فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْن جرير: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَانَ ذَلِك حِين رَفعه إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، وَاحْتج فِي ذَلِك بشيئين: أَحدهمَا: أَن لفظ الْكَلَام لفظ الْمَاضِي. وَالثَّانِي: قَوْله: {إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم} قلت: فعلى هَذَا لَا يتَوَجَّه مَا قَالَه من أَن قَالَ: بِمَعْنى يَقُول وَلَا أَن كلمة إِذْ صلَة على أَنه لَا يُقَال: إِن فِي كَلَام الله عز وَجل شَيْئا زَائِدا، وَلَئِن سلمنَا وُقُوع ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فَلَا يلْزم من ذَلِك ذكره بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن كل مَا ذكر الله من وُقُوع شَيْء فِي الْمُسْتَقْبل فَهُوَ كالواقع جزما لِأَنَّهُ مُحَقّق الْوُقُوع فَكَأَنَّهُ قد وَقع وَأخْبر بالماضي، ونظائر هَذَا فِي الْقُرْآن كَثِيرَة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله: (وَإِذ قَالَ الله يَقُول، قَالَ الله وَإِذ هَاهُنَا صلَة) كَذَا ثَبت هَذَا وَمَا بعده هُنَا، وَلَيْسَ بخاص بِهِ، وَهُوَ على قدمْنَاهُ من تَرْتِيب بعض الروَاة انْتهى. قلت: كَيفَ رَضِي أَكثر الروَاة بِهَذَا التَّرْتِيب الَّذِي مَا رتبه الْمُؤلف؟ وَالْحَال أَنه نقح مُؤَلفه كَمَا يَنْبَغِي وقرىء عَلَيْهِ مرَارًا عديدة، والقرائن تدل على أَن هَذَا وَأَمْثَاله من وضع الْمُؤلف، وَغَيره مِمَّن هُوَ دونه لَا يستجرىء أَن يزِيد شَيْئا فِي نفس مَا وَضعه هُوَ، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك بِغَيْر مُنَاسبَة أَو بتعسف فِيهِ.
المَائِدَةُ أصْلُها مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالمَعْنَى مِيدَ بِها صَاحبُها مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ مَادَنِي يَمِيدُنِي.
أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان لفظ مائدة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} (الْمَائِدَة: ١١٢) فَقَوله: (الْمَائِدَة أَصْلهَا مفعولة) لَيْسَ على طَرِيق أهل الْفَنّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن أصل كل كلمة حروفها وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا بَيَان الْحُرُوف الْأُصُول، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن لفظ الْمَائِدَة، وَإِن كَانَ على لفظ فاعلة، فَهُوَ بِمَعْنى مفعولة يَعْنِي: مميودة، لِأَن ماد أَصله ميد. قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْمَفْعُول مِنْهَا للمؤنث. مميودة، وَلَكِن تنقل حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا فتحذف الْوَاو فَتبقى مميدة، فيفعل فِي إعلال هَذَا كَمَا يفعل فِي إعلال مبيعة، لِأَن أَصْلهَا مبيوعة فأعل بِمَا ذكرنَا وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ هَكَذَا على أَن فِي بعض اللُّغَات اسْتعْمل على الأَصْل حَيْثُ قَالُوا: تفاحة مطيوبة على الأَصْل ثمَّ إِن تَمْثِيل البُخَارِيّ بقوله: كعيشة راضية صَحِيح لِأَن لفظ راضية. وَإِن كَانَ وَزنهَا فاعلة، فِي الظَّاهِر وَلكنهَا بِمَعْنى المرضية، لِامْتِنَاع وصف العيشة بِكَوْنِهَا راضية، وَإِنَّمَا الرِّضَا وصف صَاحبهَا، وتمثيله بقوله وتطليقة بَائِنَة غير صَحِيح لِأَن لفظ بَائِنَة هُنَا على أَصله بِمَعْنى قَاطِعَة لِأَن التطليقة البائنة تقطع حكم العقد حَيْثُ لَا يبْقى للمطلق بِالطَّلَاق الْبَائِن رُجُوع إِلَى الْمَرْأَة إلَاّ بِعقد جَدِيد بِرِضَاهَا، بِخِلَاف حكم الطَّلَاق الْغَيْر الْبَائِن كَمَا علم فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وَالْمعْنَى) ، إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى بَيَان معنى الْمَائِدَة من حَيْثُ اللُّغَة، وَإِلَى بَيَان اشتقاقها، أما مَعْنَاهَا، فميد بهَا صَاحبهَا يَعْنِي: امتير بهَا، لِأَن معنى ماده يميده لُغَة فِي ماره يميره من الْميرَة، وَأما اشتقاقها فَمن ماد يميد من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَهُوَ اجوف يائي، كباع يَبِيع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الممتار مفعتل من الْميرَة، وَمِنْه الْمَائِدَة، وَهُوَ خوان عَلَيْهِ طَعَام فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام فَلَيْسَ بمائدة وَإِنَّمَا هُوَ خوان.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مُتَوَفِّيكَ مُمِيتُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِذا قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إليّ} (آل عمرَان: ٥٥) وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة آل عمرَان، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هُنَاكَ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَن بعض الروَاة ظَنّهَا من سُورَة الْمَائِدَة فكتبها فِيهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر هَذِه الْكَلِمَة هَاهُنَا وَإِن كَانَت من سُورَة آل عمرَان لمناسبة قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم} (الْمَائِدَة: ١١٧) وَكِلَاهُمَا من قصَّة عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: هَذَا بعيد لَا يخفى بعده، وَالَّذِي قَالَه بَعضهم أبعد مِنْهُ فَلْيتَأَمَّل، ثمَّ إِن تَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
٤٦٢٣ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عَنْ ابنِ شِهاب عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْلُبُها أحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَها لآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة خُصُوصا على هَذَا النسق.
وَهَذَا أخرجه مُسلم فِي صفة أهل النَّار عَن عَمْرو النَّاقِد وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَرْفُوع مِنْهُ دون الْمَوْقُوف.
قَوْله: (الْبحيرَة) على وزن فعيلة مفعولة واشتقاقها من بَحر إِذا شقّ، وَقيل هَذَا من الاتساع فِي الشَّيْء. قَوْله: (درها) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ اللَّبن. قَوْله: (للطواغيت) ، أَي: لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كَانُوا إِذا ولدت إبلهم سبعا بحروا أذنها. أَي: شقوها. وَقَالُوا: اللَّهُمَّ إِن عَاشَ ففتى وَإِن مَاتَ فذكى، فَإِذا مَاتَ أكلوه وسموه الْبحيرَة. وَقيل: الْبحيرَة هِيَ بنت السائبة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة جعلهَا قوم من الشَّاء خَاصَّة إِذا ولدت خَمْسَة أبطن بحروا أذنها أَي: شقوها وَتركت وَلَا يَمَسهَا أحد، وَقَالَ آخَرُونَ: بل الْبحيرَة النَّاقة كَذَلِك يخلوا عَنْهَا فَلم تركب وَلم يضْربهَا فَحل، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة الْبحيرَة هِيَ النَّاقة إِذا انتجت خَمْسَة أبطن نظرُوا إِلَى الْخَامِس، فَإِن كَانَ ذكرا ذبحوه وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى جذعوا أذنها فَقَالُوا هَذِه بحيرة، وَعَن السّديّ مثله. قَوْله: (فَلَا يحلبها أحد من النَّاس) ، أطلق نفي الْحَلب، وَكَلَام أَتَى عُبَيْدَة يدل على أَن الْمَنْفِيّ هُوَ الشّرْب الْخَاص. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانُوا يحرمُونَ وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النِّسَاء وَيحلونَ ذَلِك للرِّجَال، وَمَا ولدت فَهُوَ بمنزلتها وَإِن مَاتَت اشْترك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أكل لَحمهَا. قَوْله: (والسائبة) ، على وزن فاعلة بِمَعْنى مسيبة، وَهِي المخلاة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَكَانُوا يسيبونها لآلهتهم فَلَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت السائبة من جَمِيع الْأَنْعَام وَتَكون من النذور للأصنام فتسيب فَلَا تحبس عَن مرعى وَلَا عَن مَاء وَلَا يركبهَا أحد، قَالَ: وَقيل: السائبة لَا تكون إلَاّ من الْإِبِل كَانَ الرجل ينذر إِن برىء من مَرضه أَو قدم من سَفَره ليسيبن بَعِيرًا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق السائبة هِيَ النَّاقة إِذا ولدت عشرَة إناث من الْوَلَد لَيْسَ بَينهُنَّ ذكر سيبت فَلم تركب وَلم يجز وبرها وَلم يجلب لبها إِلَّا لضيف.
قَالَ وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأيْتُ عُمَرو بنَ عَامرِ الخُزَاعِيَّ يَجْرُّ قُصْبَةُ فِي النَّارِ كانَ أوَّلَ مَنْ سيِّبَ السَّوائِبَ.
أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ فِي أثْنَاء الْمَوْقُوف. قَوْله: (عَمْرو بن عَامر) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم فِي: بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي الصَّلَاة وَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بن لحي، بِضَم اللَّام وَفتح الْمُهْملَة، وَهُوَ الَّذِي سيب السوائب. ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ عَامر اسْم ولحي لقب أَو بِالْعَكْسِ أَو أَحدهمَا اسْم الْجد. قلت: ذكر فِي (التَّوْضِيح) إِنَّمَا هُوَ عَمْرو بن لحي، ولحي اسْمه: ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء، وَقيل: لحي بن قمعة ابْن الياس بن مُضر، نبه عَلَيْهِ الدمياطي، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) وَعمر وَهَذَا هُوَ ابْن لحي بن قمعة أحد رُؤَسَاء خُزَاعَة الَّذين ولوا الْبَيْت بعد جرهم، وَكَانَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأدْخل الْأَصْنَام إِلَى الْحجاز ودعا الرعاع من النَّاس إِلَى عبادتها والتقرب بهَا، وَشرع لَهُم هَذِه الشَّرَائِع الْجَاهِلِيَّة فِي الْأَنْعَام وَغَيرهَا. قَوْله: (قصبه) ، بِضَم الْقَاف، وَاحِدَة الأقصاب.
وَالوَصِيلَةُ النَّاقَةُ البِكْرُ تُبْكَّرُ فِي أوَّلِ نِتاجِ الإبلِ ثُمَّ تُثَنَّى بَعْدُ بِأُثْنَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إحْدَاهُما بالأُخرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ.
هَذَا أَيْضا من تَفْسِير سعيد بن الْمسيب الْمَوْقُوف وَلَيْسَ بِمُتَّصِل بالمرفوع. قَوْله: (الوصيلة) ، من الْوَصْل بِالْغَيْر فِي اللُّغَة وَالَّتِي فِي الْآيَة الَّتِي فَسرهَا ابْن الْمسيب بقوله: النَّاقة الْبكر تبكر أَي: تبتدىء وكل من بكر إِلَى الشَّيْء فقد بَادر إِلَيْهِ. قَوْله: (بأنثى) ، يتَعَلَّق بقوله: تبكر قَوْله: (ثمَّ تثنى) من التَّثْنِيَة أَي: تَأتي فِي الْمرة الثَّانِيَة بعد الْأُنْثَى الأولى بأنثى أُخْرَى، وَالضَّمِير فِي: يسيبونها، يرجع إِلَى الوصيلة. قَوْله: (إِن وصلت) ، أَي: من أجل أَن وصلت (إِحْدَاهمَا) : أَي: إِحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ بِالْأُنْثَى الْأُخْرَى، وَالْحَال أَن لَيْسَ بَينهمَا ذكر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن وصلت، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. قلت: الْأَظْهر أَن يكون بِالْفَتْح على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوصيلة الشَّاة إِذا ولدت سِتَّة أبطن أُنثيين أُنثيين وَولدت فِي السَّابِعَة ذكرا، وَأُنْثَى. قَالُوا: وصلت أخاها فأحلوا لَبنهَا للرِّجَال وحرموه على النِّسَاء، وَقيل: إِن كَانَ السَّابِع ذكرا ذبح وَأكل مِنْهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى تركت فِي الْغنم، إِن كَانَ ذكر أَو أنث قَالُوا: وصلت أخاها وَلم تذبح، وَكَانَ لَبنهَا حَرَامًا على النِّسَاء وَقَالَ ابْن اسحاق الوصيلة الشَّاة تنْتج عشر أناث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أبطن فيدعونها الوصيلة وَمَا ولدت بعد ذَلِك فللذكور دون الْإِنَاث، وَتَفْسِير ابْن الْمسيب رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَكَذَا روى عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَالحَامُ فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَاب المَعْدُودَ فَإذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ للطَوَاغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الحَامِيَ.
هَذَا أَيْضا من تَفْسِير ابْن الْمسيب. قَوْله: (يضْرب) أَي: ينزو، يُقَال: ضرب الْحمل النَّاقة يضْربهَا إِذا نزا عَلَيْهَا، وأضرب فلَان نَاقَته إِذا أنزى الْفَحْل عَلَيْهَا، وضراب الْفَحْل نزوه على النَّاقة، والضراب الْمَعْدُود هُوَ أَن ينْتج من صلبه بطن بعد بطن إِلَى أَن يصير عشرَة أبطن، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: قد حمى ظَهره. قَوْله: (وَدعوهُ) أَي: تَرَكُوهُ لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام. قَوْله: (وسموه الحامي) لِأَنَّهُ حمى ظَهره، فَلذَلِك يُقَال لَهُ: حام، مَعَ أَنه فِي الأَصْل محمي، وَهَذَا التَّفْسِير مَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَقيل: الحام هُوَ الْفَحْل يُولد لوَلَده فَيَقُولُونَ حمى ظَهره فَلَا يجزون وبره وَلَا يمنعونه مَاء وَلَا مرعى، وَقيل: هُوَ الَّذِي ينْتج لَهُ سبع إناث مُتَوَالِيَات قَالَه ابْن دُرَيْد، وَقيل: هُوَ الْفَحْل يضْرب فِي إبل الرجل عشر سِنِين فيخلى، وَيُقَال فِيهِ: قد حمى ظَهره.
وَقَالَ لِيَ أبُو اليَمانِ أخبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدا قَال يُخْبِرُهُ بِهاذا قَالَ وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.
قَوْله: (وَقَالَ لي أَبُو الْيَمَان) رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، قَالَ أَبُو الْيَمَان: بِغَيْر لَفْظَة لي، وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الحكم بن نَافِع يروي عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد تكَرر هَذَا الْإِسْنَاد على هَذَا النمط قَوْله: (يُخبرهُ) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة من الْفِعْل الْمُضَارع من الْإِخْبَار، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى سعيد بن الْمسيب، والمنصوب يرجع إِلَى الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بحيرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْبحيرَة وَغَيرهَا كَمَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة) أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو مَا رَوَاهُ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة، وَهُوَ قَوْله: (الْبحيرَة) الَّتِي يمْنَع درها للطواغيت. وَقد تقدم فِي مَنَاقِب قُرَيْش قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ سَمِعت
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فقال: لا تسألوني اليوم عن شيءٍ إلا بيَّنته لكم، فأشفق الصَّحابة أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر، قال: فجعلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا شمالًا إلَّا وجدت كُلًّا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدعَى لغير أبيه، فقال: يا نبيَّ الله؛ من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثمَّ قام عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، عائذًا بالله من شرِّ الفتن … » الحديث.
٤٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بإسكان الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم الخراسانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء (١) المعجمة والمثلَّثة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، زهير بن معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين- ابن خُفَافٍ؛ بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، الجَرميُّ؛ بفتح الجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ) له ﵊: (مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا [المائدة: ١٠١]) سقط «﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» في رواية أبي ذرٍّ. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقيل: نزلت في شأن الحجِّ، فعن عليٍّ: «لمَّا نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ قال: لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ غريبٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]) يجوز كون ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: سَمَّى، فيتعدَّى لاثنين؛ أحدهما محذوفٌ، أي: ما سمَّى الله حيوانًا بحيرةً، ومنع أبو حيَّان كون ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: شرع أو وضع أو أمر، وخرَّج الآية على التَّصيير، وجعل المفعول الثاني محذوفًا، أي: ما صيَّر الله بحيرةً مشروعةً.
(﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ﴾): ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] معناه: (يَقُولُ: قَالَ اللهُ (١)) غرضه: أنَّ لفظ «قال» الذي هو ماضٍ بمعنى «يقول» المضارع؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما يقول هذا القول يوم القيامة؛ توبيخًا للنَّصارى وتقريعًا، ويؤيِّده قوله: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وذلك في القيامة، وَ (﴿إِذْ﴾ هَهُنَا: صِلَةٌ) أي: زائدةٌ؛ لأنَّ «إذ» للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره: «إذ» قد تجيء بمعنى: إذا، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله:
ثُمَّ جزاك اللهُ عنِّي إذ جزى
جنَّاتِ عَدْنٍ في السَّمَواتِ العُلا
وصوَّب ابن جريرٍ قول السُّدِّيِّ أنَّ هذا كان في الدُّنيا حين رُفِع إلى السَّماء الدُّنيا.
(المَائِدَةُ) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ (٢) [المائدة: ١١٢] (أَصْلُهَا: مَفْعُولَةٌ) مراده: أنَّ لفظ «المائدة» وإن كان على لفظ «فاعلةٍ» فهو بمعنى «مفعولةٍ» يعني: مميودةٍ؛ لأنَّ «ماد» أصله: ميد، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والمفعول منها للمؤنَّث: مميودةٌ (كـ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]) وإن كانت على وزن «فاعلةٍ» فهي بمعنى: مرضيَّةٍ؛ لامتناع وصف العيشة بكونها راضيةً، وإنَّما الرِّضا وصف صاحبها (وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ) التَّمثيل بهذه غير واضحٌ؛ لأنَّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الفَضِيخُ وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي النُّعْمَانِ قَالَ كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرَ فَأمَرَ مُناديا فَنادَى فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ هَذَا منادٍ يُنادي أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ لي اذْهَبْ فأهْرِقْها قَالَ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ قَالَ وَكَانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ قَال فأنْزَلَ الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي ولقبه عَارِم، والْحَدِيث مضى فِي الْمَظَالِم فِي: بَاب صب الْخمر فِي الطَّرِيق، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن عَفَّان عَن حَمَّاد بن زيد عَن ثَابت عَن أنس.
قَوْله: (الفضيخ) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ خبر: إِن قَوْله: (وَزَادَنِي مُحَمَّد) ، أَي: قَالَ البُخَارِيّ: أَي زادني مُحَمَّد فِيهِ، وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلام البيكندي، وَلم يَقع لفظ البيكندي إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ يعلم أَن المُرَاد بِمُحَمد الْمَذْكُور مُجَردا عَن النِّسْبَة هُوَ البيكندي، وَلم يقف الْكرْمَانِي على هَذَا، فَقَالَ: مُحَمَّد. قَالَ الغساني: هُوَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي، وَكَذَا لم يقف عَلَيْهِ بعض من كتب على مَوَاضِع من البُخَارِيّ مِمَّن عاصرناه، فَقَالَ الْقَائِل: وَزَادَنِي هُوَ الْفربرِي، وَمُحَمّد هُوَ البُخَارِيّ، وَهُوَ ذُهُول جدا، وَحَاصِل الْكَلَام: أَن البُخَارِيّ سمع هَذَا الحَدِيث من أبي النُّعْمَان مُخْتَصرا. وَمن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي النُّعْمَان مطولا. قَوْله: (فَأمر) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فجرت) أَي سَالَتْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث تعْيين وَقت التَّحْرِيم، وَقد روى أَحْمد وَأَبُو يعلى من حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ أَنه كَانَ يهدي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل عَام راوية خمر. فَلَمَّا كَانَ عَام حرمت جَاءَ براوية فَقَالَ: أشعرت أَنَّهَا قد حرمت بعْدك؟ قَالَ أَفلا أبيعها وانتفع بِثمنِهَا؟ فَنَهَاهُ. انْتهى. وَكَانَ إِسْلَام تَمِيم بعد الْفَتْح.
١٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ} (الْمَائِدَة: ١٠١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا تسألوا عَن أَشْيَاء} هَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة غَيره لفظ: بَاب قَوْله: وَإِنَّمَا هُوَ (لَا تسألوا) إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا تسألوا) الْآيَة تَأْدِيب من الله تَعَالَى عباده الْمُؤمنِينَ، وَنهي لَهُم عَن أَن يسْأَلُوا عَن أَشْيَاء مِمَّا لَا فَائِدَة لَهُم فِي السُّؤَال والنقيب عَنْهَا لِأَنَّهَا إِن ظَهرت تِلْكَ الْأُمُور رُبمَا ساءتهم وشق عَلَيْهِم سماعهَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يبلغنِي أحد عَن أحد شَيْئا آني أحب أَن أخرج إِلَيْكُم وَأَنا سليم الصَّدْر) .
٤٦٢١ - ح دَّثنا مُنْذِرُ بنُ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ الجَارُودِيُّ حدَّثنا أبي حَدِيثا شُعْبَةُ عَنْ مُوسَى بنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطَّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرا قَالَ فَغَطَى أصْحَابُ رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُجُوهَهُمْ لَهُمْ حَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أبَى قَالَ فُلانٌ فَنَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤَكُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُنْذِر، على وزن اسْم الْفَاعِل من الْإِنْذَار ابْن الْوَلِيد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حبيب ابْن علْبَاء بن حبيب بن الْجَارُود الْعَبْدي الْبَصْرِيّ الجارودي، نِسْبَة إِلَى جده الْأَعْلَى، وَهُوَ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الحَدِيث وَآخر فِي كفارت الْأَيْمَان، وَأَبوهُ مَاله ذكر إلَاّ فِي هَذَا الْموضع، ومُوسَى بن أنس هُوَ ابْن أنس بن مَالك يروي عَن أَبِيه هَذَا الحَدِيث.
وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الرقَاق وَفِي الِاعْتِصَام عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مُحَمَّد بن معمر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن معمر. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الرقَاق عَن مَحْمُود بن غيلَان مُخْتَصرا.
قَوْله: (لَهُم حنين) ، بِالْحَاء الْمُهْملَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة،
قَالَ النَّوَوِيّ: فِي مُعظم النّسخ، ولمعظم الروَاة يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهُوَ الْمَشْهُور، وَهُوَ خُرُوج الصَّوْت من الْأنف بغنة وَفِي (التَّوْضِيح) وَعند العذري بحاء مُهْملَة، وَمِمَّنْ ذكرهَا القَاضِي وَصَاحب (التَّحْرِير) ، وَذكر الْقَزاز أَنه قد يكون الحنين والخنين وَاحِدًا إِلَّا أَن الَّذِي بِالْمُهْمَلَةِ من الصَّدْر وبالمعجمة من الْأنف، وَقَالَ ابْن سَيّده الحنين من بكاء النِّسَاء دون الانتحاب، وَقيل: هُوَ تردد الْبكاء حَتَّى يصير فِي الصَّوْت غنة، وَقيل: هُوَ رفع الصَّوْت بالبكاء، وَقيل: هُوَ صَوت يخرج من الْأنف حَتَّى يخن، والخنين أَيْضا الضحك إِذا أظهره الْإِنْسَان فَخرج خافيا. وَقَالَ فِي الْحَاء الْمُهْملَة، الحنين الشَّديد من الْبكاء والطرب، وَقيل: هُوَ صَوت الطَّرب كَانَ ذَلِك عَن حزن أَو فَرح، وَقَالَ الْخطابِيّ: الحنين بكاء دون الانتحاب. قلت: وَأَصله من حنين الْمَرْأَة وَهُوَ نزاعها إِلَى وَلَدهَا وَإِن لم يكن لَهَا صَوت عِنْد ذَلِك، وَقَالَ ابْن فَارس، وَقد يكون حنينها صَوتهَا، وَيدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الحَدِيث من حنين الْجذع قَوْله: (فَقَالَ رجل: من أبي) قَالَ بَعضهم: تقدم فِي الْعلم أَنه عبد الله بن حذافة. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى لِأَن الَّذِي فِي الْعلم من رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس وَهَذَا من رِوَايَة شُعْبَة عَن مُوسَى بن أنس عَن أنس فَمن أَيْن التَّعْيِين؟ على أَن فِي رِوَايَة العسكري نزلت فِي قيس بن حذافة وَفِي رِوَايَة: خَارِجَة بن حذافة، وكل هَؤُلَاءِ صحابة.
رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ
أَي: روى هَذَا الحَدِيث النَّضر بن شُمَيْل، وروح بن عبَادَة عَن شُعْبَة بِإِسْنَادِهِ: أما رِوَايَة النَّضر فوصلها مُسلم، قَالَ: حَدثنَا مَحْمُود ابْن غيلَان وَمُحَمّد بن قدامَة السّلمِيّ وَيحيى بن مُحَمَّد اللؤْلُؤِي، وَأَلْفَاظهمْ مُتَقَارِبَة. قَالَ مَحْمُود: حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل، وَقَالَ الْآخرَانِ أخبرنَا النَّضر أخبرنَا شُعْبَة حَدثنَا مُوسَى بن أنس عَن أنس بن مَالك. قَالَ: بلغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن أَصْحَابه شَيْء، فَخَطب فَقَالَ: عرضت عَليّ الْجنَّة وَالنَّار الحَدِيث، وَفِي آخِره. فَنزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبدُ لكم تَسُؤْكُمْ} (الْمَائِدَة: ١٠١) وَأما رِوَايَة روح بن عبَادَة فوصلها البُخَارِيّ فِي كتاب الِاعْتِصَام، وَرَوَاهَا مُسلم أَيْضا. وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد ابْن معمر بن ربعي الْقَيْسِي حَدثنَا روح بن عبَادَة حَدثنَا شُعْبَة. قَالَ رجل: يَا رَسُول الله، من أبي؟ قَالَ: أَبوك فلَان، فَنزلت: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء} الْآيَة بِتَمَامِهَا.
١٣ - (بابُ: {مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ} (الْمَائِدَة: ١٠٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا جعل الله} إِلَى آخِره. قَوْله: (مَا جعل الله) ، أَي: مَا أوجبهَا، وَلَا أَمر بهَا وَلم يرد حَقِيقَة الْجعل لِأَن الْكل خلقه وتدبيره، وَلَكِن المُرَاد بَيَان ابتداعهم فِيمَا صنعوه من ذَلِك، والآن يَأْتِي تَفْسِير هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة.
وَإذْ قَالَ الله يَقُولُ قَالَ الله وَإذْ هاهُنَا صِلَةٌ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم} (الْمَائِدَة: ١١٠) وَأَن لفظ. قَالَ الَّذِي هُوَ مَاض بِمَعْنى يَقُول الْمُضَارع لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يَقُول هَذَا القَوْل يَوْم الْقِيَامَة وَإِن كلمة إِذْ صلَة أَي: زَائِدَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِأَن للماضي وَهَاهُنَا المُرَاد بِهِ الْمُسْتَقْبل. قلت: اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ هُنَا. فَقَالَ قَتَادَة: هَذَا خطاب الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام، يَوْم الْقِيَامَة توبيخا وتقريعا لِلنَّصَارَى، وَقَالَ السّديّ: هَذَا الْخطاب وَالْجَوَاب فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْن جرير: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَانَ ذَلِك حِين رَفعه إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، وَاحْتج فِي ذَلِك بشيئين: أَحدهمَا: أَن لفظ الْكَلَام لفظ الْمَاضِي. وَالثَّانِي: قَوْله: {إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم} قلت: فعلى هَذَا لَا يتَوَجَّه مَا قَالَه من أَن قَالَ: بِمَعْنى يَقُول وَلَا أَن كلمة إِذْ صلَة على أَنه لَا يُقَال: إِن فِي كَلَام الله عز وَجل شَيْئا زَائِدا، وَلَئِن سلمنَا وُقُوع ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فَلَا يلْزم من ذَلِك ذكره بِلَفْظ الْمُضَارع لِأَن كل مَا ذكر الله من وُقُوع شَيْء فِي الْمُسْتَقْبل فَهُوَ كالواقع جزما لِأَنَّهُ مُحَقّق الْوُقُوع فَكَأَنَّهُ قد وَقع وَأخْبر بالماضي، ونظائر هَذَا فِي الْقُرْآن كَثِيرَة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله: (وَإِذ قَالَ الله يَقُول، قَالَ الله وَإِذ هَاهُنَا صلَة) كَذَا ثَبت هَذَا وَمَا بعده هُنَا، وَلَيْسَ بخاص بِهِ، وَهُوَ على قدمْنَاهُ من تَرْتِيب بعض الروَاة انْتهى. قلت: كَيفَ رَضِي أَكثر الروَاة بِهَذَا التَّرْتِيب الَّذِي مَا رتبه الْمُؤلف؟ وَالْحَال أَنه نقح مُؤَلفه كَمَا يَنْبَغِي وقرىء عَلَيْهِ مرَارًا عديدة، والقرائن تدل على أَن هَذَا وَأَمْثَاله من وضع الْمُؤلف، وَغَيره مِمَّن هُوَ دونه لَا يستجرىء أَن يزِيد شَيْئا فِي نفس مَا وَضعه هُوَ، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ ذَلِك بِغَيْر مُنَاسبَة أَو بتعسف فِيهِ.
المَائِدَةُ أصْلُها مَفْعُولَةٌ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ وَالمَعْنَى مِيدَ بِها صَاحبُها مِنْ خَيْرٍ يُقَالُ مَادَنِي يَمِيدُنِي.
أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان لفظ مائدة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء} (الْمَائِدَة: ١١٢) فَقَوله: (الْمَائِدَة أَصْلهَا مفعولة) لَيْسَ على طَرِيق أهل الْفَنّ فِي هَذَا الْبَاب لِأَن أصل كل كلمة حروفها وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا بَيَان الْحُرُوف الْأُصُول، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن لفظ الْمَائِدَة، وَإِن كَانَ على لفظ فاعلة، فَهُوَ بِمَعْنى مفعولة يَعْنِي: مميودة، لِأَن ماد أَصله ميد. قلبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَالْمَفْعُول مِنْهَا للمؤنث. مميودة، وَلَكِن تنقل حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا فتحذف الْوَاو فَتبقى مميدة، فيفعل فِي إعلال هَذَا كَمَا يفعل فِي إعلال مبيعة، لِأَن أَصْلهَا مبيوعة فأعل بِمَا ذكرنَا وَلَا يسْتَعْمل إلَاّ هَكَذَا على أَن فِي بعض اللُّغَات اسْتعْمل على الأَصْل حَيْثُ قَالُوا: تفاحة مطيوبة على الأَصْل ثمَّ إِن تَمْثِيل البُخَارِيّ بقوله: كعيشة راضية صَحِيح لِأَن لفظ راضية. وَإِن كَانَ وَزنهَا فاعلة، فِي الظَّاهِر وَلكنهَا بِمَعْنى المرضية، لِامْتِنَاع وصف العيشة بِكَوْنِهَا راضية، وَإِنَّمَا الرِّضَا وصف صَاحبهَا، وتمثيله بقوله وتطليقة بَائِنَة غير صَحِيح لِأَن لفظ بَائِنَة هُنَا على أَصله بِمَعْنى قَاطِعَة لِأَن التطليقة البائنة تقطع حكم العقد حَيْثُ لَا يبْقى للمطلق بِالطَّلَاق الْبَائِن رُجُوع إِلَى الْمَرْأَة إلَاّ بِعقد جَدِيد بِرِضَاهَا، بِخِلَاف حكم الطَّلَاق الْغَيْر الْبَائِن كَمَا علم فِي مَوْضِعه. قَوْله: (وَالْمعْنَى) ، إِلَى آخِره، إِشَارَة إِلَى بَيَان معنى الْمَائِدَة من حَيْثُ اللُّغَة، وَإِلَى بَيَان اشتقاقها، أما مَعْنَاهَا، فميد بهَا صَاحبهَا يَعْنِي: امتير بهَا، لِأَن معنى ماده يميده لُغَة فِي ماره يميره من الْميرَة، وَأما اشتقاقها فَمن ماد يميد من بَاب: فعل يفعل، بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَهُوَ اجوف يائي، كباع يَبِيع، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الممتار مفعتل من الْميرَة، وَمِنْه الْمَائِدَة، وَهُوَ خوان عَلَيْهِ طَعَام فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام فَلَيْسَ بمائدة وَإِنَّمَا هُوَ خوان.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ مُتَوَفِّيكَ مُمِيتُكَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِذا قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إليّ} (آل عمرَان: ٥٥) وَلَكِن هَذَا فِي سُورَة آل عمرَان، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هُنَاكَ، وَقَالَ بَعضهم: كَأَن بعض الروَاة ظَنّهَا من سُورَة الْمَائِدَة فكتبها فِيهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر هَذِه الْكَلِمَة هَاهُنَا وَإِن كَانَت من سُورَة آل عمرَان لمناسبة قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم} (الْمَائِدَة: ١١٧) وَكِلَاهُمَا من قصَّة عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قلت: هَذَا بعيد لَا يخفى بعده، وَالَّذِي قَالَه بَعضهم أبعد مِنْهُ فَلْيتَأَمَّل، ثمَّ إِن تَعْلِيق ابْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنَا مُعَاوِيَة عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس.
٤٦٢٣ - ح دَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ بنِ كَيْسَانَ عَنْ ابنِ شِهاب عنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ قَالَ البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْلُبُها أحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَها لآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة خُصُوصا على هَذَا النسق.
وَهَذَا أخرجه مُسلم فِي صفة أهل النَّار عَن عَمْرو النَّاقِد وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْمَرْفُوع مِنْهُ دون الْمَوْقُوف.
قَوْله: (الْبحيرَة) على وزن فعيلة مفعولة واشتقاقها من بَحر إِذا شقّ، وَقيل هَذَا من الاتساع فِي الشَّيْء. قَوْله: (درها) ، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، وَهُوَ اللَّبن. قَوْله: (للطواغيت) ، أَي: لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: كَانُوا إِذا ولدت إبلهم سبعا بحروا أذنها. أَي: شقوها. وَقَالُوا: اللَّهُمَّ إِن عَاشَ ففتى وَإِن مَاتَ فذكى، فَإِذا مَاتَ أكلوه وسموه الْبحيرَة. وَقيل: الْبحيرَة هِيَ بنت السائبة، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة جعلهَا قوم من الشَّاء خَاصَّة إِذا ولدت خَمْسَة أبطن بحروا أذنها أَي: شقوها وَتركت وَلَا يَمَسهَا أحد، وَقَالَ آخَرُونَ: بل الْبحيرَة النَّاقة كَذَلِك يخلوا عَنْهَا فَلم تركب وَلم يضْربهَا فَحل، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة الْبحيرَة هِيَ النَّاقة إِذا انتجت خَمْسَة أبطن نظرُوا إِلَى الْخَامِس، فَإِن كَانَ ذكرا ذبحوه وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى جذعوا أذنها فَقَالُوا هَذِه بحيرة، وَعَن السّديّ مثله. قَوْله: (فَلَا يحلبها أحد من النَّاس) ، أطلق نفي الْحَلب، وَكَلَام أَتَى عُبَيْدَة يدل على أَن الْمَنْفِيّ هُوَ الشّرْب الْخَاص. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانُوا يحرمُونَ وبرها ولحمها وظهرها ولبنها على النِّسَاء وَيحلونَ ذَلِك للرِّجَال، وَمَا ولدت فَهُوَ بمنزلتها وَإِن مَاتَت اشْترك الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أكل لَحمهَا. قَوْله: (والسائبة) ، على وزن فاعلة بِمَعْنى مسيبة، وَهِي المخلاة تذْهب حَيْثُ شَاءَت وَكَانُوا يسيبونها لآلهتهم فَلَا يحمل عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَت السائبة من جَمِيع الْأَنْعَام وَتَكون من النذور للأصنام فتسيب فَلَا تحبس عَن مرعى وَلَا عَن مَاء وَلَا يركبهَا أحد، قَالَ: وَقيل: السائبة لَا تكون إلَاّ من الْإِبِل كَانَ الرجل ينذر إِن برىء من مَرضه أَو قدم من سَفَره ليسيبن بَعِيرًا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق السائبة هِيَ النَّاقة إِذا ولدت عشرَة إناث من الْوَلَد لَيْسَ بَينهُنَّ ذكر سيبت فَلم تركب وَلم يجز وبرها وَلم يجلب لبها إِلَّا لضيف.
قَالَ وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأيْتُ عُمَرو بنَ عَامرِ الخُزَاعِيَّ يَجْرُّ قُصْبَةُ فِي النَّارِ كانَ أوَّلَ مَنْ سيِّبَ السَّوائِبَ.
أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ فِي أثْنَاء الْمَوْقُوف. قَوْله: (عَمْرو بن عَامر) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم فِي: بَاب إِذا انفلتت الدَّابَّة فِي الصَّلَاة وَرَأَيْت فِيهَا عَمْرو بن لحي، بِضَم اللَّام وَفتح الْمُهْملَة، وَهُوَ الَّذِي سيب السوائب. ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ عَامر اسْم ولحي لقب أَو بِالْعَكْسِ أَو أَحدهمَا اسْم الْجد. قلت: ذكر فِي (التَّوْضِيح) إِنَّمَا هُوَ عَمْرو بن لحي، ولحي اسْمه: ربيعَة بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء، وَقيل: لحي بن قمعة ابْن الياس بن مُضر، نبه عَلَيْهِ الدمياطي، وَفِي (تَفْسِير ابْن كثير) وَعمر وَهَذَا هُوَ ابْن لحي بن قمعة أحد رُؤَسَاء خُزَاعَة الَّذين ولوا الْبَيْت بعد جرهم، وَكَانَ أول من غير دين إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأدْخل الْأَصْنَام إِلَى الْحجاز ودعا الرعاع من النَّاس إِلَى عبادتها والتقرب بهَا، وَشرع لَهُم هَذِه الشَّرَائِع الْجَاهِلِيَّة فِي الْأَنْعَام وَغَيرهَا. قَوْله: (قصبه) ، بِضَم الْقَاف، وَاحِدَة الأقصاب.
وَالوَصِيلَةُ النَّاقَةُ البِكْرُ تُبْكَّرُ فِي أوَّلِ نِتاجِ الإبلِ ثُمَّ تُثَنَّى بَعْدُ بِأُثْنَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهُمْ لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إحْدَاهُما بالأُخرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ.
هَذَا أَيْضا من تَفْسِير سعيد بن الْمسيب الْمَوْقُوف وَلَيْسَ بِمُتَّصِل بالمرفوع. قَوْله: (الوصيلة) ، من الْوَصْل بِالْغَيْر فِي اللُّغَة وَالَّتِي فِي الْآيَة الَّتِي فَسرهَا ابْن الْمسيب بقوله: النَّاقة الْبكر تبكر أَي: تبتدىء وكل من بكر إِلَى الشَّيْء فقد بَادر إِلَيْهِ. قَوْله: (بأنثى) ، يتَعَلَّق بقوله: تبكر قَوْله: (ثمَّ تثنى) من التَّثْنِيَة أَي: تَأتي فِي الْمرة الثَّانِيَة بعد الْأُنْثَى الأولى بأنثى أُخْرَى، وَالضَّمِير فِي: يسيبونها، يرجع إِلَى الوصيلة. قَوْله: (إِن وصلت) ، أَي: من أجل أَن وصلت (إِحْدَاهمَا) : أَي: إِحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ بِالْأُنْثَى الْأُخْرَى، وَالْحَال أَن لَيْسَ بَينهمَا ذكر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِن وصلت، بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا. قلت: الْأَظْهر أَن يكون بِالْفَتْح على مَا لَا يخفى، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوصيلة الشَّاة إِذا ولدت سِتَّة أبطن أُنثيين أُنثيين وَولدت فِي السَّابِعَة ذكرا، وَأُنْثَى. قَالُوا: وصلت أخاها فأحلوا لَبنهَا للرِّجَال وحرموه على النِّسَاء، وَقيل: إِن كَانَ السَّابِع ذكرا ذبح وَأكل مِنْهُ الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ أُنْثَى تركت فِي الْغنم، إِن كَانَ ذكر أَو أنث قَالُوا: وصلت أخاها وَلم تذبح، وَكَانَ لَبنهَا حَرَامًا على النِّسَاء وَقَالَ ابْن اسحاق الوصيلة الشَّاة تنْتج عشر أناث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أبطن فيدعونها الوصيلة وَمَا ولدت بعد ذَلِك فللذكور دون الْإِنَاث، وَتَفْسِير ابْن الْمسيب رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَكَذَا روى عَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
وَالحَامُ فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَاب المَعْدُودَ فَإذَا قَضَى ضِرَابَهُ وَدَعُوهُ للطَوَاغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الحَامِيَ.
هَذَا أَيْضا من تَفْسِير ابْن الْمسيب. قَوْله: (يضْرب) أَي: ينزو، يُقَال: ضرب الْحمل النَّاقة يضْربهَا إِذا نزا عَلَيْهَا، وأضرب فلَان نَاقَته إِذا أنزى الْفَحْل عَلَيْهَا، وضراب الْفَحْل نزوه على النَّاقة، والضراب الْمَعْدُود هُوَ أَن ينْتج من صلبه بطن بعد بطن إِلَى أَن يصير عشرَة أبطن، فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ: قد حمى ظَهره. قَوْله: (وَدعوهُ) أَي: تَرَكُوهُ لأجل الطواغيت وَهِي الْأَصْنَام. قَوْله: (وسموه الحامي) لِأَنَّهُ حمى ظَهره، فَلذَلِك يُقَال لَهُ: حام، مَعَ أَنه فِي الأَصْل محمي، وَهَذَا التَّفْسِير مَنْقُول عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَقيل: الحام هُوَ الْفَحْل يُولد لوَلَده فَيَقُولُونَ حمى ظَهره فَلَا يجزون وبره وَلَا يمنعونه مَاء وَلَا مرعى، وَقيل: هُوَ الَّذِي ينْتج لَهُ سبع إناث مُتَوَالِيَات قَالَه ابْن دُرَيْد، وَقيل: هُوَ الْفَحْل يضْرب فِي إبل الرجل عشر سِنِين فيخلى، وَيُقَال فِيهِ: قد حمى ظَهره.
وَقَالَ لِيَ أبُو اليَمانِ أخبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدا قَال يُخْبِرُهُ بِهاذا قَالَ وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحْوَهُ.
قَوْله: (وَقَالَ لي أَبُو الْيَمَان) رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره، قَالَ أَبُو الْيَمَان: بِغَيْر لَفْظَة لي، وَأَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: الحكم بن نَافِع يروي عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَقد تكَرر هَذَا الْإِسْنَاد على هَذَا النمط قَوْله: (يُخبرهُ) بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة من الْفِعْل الْمُضَارع من الْإِخْبَار، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى سعيد بن الْمسيب، والمنصوب يرجع إِلَى الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر عَن الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بحيرة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالراء وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير الْبحيرَة وَغَيرهَا كَمَا فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد عَن صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ. قَوْله: (قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة) أَي: قَالَ سعيد بن الْمسيب. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو مَا رَوَاهُ فِي الرِّوَايَة الْمَاضِيَة، وَهُوَ قَوْله: (الْبحيرَة) الَّتِي يمْنَع درها للطواغيت. وَقد تقدم فِي مَنَاقِب قُرَيْش قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ سَمِعت