فقال: لا تسألوني اليوم عن شيءٍ إلا بيَّنته لكم، فأشفق الصَّحابة أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر، قال: فجعلتُ لا ألتفتُ يمينًا ولا شمالًا إلَّا وجدت كُلًّا لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجلٌ كان يُلاحَى فيُدعَى لغير أبيه، فقال: يا نبيَّ الله؛ من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثمَّ قام عمر فقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، عائذًا بالله من شرِّ الفتن … » الحديث.
٤٦٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بإسكان الضَّاد المعجمة، هاشم بن القاسم الخراسانيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء (١) المعجمة والمثلَّثة بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، زهير بن معاوية الجعفيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ) بضمِّ الجيم مصغَّرًا، حِطَّان -بكسر الحاء وتشديد الطَّاء المهملتين- ابن خُفَافٍ؛ بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، الجَرميُّ؛ بفتح الجيم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ) له ﵊: (مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّهَا [المائدة: ١٠١]) سقط «﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» في رواية أبي ذرٍّ. وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ، وقيل: نزلت في شأن الحجِّ، فعن عليٍّ: «لمَّا نزلت: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت، فقالوا: يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ قال: لا، ولو قلت: نعم لوجبت، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾» رواه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ غريبٌ.
(١٣) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَآئِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]) يجوز كون ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: سَمَّى، فيتعدَّى لاثنين؛ أحدهما محذوفٌ، أي: ما سمَّى الله حيوانًا بحيرةً، ومنع أبو حيَّان كون ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: شرع أو وضع أو أمر، وخرَّج الآية على التَّصيير، وجعل المفعول الثاني محذوفًا، أي: ما صيَّر الله بحيرةً مشروعةً.
(﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ﴾): ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] معناه: (يَقُولُ: قَالَ اللهُ (١)) غرضه: أنَّ لفظ «قال» الذي هو ماضٍ بمعنى «يقول» المضارع؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما يقول هذا القول يوم القيامة؛ توبيخًا للنَّصارى وتقريعًا، ويؤيِّده قوله: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وذلك في القيامة، وَ (﴿إِذْ﴾ هَهُنَا: صِلَةٌ) أي: زائدةٌ؛ لأنَّ «إذ» للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره: «إذ» قد تجيء بمعنى: إذا، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله:
ثُمَّ جزاك اللهُ عنِّي إذ جزى
جنَّاتِ عَدْنٍ في السَّمَواتِ العُلا
وصوَّب ابن جريرٍ قول السُّدِّيِّ أنَّ هذا كان في الدُّنيا حين رُفِع إلى السَّماء الدُّنيا.
(المَائِدَةُ) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾ (٢) [المائدة: ١١٢] (أَصْلُهَا: مَفْعُولَةٌ) مراده: أنَّ لفظ «المائدة» وإن كان على لفظ «فاعلةٍ» فهو بمعنى «مفعولةٍ» يعني: مميودةٍ؛ لأنَّ «ماد» أصله: ميد، قُلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، والمفعول منها للمؤنَّث: مميودةٌ (كـ ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]) وإن كانت على وزن «فاعلةٍ» فهي بمعنى: مرضيَّةٍ؛ لامتناع وصف العيشة بكونها راضيةً، وإنَّما الرِّضا وصف صاحبها (وَتَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ) التَّمثيل بهذه غير واضحٌ؛ لأنَّ