«كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ، وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4611

الحديث رقم 4611 من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله والجروح قصاص.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كسرت الربيع، وهي عمة أنس بن مالك، ثنية…

«كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ، وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللهِ لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ.»

سند حديث: ٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ…

٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كسرت الربيع، وهي عمة أنس بن مالك، ثنية…

أفاد الحديث أنَّ الربيع رضي الله عنها كسرت بعض مقدم أسنان جارية من الأنصار فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليها القصاص، وهو أن تكسر ثنيتها، فقام أنس بن النضر-وهو أخوها- فسأل مُستفهمًا وليس منكرا لحكم الله، وحلف ألا تكسر ثنيتها رضي الله عنها إحسانًا للظن بالله تعالى ، فذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن حكم الله قاضٍ بالقصاص، فلما رأى القوم ذلك رضوا بالدية وعفوا عن القصاص، فحينذاك أخبر -عليه الصلاة والسلام- أن من عباد الله من لو أقسم يمينًا لأتمها الله له، لصلاحه وثقته بالله تعالى .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • ثبوت القصاص في السن؛ كما قال -تعالى-: {والسن بالسن} [المائدة: 45]، ولا يكون القصاص إلا في العمد، أما الخطأ وشبه العمد فليس فيهما إلا الدية.
  • يكون القصاص بالسن المماثلة للسن المجني عليها.
  • أن القصاص هو حكم الله -تعالى-، يجب القيام به، ما لم يعف صاحب الحق.
  • أن كل من وجب له القصاص في النفس أو دونها فعفا على مال فرضوا به جاز.
  • أن الخيار في القصاص أو العفو أو الدية إنما هو لمن وقعت عليه الجناية لا لمن وقعت منه.
  • جواز طلب العفو من المجني عليه.
  • أن الحق لولي الصغير.
  • أن المؤمن إذا لَجَّ به الغضب والحمية، فصدر منه ما ظاهره الاعتراض على أمر الله وحكمه، وهو لم يرد به الإنكار والمعارضة، وإنما قصد به طلب الشفاعة ونحو ذلك فلا يؤخذ بذلك؛ فإنما الأعمال بالنيات.
  • في الحديث دليل على كرامات الأولياء، فإنَّ أنس بن النضر حلف ألا تكسر ثنية الربيع فأبر الله قسمه -رضي الله عنه-، وعلى الإنسان أن يخشى ويهاب الله -تعالى-، ولا يغتر بعمله فيرى نفسه مثلهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «كسرت الربيع، وهي عمة أنس بن مالك، ثنية…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ. فَقَالَ عَنْبَسَةُ:، حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ، فَقَالُوا: قَدْ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ لترعى، فَاخْرُجُوا فِيهَا، فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَخَرَجُوا فِيهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، وَاسْتَصَحُّوا، وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ. فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ قَتَلُوا النَّفْسَ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ. قَالَ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا، إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أُبْقِيَ هَذَا فِيكُمْ ومِثْلُ هَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَهَا غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمَا، وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ هُنَا بِالَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي سَلْمَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالسُّكُونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّصْغِيرِ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ رِوَايَةَ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمَةِ: اخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: لَنَا تَجَوُّزًا سَوَّغَهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ لَهُ نَعَمٌ تَرْعَى مَعَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَفِي سِيَاقِ بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْأَخِيرَ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا وَكَأَنَّ نَعَمَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يُرِيدُ إِرْسَالَهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَخَرَجُوا صُحْبَةَ النَّعَمِ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا) أَيِ: الْقَسَامَةَ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: وَاسْتَصَحُّوا بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، أَيْ: حَصَلَتْ لَهُمُ الصِّحَّةُ، وَقَوْلُهُ: وَاطَّرَدُوا بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَخْرَجُوهَا طَرْدًا، أَيْ: سَوْقًا، وَقَوْلُهُ: فَمَا يُسْتَبْطَأُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبُطْءِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْقَافِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا أَيْ: بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا فِي الدِّيَاتِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ.

قَوْلُهُ: (مَا أُبْقِيَ مِثْلُ هَذَا فِيكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ أَبْقَى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا أَبْقَى اللَّهُ مِثْلَ هَذَا فَأَبْرَزَ الْفَاعِلَ.

٦ - بَاب ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾

٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ - وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ - عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -: لَا وَاللَّهِ، لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ، الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفاعل، وفي نسخةٍ: «ما بقي» بإسقاط الألف، وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «والله لا يزال هذا الجند بخيرٍ ما عاش هذا الشَّيخ بين أظهرهم».

وهذا الحديث مرَّ في «الطَّهارة» في «أبوال الإبل» [خ¦٢٣٣] و «المغازي» [خ¦٤١٩٣] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] مع بقيَّة مباحثه.

(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]) أي: ذات قصاصٍ فيما يمكن أن يقتصَّ منه، وهذا تعميمٌ بعد التَّخصيص؛ لأنَّ الله تعالى ذكر النَّفس والعين والأنف والأذن، فخصَّ الأربعة بالذِّكر، ثمَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) على سبيل العموم، فيما يمكن أن يقتصَّ منه كاليد والرِّجل، وأمَّا ما لا يمكن ككسرٍ في عظمٍ أو جراحةٍ في بطنٍ يُخَاف منهما التَّلف؛ فلا قصاص فيه، بل فيه الأرش والحكومة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْميهنيِّ والحَمُّويي.

٤٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولاهم البخاريُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي وبعد الألف راءٌ، مروان بن معاوية بن الحارث (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة المكسورة المشدَّدة عينٌ مهملةٌ (وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: شابَّة غير رقيقة، ولم تُسمَّ (فَطَلَبَ القَوْمُ) أي: قوم الجارية (القِصَاصَ) من الرُّبيِّع (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ) ليحكم بينهم (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقِصَاصِ) من الرُّبيِّع (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة السَّاكنة (عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:

لَا وَاللهِ، لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا) ولأبي ذرٍّ: «ثنيتها» (يَا رَسُولَ اللهِ) ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه؛ لِمَا كان له عند الله من القرب، والثِّقة بفضل الله تعالى ولطفه أنَّه لا يخيِّبه، بل يُلهِمُهم العفو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) بالرَّفع مبتدأٌ وخبرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد ناسخٌ (فَرَضِيَ القَوْمُ) فتركوا القصاص عن الرُّبيِّع (وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه.

وهذا الحديث قد سبق في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣].

(٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾) جميع (﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافَّة النَّاس، مجاهرًا به غير مراقبٍ أحدًا ولا خائفٍ مكروهًا، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: لمَّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ قال: يا ربِّ كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليَّ؟ فنزلت: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) أي (٣): فإن أهملت شيئًا من ذلك؛ فما بلغت رسالته؛ لأنَّ ترك إبلاغ البعض محبطٌ للباقي؛ لأنَّه ليس بعضه أولى من بعضٍ، وبهذا تظهر المغايرة بين الشَّرط والجزاء، قال ابن الحاجب: الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا؛ كان المراد بالجزاء (٤): المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع: أمرٍ عظيمٍ، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا، وقال في «الانتصاف»: قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ ولم يقل: وإن لم تبلِّغ ليتغايرا لفظًا، وإن اتَّحدا معنًى، وهي أحسن بهجةً من تكرار

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا ذَكرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: وَأي شَيْء أَشد مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقتلُوا وسرقوا؟ ! وَفِي رِوَايَة بِالْقَافِ بدل الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: مَا يتْرك من هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِفْهَام أَيْضا فِيهِ معنى التَّعَجُّب، وَأَصله من استبقيت الشَّيْء أَي: تركت بعضه. قَوْله: (فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) الْقَائِل عَنْبَسَة مُتَعَجِّبا من قَول أبي قلَابَة. قَوْله: (فَقلت تتهمني) ؟ الْقَائِل أَبُو قلَابَة يَقُول لعنبسة تتهمني فِيمَا رويته من حَدِيث أنس؟ ويوضح هَذَا مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِيهِ، فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد يَعْنِي: عِنْد رِوَايَة أبي قلَابَة الحَدِيث، وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فَقلت: أترد على حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه. قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا بِهَذَا أنس) أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة، حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ يَا أهل كَذَا) أَي: قَالَ الرَّاوِي وَقَالَ عَنْبَسَة يَا أهل كَذَا مُرَاده يَا أهل الشَّام وَقَالَ بَعضهم وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الدِّيات يَا أهل الشَّام قلت هَذَا لَيْسَ بمذكور فِي كتاب الدِّيات، وَلَكِن المُرَاد بخطاب عَنْبَسَة بقوله: (يَا أهل كَذَا) هُوَ أهل الشَّام لِأَن هَذَا كُله وَقع فِي دمشق. قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَشَارَ عَنْبَسَة بقوله هَذَا إِلَى أبي قلَابَة، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات: وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم، ويروى: مَا أبقى الله مثل هَذَا. قَوْله: (أَو مثل هَذَا) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو قَالَ عَنْبَسَة مثل مَا ذكر من قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) ؟ وَمثله مَا ذكر فِي الدِّيات فَافْهَم فَإِنِّي مَا رَأَيْت شارحا أَتَى بِحَق شرح هَذَا الحَدِيث.

٦ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ} (الْمَائِدَة: ٤٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب والجروح قصاص، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَهَذَا اللَّفْظ فِي قَوْله: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص) ، هَذَا تَعْمِيم بعد التَّخْصِيص لِأَنَّهُ ذكر الْعين بِالْعينِ وَنَحْوهَا، وَالْقصاص فِي الْجرْح إِنَّمَا يثبت فِيمَا يُمكن أَن يقْتَصّ فِيهِ مثل الشفتين وَالذكر وَالْيَدَيْنِ وَمَا أشبه ذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من كسر عظم أَو جِرَاحَة فِي الْبَطن فَفِيهِ أرش، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِرَفْع الْحَاء، وَالْبَاقُونَ: ينصبها، وَالْقصاص من: قصّ الْأَثر أَي: اتبعهُ فَكَانَ المحني عَلَيْهِ يقص أَثَره وَيتبع ليقْتل.

٤٦١١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةَ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ القَوْمُ القِصاصَ فأتَوُا النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالقِصاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ لَا وَالله لَا تَكْسَرْ سِنها يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أنَسُ كتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبُلُوا الأرْشَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي المخففة وبالراء، واسْمه: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَأخرجه هُنَا عَن الْفَزارِيّ مُعَلّقا وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الرّبيع) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَالْجَارِيَة الشَّابَّة، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وقبلوا الْأَرْش) قَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَرْش الْمَشْرُوع فِي الحكومات وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذهُ المُشْتَرِي من البَائِع إِذا اطلع على عيب فِي الْمَبِيع، وَأرش الْجِنَايَات والجراحات من ذَلِك لِأَنَّهَا جابرة لَهَا عَمَّا حصل فِيهَا من النَّقْص. قَوْله: (لَا بره) من إبرار الْقسم وَهُوَ امضاؤه على الصدْق.

٧ - (بابٌ: {يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (الْمَائِدَة: ٦٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرَّسُول} الْآيَة، ذكر الواحدي من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس عَن الْأَعْمَش وَأبي الحجاف عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} يَوْم غَدِير خم فِي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مقَاتل: قَوْله: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا الْيَهُود إِلَى الْإِسْلَام فَأكْثر الدُّعَاء فَجعلُوا يستهزؤن بِهِ وَيَقُولُونَ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَن نتخذك حنانا كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حنانا؟ فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك سكت عَنْهُم، فحرض الله تَعَالَى نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الدُّعَاء إِلَى دينه لَا يمنعهُ تكذيبهم إِيَّاه واستهزاؤهم بِهِ عَن الدُّعَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة بعد أحد، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْحسن: قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما بَعَثَنِي الله عز وَجل برسالته ضقت بهَا ذرعا وَعرفت أَن من النَّاس من يكذبنِي، وَكَانَ يهاب قُريْشًا وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَنزلت، وَقيل: نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن وفقراء أهل الصّفة، وَقيل: فِي الْجِهَاد، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كرهوه وَكَرِهَهُ أَيْضا بعض الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمسك فِي بعض الْأَحَايِين عَن الْحَث على الْجِهَاد لما يعرف من كَرَاهِيَة الْقَوْم لَهُ، فَنزلت: وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} فِي أَمر زَيْنَب بنت جحش، وَهُوَ مَذْكُور فِي البُخَارِيّ. وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} أَي: فِي أَمر نِسَائِك، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن مَعْنَاهُ بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ بيد عَليّ، وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، وَقيل: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من حُقُوق الْمُسلمين، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة خطب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ وَعند الْجَوْزِيّ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من الرَّجْم وَالْقصاص.

٤٦١٢ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنَ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَتَمَ شَيْئا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَالله يَقولُ: {يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَة.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ صرح بِهِ أَبُو نعيم وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا وَأخرجه فِي التَّوْحِيد مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن نمير وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع وَعَن ابْن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مطولا. وَفِيه الزِّيَادَة، وَأخرجه عَن آخَرين أَيْضا.

٨ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر واللغو فِي الْيَمين هُوَ قَوْلك: لَا وَالله، ويلي وَالله، وَقيل: معنى اللَّغْو الْإِثْم، وَالْمعْنَى لَا يُؤَاخِذكُم الله بالإثم فِي الْحلف إِذا كَفرْتُمْ، وَقَالَ ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف على الْمعْصِيَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ أَن ينسى، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ قَول الرجل: أعمى الله بَصرِي إِن لم أفعل كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن يحرم مَا أحل الله لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَقَالَ طَاوس وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل: هُوَ أَن يحلف وَهُوَ غَضْبَان، وَعند الشَّافِعِي، هُوَ سبق اللِّسَان من غير قصد، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن رشيد، ذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا الْيَمين على شَيْء يظنّ الرجل أَنه على يَقِين مِنْهُ فَيخرج الشَّيْء على خلاف مَا حلف عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَغْو الْيَمين مَا لم تَنْعَقِد النِّيَّة عَلَيْهِ مثل مَا جرت بِهِ الْعَادة من قَول الرجل فِي أثْنَاء المخاطبة، لَا وَالله وبلى وَالله من غير أَن يعْتَقد لُزُومه انْتهى، يُقَال: لَغَا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغى لَغَا ولغاة، اخطأ، وَكلمَة لاغية فَاحِشَة، ولغا يَلْغُو لَغوا، تكلم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَغَا يَلْغُو، لَغوا: أَي قَالَ بَاطِلا يُقَال: لغوت بِالْيَمِينِ، ونباح الْكَلْب لَغْو أَيْضا، ولغى: بِالْكَسْرِ يلغى لغى مثله، واللغي الصَّوْت مثل الوغي، وَيُقَال أَيْضا: لغى بِهِ يلغى لَغَا أَي: لهج بِهِ، واللغة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ. فَقَالَ عَنْبَسَةُ:، حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا، قُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ، فَقَالُوا: قَدْ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ لترعى، فَاخْرُجُوا فِيهَا، فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَخَرَجُوا فِيهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، وَاسْتَصَحُّوا، وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ. فَمَا يُسْتَبْطَأُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ قَتَلُوا النَّفْسَ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ. فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي؟ قَالَ: حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ. قَالَ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا، إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أُبْقِيَ هَذَا فِيكُمْ ومِثْلُ هَذَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَهَا غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (الْمُحَارَبَةُ لِلَّهِ: الْكُفْرُ بِهِ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمَا، وَفَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ هُنَا بِالَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَكَانِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ هُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي سَلْمَانُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالسُّكُونِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّصْغِيرِ، وَكَذَا ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ رِوَايَةَ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمَةِ: اخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَيُجْمَعُ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: لَنَا تَجَوُّزًا سَوَّغَهُ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَتْ لَهُ نَعَمٌ تَرْعَى مَعَ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَفِي سِيَاقِ بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْأَخِيرَ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: هَذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيهَا وَكَأَنَّ نَعَمَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يُرِيدُ إِرْسَالَهَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فَخَرَجُوا صُحْبَةَ النَّعَمِ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا) أَيِ: الْقَسَامَةَ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مَعَ بَقِيَّةِ شَرْحِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: وَاسْتَصَحُّوا بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، أَيْ: حَصَلَتْ لَهُمُ الصِّحَّةُ، وَقَوْلُهُ: وَاطَّرَدُوا بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَخْرَجُوهَا طَرْدًا، أَيْ: سَوْقًا، وَقَوْلُهُ: فَمَا يُسْتَبْطَأُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبُطْءِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْقَافِ بَدَلَ الطَّاءِ، وَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا أَيْ: بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: يَا أَهْلَ كَذَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا فِي الدِّيَاتِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ.

قَوْلُهُ: (مَا أُبْقِيَ مِثْلُ هَذَا فِيكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنْ أَبْقَى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا أَبْقَى اللَّهُ مِثْلَ هَذَا فَأَبْرَزَ الْفَاعِلَ.

٦ - بَاب ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾

٤٦١١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ - وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ - عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -: لَا وَاللَّهِ، لَا تُكْسَرُ سِنُّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ، الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الفاعل، وفي نسخةٍ: «ما بقي» بإسقاط الألف، وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «والله لا يزال هذا الجند بخيرٍ ما عاش هذا الشَّيخ بين أظهرهم».

وهذا الحديث مرَّ في «الطَّهارة» في «أبوال الإبل» [خ¦٢٣٣] و «المغازي» [خ¦٤١٩٣] ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] مع بقيَّة مباحثه.

(٦) (باب قوله) تعالى: (﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]) أي: ذات قصاصٍ فيما يمكن أن يقتصَّ منه، وهذا تعميمٌ بعد التَّخصيص؛ لأنَّ الله تعالى ذكر النَّفس والعين والأنف والأذن، فخصَّ الأربعة بالذِّكر، ثمَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) على سبيل العموم، فيما يمكن أن يقتصَّ منه كاليد والرِّجل، وأمَّا ما لا يمكن ككسرٍ في عظمٍ أو جراحةٍ في بطنٍ يُخَاف منهما التَّلف؛ فلا قصاص فيه، بل فيه الأرش والحكومة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْميهنيِّ والحَمُّويي.

٤٦١١ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) السُّلميُّ مولاهم البخاريُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي وبعد الألف راءٌ، مروان بن معاوية بن الحارث (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وبعد التَّحتيَّة المكسورة المشدَّدة عينٌ مهملةٌ (وَهْيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ) أي: شابَّة غير رقيقة، ولم تُسمَّ (فَطَلَبَ القَوْمُ) أي: قوم الجارية (القِصَاصَ) من الرُّبيِّع (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ) ليحكم بينهم (فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقِصَاصِ) من الرُّبيِّع (فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالضَّاد المعجمة السَّاكنة (عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:

لَا وَاللهِ، لَا تُكْسَرْ سِنُّهَا) ولأبي ذرٍّ: «ثنيتها» (يَا رَسُولَ اللهِ) ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه؛ لِمَا كان له عند الله من القرب، والثِّقة بفضل الله تعالى ولطفه أنَّه لا يخيِّبه، بل يُلهِمُهم العفو (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا أَنَسُ؛ كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) بالرَّفع مبتدأٌ وخبرٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرعُ من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِد ناسخٌ (فَرَضِيَ القَوْمُ) فتركوا القصاص عن الرُّبيِّع (وَقَبِلُوا الأَرْشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه.

وهذا الحديث قد سبق في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦٢٧٠٣].

(٧) هذا (١) (بابٌ) -بالتَّنوين- في قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾) جميع (﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافَّة النَّاس، مجاهرًا به غير مراقبٍ أحدًا ولا خائفٍ مكروهًا، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: لمَّا نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ قال: يا ربِّ كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليَّ؟ فنزلت: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) أي (٣): فإن أهملت شيئًا من ذلك؛ فما بلغت رسالته؛ لأنَّ ترك إبلاغ البعض محبطٌ للباقي؛ لأنَّه ليس بعضه أولى من بعضٍ، وبهذا تظهر المغايرة بين الشَّرط والجزاء، قال ابن الحاجب: الشَّرط والجزاء إذا اتَّحدا؛ كان المراد بالجزاء (٤): المبالغة، فوضع قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ موضع: أمرٍ عظيمٍ، أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا، وقال في «الانتصاف»: قال: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ﴾ ولم يقل: وإن لم تبلِّغ ليتغايرا لفظًا، وإن اتَّحدا معنًى، وهي أحسن بهجةً من تكرار

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا ذَكرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: وَأي شَيْء أَشد مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقتلُوا وسرقوا؟ ! وَفِي رِوَايَة بِالْقَافِ بدل الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: مَا يتْرك من هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِفْهَام أَيْضا فِيهِ معنى التَّعَجُّب، وَأَصله من استبقيت الشَّيْء أَي: تركت بعضه. قَوْله: (فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) الْقَائِل عَنْبَسَة مُتَعَجِّبا من قَول أبي قلَابَة. قَوْله: (فَقلت تتهمني) ؟ الْقَائِل أَبُو قلَابَة يَقُول لعنبسة تتهمني فِيمَا رويته من حَدِيث أنس؟ ويوضح هَذَا مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِيهِ، فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد يَعْنِي: عِنْد رِوَايَة أبي قلَابَة الحَدِيث، وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فَقلت: أترد على حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه. قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا بِهَذَا أنس) أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة، حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ يَا أهل كَذَا) أَي: قَالَ الرَّاوِي وَقَالَ عَنْبَسَة يَا أهل كَذَا مُرَاده يَا أهل الشَّام وَقَالَ بَعضهم وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الدِّيات يَا أهل الشَّام قلت هَذَا لَيْسَ بمذكور فِي كتاب الدِّيات، وَلَكِن المُرَاد بخطاب عَنْبَسَة بقوله: (يَا أهل كَذَا) هُوَ أهل الشَّام لِأَن هَذَا كُله وَقع فِي دمشق. قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَشَارَ عَنْبَسَة بقوله هَذَا إِلَى أبي قلَابَة، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات: وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم، ويروى: مَا أبقى الله مثل هَذَا. قَوْله: (أَو مثل هَذَا) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو قَالَ عَنْبَسَة مثل مَا ذكر من قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) ؟ وَمثله مَا ذكر فِي الدِّيات فَافْهَم فَإِنِّي مَا رَأَيْت شارحا أَتَى بِحَق شرح هَذَا الحَدِيث.

٦ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ} (الْمَائِدَة: ٤٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب والجروح قصاص، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَهَذَا اللَّفْظ فِي قَوْله: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص) ، هَذَا تَعْمِيم بعد التَّخْصِيص لِأَنَّهُ ذكر الْعين بِالْعينِ وَنَحْوهَا، وَالْقصاص فِي الْجرْح إِنَّمَا يثبت فِيمَا يُمكن أَن يقْتَصّ فِيهِ مثل الشفتين وَالذكر وَالْيَدَيْنِ وَمَا أشبه ذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من كسر عظم أَو جِرَاحَة فِي الْبَطن فَفِيهِ أرش، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِرَفْع الْحَاء، وَالْبَاقُونَ: ينصبها، وَالْقصاص من: قصّ الْأَثر أَي: اتبعهُ فَكَانَ المحني عَلَيْهِ يقص أَثَره وَيتبع ليقْتل.

٤٦١١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةَ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ القَوْمُ القِصاصَ فأتَوُا النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالقِصاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ لَا وَالله لَا تَكْسَرْ سِنها يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أنَسُ كتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبُلُوا الأرْشَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي المخففة وبالراء، واسْمه: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَأخرجه هُنَا عَن الْفَزارِيّ مُعَلّقا وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الرّبيع) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَالْجَارِيَة الشَّابَّة، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وقبلوا الْأَرْش) قَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَرْش الْمَشْرُوع فِي الحكومات وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذهُ المُشْتَرِي من البَائِع إِذا اطلع على عيب فِي الْمَبِيع، وَأرش الْجِنَايَات والجراحات من ذَلِك لِأَنَّهَا جابرة لَهَا عَمَّا حصل فِيهَا من النَّقْص. قَوْله: (لَا بره) من إبرار الْقسم وَهُوَ امضاؤه على الصدْق.

٧ - (بابٌ: {يَا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (الْمَائِدَة: ٦٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الرَّسُول} الْآيَة، ذكر الواحدي من حَدِيث الْحسن بن مُحَمَّد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس عَن الْأَعْمَش وَأبي الحجاف عَن عَطِيَّة عَن أبي سعيد، قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة: {يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} يَوْم غَدِير خم فِي عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ مقَاتل: قَوْله: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعَا الْيَهُود إِلَى الْإِسْلَام فَأكْثر الدُّعَاء فَجعلُوا يستهزؤن بِهِ وَيَقُولُونَ: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّد أَن نتخذك حنانا كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حنانا؟ فَلَمَّا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك سكت عَنْهُم، فحرض الله تَعَالَى نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الدُّعَاء إِلَى دينه لَا يمنعهُ تكذيبهم إِيَّاه واستهزاؤهم بِهِ عَن الدُّعَاء، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: نزلت هَذِه الْآيَة بعد أحد، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْحسن: قَالَ سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما بَعَثَنِي الله عز وَجل برسالته ضقت بهَا ذرعا وَعرفت أَن من النَّاس من يكذبنِي، وَكَانَ يهاب قُريْشًا وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَنزلت، وَقيل: نزلت فِي عُيَيْنَة بن حُصَيْن وفقراء أهل الصّفة، وَقيل: فِي الْجِهَاد، وَذَلِكَ أَن الْمُنَافِقين كرهوه وَكَرِهَهُ أَيْضا بعض الْمُؤمنِينَ، فَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمسك فِي بعض الْأَحَايِين عَن الْحَث على الْجِهَاد لما يعرف من كَرَاهِيَة الْقَوْم لَهُ، فَنزلت: وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك} فِي أَمر زَيْنَب بنت جحش، وَهُوَ مَذْكُور فِي البُخَارِيّ. وَقيل: {بلغ مَا أنزل إِلَيْك} أَي: فِي أَمر نِسَائِك، وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن مَعْنَاهُ بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك فِي فضل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَخذ بيد عَليّ، وَقَالَ: من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ، وَقيل: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من حُقُوق الْمُسلمين، فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة خطب صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَل بلغت؟ وَعند الْجَوْزِيّ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك من الرَّجْم وَالْقصاص.

٤٦١٢ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنَ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيانُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَائِشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَتَمَ شَيْئا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَالله يَقولُ: {يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَة.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ صرح بِهِ أَبُو نعيم وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، ومسروق هُوَ ابْن الأجدع. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مطولا ومختصرا وَأخرجه فِي التَّوْحِيد مقطعا. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن نمير وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع وَعَن ابْن أبي عَمْرو. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى مطولا. وَفِيه الزِّيَادَة، وَأخرجه عَن آخَرين أَيْضا.

٨ - (بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمْ الله بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ} (الْبَقَرَة: ٢٢٥)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم} وَلَيْسَ لفظ: بَاب، إلَاّ فِي رِوَايَة أبي ذَر واللغو فِي الْيَمين هُوَ قَوْلك: لَا وَالله، ويلي وَالله، وَقيل: معنى اللَّغْو الْإِثْم، وَالْمعْنَى لَا يُؤَاخِذكُم الله بالإثم فِي الْحلف إِذا كَفرْتُمْ، وَقَالَ ابْن جُبَير: هُوَ الرجل يحلف على الْمعْصِيَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: هُوَ أَن ينسى، وَقَالَ زيد بن أسلم: هُوَ قَول الرجل: أعمى الله بَصرِي إِن لم أفعل كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن يحرم مَا أحل الله لَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَة، وَقَالَ طَاوس وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيل: هُوَ أَن يحلف وَهُوَ غَضْبَان، وَعند الشَّافِعِي، هُوَ سبق اللِّسَان من غير قصد، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن رشيد، ذهب مَالك وَأَبُو حنيفَة إِلَى أَنَّهَا الْيَمين على شَيْء يظنّ الرجل أَنه على يَقِين مِنْهُ فَيخرج الشَّيْء على خلاف مَا حلف عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَغْو الْيَمين مَا لم تَنْعَقِد النِّيَّة عَلَيْهِ مثل مَا جرت بِهِ الْعَادة من قَول الرجل فِي أثْنَاء المخاطبة، لَا وَالله وبلى وَالله من غير أَن يعْتَقد لُزُومه انْتهى، يُقَال: لَغَا فِي القَوْل يَلْغُو ويلغى لَغوا ولغى لَغَا ولغاة، اخطأ، وَكلمَة لاغية فَاحِشَة، ولغا يَلْغُو لَغوا، تكلم، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لَغَا يَلْغُو، لَغوا: أَي قَالَ بَاطِلا يُقَال: لغوت بِالْيَمِينِ، ونباح الْكَلْب لَغْو أَيْضا، ولغى: بِالْكَسْرِ يلغى لغى مثله، واللغي الصَّوْت مثل الوغي، وَيُقَال أَيْضا: لغى بِهِ يلغى لَغَا أَي: لهج بِهِ، واللغة

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.5 / 29.5
الإضاءة 26%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56