الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4610
الحديث رقم 4610 من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
٤٦١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ :
الحديث فيه الدلالة على حرمة دماء المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم يظهر منهم ما يخالف الشهادتين من نواقض الإسلام؛ لأن الشارع الحكيم حرص على حفظ النفوس وأمْنِها، فجعل لها من شرعه حماية ووقاية، ثم إنه جعل أعظم الذنوب -بعد الإشراك بالله- قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها.
وحرم -هنا- قتل المسلم الذي أقر بالشهادتين إلا أن يرتكب واحدة من الخصال الثلاث:
الأولى: أن يزني وقد مَنّ الله عليه بالإحصان، وأعفّ فرجه بالنكاح الصحيح.
والثانية: أن يعمد إلى نفس معصومة، فيقتلها عدوانًا وظلمًا.
فالعدل والمساواة لمثل هذا، أن يلقى مثل ما صنع إرجاعًا للحق إلى نصابه وردعًا للنفوس الباغية عن العدوان.
والثالثة: الذي خرج على المسلمين محاربًا لله ورسوله، بقطع الطريق عليهم وإخافتهم وسلبهم وإيقاع الفساد فيهم، فهذا يقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، ليستريح الناس من شره وبغيه.
فهؤلاء الثلاثة يقتلون؛ لأن في قتلهم سلامة الأديان والأبدان والأعراض.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ثمَّ يُصلَب، وهل يُصلَب ثلاثة أيَّامٍ ثمَّ يُنزَل، أو يُترَك حتَّى يتهرَّى ويسيل صديده؟ وسقط قوله: «﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله تعالى: ﴿فَسَادًا﴾: «الآية».
(المُحَارَبَةُ للهِ) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن لهيعة عن عطاء ابن دينارٍ (١) عنه: هي (الكُفْرُ بِهِ) تعالى، وقال غيره: هو من باب حذف المضاف، أي: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله؛ وهم المسلمون، ففيه تعظيمٌ لهم، ومنه قوله تعالى: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب» وأصل الحرب: السَّلب، والمحارب: يَسلِب الرُّوح والمال، والمراد هنا: قطع الطَّريق، وهو أخذ المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة، وإن كان (٢) في مصرٍ.
٤٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) أحد شيوخ المؤلِّف، روى عنه هنا (٣) بواسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبان
المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلْمَانُ) بفتح السِّين وسكون اللَّام مكبَّرًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سليمان» بضمِّ السِّين وفتح اللَّام مصغَّرًا، والصَّواب الأوَّل، كما ذكره ابن طاهرٍ وعبد الغني المقدسيُّ وغيرهما (أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) وكان قد أبرز سريره للنَّاس، ثمَّ أَذِنَ لهم فدخلوا (فَذَكَرُوا) القَسامة لمَّا استشارهم عمر فيها (وَذَكَرُوا) له شأنها (فَقَالُوا): نقول: فيها القود (وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ) قبلك، وفي «المغازي» [خ¦٤١٩٣] من طريق أيوب والحجَّاج الصَّوَّاف عن أبي رجاءٍ: فقالوا: حقٌّ قضى بها رسول الله ﷺ، وقضت بها الخلفاء قبلك (فَالتَفَتَ) عمر رحمة الله عليه (إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟) شكَّ الرَّاوي، زاد في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] من طريق الحجَّاج عن (١) أبي عثمان عن أبي رجاءٍ: «فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ محصنٍ بدمشق أنَّه قد زنا ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بحمص أنَّه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا» (قُلْتُ) زاد في «الدِّيات» أيضًا: «والله» (مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ) سقطت التَّصلية لأبي (٢) ذرٍّ، وزاد في «الدِّيات» «وارتدَّ عن الإسلام» (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين المهملة، ابن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشيُّ الأمويُّ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (بِكَذَا وَكَذَا) يعني: بحديث العُرَنيِّين، قال أبو قِلابة: (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ) من عُكْلٍ أو عرينة ثمانيةٌ سنة ستٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ) بعد أن بايعوه على الإسلام (فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ) أي: استثقلنا المدينة، فلم يوافق هواؤها أبداننا، وكانوا قد سقموا (فَقَالَ) ﷺ: (هَذِهِ نَعَمٌ) أي: إبل (٣) (لَنَا تَخْرُجُ) لترعى مع إبل الصَّدقة (فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا
فيما رواه ابن المنذر: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم» والذَّرَب: فساد المعدة، فلا دلالة فيه على الطَّهارة (فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (١)، وَاسْتَصَحُّوا) أي: حصلت لهم الصِّحَّة من ذلك الدَّاء (وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي) يسارٍ النُّوبيِّ (فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ) بتشديد الطَّاء، أي: ساقوها سوقًا شديدًا (فَمَا يُسْتَبْطَأُ) بضمِّ أوَّله وسكون المهملة وبعد الفوقيَّة موحَّدةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ فهمزةٌ، مبنيًّا للمفعول، «استفعالٌ» من البطء الذي هو نقيض السُّرعة، أي: أيُّ (٢) شيء يُستَبْطأُ به (مِنْ هَؤُلَاءِ) العُكْليِّين؟! وفي نسخةٍ أخرى: «فما يُستَبقى» بالقاف بدل الطَّاء من غير همزٍ، أي: ما يُتَرك من هؤلاء؟! استفهامٌ فيه معنى التعجُّب، كالسَّابق (قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في رواية حميدٍ عن أنسٍ عند الإمام أحمد (٣): وهربوا محارِبين (وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ) أي: عنبسة متعجِّبًا من أبي قِلابة: (سُبْحَانَ اللهِ!) قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ) لعنبسة: (تَتَّهِمُنِي) فيما رويته من حديث أنسٍ؟! وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «فقال عنبسة بن سعيدٍ: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطُّ، فقلت: أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟» (قَالَ): لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه (حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ، قَالَ) (٤) أبو قلابة: (وَقَالَ) عنبسة: (يَا أَهْلَ كَذَا) أي: يا أهل الشَّام؛ لأنَّ وقوع ذلك كان بها، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وقع التَّصريح به في رواية «الدِّيات» لم أره، فلعلَّه سهوٌ (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللهُ) بفتح الهمزة والقاف مبنيًّا للفاعل (٥) (هَذَا) أبا (٦) قلابة (فِيكُمْ، وَمِثْلُ هَذَا) ولأبي ذرٍّ: «أو» وهو شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ (٧) أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما أُبقِيَ مثلُ هذا فيكم» برفع «مثل» وضمِّ همزة «أُبقِي» وكسر قافه، وللكُشْميهنيِّ: «ما أبقى الله مثل هذا فيكم» (٨) بإظهار
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه.
٥ - (بابٌ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا} إلَى قَوْلِهِ: {أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (الْمَائِدَة: ٣٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله} إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة.
المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ
رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: عز وَجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله} ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام.
٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وسلمان، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام. أَبُو رَجَاء مولى أبي قلَابَة الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، سُلَيْمَان، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة، فقطعة من ذَلِك مَضَت فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَاب الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيث العرنيين عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَقطعَة مُشْتَمِلَة على مَا فِي حَدِيث الْبَاب أخرجهَا فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قصَّة عكل وعرينة أخرجهَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن حَفْص بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَالْحجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة الحَدِيث.
قَوْله: (خلف عمر بن عبد الْعَزِيز) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي، قَالَ: يَعْنِي أَبُو رَجَاء وَأَبُو قلَابَة خلف سَرِيره. قَوْله: (فَذكرُوا ذكرُوا) أَي: الْقسَامَة، وَقد بَين البُخَارِيّ هَذَا فِي مَكَان آخر أَعنِي فِي كتاب الدِّيات، وَهُوَ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس ثمَّ أذن لَهُم فَدَخَلُوا. فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول فِي الْقسَامَة الْقود بهَا حق وَقد أقادت بهَا الْخُلَفَاء، فَقَالَ لي: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة ونصبني للنَّاس؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عنْدك رُؤُوس الأجناد وأشراف الْعَرَب، أَرَأَيْت لَو أَن خمسين رجلا مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قَدرنَا وَلم يروه أَكنت تَرْجَمَة؟ قَالَ: لَا. قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه وَلم يروه؟ قَالَ: لَا. قلت: فوَاللَّه مَا قتل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ إلَاّ فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال: رجل قتل بحديدة نفسا فَقتل، وَرجل زنى بعد إِحْصَان، وَرجل حَارب الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام. فَقَالَ الْقَوْم: أَو لَيْسَ قد حدث أنس بن مَالك أَن نَفرا من عكل؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا وَقَالُوا) ، مقول القَوْل الأول مَحْذُوف، وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي مَكَان آخر، ومقول القَوْل الثَّانِي هُوَ قَوْله: قد أقادت بهَا الْخُلَفَاء. يُقَال: أقاد الْقَاتِل بالقتيل إِذا قَتله بِهِ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز اسْتَشَارَ النَّاس يَوْمًا فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذِه الْقسَامَة؟ فَقَالُوا: حق قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقضت بهَا الْخُلَفَاء قبلك. قَوْله: (فالتف) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي قلَابَة، وَالْحَال أَنه خلف ظهر. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (يَا عبد الله بن زيد) ، هُوَ المكنى بِأبي قلَابَة. قَوْله: (أَو مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة) ؟ شكّ من الرَّاوِي هَل سَمَّاهُ باسمه أَو خاطبه بكنيته. قَوْله: قلت: الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: (فَقَالَ عَنْبَسَة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبُو خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَخُو يحيى وَعَمْرو الْأَشْدَق، سمع أَبَا هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر عَن البُخَارِيّ، وَسمع أنسا فِي الْحُدُود، روى عَنهُ أَبُو قلَابَة حَدِيث العرنيين عِنْد مُسلم. قَوْله: (حَدثنَا أنس بِكَذَا وَكَذَا) أَي: قَالَ عَنْبَسَة: حَدثنَا أنس بن مَالك بِقصَّة الْقسَامَة، وَحَدِيث العرنيين. قَوْله: (قلت) : الْقَائِل أَبُو قلَابَة ويروى: (فَقلت) ، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات، (فَقلت: أَنا أحدثكُم بِحَدِيث أنس، حَدثنِي أنس أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام فاستوخموا الأَرْض) الحَدِيث. قَوْله: (قدم قوم) هم نفر من عكل (فكلموه) أَي: فَكَلَّمُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد بِهِ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قد استوخمنا) من استوخمت الْبَلَد إِذا لم يُوَافق بدنك، وَأَصله من الوخم وَهُوَ ثقالة الطَّعَام فِي الْمعدة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم، قَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث العرنيين: واستوخموا الْمَدِينَة أَي: استثقلوها وَلم يُوَافق هواؤها أبدانهم. قَوْله: (هَذِه نعم لنا) المُرَاد بِالنعَم الْإِبِل، فَإِن قلت: قد قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أخرجُوا إِلَى إبل الصَّدَقَة. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَنه كَانَ حَاكما عَلَيْهَا أَو كَانَت لَهُ نعم ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. قَوْله: (تخرج) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (واستصحوا) أَي: حصلت لَهُم الصِّحَّة، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (واطَّردوا النعم) ، أَي: ساقوها سوقا شَدِيدا. وَأَصله من طرد فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ: اتطرد، ثمَّ قلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فَمَا يستبطأ من هَؤُلَاءِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب الاستفعال، من البطء بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره وَهُوَ نقيض السرعة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا يستبطأ. اسْتِفْهَام. قلت: مَعْنَاهُ على قَوْله أَي شَيْء يستبطأ من هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا راعي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل؟ وَفِيه معنى التَّعَجُّب أَيْضا فَافْهَم، وَيُؤَيّد
مَا ذَكرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: وَأي شَيْء أَشد مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقتلُوا وسرقوا؟ ! وَفِي رِوَايَة بِالْقَافِ بدل الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: مَا يتْرك من هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِفْهَام أَيْضا فِيهِ معنى التَّعَجُّب، وَأَصله من استبقيت الشَّيْء أَي: تركت بعضه. قَوْله: (فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) الْقَائِل عَنْبَسَة مُتَعَجِّبا من قَول أبي قلَابَة. قَوْله: (فَقلت تتهمني) ؟ الْقَائِل أَبُو قلَابَة يَقُول لعنبسة تتهمني فِيمَا رويته من حَدِيث أنس؟ ويوضح هَذَا مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِيهِ، فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد يَعْنِي: عِنْد رِوَايَة أبي قلَابَة الحَدِيث، وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فَقلت: أترد على حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه. قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا بِهَذَا أنس) أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة، حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ يَا أهل كَذَا) أَي: قَالَ الرَّاوِي وَقَالَ عَنْبَسَة يَا أهل كَذَا مُرَاده يَا أهل الشَّام وَقَالَ بَعضهم وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الدِّيات يَا أهل الشَّام قلت هَذَا لَيْسَ بمذكور فِي كتاب الدِّيات، وَلَكِن المُرَاد بخطاب عَنْبَسَة بقوله: (يَا أهل كَذَا) هُوَ أهل الشَّام لِأَن هَذَا كُله وَقع فِي دمشق. قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَشَارَ عَنْبَسَة بقوله هَذَا إِلَى أبي قلَابَة، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات: وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم، ويروى: مَا أبقى الله مثل هَذَا. قَوْله: (أَو مثل هَذَا) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو قَالَ عَنْبَسَة مثل مَا ذكر من قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) ؟ وَمثله مَا ذكر فِي الدِّيات فَافْهَم فَإِنِّي مَا رَأَيْت شارحا أَتَى بِحَق شرح هَذَا الحَدِيث.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ} (الْمَائِدَة: ٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب والجروح قصاص، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَهَذَا اللَّفْظ فِي قَوْله: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص) ، هَذَا تَعْمِيم بعد التَّخْصِيص لِأَنَّهُ ذكر الْعين بِالْعينِ وَنَحْوهَا، وَالْقصاص فِي الْجرْح إِنَّمَا يثبت فِيمَا يُمكن أَن يقْتَصّ فِيهِ مثل الشفتين وَالذكر وَالْيَدَيْنِ وَمَا أشبه ذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من كسر عظم أَو جِرَاحَة فِي الْبَطن فَفِيهِ أرش، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِرَفْع الْحَاء، وَالْبَاقُونَ: ينصبها، وَالْقصاص من: قصّ الْأَثر أَي: اتبعهُ فَكَانَ المحني عَلَيْهِ يقص أَثَره وَيتبع ليقْتل.
٤٦١١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةَ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ القَوْمُ القِصاصَ فأتَوُا النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالقِصاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ لَا وَالله لَا تَكْسَرْ سِنها يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أنَسُ كتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبُلُوا الأرْشَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي المخففة وبالراء، واسْمه: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَأخرجه هُنَا عَن الْفَزارِيّ مُعَلّقا وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الرّبيع) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَالْجَارِيَة الشَّابَّة، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وقبلوا الْأَرْش) قَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَرْش الْمَشْرُوع فِي الحكومات وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذهُ المُشْتَرِي من البَائِع إِذا اطلع على عيب فِي الْمَبِيع، وَأرش الْجِنَايَات والجراحات من ذَلِك لِأَنَّهَا جابرة لَهَا عَمَّا حصل فِيهَا من النَّقْص. قَوْله: (لَا بره) من إبرار الْقسم وَهُوَ امضاؤه على الصدْق.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ثمَّ يُصلَب، وهل يُصلَب ثلاثة أيَّامٍ ثمَّ يُنزَل، أو يُترَك حتَّى يتهرَّى ويسيل صديده؟ وسقط قوله: «﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله تعالى: ﴿فَسَادًا﴾: «الآية».
(المُحَارَبَةُ للهِ) قال سعيد بن جبير فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن لهيعة عن عطاء ابن دينارٍ (١) عنه: هي (الكُفْرُ بِهِ) تعالى، وقال غيره: هو من باب حذف المضاف، أي: يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله؛ وهم المسلمون، ففيه تعظيمٌ لهم، ومنه قوله تعالى: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب» وأصل الحرب: السَّلب، والمحارب: يَسلِب الرُّوح والمال، والمراد هنا: قطع الطَّريق، وهو أخذ المال مكابرة اعتمادًا على الشوكة، وإن كان (٢) في مصرٍ.
٤٦١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ) أحد شيوخ المؤلِّف، روى عنه هنا (٣) بواسطةٍ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبان
المزنيُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلْمَانُ) بفتح السِّين وسكون اللَّام مكبَّرًا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «سليمان» بضمِّ السِّين وفتح اللَّام مصغَّرًا، والصَّواب الأوَّل، كما ذكره ابن طاهرٍ وعبد الغني المقدسيُّ وغيرهما (أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله بن زيد (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) وكان قد أبرز سريره للنَّاس، ثمَّ أَذِنَ لهم فدخلوا (فَذَكَرُوا) القَسامة لمَّا استشارهم عمر فيها (وَذَكَرُوا) له شأنها (فَقَالُوا): نقول: فيها القود (وَقَالُوا: قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ) قبلك، وفي «المغازي» [خ¦٤١٩٣] من طريق أيوب والحجَّاج الصَّوَّاف عن أبي رجاءٍ: فقالوا: حقٌّ قضى بها رسول الله ﷺ، وقضت بها الخلفاء قبلك (فَالتَفَتَ) عمر رحمة الله عليه (إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ؟ أَوْ قَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟) شكَّ الرَّاوي، زاد في «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩] من طريق الحجَّاج عن (١) أبي عثمان عن أبي رجاءٍ: «فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ محصنٍ بدمشق أنَّه قد زنا ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أنَّ خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بحمص أنَّه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا» (قُلْتُ) زاد في «الدِّيات» أيضًا: «والله» (مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ) سقطت التَّصلية لأبي (٢) ذرٍّ، وزاد في «الدِّيات» «وارتدَّ عن الإسلام» (فَقَالَ عَنْبَسَةُ) بفتح العين المهملة وسكون النُّون وفتح الموحَّدة والسِّين المهملة، ابن سعيد بن العاص بن أميَّة القرشيُّ الأمويُّ: (حَدَّثَنَا أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ (بِكَذَا وَكَذَا) يعني: بحديث العُرَنيِّين، قال أبو قِلابة: (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلت»: (إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ، قَالَ: قَدِمَ قَوْمٌ) من عُكْلٍ أو عرينة ثمانيةٌ سنة ستٍّ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَلَّمُوهُ) بعد أن بايعوه على الإسلام (فَقَالُوا: قَدِ اسْتَوْخَمْنَا هَذِهِ الأَرْضَ) أي: استثقلنا المدينة، فلم يوافق هواؤها أبداننا، وكانوا قد سقموا (فَقَالَ) ﷺ: (هَذِهِ نَعَمٌ) أي: إبل (٣) (لَنَا تَخْرُجُ) لترعى مع إبل الصَّدقة (فَاخْرُجُوا فِيهَا فَاشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا) للتَّداوي، فليس فيه دليلٌ على الإباحة في غير حال الضَّرورة، وعن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا
فيما رواه ابن المنذر: «إنَّ في أبوال الإبل شفاءً للذَّرِبة بطونهم» والذَّرَب: فساد المعدة، فلا دلالة فيه على الطَّهارة (فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (١)، وَاسْتَصَحُّوا) أي: حصلت لهم الصِّحَّة من ذلك الدَّاء (وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي) يسارٍ النُّوبيِّ (فَقَتَلُوهُ، وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ) بتشديد الطَّاء، أي: ساقوها سوقًا شديدًا (فَمَا يُسْتَبْطَأُ) بضمِّ أوَّله وسكون المهملة وبعد الفوقيَّة موحَّدةٌ ساكنةٌ فطاءٌ مهملةٌ فهمزةٌ، مبنيًّا للمفعول، «استفعالٌ» من البطء الذي هو نقيض السُّرعة، أي: أيُّ (٢) شيء يُستَبْطأُ به (مِنْ هَؤُلَاءِ) العُكْليِّين؟! وفي نسخةٍ أخرى: «فما يُستَبقى» بالقاف بدل الطَّاء من غير همزٍ، أي: ما يُتَرك من هؤلاء؟! استفهامٌ فيه معنى التعجُّب، كالسَّابق (قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في رواية حميدٍ عن أنسٍ عند الإمام أحمد (٣): وهربوا محارِبين (وَخَوَّفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ) أي: عنبسة متعجِّبًا من أبي قِلابة: (سُبْحَانَ اللهِ!) قال أبو قلابة: (فَقُلْتُ) لعنبسة: (تَتَّهِمُنِي) فيما رويته من حديث أنسٍ؟! وفي «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]: «فقال عنبسة بن سعيدٍ: والله إنْ سمعتُ كاليوم قطُّ، فقلت: أتردُّ عليَّ حديثي يا عنبسة؟» (قَالَ): لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه (حَدَّثَنَا بِهَذَا أَنَسٌ، قَالَ) (٤) أبو قلابة: (وَقَالَ) عنبسة: (يَا أَهْلَ كَذَا) أي: يا أهل الشَّام؛ لأنَّ وقوع ذلك كان بها، وقول الحافظ ابن حجرٍ: إنَّه وقع التَّصريح به في رواية «الدِّيات» لم أره، فلعلَّه سهوٌ (إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللهُ) بفتح الهمزة والقاف مبنيًّا للفاعل (٥) (هَذَا) أبا (٦) قلابة (فِيكُمْ، وَمِثْلُ هَذَا) ولأبي ذرٍّ: «أو» وهو شكٌّ من الرَّاوي، ولأبي ذرٍّ (٧) أيضًا عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما أُبقِيَ مثلُ هذا فيكم» برفع «مثل» وضمِّ همزة «أُبقِي» وكسر قافه، وللكُشْميهنيِّ: «ما أبقى الله مثل هذا فيكم» (٨) بإظهار
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور وَكِيع بن الْجراح عَن سُفْيَان الثَّوْريّ إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن وَكِيع بن الْجراح عَن أَبِيه. قَوْله: (أَن الْمِقْدَاد) ، أَي ابْن الْأسود الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور. قَوْله: (قَالَ ذَلِك) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله يَوْم بدر: يَا رَسُول الله! إِنَّا لَا نقُول إِلَى آخر مَا مر من الحَدِيث، وَجَاء أَن سعد بن معَاذ قَالَه أَيْضا، فَيجوز أَن يكون قَالَاه.
٥ - (بابٌ: {إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَه وَيَسْعُونَ فِي الأرْضِ فَسَادا أنْ يُقْتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا} إلَى قَوْلِهِ: {أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (الْمَائِدَة: ٣٣)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله} إِلَى آخِره وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ بَاب، وَوَقع فِي رِوَايَة: أبي ذَر: بَاب {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْآيَة، وَغَيره سَاق الْآيَة. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيمَن نزلت هَذِه الْآيَة، فروى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: أَنَّهَا نزلت فِي قوم من أهل الْكتاب كَانُوا أهل موادعة لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنقضوا الْعَهْد وأفسدوا فِي الأَرْض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن ابْن عَبَّاس نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ، وَعَن السّديّ: نزلت فِي سودان عرينة أَتَوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبهم المَاء الْأَصْفَر فشكوا ذَلِك إِلَيْهِ الحَدِيث، وَذكر الثَّعْلَبِيّ عَن الْكَلْبِيّ أَنَّهَا نزلت فِي قوم من بني هِلَال، كَانَ أَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ عَاهَدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يُعينهُ وَلَا يعين عَلَيْهِ وَمن أَتَاهُ من الْمُسلمين فَهُوَ آمن فَمر قوم من بني كنَانَة يُرِيدُونَ الْإِسْلَام بناسٍ مِمَّن أسلم من قوم أبي بَرزَة قَالَ: وَلم يكن أَبُو بَرزَة يَوْمئِذٍ شَاهدا، فَقَتَلُوهُمْ وَأخذُوا أَمْوَالهم، فَنزلت هَذِه الْآيَة.
المُحَارَبَةُ لله الْكُفْرُ بِهِ
رُوِيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم، حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا يحيى بن عبد الله بن بكير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة حَدثنِي عَطاء بن دِينَار عَن سعيد فِي قَوْله: عز وَجل: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله} ، قَالَ: يَعْنِي بالمحاربة الْكفْر بعد الْإِسْلَام.
٤٦١٠ - ح دَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا مُحَمَّد بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثني سَلْمانُ أبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أبِي قِلابَةَ عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ كَانَ جَالِسا خَلْفَ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أقادَتْ بِهَا الخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إلَى أبِي قَلابَةَ وَهُوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ الله بنَ زَيْدٍ أوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أبَا قِلابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسا حَلٍّ قتْلُها فِي الإسْلامِ إلَاّ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ أوْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَنْبَسَةُ حدَّثنا أنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إيايَ حَدَّثَ أنَسٌ قَالَ قَدِمَ قَوْمٌ عَلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَلموهُ فَقَالُوا قَدِ اسْتَوْخَمْنا هاذِهِ الأَرْضَ فَقَالَ هاذِهِ نَعَمٌ لَنَا تَخْرُجُ فَاخْرُجُوا فِيها فَاشْرَبُوا مِنْ ألْبَانِها وَأبْوَالِها فَخَرَجُوا فِيهَا فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِها وَألْبَانِها وَاسْتَصَحُّوا وَمَالُوا عَلَى الرَّاعِي فَقَتَلُوهُ وَاطَّرَدُوا النِّعَمَ فَمَا يَسْتَنْبطا مِنْ هاؤُلاءِ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ وَخَوَّفُوا رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ سُبْحَانَ الله فِقُلْتُ تَتَّهِمُنِي قَالَ حدَّثنا بِهاذا أنَسٌ قَالَ وَقَالَ يَا أهْلَ كَذا إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا أبْقَى هاذَا فِيكُمْ أَو مِثْلُ هَذا.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ، وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الله الْأنْصَارِيّ من شُيُوخ البُخَارِيّ روى عَنهُ هُنَا بِوَاسِطَة، وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون بن أرطبان الْمُزنِيّ الْبَصْرِيّ، وسلمان، بِفَتْح السِّين وَسُكُون اللَّام. أَبُو رَجَاء مولى أبي قلَابَة الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني، سُلَيْمَان، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَالْأول هُوَ الصَّوَاب، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عديدة، فقطعة من ذَلِك مَضَت فِي كتاب الطَّهَارَة فِي: بَاب أَبْوَاب الْإِبِل وَالدَّوَاب وَالْغنم، فَإِنَّهُ أخرج فِيهَا حَدِيث العرنيين عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَقطعَة مُشْتَمِلَة على مَا فِي حَدِيث الْبَاب أخرجهَا فِي كتاب الْمَغَازِي فِي: بَاب قصَّة عكل وعرينة أخرجهَا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم عَن حَفْص بن عمر عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَالْحجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء مولى أبي قلَابَة الحَدِيث.
قَوْله: (خلف عمر بن عبد الْعَزِيز) وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي، قَالَ: يَعْنِي أَبُو رَجَاء وَأَبُو قلَابَة خلف سَرِيره. قَوْله: (فَذكرُوا ذكرُوا) أَي: الْقسَامَة، وَقد بَين البُخَارِيّ هَذَا فِي مَكَان آخر أَعنِي فِي كتاب الدِّيات، وَهُوَ: أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أبرز سَرِيره يَوْمًا للنَّاس ثمَّ أذن لَهُم فَدَخَلُوا. فَقَالَ لَهُم: مَا تَقولُونَ فِي الْقسَامَة؟ قَالُوا: نقُول فِي الْقسَامَة الْقود بهَا حق وَقد أقادت بهَا الْخُلَفَاء، فَقَالَ لي: مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة ونصبني للنَّاس؟ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، عنْدك رُؤُوس الأجناد وأشراف الْعَرَب، أَرَأَيْت لَو أَن خمسين رجلا مِنْهُم شهدُوا على رجل مُحصن بِدِمَشْق أَنه قَدرنَا وَلم يروه أَكنت تَرْجَمَة؟ قَالَ: لَا. قلت: أَرَأَيْت لَو أَن خمسين مِنْهُم شهدُوا على رجل بحمص أَنه قد سرق أَكنت تقطعه وَلم يروه؟ قَالَ: لَا. قلت: فوَاللَّه مَا قتل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قطّ إلَاّ فِي إِحْدَى ثَلَاث خِصَال: رجل قتل بحديدة نفسا فَقتل، وَرجل زنى بعد إِحْصَان، وَرجل حَارب الله وَرَسُوله وارتد عَن الْإِسْلَام. فَقَالَ الْقَوْم: أَو لَيْسَ قد حدث أنس بن مَالك أَن نَفرا من عكل؟ الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالُوا وَقَالُوا) ، مقول القَوْل الأول مَحْذُوف، وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي مَكَان آخر، ومقول القَوْل الثَّانِي هُوَ قَوْله: قد أقادت بهَا الْخُلَفَاء. يُقَال: أقاد الْقَاتِل بالقتيل إِذا قَتله بِهِ، وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي الْمَغَازِي: أَن عمر ابْن عبد الْعَزِيز اسْتَشَارَ النَّاس يَوْمًا فَقَالَ: مَا تَقولُونَ فِي هَذِه الْقسَامَة؟ فَقَالُوا: حق قضى بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقضت بهَا الْخُلَفَاء قبلك. قَوْله: (فالتف) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي قلَابَة، وَالْحَال أَنه خلف ظهر. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عمر بن عبد الْعَزِيز. قَوْله: (يَا عبد الله بن زيد) ، هُوَ المكنى بِأبي قلَابَة. قَوْله: (أَو مَا تَقول يَا أَبَا قلَابَة) ؟ شكّ من الرَّاوِي هَل سَمَّاهُ باسمه أَو خاطبه بكنيته. قَوْله: قلت: الْقَائِل هُوَ أَبُو قلَابَة. قَوْله: (فَقَالَ عَنْبَسَة) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة أَبُو خَالِد الْقرشِي الْأمَوِي أَخُو يحيى وَعَمْرو الْأَشْدَق، سمع أَبَا هُرَيْرَة، روى عَنهُ الزُّهْرِيّ فِي غَزْوَة خَيْبَر عَن البُخَارِيّ، وَسمع أنسا فِي الْحُدُود، روى عَنهُ أَبُو قلَابَة حَدِيث العرنيين عِنْد مُسلم. قَوْله: (حَدثنَا أنس بِكَذَا وَكَذَا) أَي: قَالَ عَنْبَسَة: حَدثنَا أنس بن مَالك بِقصَّة الْقسَامَة، وَحَدِيث العرنيين. قَوْله: (قلت) : الْقَائِل أَبُو قلَابَة ويروى: (فَقلت) ، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات، (فَقلت: أَنا أحدثكُم بِحَدِيث أنس، حَدثنِي أنس أَن نَفرا من عكل ثَمَانِيَة قدمُوا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَايعُوهُ على الْإِسْلَام فاستوخموا الأَرْض) الحَدِيث. قَوْله: (قدم قوم) هم نفر من عكل (فكلموه) أَي: فَكَلَّمُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد بِهِ الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة الْآن. قَوْله: (قد استوخمنا) من استوخمت الْبَلَد إِذا لم يُوَافق بدنك، وَأَصله من الوخم وَهُوَ ثقالة الطَّعَام فِي الْمعدة، يُقَال: وخم الطَّعَام إِذا ثقل فَلم يستمرىء فَهُوَ وخيم، قَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث العرنيين: واستوخموا الْمَدِينَة أَي: استثقلوها وَلم يُوَافق هواؤها أبدانهم. قَوْله: (هَذِه نعم لنا) المُرَاد بِالنعَم الْإِبِل، فَإِن قلت: قد قَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أخرجُوا إِلَى إبل الصَّدَقَة. قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار أَنه كَانَ حَاكما عَلَيْهَا أَو كَانَت لَهُ نعم ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. قَوْله: (تخرج) فِي مَحل النصب على الْحَال. قَوْله: (واستصحوا) أَي: حصلت لَهُم الصِّحَّة، وَالسِّين فِيهِ للصيرورة. قَوْله: (واطَّردوا النعم) ، أَي: ساقوها سوقا شَدِيدا. وَأَصله من طرد فَنقل إِلَى بَاب الافتعال فَصَارَ: اتطرد، ثمَّ قلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء. قَوْله: (فَمَا يستبطأ من هَؤُلَاءِ) على صِيغَة الْمَجْهُول من بَاب الاستفعال، من البطء بِالْهَمْزَةِ فِي آخِره وَهُوَ نقيض السرعة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَمَا يستبطأ. اسْتِفْهَام. قلت: مَعْنَاهُ على قَوْله أَي شَيْء يستبطأ من هَؤُلَاءِ الَّذين قتلوا راعي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتَاقُوا الْإِبِل؟ وَفِيه معنى التَّعَجُّب أَيْضا فَافْهَم، وَيُؤَيّد
مَا ذَكرْنَاهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِي هَذَا الحَدِيث. قلت: وَأي شَيْء أَشد مِمَّا صنع هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام وَقتلُوا وسرقوا؟ ! وَفِي رِوَايَة بِالْقَافِ بدل الطَّاء، وَمَعْنَاهُ: مَا يتْرك من هَؤُلَاءِ، وَهُوَ اسْتِفْهَام أَيْضا فِيهِ معنى التَّعَجُّب، وَأَصله من استبقيت الشَّيْء أَي: تركت بعضه. قَوْله: (فَقَالَ: سُبْحَانَ الله) الْقَائِل عَنْبَسَة مُتَعَجِّبا من قَول أبي قلَابَة. قَوْله: (فَقلت تتهمني) ؟ الْقَائِل أَبُو قلَابَة يَقُول لعنبسة تتهمني فِيمَا رويته من حَدِيث أنس؟ ويوضح هَذَا مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات فِيهِ، فَقَالَ عَنْبَسَة بن سعيد يَعْنِي: عِنْد رِوَايَة أبي قلَابَة الحَدِيث، وَالله إِن سَمِعت كَالْيَوْمِ قطّ؟ فَقلت: أترد على حَدِيثي يَا عَنْبَسَة؟ قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت بِالْحَدِيثِ على وَجهه. قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا بِهَذَا أنس) أَي: قَالَ أَبُو قلَابَة، حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ يَا أهل كَذَا) أَي: قَالَ الرَّاوِي وَقَالَ عَنْبَسَة يَا أهل كَذَا مُرَاده يَا أهل الشَّام وَقَالَ بَعضهم وَفِي الرِّوَايَة الْآتِيَة فِي الدِّيات يَا أهل الشَّام قلت هَذَا لَيْسَ بمذكور فِي كتاب الدِّيات، وَلَكِن المُرَاد بخطاب عَنْبَسَة بقوله: (يَا أهل كَذَا) هُوَ أهل الشَّام لِأَن هَذَا كُله وَقع فِي دمشق. قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) بِضَم الْهمزَة وَكسر الْقَاف على صِيغَة الْمَجْهُول، وَأَشَارَ عَنْبَسَة بقوله هَذَا إِلَى أبي قلَابَة، وَفِي رِوَايَة كتاب الدِّيات: وَالله لَا يزَال هَذَا الْجند بِخَير مَا عَاشَ هَذَا الشَّيْخ بَين أظهرهم، ويروى: مَا أبقى الله مثل هَذَا. قَوْله: (أَو مثل هَذَا) ، شكّ من الرَّاوِي، أَي: أَو قَالَ عَنْبَسَة مثل مَا ذكر من قَوْله: (مَا أبقى هَذَا فِيكُم) ؟ وَمثله مَا ذكر فِي الدِّيات فَافْهَم فَإِنِّي مَا رَأَيْت شارحا أَتَى بِحَق شرح هَذَا الحَدِيث.
٦ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ} (الْمَائِدَة: ٤٥)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب والجروح قصاص، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب وَهَذَا اللَّفْظ فِي قَوْله: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص) ، هَذَا تَعْمِيم بعد التَّخْصِيص لِأَنَّهُ ذكر الْعين بِالْعينِ وَنَحْوهَا، وَالْقصاص فِي الْجرْح إِنَّمَا يثبت فِيمَا يُمكن أَن يقْتَصّ فِيهِ مثل الشفتين وَالذكر وَالْيَدَيْنِ وَمَا أشبه ذَلِك، وَمَا عدا ذَلِك من كسر عظم أَو جِرَاحَة فِي الْبَطن فَفِيهِ أرش، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِرَفْع الْحَاء، وَالْبَاقُونَ: ينصبها، وَالْقصاص من: قصّ الْأَثر أَي: اتبعهُ فَكَانَ المحني عَلَيْهِ يقص أَثَره وَيتبع ليقْتل.
٤٦١١ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخْبَرَنا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةَ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ القَوْمُ القِصاصَ فأتَوُا النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالقِصاصِ فَقَالَ أنَسُ بنُ النَّضْرِ عَمُّ أنَسٍ بنِ مَالِكٍ لَا وَالله لَا تَكْسَرْ سِنها يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَا أنَسُ كتابُ الله القِصاصُ فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبُلُوا الأرْشَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أقْسَمَ عَلَى الله لأبَرَّهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والفزاري، بِفَتْح الْفَاء وَالزَّاي المخففة وبالراء، واسْمه: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة والْحَدِيث مضى فِي كتاب الصُّلْح فِي: بَاب الصُّلْح فِي الدِّيَة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حميد عَن أنس، وَأخرجه هُنَا عَن الْفَزارِيّ مُعَلّقا وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الرّبيع) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة، وَالْجَارِيَة الشَّابَّة، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (وقبلوا الْأَرْش) قَالَ ابْن الْأَثِير: الْأَرْش الْمَشْرُوع فِي الحكومات وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذهُ المُشْتَرِي من البَائِع إِذا اطلع على عيب فِي الْمَبِيع، وَأرش الْجِنَايَات والجراحات من ذَلِك لِأَنَّهَا جابرة لَهَا عَمَّا حصل فِيهَا من النَّقْص. قَوْله: (لَا بره) من إبرار الْقسم وَهُوَ امضاؤه على الصدْق.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56