«سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٠٨

الحديث رقم ٤٦٠٨ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٠٨ في صحيح البخاري

«سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ، وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ، فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ، وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.»

﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ * ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٦٠٨

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو : أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٦٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ حين أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ - وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ - فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ، وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أَيْ: فَتَعَمَّدُوا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ: وَلَا عَامِدِينَ، وَيُقَالُ: أَمَّمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَيَمَّمْتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ … يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: مُحِلِّي الصَّيْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ وَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ) أَمَّا قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنِ اللَّهَ يَعْفُو وَيَكُنِّي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَيْ: تَنْكِحُوهُنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قَالَ: الدُّخُولُ النِّكَاحُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْجِمَاعُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ وَالْغَشَيَانُ وَالْجِمَاعُ كُلُّهُ النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. لَكِنْ قَالَ: التَّغَشِّي بَدَلَ الْغَشَيَانِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَرَادَ بِالتَّغَشِّي، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي النِّكَاحِ.

وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «التَّيمم» [خ¦٣٣٤].

٤٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (١): (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (سَقَطَتْ قِلَادَةٌ) بكسر القاف (لِي بِالبَيْدَاءِ) ليس في هذه الرِّواية: «أو (٢) بذات الجيش» (وَنَحْنُ دَاخِلُونَ المَدِينَةَ) الواو للحال (فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ) راحلته (وَنَزَلَ) عنها (فَثَنَى رَأْسَهُ) أي: وضعها (فِي حَجْرِي) حال كونه (رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً) بالزَّاي، أي: دفعني في صدري بيده دفعةً (شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ! فَبِي المَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ) أي: صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ المَاءُ) بالرَّفع مفعولًا ناب (٣) عن الفاعل، أي: التمس النَّاس الماء (فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الاية [المائدة: ٦] فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ (٤) فِيكُمْ) أي: بسببكم (يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ).

(٤) (باب قوله) ﷿، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي (﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾) رفعٌ عطفًا على الفاعل المستتر في «اذهب»، وجاز ذلك للتَّأكيد بالضَّمير، ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذَّهاب على الله؛ لأنَّ مذهب اليهود التَّجسيم، ويؤيِّده مقابلة الذَّهاب بالقعود في قولهم: (﴿فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]) وظاهر الكلام أنَّهم قالوا ذلك استهانةً بالله ورسوله، وعدم مبالاةٍ بهما، وأصل هذا: «أنَّ موسى أُمِر أن يدخلوا مدينة الجبَّارين؛ وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلِّ سبطٍ منهم عينٌ؛ ليأتوه

بخبر القوم، فلمَّا دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثِّمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتتبَّعهم، فكلَّما أصاب واحدًا منهم؛ أخذه (١) فجعله في كمِّه مع الفاكهة، حتَّى التقطهم كلَّهم (٢) فجعلهم في كمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكهم فنثرهم بين يديه، فقال المَلِك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم» رواه ابن جريرٍ عن عبد الكريم بن الهيثم (٣)، حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ. قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الإسناد نظرٌ، وقد ذكر كثير من المفسِّرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبَّارين، وأنَّه كان فيهم عَوْجُ بن عُنُقٍ بنت (٤) آدم ، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثين ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب، وهذا شيء يُسْتَحيا منه، ثمَّ هو مخالفٌ لِمَا في «الصَّحيح»: أنَّ رسول الله قال: «إن الله خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» [خ¦٣٣٢٦] ثمَّ ذكروا أنَّ عوجًا كان كافرًا، وأنَّه امتنع من ركوب السَّفينة، وأنَّ الطُّوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذبٌ وافتراء، فإنَّ الله تعالى ذكر أنَّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوحٍ غرق؛ فكيف يبقى عَوْجُ بن عُنُقٍ وهو كافرٌ؟! هذا لا يسوغ في عقلٍ ولا في شرعٍ، ثمَّ في وجود رجلٍ يقال له: عَوْج بن عُنُقٍ نظرٌ، والله أعلم. انتهى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ حين أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا الْعِقْدُ تَحْتَهُ.

٤٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ : سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ - وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ - فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ، وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟ فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتْ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ كَذَا فِي الْأُصُولِ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ إِنَّمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدُوا، آمِّينَ: عَامِدِينَ، أَمَّمْتُ وَتَيَمَّمْتُ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ أَيْ: فَتَعَمَّدُوا، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أَيْ: وَلَا عَامِدِينَ، وَيُقَالُ: أَمَّمْتُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: تَيَمَّمْتُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِنِّي كَذَاكَ إِذَا مَا سَاءَنِي بَلَدٌ … يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدَا

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِحَذْفِ النُّونِ مُضَافًا كَقَوْلِهِ: مُحِلِّي الصَّيْدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَسْتُمْ وَ ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ وَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وَالْإِفْضَاءُ: النِّكَاحُ) أَمَّا قَوْلُهُ: لَمَسْتُمْ فَرَوَى إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَكِنِ اللَّهَ يَعْفُو وَيَكُنِّي. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أَيْ: تَنْكِحُوهُنَّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قَالَ: الدُّخُولُ النِّكَاحُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالْإِفْضَاءُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ قَالَ: الْإِفْضَاءُ الْجِمَاعُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُلَامَسَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَالْإِفْضَاءُ وَالرَّفَثُ وَالْغَشَيَانُ وَالْجِمَاعُ كُلُّهُ النِّكَاحُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي عَمَّا شَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ. لَكِنْ قَالَ: التَّغَشِّي بَدَلَ الْغَشَيَانِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَرَادَ بِالتَّغَشِّي، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي النِّكَاحِ.

وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث قد سبق في «التَّيمم» [خ¦٣٣٤].

٤٦٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذر: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ، نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (١): (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) القاسم بن محمَّد ابن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها قالت: (سَقَطَتْ قِلَادَةٌ) بكسر القاف (لِي بِالبَيْدَاءِ) ليس في هذه الرِّواية: «أو (٢) بذات الجيش» (وَنَحْنُ دَاخِلُونَ المَدِينَةَ) الواو للحال (فَأَنَاخَ النَّبِيُّ ) راحلته (وَنَزَلَ) عنها (فَثَنَى رَأْسَهُ) أي: وضعها (فِي حَجْرِي) حال كونه (رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَكَزَنِي لَكْزَةً) بالزَّاي، أي: دفعني في صدري بيده دفعةً (شَدِيدَةً، وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ! فَبِي المَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ ، وَقَدْ أَوْجَعَنِي، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ) أي: صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ المَاءُ) بالرَّفع مفعولًا ناب (٣) عن الفاعل، أي: التمس النَّاس الماء (فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الاية [المائدة: ٦] فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: لَقَدْ بَارَكَ اللهُ لِلنَّاسِ (٤) فِيكُمْ) أي: بسببكم (يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ).

(٤) (باب قوله) ﷿، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ، و «قوله» للكُشْمِيهَنيِّ والحَمُّويي (﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾) رفعٌ عطفًا على الفاعل المستتر في «اذهب»، وجاز ذلك للتَّأكيد بالضَّمير، ويحتمل أنهم أرادوا حقيقة الذَّهاب على الله؛ لأنَّ مذهب اليهود التَّجسيم، ويؤيِّده مقابلة الذَّهاب بالقعود في قولهم: (﴿فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]) وظاهر الكلام أنَّهم قالوا ذلك استهانةً بالله ورسوله، وعدم مبالاةٍ بهما، وأصل هذا: «أنَّ موسى أُمِر أن يدخلوا مدينة الجبَّارين؛ وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كلِّ سبطٍ منهم عينٌ؛ ليأتوه

بخبر القوم، فلمَّا دخلوها رأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وعظمتهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثِّمار من حائطه، فنظر إلى آثارهم فتتبَّعهم، فكلَّما أصاب واحدًا منهم؛ أخذه (١) فجعله في كمِّه مع الفاكهة، حتَّى التقطهم كلَّهم (٢) فجعلهم في كمِّه مع الفاكهة، وذهب إلى مَلِكهم فنثرهم بين يديه، فقال المَلِك: قد رأيتم شأننا، فاذهبوا وأخبروا صاحبكم» رواه ابن جريرٍ عن عبد الكريم بن الهيثم (٣)، حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيدٍ عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ. قال ابن كثيرٍ: وفي هذا الإسناد نظرٌ، وقد ذكر كثير من المفسِّرين أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبَّارين، وأنَّه كان فيهم عَوْجُ بن عُنُقٍ بنت (٤) آدم ، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراعٍ وثلاث مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثين ذراعًا وثلث ذراعٍ، تحرير الحساب، وهذا شيء يُسْتَحيا منه، ثمَّ هو مخالفٌ لِمَا في «الصَّحيح»: أنَّ رسول الله قال: «إن الله خلق آدم طوله ستُّون ذراعًا، ثمَّ لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن» [خ¦٣٣٢٦] ثمَّ ذكروا أنَّ عوجًا كان كافرًا، وأنَّه امتنع من ركوب السَّفينة، وأنَّ الطُّوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذبٌ وافتراء، فإنَّ الله تعالى ذكر أنَّ نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠] وقال تعالى ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوحٍ غرق؛ فكيف يبقى عَوْجُ بن عُنُقٍ وهو كافرٌ؟! هذا لا يسوغ في عقلٍ ولا في شرعٍ، ثمَّ في وجود رجلٍ يقال له: عَوْج بن عُنُقٍ نظرٌ، والله أعلم. انتهى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله