«خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٢٥

الحديث رقم ٤٦٢٥ من كتاب «سورة المائدة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خطب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إنكم…

«خَطَبَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.»

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

سند حديث: ٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ…

٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خطب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إنكم…

قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في الأصنام: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم: 36] ، وقول عيسى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118]؛ فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وبكى، وقال: "يا رب؛ أمتي أمتي"، أي: ارحمهم واعف عنهم، فقال الله سبحانه وتعالى لجبريل: "اذهب إلى محمد، فسله ما يبكيك؟" وهو أعلم سبحانه بما يبكيه، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي قاله من قوله: "أمتي أمتي" والله أعلم بالذي قاله نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال الله عز وجل لجبريل: "اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نحزنك". وقد أرضاه الله عز وجل في أمته ولله الحمد من عدة وجوه: منها: كثرة الأجر، وأنهم الآخرون السابقون يوم القيامة، وأنها فضلت بفضائل كثيرة على سائر الأمم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • من السنة في الدعاء رفع اليدين.
  • إثبات علو الله على خلقه، وأنه في السماء؛ حيث تتوجه القلوب والأيدي إليه.
  • بيان شفاعته -صلى الله عليه وسلم- لأمته، واعتناؤه بمصالحهم، واهتمامه بأمرهم، ورحمته بهم.
  • حب الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-.
  • بيان لمنزلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الله، وأنه سيعليه حتى يرضيه.
  • البشارة العظيمة لهذه الأمة، وهو من أرجى الأحاديث.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خطب رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، إنكم…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، وَقَوْلُهُ أُصَيْحَابِي، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْغِيرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ عَدَدِ مَنْ وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِبَعْضِ جُفَاةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ.

١٥ - بَاب: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ، وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ قَبْلُ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.

٦ - سُورَةُ الْأَنْعَامِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعْرَشُ مِنْ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا، ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ، تُبْسَلُ: تُفْضَحُ، ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا، ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ، ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا، ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا، ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا؟ ﴿مَسْفُوحًا﴾ مُهْرَاقًا، ﴿وَصَدَفَ﴾ أَعْرَضَ، أُبْلِسُوا: أُويِسُوا، أُبْلسوا: أويسوا، ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا، ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ، ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشركونَ، ﴿وَقْرٌ﴾ صَمَمٌ، وَأَمَّا الْوِقْرُ فَهُو الْحِمْلُ، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهْيَ

التُّرَّهَاتُ، ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ مِنْ الْبَأْسِ، وَيَكُونُ مِنْ الْبُؤْسِ، ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةً، الصُّوَرُ: جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ سُورَةٌ وَسُوَرٌ، مَلَكُوتٌ ومُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَيَقُولُ: تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ، ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ، ﴿تَعَالَى﴾ عَلَا، وَإِنْ تَعْدِلْ: تُقْسِطْ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ أَيْ حِسَابُهُ، وَيُقَالُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ مُسْتَقِرٌّ: فِي الصُّلْبِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ، الْقِنْوُ: الْعِذْقُ وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا ﴿قِنْوَانٌ﴾ مِثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْعَامِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ مَقَالَتُهُمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ مَعْذِرَتُهُمْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قَالَ: مَعْذِرَتُهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ قَالَ: مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا لَا يُعَرِّشُ، وَقِيلَ: الْمَعْرُوشُ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ، وَغَيْرُ الْمَعْرُوشِ مَا يُبْسَطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ فَأَمَّا الْحَمُولَةُ فَالْإِبِلُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَرْشُ صِغَارُ الْإِبِلِ الَّتِي لَمْ تُدِرُّ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا. وَقَالَ مَعْمَرُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَالْفَرْشُ حَوَاشِيهَا يَعْنِي صِغَارَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ غَيْرُ الْحَسَنِ يَقُولُ: الْحَمُولَةُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ، أَحْسِبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ) هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ قَالَ: وَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ مِنَ النَّاس فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.

قَوْلُهُ: ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: يَتَبَاعَدُونَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أَيْ يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَيَتَبَاعَدُ عَمَّا جَاءَ بِهِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ يَعْنِي أَنْ تُفْضَحَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ أَيْ تُسْلَمَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ تُحْبَسُ.

قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا) كَذَا فِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ: فَضَحَ وَأَفْضَحَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي فُضِحُوا، وَقَدْ

مَضَى كَمَا تَرَى لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قَالَ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْبَسْطُ الضَّرْبُ. ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرَةِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ لَقَطُوهُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ لِلَّهِ جُزْءًا مِنَ الْحَرْثِ وَلِشُرَكَائِهِمْ جُزْءًا، فَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا لِلَّهِ إِلَى جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ تَرَكُوهُ وَقَالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا، وَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِنْ جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ إِلَى جُزْءِ اللَّهِ أَخَذُوهُ. وَالْأَنْعَامُ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْمَائِدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ أَيْ أَغْطِيَةٌ، وَمِثْلُهُ أَعِنَّةٌ وَعِنَانٌ وَأَسِنَّةٌ وَسِنَانٌ.

قَوْلُهُ: ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ سَرْمَدًا أَيْ دَائِمًا، قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْقَطِعُ فَهُوَ سَرْمَدٌ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ (وَجَاعِل اللَّيْلَ سَكَنًا).

قَوْلُهُ: ﴿وَقْرًا﴾ صَمَمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أَيِ الثِّقَلَ وَالصَّمَمَ وَإِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ، لَكِنَّهُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قَالَ: يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ وَلَا يَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ الْقَوْلَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوِقْرُ) أَيْ بِكَسْرِ الْوَاوِ (فَإِنَّهُ الْحِمْلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ: الْوِقْرُ الْحِمْلُ إِذَا كَسَرْتَهُ. وَأَفَادَ الرَّاغِبُ الْوِقْرُ حِمْلُ الْحِمَارِ، وَالْوَسْقُ حِمْلُ الْجَمَلِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ أَنَّ فِي آذَانِهِمْ شَيْئًا يَسُدُّهَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْقَوْلِ ثَقِيلًا كَوِقْرِ الْبَعِيرِ.

قَوْلُهُ: (أَسَاطِيرٌ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهَاتُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَمَجَازُهَا التُّرَّهَاتُ انْتَهَى. وَالتُّرَّهَاتُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَصْلُهَا بِنْيَاتُ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ إِنَّ تَاءَهَا مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَأَصْلُهَا الْوَرَهُ وَهُوَ الْحُمْقُ.

قَوْلُهُ: (الْبَأْسَاءُ مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ هِيَ الْبَأْسُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْبُؤْسُ، انْتَهَى. وَالْبَأْسُ الشِّدَّةُ وَالْبُؤْسُ الْفَقْرُ، وَقِيلَ الْبَأْسُ الْقَتْلُ وَالْبُؤْسُ الضُّرُّ.

قَوْلُهُ: ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ أَيْ فَجْأَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، أَوْ جَهْرَةً، أَيْ عَلَانِيَةً وَهُمْ يَنْظُرُونَ.

قَوْلُهُ: (الصُّوَرُ جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِكَ سُورَةٌ وَسُوَرٌ) بِالصَّادِ أَوَّلًا وَبِالسِّينِ ثَانِيًا كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ فَفِيهَا كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَصُوَرٌ بِالصَّادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي سُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يُقَالُ إِنَّهَا جَمْعُ صُورَةٍ يُنْفَخُ فِيهَا رُوحُهَا فَتَحْيَا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ وَاحِدُهَا سُورَةٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً … يُرَى كُلُّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ

انْتَهَى.

وَالثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا اسْمَ جَمْعٍ، وَحَكَى الْفِرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّفْخُ فِي الْمَوْتَى، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْحَسَنَ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسَبَقَ النُّحَاسُ فَقَالَ: لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ قِرَاءَةً فِي كِتَابِهِ إِعْرَابِ الشَّوَاذِّ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قَالَ: يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ قَالَ: حُسْبَانٌ جَمْعُ حِسَابٍ مِثْلُ شُهْبَانٍ جَمْعُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (تَعَالَى: عَلَا) وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ تَعَالَى اللَّهُ عَلَا اللَّهُ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أَيْ غَطَّى عَلَيْهِ وَأَظْلَمَ، وَمَا جَنَّكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جِنَانٌ لَكَ أَيْ غِطَاءٌ.

قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فِي الصُّلْبِ ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قَالَ: مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الصُّلْبِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مُسْتَقَرٌّ فِي صُلْبِ الْأَبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي رَحِمِ الْأُمِّ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ: الْمُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْأَرْضُ.

(تَنْبِيهٌ):

قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ الْجَمِيعُ (مُسْتَوْدَعٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَبِكَسْرِهَا.

قَوْلُهُ: (الْقِنْوُ: الْعِذْقُ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا مِثْلُ صِنْوان وَصِنْوَانٍ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ تَكْرِيرُ صِنْوَانٍ الْأُولَى مَجْرُورَةَ النُّونِ وَالثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَيُوَضِّحُ الْمُرَادَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي هُوَ مَنْقُولٌ مِنْهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ قَالَ: الْقِنْوُ هُوَ الْعِذْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ يَعْنِي الْعُنْقُودَ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمْعُ قِنْوَانٌ كَلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الِاثْنَيْنِ مَجْرُورَةٌ وَنُونُ الْجَمْعِ يَدْخُلُهُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ، وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهُ غَيْرَ صِنْوٍ وَصِنْوَانِ وَالْجَمْعُ صِنْوَانٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى قِنْوَانٍ وَصِنْوَانٍ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيِّ فِي إِرَادَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِذَا وَصَلَ ظَهَرَ الْفَرْقُ، فَيَقَعُ الْإِعْرَابُ عَلَى النُّونِ فِي الْجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مَكْسُورَةُ النُّونِ خَاصَّةً، وَيَقَعُ الْفَرْقُ أَيْضًا بِانْقِلَابِ الْأَلِفِ فِي التَّثْنِيَةِ حَالَ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ بِخِلَافِهَا فِي الْجَمْعِ، وَكَذَا بِحَذْفِ نُونِ التَّثْنِيَةِ فِي الْإِضَافَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ.

(تَنْبِيهٌ):

قَرَأَ الْجُمْهُورُ (قِنْوَانٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَالْأَعْرَجُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو - بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو رِوَايَةٌ أَيْضًا بِفَتْحِ الْقَافِ، وَخَرَّجَهَا ابْنُ جِنِّيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِقِنْوٍ لَا جَمْعٌ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (مَلَكُوتٌ وَمُلْكٌ رَهَبُوتٌ رَحَمُوتٌ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ تَشْوِيشٌ، وَلِغَيْرِهِ مَلَكُوتٌ مُلْكٌ، مِثْلُ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. فَسَّرَ مَعْنَى مَلَكُوتٍ بِمُلْكٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهُ رَهَبُوتٌ وَرَحَمُوتٌ، وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَيْ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ، خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ فِي الْمَثْلِ رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، أَيْ رَهْبَةٌ

خَيْرٌ مِنْ رَحْمَةٍ، انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَلَكُوتٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاكِ بِسُكُونِهَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ مَلْكُوثَا أَيْ بِسُكُونِ اللَّامِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُعَرَّبَةً وَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُلْكٍ كما وَرَدَ مِثْلُهُ فِي رَهَبُوتٍ وَجَبَرُوتٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾ تُقْسِطُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ، وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَدْلَ بِالتَّوْبَةِ، قَالَ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أَيْ لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ، فَجَعَلَهُ مِنَ الْعِدْلِ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْمَلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَائِلِ التَّفَاسِيرِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَهُوَ إِرْدَافُهُ عَلَى تَفَاسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَلِمَ تُحَرِّمُوا وَلِمَ تُحَلِّلُوا بِغَيْرِ نُونٍ فِيهِمَا، وَحَذْفُ النُّونِ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمٍ لُغَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقُولُ أَجَاءَكُمُ التَّحْرِيمُ فِيمَا حَرَّمْتُمْ مِنَ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ مِنْ قِبَلِ الذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنَ الْأُنْثَيَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ لَزِمَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الرَّحِمِ لَزِمَ تَحْرِيمَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ الرَّحِمَ لَا يَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأِ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةً مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ مِهْرَاقًا) وَقَعَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أَيْ مِهْرَاقًا مَصْبُوبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سَفَحَ الدَّمْعُ أَيْ سَالَ.

قَوْلُهُ: (صَدَفَ: أَعْرَضَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ، يُقَالُ صَدَفَ عَنِّي بِوَجْهِهِ أَيْ أَعْرَضَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (أُبْلِسُوا: أُويِسُوا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ أَيِسُوا بِغَيْرِ وَاوٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْحَزِينُ النَّادِمُ، قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسٌ أَيِ اكْتِئَابٌ وَحُزْنٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْبَائِسُ الْمُنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ الَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطَاعِ حُجَّتِهِ فَلَا يُجِيبُ: قَدْ أَبْلَسَ، قَالَ الْعَجَّاجُ: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا دَارِسًا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا

وَتَفْسِيرُ الْمُلبسِ بِالْحَزِينِ بِالْبَائِسِ مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُسْلِمُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ أُسْلِمُوا، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أَيْ تُرْتَهَنَ وَتُسْلَمَ، قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ

وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ

وَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ قَالَ تُحْبَسُ، قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ تُسْلَمُ أَيْ إِلَى الْهَلَاكِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ هُوَ الَّذِي تُشَبِّهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَتْبَعَهَا حَتَّى يَهْوِيَ فِي الْأَرْضِ فَيَضِلُّ.

قَوْلُهُ: ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أَيْ تَشُكُّونَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأدلَّة وإنزال البيِّنات (١) وإرسال الرُّسل، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: «الآية».

٤٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسديَّ مولاهم الكوفيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ (٢): خَطَبَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أي: مجموعون يوم القيامة (إِلَى اللهِ) تعالى حال كونكم (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الراء، جمع أغرل؛ وهو الأقلف، والغُرْلة: القلفة التي تُقطَع من ذَكَرِ الصَّبيِّ، قال ابن عبد البرِّ: يُحشَر الآدمي عاريًا، ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم وُلِد، فمن قُطِع له شيءٌ؛ يُرَدُّ حتَّى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فلمَّا أزالوها في الدُّنيا؛ أعادها الله في الآخرة ليُذِيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذرٍّ «عراةً» (ثُمَّ قَالَ) ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ قرأ»: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأنبياء: ١٠٤]) قال في «شرح المشكاة»: إن قيل: سياق (٣) الآية في إثبات الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى: نُوجِدكم عن (٤) العدم،

كما أوجدناكم (١) أوَّلًا عن العدم، فكيف يُستَشهد بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأنَّ سياق الآية دلَّ على إثبات الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج (ثُمَّ قَالَ) : (أَلَا) بالتَّخفيف للاستفتاح (وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ؛ لأنَّه أوَّل من عُرِّي في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النَّار، ولا يلزم من أوَّليَّته لذلك تفضيله على نبيِّنا ؛ لأنَّا نقول: إذا استأثر الله عبدًا بفضيلةٍ على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها؛ كانت الفضيلة له، فحلَّة نبيِّنا التي يُكْسَاها بعد الخليل حلَّةٌ خضراء، وهي حلَّة الكرامة؛ بقرينة إجلاسه عند ساق العرش؛ فهي أعلى وأكمل، فتَجبُر (٢) بنفاستها ما فات من الأوَّليَّة، ولا خفاء بأنَّ منصب الشَّفاعة حيث لا يؤذن لأحدٍ غير نبيِّنا فيه لم يُبقِ سابقةً لأولي السَّابقة ولا فضيلةً لذوي الفضائل إلَّا أتت عليها، وكم له من فضائل مختصَّةٍ به لم يُسبَق إليها ولم يُشَارَك فيها (أَلَا) بالتَّخفيف أيضًا (وَإِنَّهُ يُجَاءُ) بضمِّ الياء وفتح الجيم (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) جهة النَّار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُصَيْحَابِي) بضمِّ الهمزة وفتح المهملة مصغَّرًا، والتَّصغير يدل على التَّقليل، والمراد: أنَّهم تأخَّروا عن بعض الحقوق وقصَّروا فيها، أو من ارتدَّ من جفاة الأعراب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أصحابي» بالتَّكبير (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى : (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾» [المائدة: ١١٧] وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مُذْ» (فَارَقْتَهُمْ) لم يُرَدْ به خواصُّ الصَّحابة الذين لزموه وعُرِفُوا بصحبته؛ فقد صانهم الله تعالى وعصمهم من ذلك، وإنَّما ارتدَّ (٣) قومٌ من

جفاة الأعراب من المؤلَّفة قلوبهم، ممَّن لا بصيرة له في الدِّين.

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٦] بعون الله تعالى وقوَّته.

(١٥) (بابُ قَولِهِ) ﷿: (﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾) أي: إن عذَّبتهم (١) فلا تعذِّب إلَّا عبادك، ولا اعتراض على المالك فيما يتصرَّف فيه من ملكه، وهم يستحقُّون ذلك حيث عبدوا غيرك (﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) إن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيعرِضُ بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنَّه تعالى قد حكم بأنَّه من يشرك بالله؛ فقد حرَّم الله عليه الجنَّة؟ أُجيب بأنَّ هذا ليس بسؤالٍ، وإنَّما هو كلامٌ على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته؛ ولذا قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛ تنبيهًا على أنَّه لا امتناع لأحدٍ من عزَّته، ولا اعتراض في حكمه وحكمته، فإن عذَّبت فعدلٌ، وإن غفرت ففضلٌ، قال:

أذنبتُ ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفوِ (٣) أهلُ

فإن عفوتَ ففضلٌ … وإن جزيتَ فعدلُ

وعدم غفران الشِّرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته، وسقط قوله «﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: «الآية».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن الْمسيب قَالَ: الْبحيرَة الَّتِي يمْنَع درها إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رَأَيْت عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ إِلَى آخِره.

وَرَوَاهُ ابنُ الهادِ عنِ ابنِ شهابٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ سَمِعْتُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْحَاكِم: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد رَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن الزُّهْرِيّ كَذَا حَكَاهُ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَسكت وَلم يُنَبه عَلَيْهِ، وَفِيمَا قَالَ الْحَاكِم نظر لِأَن الإِمَام أَحْمد وَابْن جرير روياه من حَدِيث اللَّيْث ابْن سعد عَن ابْن الْهَاد عَن الزُّهْرِيّ نَفسه، وَالله أعلم.

٤٦٢٤ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ أبُو عَبدِ الله الكِرْمَانِيُّ حدَّثنا حسَّانُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضا وَرَأيْتُ عَمْرا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهُوَ أوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: {وَهُوَ أول من سَبَب السوائب} وَمُحَمّد بن أبي يَعْقُوب واسْمه إِسْحَاق أَبُو عبد الله الْكرْمَانِي، قَالَ البُخَارِيّ: كتبت عَنهُ بِالْبَصْرَةِ قدم علينا، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْكرْمَانِي، بِفَتْح الْكَاف. وَقَالَ الْكرْمَانِي الشَّارِح: أَقُول بِكَسْرِهَا، وَهِي بَلْدَتنَا وَأهل مَكَّة أعرف بشعابها، وَحسان إِمَّا من الْحسن أَو من الْحس وَهُوَ كرماني أَيْضا تقدما فِي أَوَائِل البيع، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (يحطم) من الحطم وَهُوَ الْكسر. قَوْله: (عمرا) هُوَ عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (قصبه) وَاحِد الأقصاب وَهِي الأمعاء.

١٤ - (بابٌ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهمْ فَلمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ شَهِيدا} (الْمَائِدَة: ١١٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا} الْآيَة هَذِه والآيات الَّتِي قبلهَا من قَوْله: {وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس} (الْمَائِدَة: ١١٦) إِلَى آخر السُّورَة، مِمَّا يُخَاطب الله بِهِ عَبده وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام قَائِلا لَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِحَضْرَة من اتَّخذهُ وَأمه إلاهين من دون الله تهديدا لِلنَّصَارَى وتوبيخا وتقريعا على رُؤُوس الأشهاد، وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَغَيره.)

٤٦٢٥ - ح دَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخْبَرنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا أيُّها النَّاسُ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُرلاً ثُمَّ قَالَ: {كَمَا بَدَأْنَا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَيْنَا إنّا كُنّا فَاعِلِينَ} (الْأَنْبِيَاء: ١٠٤) إلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ أَلا وَإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبْرَاهِيمُ أَلا وَإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقال إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتُ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} فَيُقَالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة بن النُّعْمَان عَن سعيد بن جُبَير عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى آخِره.

قَوْله: (غرلًا) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة جمع أغرل وَهُوَ الَّذِي لم يختن وَبقيت مِنْهُ غرلته وَهِي مَا يقطعهُ

الْخِتَان من ذكر الصَّبِي. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، جِهَة النَّار. قَوْله: (أصيحابي) ، مصغر الْأَصْحَاب، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالتَّصْغِيرِ يدل على تقليل عَددهمْ وَلم يرد بِهِ خَواص أَصْحَابه الَّذين لزموه وَعرفُوا بِصُحْبَتِهِ أُولَئِكَ صانهم الله وعصمهم من التبديل، وَالَّذِي وَقع من تَأْخِير بعض الْحُقُوق إِنَّمَا كَانَ من جُفَاة الْأَعْرَاف وَكَذَلِكَ الَّذِي ارْتَدَّ مَا كَانَ إلَاّ مِنْهُم مِمَّن لَا بَصِيرَة لَهُ فِي الدّين وَذَلِكَ لَا يُوجب قدحا فِي الصَّحَابَة الْمَشْهُورين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (العَبْد الصَّالح) ، هُوَ عِيسَى ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام.

١٥

- (بابُ قَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (الْمَائِدَة: ١١٨)

(

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تُعَذبهُمْ} الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره عز وَجل، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك.

١٥

- (بابُ قَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (الْمَائِدَة: ١١٨)

(

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تُعَذبهُمْ} الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره عز وَجل، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك.

٤٦٢٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَإنَّ نَاسا يُؤْخَذْ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ إلَى قَوْلِهِ العَزِيزُ الحَكيمُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْقِيَامَة عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَغَيرهمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي مُوسَى وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن غيلَان وَغَيره، وَفِي التَّفْسِير عَن سُلَيْمَان بن عبد الله. قَوْله: (مَحْشُورُونَ) ، يَعْنِي: مجموعون يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَأَن نَاسا) ويروى، وَأَن رجَالًا.

٦ - ( {سُورَةُ الأنْعامِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، ذكر ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْعَام بِمَكَّة شرفها الله لَيْلًا جملَة، وحولها سَبْعُونَ ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وَذكر نَحوه عَن أبي جُحَيْفَة، وَعَن مُجَاهِد، نزل مَعهَا خَمْسمِائَة ملك يزفونها ويحفونها. وَفِي تَفْسِير أبي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي خَمْسمِائَة ألف ملك، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء والكلبي: نزلت الْأَنْعَام بِمَكَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات فَإِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ وَهِي من قَوْله تَعَالَى: {قل تَعَالَوْا} إِلَى قَوْله: {تَتَّقُون} (الْأَنْعَام: ١٥١، ١٥٣) وَفِي أُخْرَى عَن الْكَلْبِيّ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: {مَا أنزل الله على بشر} (الْأَنْعَام: ٩١) الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ قَتَادَة: هما قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} الْآيَة الْأُخْرَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات} (الْأَنْعَام: ١٤١) وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد} (الْمَائِدَة: ١٤٥) نزلت بِمَكَّة يَوْم عَرَفَة. وَقَالَ السخاوي نزلت بعد الْحجر، وَقبل: الصافات، وَفِي (كتاب الْفَضَائِل) لأبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الغافقي، قَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سور الْأَنْعَام تدعى فِي ملكوت الله، وَفِي رِوَايَة تدعى فِي التَّوْرَاة. المرضية، سَمِعت سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: من قَرَأَهَا فقد انْتهى، وَفِي الْكتاب (الْفَائِق فِي اللَّفْظ الرَّائِق) لأبي الْقَاسِم عبد المحسن الْقَيْسِي قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام جملَة وَلم يقطعهَا بِكَلَام غفر لَهُ مَا أسلف من عمل لِأَنَّهَا نزلت جملَة وَمَعَهَا موكب من الْمَلَائِكَة سد مَا بَين الْخَافِقين، لَهُم زجل بالتسبيح وَالْأَرْض بهم ترتج) ، وَهِي مائَة وَخمْس وَسِتُّونَ آيَة وَثَلَاث آلَاف وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ كلمة وَاثنا عشر ألف حرف وَأَرْبَعمِائَة وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حرفا.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

ثَبت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة أبي ذَر لَيْسَ إِلَّا.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذي أشروا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ ثمَّ لم تكن فتنتهم إلَاّ أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} (الْمَائِدَة: ٢٢) وفسرها ابْن عَبَّاس بقوله معذرتهم، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ معمر عَن قَتَادَة: فتنتهم مقالتهم، وَعَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَي: حجتهم.

مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعْرَش مِنَ الكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات وَغير معروشات} (الْأَنْعَام: ١٤) وَفسّر معروشات بقوله: مَا يعرش من الْكَرم، وَغير ذَلِك، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات} قَالَ: مَا يعرش من الكروم، وَغير معروشات مَا لَا يعرش، وَفِي التَّفْسِير، وَقَالَ عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: المعروشات مَا عرش النَّاس، وَغير معروشات مَا خرج فِي الْبر وَالْجِبَال من الثمرات وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: معروشات مسموكات، وَقيل: معروشات مَا يقوم على العراش، وَفِي (الْمغرب) : الْعَرْش السّقف فِي قَوْله: (وَكَانَ عرش الْمَسْجِد من جريد النّخل) أَي: من أفنانه وأغصانه، وعريش الْكَرم مَا يهيأ ليرتفع عَلَيْهِ، وَالْجمع عراش.

حَمُولَةَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْها

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا} (الْأَنْعَام: ١٤٢) وَفسّر الحمولة بقوله: مَا يحمل عَلَيْهَا، وَعَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله فِي قَوْله حمولة، مَا حمل من الْإِبِل وفرشا. قَالَ: الصغار من الْإِبِل رَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الحمولة هِيَ الْكِبَار، والفرش الصغار من الْإِبِل، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: الحمولة الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وكل شَيْء يحمل عَلَيْهِ، والفرش الْغنم، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، قَالَ، وَأَحْسبهُ إِنَّمَا سمى فرشا لدنوه من الأَرْض، وَقَالَ الرّبيع بن أنس وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة، الحمولة الْإِبِل وَالْبَقر، والفرش الْغنم، وَقَالَ السّديّ: أما الحمولة فالإبل، وَأما الْفرش فالفصلان والعجاجيل وَالْغنم وَمَا حمل عَلَيْهِ فَهُوَ حمولة وَقَالَ عبد الرَّحْمَن ابْن زيد بن أسلم: الحمولة تَرْكَبُونَ، والفرش مَا تَأْكُلُونَ وتحلبون، الشَّاة لَا تحمل ويؤكل لَحمهَا وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا.

وَلَلَبَسْنا لَشَبَّهْنَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} (الْأَنْعَام: ٩) وَفسّر: للبسنا، بقوله: لشبهنا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} بقوله لشبهنا عَلَيْهِم، وَأَصله من اللّبْس بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْخَلْط، تَقول: لبس يلبس من بَاب ضرب يضْرب لبسا بِالْفَتْح، وَلبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم لبسا بِالضَّمِّ.

وَيَنْأَوْنَ يَتَبَاعَدُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم ينهون عَنهُ وينأون} وَفسّر: ينأون بقوله: يتباعدون، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَالْمعْنَى: أَن كفار مَكَّة ينهون النَّاس عَن اتِّبَاع الْحق ويتباعدون عَنهُ، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: ينهون النَّاس عَن مُحَمَّد ويتباعدون أَن يُؤمنُوا.

تُبْسلُ تُفْضَحُ أُبْسِلُوا: افْضِحُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَذكر أَن تبسل نفس بِمَا كسبت} وَفسّر لفظ: تبسل بقوله: تفضح، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الضَّحَّاك: عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالْحسن وَالسُّديّ، إِن تبسل: أَن تفضح، وَقَالَ قَتَادَة: تحبس، وَقَالَ أبي زيد: تؤاخذ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: تجزي، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَذكر بِهِ} (الْأَنْعَام: ٧٠) أَي: ذكر النَّاس بِالْقُرْآنِ وحذرهم نعْمَة الله وعذابه الْأَلِيم يَوْم الْقِيَامَة {أَن تبسل نفس بِمَا كسبت} أَي لِئَلَّا تبسل. قَوْله: (أبسلوا) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا} أَي: أفضِحوا بِسَبَب كسبهم، ويروى: فضحوا من الثلاثي على صِيغَة الْمَجْهُول.

باسِطو أيْدِيهِمْ: البَسْطُ الضَّرْبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم} (الْأَنْعَام: ٩٣) وَقَبله: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم} وَجَوَاب: لَو. مَحْذُوف تَقْدِيره لرأيت عجيبا. قَوْله: (باسطو أَيْديهم) ، أَي: بِالضَّرْبِ، وَقيل: بِالْعَذَابِ، وَقيل: بِقَبض الْأَرْوَاح من الأجساد وَيكون هَذَا وَقت الْمَوْت، وَقيل: يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: فِي النَّار، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: باسطو أَيْديهم يبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم يَقُولُونَ أخرجُوا أرواحكم إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذَا عبارَة عَن العنف والإلحاح فِي الإزهاق. قَوْله: (الْبسط الضَّرْب) ، تَفْسِير الْبسط بِالضَّرْبِ غير موجه لِأَن الْمَعْنى الْبسط بِالضَّرْبِ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة يبسطون أَيْديهم بِالضَّرْبِ، كَمَا ذكرنَا.

اسْتَكْثَرْتُمْ أضْلَلْتُمْ كَثِيرا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس} (الْأَنْعَام: ١٢٨) وَفَسرهُ بقوله: أضللتم كثيرا. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: قد استكثرتم من الْإِنْس بِمَعْنى أضللتم مِنْهُم كثيرا. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة، وعجبي من شرَّاح هَذَا الْكتاب كَيفَ أهملوا تَحْقِيق هَذَا الْموضع وَأَمْثَاله، فَمنهمْ من قَالَ هُنَا قَوْله استكثرتم أضللتم كثيرا وَوَصله ابْن أبي حَاتِم كَذَلِك، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ: وَمِنْهُم من لم يذكرهُ أصلا، فَإِذا وصل قارىء البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الْموضع ووقف على قَوْله: استكثرتم أضللتم، وَلم يكن الْقُرْآن فِي حفظه حَتَّى يقف عَلَيْهِ وَلم يعلم أَوله وَلَا آخِره، تحير فِي ذَلِك، فَإِذا رَجَعَ إِلَى شرح من شُرُوح هَؤُلَاءِ يزْدَاد تحيرا. وَشرح البُخَارِيّ لَا يظْهر بِقُوَّة الْحِفْظ فِي الحَدِيث أَو بعلوا السَّنَد أَو بِكَثْرَة النَّقْل، ولايخرج من حَقه إلَاّ من لَهُ يَد فِي الْفُنُون وَلَا سِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول مَعَ تتبع مَعَاني أَلْفَاظه كلمة كلمة، وَبَيَان المُرَاد مِنْهُ والتأمل فِيهِ والغوص فِي تيار تحقيقاته والبروز مِنْهُ بمكنونات تدقيقاته.

ذَرَأ مِنَ الحِرْثِ جَعَلُوا لله مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَا لَهُمْ نَصِيبا وَلِلْشَّيْطَانِ وَالأوْثَانِ نَصِيبا.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا} وَفسّر قَوْله: ذَرأ من الْحَرْث، بقوله: جعلُوا لله إِلَى آخِره، وَهَكَذَا رَوَاهُ بن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد فَإِن سقط من ثمره مَا جعلُوا لله فِي نصيب الشَّيْطَان تَرَكُوهُ، وَإِن سقط مِمَّا جَعَلُوهُ للشَّيْطَان فِي نصيب الله لفظوه.

أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحَامُ الأُنْثَييْنِ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إلَاّ عَلَى ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى فلِمَ تحرِّمونَ بَعْضا وتحلونَ بَعْضا.

هَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَلم أنظر نُسْخَة إلَاّ وَهَذِه التفاسير فِيهَا بَعْضهَا مُتَقَدم وَبَعضهَا مُتَأَخّر وَبَعضهَا غير مَوْجُود، وَفِي النُّسْخَة الَّتِي اعتمادي عَلَيْهَا وَقع هُنَا وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل آلذكرين حرم أم الأُنثيين أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الأُنثيين} (الْأَنْعَام: ١٤٤) ثمَّ فسره قَوْله: يَعْنِي هَل تشْتَمل يَعْنِي: الْأَرْحَام إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يحرمُونَ أجناسا من النعم بَعْضهَا على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَبَعضهَا على النِّسَاء دون الرِّجَال، فاحتج الله عَلَيْهِم. قَوْله: {قَالَ آلذاكرين من حرم أم الأُنثيين} الْآيَة.

فَالَّذِي حرمتم بِأَمْر مَعْلُوم من جِهَة الله يدل عَلَيْهِ أم فَعلْتُمْ ذَلِك كذبا على الله تَعَالَى؟ وَقَالَ الْفراء: جَاءَكُم التَّحْرِيم فِيمَا حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من قبل الذكرين أم الأُنثيين؟ فَإِن قَالُوا: من قبل الذّكر لزم تَحْرِيم كل ذكر أم من قبل الْأُنْثَى، فَكَذَلِك وَإِن قَالُوا: من قبل مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الرَّحِم لزم تَحْرِيم الْجَمِيع لِأَن الرَّحِم لَا يشْتَمل إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى.

أكِنَّةً وَاحِدُها كِنَانٌ

هَذَا ثَبت لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ مُتَقَدم فِي بعض النّسخ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أكنة أَن يفقهوه} (الْأَنْعَام: ٢٥) وَقَبله {وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وَقَرَأَ} الْآيَة، ثمَّ قَالَ: وَاحِدهَا أَي: أحد أكنة كنان على وزن فعال مثل: أَعِنَّة جمع عنان وأسنة جمع سِنَان وَفِي التَّفْسِير: أكنة أَي أغطية لِئَلَّا يفهموا الْقُرْآن {وَجَعَلنَا فِي آذانهم وَقَرَأَ} أَي: صمما من السماع النافع لَهُم.

مَسْفُوحا مُهْراقا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِيمَا أوحى إِلَى محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا} (الْأَنْعَام: ١٤٥ وَفسّر مسفوحا بقوله مهراقا. أَي: مصبوبا وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَو دَمًا مسفوحا يَعْنِي مهراقا.

صَدَفَ أعْرَضَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا} (الْأَنْعَام: ١٥٧) الْآيَة. وَفسّر: صدف. بقوله أعرض، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة، صدف عَنْهَا أعرض عَنْهَا. أَي: عَن آيَات الله تَعَالَى، وَقَالَ السّديّ: أَي صدف عَن اتِّبَاع آيَات الله أَي: صرف النَّاس وصدهم عَن ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (صدف) أعرض قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ هم يصدقون} (الْأَنْعَام: ٤٦) أَي يعرضون قلت البُخَارِيّ لم يذكر إلاّ لفظ صدف وَإِن كَانَ معنى يصدقون كَذَلِك فَلَا بِلَاد من رِعَايَة الْمُنَاسبَة.

أُبْلِسُوا أُوبِسُوا وَأُبْسِلُوا أُسْلِمُوا

أَشَارَ بقوله أبلسوا أوبسوا إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم مبلسون} (الْأَنْعَام: ٤٤) من ذَلِك. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِيهِ: المبلس الحزين النادم، وَقَالَ الْفراء: المبلس الْمُنْقَطع رجاؤه. قَوْله: (أُوبسوا) على صِيغَة الْمَجْهُول كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره أيسوا على صِيغَة الْمَعْلُوم من أيس إِذا انْقَطع رجاؤه قَوْله: أبسلوا بِتَقْدِيم السِّين على اللَّام وَفَسرهُ بقوله أَسْلمُوا أَي: إِلَى الْهَلَاك وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين أبسلو بِمَا كسبوا} (الْأَنْعَام: ٧٠) وَقد مر هَذَا عَن قريب بِغَيْر هَذَا التَّفْسِير.

سَرْمدا دَائما

لَا مُنَاسبَة لذكر هَذَا هَاهُنَا لِأَنَّهُ لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي سُورَة الْقَصَص فِي قَوْله تَعَالَى: {قل أَرَأَيْتُم أَن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة} (الْقَصَص: ٧١) سرمدا أَي: دَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكره هُنَا لمناسبة فالق الإصباح وجاعل اللَّيْل سكنا. قلت: لم يذكر وَجه أَكثر هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة وَلَا تعرض إِلَى تَفْسِيرهَا وَإِنَّمَا ذكر هَذَا مَعَ بَيَان مُنَاسبَة بعيدَة على مَا لَا يخفى.

اسْتَهْوَتْهُ أضَلَّتْهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين} (الْأَنْعَام: ٧١) وَفَسرهُ بقوله أضلته وَكَذَا فسره قَتَادَة.

تَمْتَرُونَ تَشُكُّونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَنْتُم تمترون} (الْأَنْعَام: ٢٠) وَفَسرهُ بقوله: تشكون وَكَذَا فسره السّديّ.

وَقْرٌ صَمْمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي آذانهم وقر} وَفَسرهُ بقوله: صمم هَذَا بِفَتْح الْوَاو عِنْد الْجُمْهُور، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِكَسْر الْوَاو.

وأمْا الوِقْرُ الحِمْلُ

أَي: وَأما الوقر، بِكَسْر الْوَاو فَمَعْنَاه الْحمل، ذكره مُتَّصِلا بِمَا قبله لبَيَان الْفرق بَين مَفْتُوح الْوَاو وَبَين مكسورها.

فَإنَّهُ أسَاطِيرُ وَاحِدُها أُسْطُورَةٌ وَإسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهاتُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ أساطير الْأَوَّلين} وَذكر أَن الأساطير وَاحِدهَا أسطورة، بِضَم الْهمزَة وأسطارة أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ فَسرهَا بقوله وَهِي الترهات، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الرَّاء وَهِي الأباطيل، قَالَ أَبُو زيد هِيَ جمع ترهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، وَهِي فِي الأَصْل الطّرق الصغار المتشعبة عَن الطَّرِيق الْأَعْظَم، وَهِي كِنَايَة عَن الأباطيل، وَقَالَ الْأَصْمَعِي الترهات الطّرق الصغار، وَهِي فارسية معربة ثمَّ استعيرت فِي الأباطيل، فَقيل: الترهات السباسب والترهات الصحاصح، وَهِي من أَسمَاء الْبَاطِل وَرُبمَا جَاءَت مُضَافَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وناس يَقُولُونَ ترة، وَالْجمع: ترارية.

البَأْسَاءُ مِنَ البَأْسِ وَيَكُونُ مِن البُؤْسِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فأخذناهم بالبأساء} وَأَشَارَ إِلَى أَنه يجوز أَن يكون من الْبَأْس هُوَ الشدَّة، وَيجوز، أَن يكون من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَهُوَ الضّر، وَقيل: هُوَ الْفقر وَسُوء الْحَال، وَقَالَ الدَّاودِيّ الْبَأْس الْقِتَال.

جَهْرَةً مُعَايَنَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل أَرَأَيْتُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة وهم يَشْعُرُونَ هَل يُهلك إلَاّ الْقَوْم الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٤٧) البغتة الْفجأَة، والجهرة المعاينة وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.

الصُّوَرُ جَماعَةُ صُورةٍ كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَسُوَرٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم ينْفخ فِي الصُّدُور} (الْأَنْعَام: ٣٣) وَذكر أَن الصُّور جمع صُورَة كَمَا أَن السُّور جمع سُورَة، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله: {يَوْم ينْفخ فِي الصُّور} فَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالصور هُنَا جمع سُورَة أَي: يَوْم ينْفخ فِيهَا ضحى، قَالَ ابْن جرير: كَمَا يُقَال سور لسور الْبَلَد وَهُوَ جمع سُورَة، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بالصور، الْقرن الَّذِي ينْفخ فِيهِ إسْرَافيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا إِسْمَاعِيل حَدثنَا سُلَيْمَان التَّمِيمِي عَن أسلم الْعجلِيّ عَن بشر بن سعاف عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ أَعْرَابِي: يَا رَسُول الله مَا الصُّور؟ قَالَ: قرن ينْفخ فِيهِ انْتهى، وَهُوَ وَاحِد لَا اسْم جمع.

مَلكُوتٌ مُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَبَرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ وَتقُولُ تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أنْ تُرْحَمَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض} وَفسّر ملكوت بقوله: ملك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الملكوت من الْملك كالرهبوت من الرهبة، وَيُقَال: الْوَاو وَالتَّاء فِيهَا زائدتان، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ملكوت كل شَيْء مَعْنَاهُ ملك كل شَيْء أَي: هُوَ مَالك كل شَيْء والمتصرف فِيهِ على حسب مَشِيئَته وَمُقْتَضى إِرَادَته، وَقيل: الملكوت الْملك مَا بلغ الْأَلْفَاظ، وَقيل: الملكوت عَالم الْغَيْب كَمَا أَن الْملك عَالم الشَّهَادَة. قَوْله: {مثل رهبوت خير من رحموت} أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وزن ملكوت مثل وزن رهبوت ورحموت، وَهَذَا مثل يُقَال: رهبوت خير من رحموت، أَي: رهبة خير من رَحْمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا ملكوت وَملك رهبوت رحموت، وَتقول: ترهب خير من أَن ترحم، وَفِيه تعسف وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الَّذِي ذكر أَولا هُوَ الصَّوَاب.

جَنَّ أظْلَمَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل} (الْأَنْعَام: ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: أظلم، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: غطى عَلَيْهِ وأظلم، وَهَذَا فِي قصَّة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام.

تَعَالَى عَلا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ} وَفسّر تَعَالَى بقوله: علا ورقع فِي (مستخرج) أبي نعيم تَعَالَى الله علا الله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٦٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.

قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً، الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الرِّقَاقِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، وَقَوْلُهُ أُصَيْحَابِي، كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّصْغِيرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِغَيْرِ تَصْغِيرٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ عَدَدِ مَنْ وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِبَعْضِ جُفَاةِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُورِينَ.

١٥ - بَاب: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

٤٦٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ، وَإِنَّ نَاسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الْآيَةَ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ قَبْلُ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا.

٦ - سُورَةُ الْأَنْعَامِ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ، ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعْرَشُ مِنْ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا، ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ، تُبْسَلُ: تُفْضَحُ، ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا، ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ، ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا، ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا، ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا؟ ﴿مَسْفُوحًا﴾ مُهْرَاقًا، ﴿وَصَدَفَ﴾ أَعْرَضَ، أُبْلِسُوا: أُويِسُوا، أُبْلسوا: أويسوا، ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا، ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ، ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشركونَ، ﴿وَقْرٌ﴾ صَمَمٌ، وَأَمَّا الْوِقْرُ فَهُو الْحِمْلُ، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهْيَ

التُّرَّهَاتُ، ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ مِنْ الْبَأْسِ، وَيَكُونُ مِنْ الْبُؤْسِ، ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةً، الصُّوَرُ: جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ سُورَةٌ وَسُوَرٌ، مَلَكُوتٌ ومُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَيَقُولُ: تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ، ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ، ﴿تَعَالَى﴾ عَلَا، وَإِنْ تَعْدِلْ: تُقْسِطْ، لَا يُقْبَلْ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ أَيْ حِسَابُهُ، وَيُقَالُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ مُسْتَقِرٌّ: فِي الصُّلْبِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ، الْقِنْوُ: الْعِذْقُ وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا ﴿قِنْوَانٌ﴾ مِثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْأَنْعَامِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْذِرَتُهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ مَقَالَتُهُمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ مَعْذِرَتُهُمْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قَالَ: مَعْذِرَتُهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَذَا ثَبَتَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ قَالَ: مَا يُعَرِّشُ مِنَ الْكُرُومِ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مَا لَا يُعَرِّشُ، وَقِيلَ: الْمَعْرُوشُ مَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ، وَغَيْرُ الْمَعْرُوشِ مَا يُبْسَطُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿حَمُولَةً﴾ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ فَأَمَّا الْحَمُولَةُ فَالْإِبِلُ وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْفَرْشُ صِغَارُ الْإِبِلِ الَّتِي لَمْ تُدِرُّ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهَا. وَقَالَ مَعْمَرُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَالْفَرْشُ حَوَاشِيهَا يَعْنِي صِغَارَهَا. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ غَيْرُ الْحَسَنِ يَقُولُ: الْحَمُولَةُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْفَرْشُ الْغَنَمُ، أَحْسِبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْحَمُولَةُ مَا حُمِلَ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْفَرْشُ الصِّغَارُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ لَشَبَّهْنَا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ أَهْلَ مَكَّةَ) هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَذَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ قَالَ: وَمَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ مِنَ النَّاس فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ.

قَوْلُهُ: ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ يَتَبَاعَدُونَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: يَتَبَاعَدُونَ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أَيْ يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَيَتَبَاعَدُ عَمَّا جَاءَ بِهِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ يَعْنِي أَنْ تُفْضَحَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ أَيْ تُسْلَمَ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ تُحْبَسُ.

قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُفْضِحُوا) كَذَا فِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهِيَ لُغَةٌ، يُقَالُ: فَضَحَ وَأَفْضَحَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ يَعْنِي فُضِحُوا، وَقَدْ

مَضَى كَمَا تَرَى لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الْبَسْطُ الضَّرْبُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ قَالَ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْبَسْطُ الضَّرْبُ. ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ﴾ جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ وَالْأَوْثَانِ نَصِيبًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الْآيَةَ، قَالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرَةِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ لَقَطُوهُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ لِلَّهِ جُزْءًا مِنَ الْحَرْثِ وَلِشُرَكَائِهِمْ جُزْءًا، فَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِمَّا سَمَّوْا لِلَّهِ إِلَى جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ تَرَكُوهُ وَقَالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا، وَمَا ذَهَبَتْ بِهِ الرِّيحُ مِنْ جُزْءِ أَوْثَانِهِمْ إِلَى جُزْءِ اللَّهِ أَخَذُوهُ. وَالْأَنْعَامُ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي الْمَائِدَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكِنَّةً﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وَاحِدُهَا كِنَانٌ أَيْ أَغْطِيَةٌ، وَمِثْلُهُ أَعِنَّةٌ وَعِنَانٌ وَأَسِنَّةٌ وَسِنَانٌ.

قَوْلُهُ: ﴿سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْأَنْعَامِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ سَرْمَدًا أَيْ دَائِمًا، قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْقَطِعُ فَهُوَ سَرْمَدٌ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ (وَجَاعِل اللَّيْلَ سَكَنًا).

قَوْلُهُ: ﴿وَقْرًا﴾ صَمَمٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أَيِ الثِّقَلَ وَالصَّمَمَ وَإِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ، لَكِنَّهُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قَالَ: يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ وَلَا يَعُونَ مِنْهَا شَيْئًا كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ الْقَوْلَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِكَسْرِهَا.

قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوِقْرُ) أَيْ بِكَسْرِ الْوَاوِ (فَإِنَّهُ الْحِمْلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَ: الْوِقْرُ الْحِمْلُ إِذَا كَسَرْتَهُ. وَأَفَادَ الرَّاغِبُ الْوِقْرُ حِمْلُ الْحِمَارِ، وَالْوَسْقُ حِمْلُ الْجَمَلِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ الْكَسْرِ أَنَّ فِي آذَانِهِمْ شَيْئًا يَسُدُّهَا عَنِ اسْتِمَاعِ الْقَوْلِ ثَقِيلًا كَوِقْرِ الْبَعِيرِ.

قَوْلُهُ: (أَسَاطِيرٌ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهَاتُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ وَاحِدُهَا أُسْطُورَةٌ وَأسْطَارَةٌ وَمَجَازُهَا التُّرَّهَاتُ انْتَهَى. وَالتُّرَّهَاتُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَصْلُهَا بِنْيَاتُ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ إِنَّ تَاءَهَا مُنْقَلِبَةٌ مِنْ وَاوٍ وَأَصْلُهَا الْوَرَهُ وَهُوَ الْحُمْقُ.

قَوْلُهُ: (الْبَأْسَاءُ مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ) هُوَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ هِيَ الْبَأْسُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْبُؤْسُ، انْتَهَى. وَالْبَأْسُ الشِّدَّةُ وَالْبُؤْسُ الْفَقْرُ، وَقِيلَ الْبَأْسُ الْقَتْلُ وَالْبُؤْسُ الضُّرُّ.

قَوْلُهُ: ﴿جَهْرَةً﴾ مُعَايَنَةٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ أَيْ فَجْأَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، أَوْ جَهْرَةً، أَيْ عَلَانِيَةً وَهُمْ يَنْظُرُونَ.

قَوْلُهُ: (الصُّوَرُ جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِكَ سُورَةٌ وَسُوَرٌ) بِالصَّادِ أَوَّلًا وَبِالسِّينِ ثَانِيًا كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ فَفِيهَا كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَصُوَرٌ بِالصَّادِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي سُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يُقَالُ إِنَّهَا جَمْعُ صُورَةٍ يُنْفَخُ فِيهَا رُوحُهَا فَتَحْيَا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ وَاحِدُهَا سُورَةٌ، قَالَ النَّابِغَةُ:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً … يُرَى كُلُّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ

انْتَهَى.

وَالثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ لَا اسْمَ جَمْعٍ، وَحَكَى الْفِرَاءُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ النَّفْخُ فِي الْمَوْتَى، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْحَسَنَ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَسَبَقَ النُّحَاسُ فَقَالَ: لَيْسَتْ بِقِرَاءَةٍ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ قِرَاءَةً فِي كِتَابِهِ إِعْرَابِ الشَّوَاذِّ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ عَلَى اللَّهِ حُسْبَانُهُ) أَيْ حِسَابُهُ، تَقَدَّمَ هَذَا فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قَالَ: يَدُورَانِ فِي حِسَابٍ. وَعَنِ الْأَخْفَشِ قَالَ: حُسْبَانٌ جَمْعُ حِسَابٍ مِثْلُ شُهْبَانٍ جَمْعُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (تَعَالَى: عَلَا) وَقَعَ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ تَعَالَى اللَّهُ عَلَا اللَّهُ، وَهُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: ﴿حُسْبَانًا﴾ مَرَامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: ﴿جَنَّ﴾ أَظْلَمَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أَيْ غَطَّى عَلَيْهِ وَأَظْلَمَ، وَمَا جَنَّكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جِنَانٌ لَكَ أَيْ غِطَاءٌ.

قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فِي الصُّلْبِ ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ فِي الرَّحِمِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قَالَ: مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الصُّلْبِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مُسْتَقَرٌّ فِي صُلْبِ الْأَبِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي رَحِمِ الْأُمِّ، وَكَذَا أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْآخِرَةِ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ: الْمُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ وَالْمُسْتَوْدَعُ الْأَرْضُ.

(تَنْبِيهٌ):

قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ الْجَمِيعُ (مُسْتَوْدَعٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي عَمْرٍو فَبِكَسْرِهَا.

قَوْلُهُ: (الْقِنْوُ: الْعِذْقُ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا مِثْلُ صِنْوان وَصِنْوَانٍ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ تَكْرِيرُ صِنْوَانٍ الْأُولَى مَجْرُورَةَ النُّونِ وَالثَّانِيَةُ مَرْفُوعَةٌ، وَسَقَطَتِ الثَّانِيَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَيُوَضِّحُ الْمُرَادَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ الَّذِي هُوَ مَنْقُولٌ مِنْهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ قَالَ: الْقِنْوُ هُوَ الْعِذْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ يَعْنِي الْعُنْقُودَ، وَالِاثْنَانِ قِنْوَانِ، وَالْجَمْعُ قِنْوَانٌ كَلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ الِاثْنَيْنِ مَجْرُورَةٌ وَنُونُ الْجَمْعِ يَدْخُلُهُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْجَرُّ، وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهُ غَيْرَ صِنْوٍ وَصِنْوَانِ وَالْجَمْعُ صِنْوَانٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى قِنْوَانٍ وَصِنْوَانٍ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيِّ فِي إِرَادَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ، فَإِذَا وَصَلَ ظَهَرَ الْفَرْقُ، فَيَقَعُ الْإِعْرَابُ عَلَى النُّونِ فِي الْجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ فَإِنَّهَا مَكْسُورَةُ النُّونِ خَاصَّةً، وَيَقَعُ الْفَرْقُ أَيْضًا بِانْقِلَابِ الْأَلِفِ فِي التَّثْنِيَةِ حَالَ الْجَرِّ وَالنَّصْبِ بِخِلَافِهَا فِي الْجَمْعِ، وَكَذَا بِحَذْفِ نُونِ التَّثْنِيَةِ فِي الْإِضَافَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ.

(تَنْبِيهٌ):

قَرَأَ الْجُمْهُورُ (قِنْوَانٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَالْأَعْرَجُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو - بِضَمِّهَا وَهِيَ لُغَةُ قَيْسٍ، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو رِوَايَةٌ أَيْضًا بِفَتْحِ الْقَافِ، وَخَرَّجَهَا ابْنُ جِنِّيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ لِقِنْوٍ لَا جَمْعٌ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (مَلَكُوتٌ وَمُلْكٌ رَهَبُوتٌ رَحَمُوتٌ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِيهِ تَشْوِيشٌ، وَلِغَيْرِهِ مَلَكُوتٌ مُلْكٌ، مِثْلُ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوتٍ، وَتَقُولُ تُرْهِبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرْحَمَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. فَسَّرَ مَعْنَى مَلَكُوتٍ بِمُلْكٍ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ وَزْنَهُ رَهَبُوتٌ وَرَحَمُوتٌ، وَيُوَضِّحُهُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَيْ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ، خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ فِي الْمَثْلِ رَهَبُوتٌ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ، أَيْ رَهْبَةٌ

خَيْرٌ مِنْ رَحْمَةٍ، انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مَلَكُوتٌ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَقَرَأَ أَبُو السِّمَاكِ بِسُكُونِهَا، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهِيَ بِالنَّبَطِيَّةِ مَلْكُوثَا أَيْ بِسُكُونِ اللَّامِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ، وَعَلَى هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مُعَرَّبَةً وَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مُلْكٍ كما وَرَدَ مِثْلُهُ فِي رَهَبُوتٍ وَجَبَرُوتٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾ تُقْسِطُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ، وَفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْعَدْلَ بِالتَّوْبَةِ، قَالَ: لِأَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تَنْفَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْمَشْهُورُ مَا رَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أَيْ لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ، فَجَعَلَهُ مِنَ الْعِدْلِ بِمَعْنَى الْمِثْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْمَلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُّونَ بَعْضًا) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَلِغَيْرِهِ فِي أَوَائِلِ التَّفَاسِيرِ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَهُوَ إِرْدَافُهُ عَلَى تَفَاسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَلِمَ تُحَرِّمُوا وَلِمَ تُحَلِّلُوا بِغَيْرِ نُونٍ فِيهِمَا، وَحَذْفُ النُّونِ بِغَيْرِ نَاصِبٍ وَلَا جَازِمٍ لُغَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقُولُ أَجَاءَكُمُ التَّحْرِيمُ فِيمَا حَرَّمْتُمْ مِنَ السَّائِبَةِ وَالْبَحِيرَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ مِنْ قِبَلِ الذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنَ الْأُنْثَيَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ الذَّكَرِ لَزِمَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذَكَرِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُنْثَى فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا مِنْ قِبَلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الرَّحِمِ لَزِمَ تَحْرِيمَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ الرَّحِمَ لَا يَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأِ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةً مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، يَعْنِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ مِهْرَاقًا) وَقَعَ هَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أَيْ مِهْرَاقًا مَصْبُوبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سَفَحَ الدَّمْعُ أَيْ سَالَ.

قَوْلُهُ: (صَدَفَ: أَعْرَضَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ، يُقَالُ صَدَفَ عَنِّي بِوَجْهِهِ أَيْ أَعْرَضَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْهَا.

قَوْلُهُ: (أُبْلِسُوا: أُويِسُوا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ أَيِسُوا بِغَيْرِ وَاوٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْحَزِينُ النَّادِمُ، قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسٌ أَيِ اكْتِئَابٌ وَحُزْنٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الْمُبْلِسُ الْبَائِسُ الْمُنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ الَّذِي يَسْكُتُ عِنْدَ انْقِطَاعِ حُجَّتِهِ فَلَا يُجِيبُ: قَدْ أَبْلَسَ، قَالَ الْعَجَّاجُ: يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا دَارِسًا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا

وَتَفْسِيرُ الْمُلبسِ بِالْحَزِينِ بِالْبَائِسِ مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أُبْسِلُوا﴾ أُسْلِمُوا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ أَيْ أُسْلِمُوا، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أَيْ تُرْتَهَنَ وَتُسْلَمَ، قَالَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ

وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ

وَرَوَى مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ قَالَ تُحْبَسُ، قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيْ تُسْلَمُ أَيْ إِلَى الْهَلَاكِ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ.

قَوْلُهُ: ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أَضَلَّتْهُ) هُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ هُوَ الَّذِي تُشَبِّهُ لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَتْبَعَهَا حَتَّى يَهْوِيَ فِي الْأَرْضِ فَيَضِلُّ.

قَوْلُهُ: ﴿تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أَيْ تَشُكُّونَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ عَنِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأدلَّة وإنزال البيِّنات (١) وإرسال الرُّسل، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: «الآية».

٤٦٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ) النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ) الأسديَّ مولاهم الكوفيَّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ) تعالى (عَنْهُما) أنَّه (قَالَ (٢): خَطَبَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ) أي: مجموعون يوم القيامة (إِلَى اللهِ) تعالى حال كونكم (حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا) بضمِّ الغين المعجمة وسكون الراء، جمع أغرل؛ وهو الأقلف، والغُرْلة: القلفة التي تُقطَع من ذَكَرِ الصَّبيِّ، قال ابن عبد البرِّ: يُحشَر الآدمي عاريًا، ولكلٍّ من الأعضاء ما كان له يوم وُلِد، فمن قُطِع له شيءٌ؛ يُرَدُّ حتَّى الأقلف، وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة، فلمَّا أزالوها في الدُّنيا؛ أعادها الله في الآخرة ليُذِيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذرٍّ «عراةً» (ثُمَّ قَالَ) ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «ثمَّ قرأ»: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ … ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأنبياء: ١٠٤]) قال في «شرح المشكاة»: إن قيل: سياق (٣) الآية في إثبات الحشر والنَّشر؛ لأنَّ المعنى: نُوجِدكم عن (٤) العدم،

كما أوجدناكم (١) أوَّلًا عن العدم، فكيف يُستَشهد بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأنَّ سياق الآية دلَّ على إثبات الحشر، وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب الإدماج (ثُمَّ قَالَ) : (أَلَا) بالتَّخفيف للاستفتاح (وَإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ) الخليل ؛ لأنَّه أوَّل من عُرِّي في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النَّار، ولا يلزم من أوَّليَّته لذلك تفضيله على نبيِّنا ؛ لأنَّا نقول: إذا استأثر الله عبدًا بفضيلةٍ على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها؛ كانت الفضيلة له، فحلَّة نبيِّنا التي يُكْسَاها بعد الخليل حلَّةٌ خضراء، وهي حلَّة الكرامة؛ بقرينة إجلاسه عند ساق العرش؛ فهي أعلى وأكمل، فتَجبُر (٢) بنفاستها ما فات من الأوَّليَّة، ولا خفاء بأنَّ منصب الشَّفاعة حيث لا يؤذن لأحدٍ غير نبيِّنا فيه لم يُبقِ سابقةً لأولي السَّابقة ولا فضيلةً لذوي الفضائل إلَّا أتت عليها، وكم له من فضائل مختصَّةٍ به لم يُسبَق إليها ولم يُشَارَك فيها (أَلَا) بالتَّخفيف أيضًا (وَإِنَّهُ يُجَاءُ) بضمِّ الياء وفتح الجيم (بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) جهة النَّار (فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُصَيْحَابِي) بضمِّ الهمزة وفتح المهملة مصغَّرًا، والتَّصغير يدل على التَّقليل، والمراد: أنَّهم تأخَّروا عن بعض الحقوق وقصَّروا فيها، أو من ارتدَّ من جفاة الأعراب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «أصحابي» بالتَّكبير (فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ) عيسى : (﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾) زاد أبو ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾» [المائدة: ١١٧] وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ) بالنُّون، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: «مُذْ» (فَارَقْتَهُمْ) لم يُرَدْ به خواصُّ الصَّحابة الذين لزموه وعُرِفُوا بصحبته؛ فقد صانهم الله تعالى وعصمهم من ذلك، وإنَّما ارتدَّ (٣) قومٌ من

جفاة الأعراب من المؤلَّفة قلوبهم، ممَّن لا بصيرة له في الدِّين.

وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في «الرِّقاق» [خ¦٦٥٢٦] بعون الله تعالى وقوَّته.

(١٥) (بابُ قَولِهِ) ﷿: (﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾) أي: إن عذَّبتهم (١) فلا تعذِّب إلَّا عبادك، ولا اعتراض على المالك فيما يتصرَّف فيه من ملكه، وهم يستحقُّون ذلك حيث عبدوا غيرك (﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]) إن قيل: كيف جاز أن يقول: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيعرِضُ بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنَّه تعالى قد حكم بأنَّه من يشرك بالله؛ فقد حرَّم الله عليه الجنَّة؟ أُجيب بأنَّ هذا ليس بسؤالٍ، وإنَّما هو كلامٌ على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته؛ ولذا قال: ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛ تنبيهًا على أنَّه لا امتناع لأحدٍ من عزَّته، ولا اعتراض في حكمه وحكمته، فإن عذَّبت فعدلٌ، وإن غفرت ففضلٌ، قال:

أذنبتُ ذنبًا عظيمًا … وأنت للعفوِ (٣) أهلُ

فإن عفوتَ ففضلٌ … وإن جزيتَ فعدلُ

وعدم غفران الشِّرك مقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته، وسقط قوله «﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال بعد قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: «الآية».

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن الْمسيب قَالَ: الْبحيرَة الَّتِي يمْنَع درها إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رَأَيْت عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ إِلَى آخِره.

وَرَوَاهُ ابنُ الهادِ عنِ ابنِ شهابٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ سَمِعْتُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور يزِيد بن عبد الله بن أُسَامَة بن الْهَاد اللَّيْثِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب، وَقَالَ الْحَاكِم: أَرَادَ البُخَارِيّ أَن يزِيد بن عبد الله بن الْهَاد رَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب بن بخت عَن الزُّهْرِيّ كَذَا حَكَاهُ الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَسكت وَلم يُنَبه عَلَيْهِ، وَفِيمَا قَالَ الْحَاكِم نظر لِأَن الإِمَام أَحْمد وَابْن جرير روياه من حَدِيث اللَّيْث ابْن سعد عَن ابْن الْهَاد عَن الزُّهْرِيّ نَفسه، وَالله أعلم.

٤٦٢٤ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ أبِي يَعْقُوبَ أبُو عَبدِ الله الكِرْمَانِيُّ حدَّثنا حسَّانُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضا وَرَأيْتُ عَمْرا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهُوَ أوَّلُ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: {وَهُوَ أول من سَبَب السوائب} وَمُحَمّد بن أبي يَعْقُوب واسْمه إِسْحَاق أَبُو عبد الله الْكرْمَانِي، قَالَ البُخَارِيّ: كتبت عَنهُ بِالْبَصْرَةِ قدم علينا، وَقَالَ: مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْكرْمَانِي، بِفَتْح الْكَاف. وَقَالَ الْكرْمَانِي الشَّارِح: أَقُول بِكَسْرِهَا، وَهِي بَلْدَتنَا وَأهل مَكَّة أعرف بشعابها، وَحسان إِمَّا من الْحسن أَو من الْحس وَهُوَ كرماني أَيْضا تقدما فِي أَوَائِل البيع، وَيُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: (يحطم) من الحطم وَهُوَ الْكسر. قَوْله: (عمرا) هُوَ عَمْرو بن عَامر الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (قصبه) وَاحِد الأقصاب وَهِي الأمعاء.

١٤ - (بابٌ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهمْ فَلمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلُّ شَيْءٍ شَهِيدا} (الْمَائِدَة: ١١٧)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا} الْآيَة هَذِه والآيات الَّتِي قبلهَا من قَوْله: {وَإِذا قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس} (الْمَائِدَة: ١١٦) إِلَى آخر السُّورَة، مِمَّا يُخَاطب الله بِهِ عَبده وَرَسُوله عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام قَائِلا لَهُ يَوْم الْقِيَامَة بِحَضْرَة من اتَّخذهُ وَأمه إلاهين من دون الله تهديدا لِلنَّصَارَى وتوبيخا وتقريعا على رُؤُوس الأشهاد، وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَغَيره.)

٤٦٢٥ - ح دَّثنا أبُو الوَلِيدِ حدَّثنا شُعْبَةُ أخْبَرنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بن جُبَيْرٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال خَطَبَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا أيُّها النَّاسُ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إلَى الله حُفاةً عُرَاةً غُرلاً ثُمَّ قَالَ: {كَمَا بَدَأْنَا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَيْنَا إنّا كُنّا فَاعِلِينَ} (الْأَنْبِيَاء: ١٠٤) إلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ أَلا وَإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبْرَاهِيمُ أَلا وَإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فأقُولُ يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقال إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَالِحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتُ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} فَيُقَالُ إنَّ هاؤُلاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِينَ عَلَى أعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والْحَدِيث قد مضى فِي مَنَاقِب إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأخرجه هُنَاكَ عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان عَن الْمُغيرَة بن النُّعْمَان عَن سعيد بن جُبَير عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى آخِره.

قَوْله: (غرلًا) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة جمع أغرل وَهُوَ الَّذِي لم يختن وَبقيت مِنْهُ غرلته وَهِي مَا يقطعهُ

الْخِتَان من ذكر الصَّبِي. قَوْله: (ذَات الشمَال) ، جِهَة النَّار. قَوْله: (أصيحابي) ، مصغر الْأَصْحَاب، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِالتَّصْغِيرِ يدل على تقليل عَددهمْ وَلم يرد بِهِ خَواص أَصْحَابه الَّذين لزموه وَعرفُوا بِصُحْبَتِهِ أُولَئِكَ صانهم الله وعصمهم من التبديل، وَالَّذِي وَقع من تَأْخِير بعض الْحُقُوق إِنَّمَا كَانَ من جُفَاة الْأَعْرَاف وَكَذَلِكَ الَّذِي ارْتَدَّ مَا كَانَ إلَاّ مِنْهُم مِمَّن لَا بَصِيرَة لَهُ فِي الدّين وَذَلِكَ لَا يُوجب قدحا فِي الصَّحَابَة الْمَشْهُورين، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. قَوْله: (العَبْد الصَّالح) ، هُوَ عِيسَى ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا السَّلَام.

١٥

- (بابُ قَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (الْمَائِدَة: ١١٨)

(

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تُعَذبهُمْ} الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره عز وَجل، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك.

١٥

- (بابُ قَوْلِهِ: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (الْمَائِدَة: ١١٨)

(

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تُعَذبهُمْ} الْآيَة. هَذَا حِكَايَة عَن كَلَام عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، ذكر ذَلِك على وَجه الاستعطاف وَالتَّسْلِيم لأَمره عز وَجل، وَالْمعْنَى: إِن تعذب هَؤُلَاءِ فَذَلِك بإقامتهم على كفرهم، وَإِن تغْفر لَهُم فبتوبة كَانَت مِنْهُم لأَنهم عِبَادك وَأَنت الْعَادِل فيهم وَأَنت فِي مغفرتك عَزِيز لَا يمْتَنع عَلَيْك مَا تُرِيدُ حَكِيم فِي ذَلِك.

٤٦٢٦ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا المُغِيرَةُ بنُ النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ وَإنَّ نَاسا يُؤْخَذْ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأقُولُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ إلَى قَوْلِهِ العَزِيزُ الحَكيمُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن بنْدَار عَن غنْدر، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَأخرجه مُسلم فِي صفة الْقِيَامَة عَن أبي مُوسَى وَبُنْدَار وَغَيرهمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد عَن أبي مُوسَى وَغَيره، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْجَنَائِز عَن مُحَمَّد بن غيلَان وَغَيره، وَفِي التَّفْسِير عَن سُلَيْمَان بن عبد الله. قَوْله: (مَحْشُورُونَ) ، يَعْنِي: مجموعون يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَأَن نَاسا) ويروى، وَأَن رجَالًا.

٦ - ( {سُورَةُ الأنْعامِ} )

أَي: هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، ذكر ابْن الْمُنْذر بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْعَام بِمَكَّة شرفها الله لَيْلًا جملَة، وحولها سَبْعُونَ ألف ملك يجأرون بالتسبيح، وَذكر نَحوه عَن أبي جُحَيْفَة، وَعَن مُجَاهِد، نزل مَعهَا خَمْسمِائَة ملك يزفونها ويحفونها. وَفِي تَفْسِير أبي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم البستي خَمْسمِائَة ألف ملك، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعَطَاء والكلبي: نزلت الْأَنْعَام بِمَكَّة إلَاّ ثَلَاث آيَات فَإِنَّهَا نزلت بِالْمَدِينَةِ وَهِي من قَوْله تَعَالَى: {قل تَعَالَوْا} إِلَى قَوْله: {تَتَّقُون} (الْأَنْعَام: ١٥١، ١٥٣) وَفِي أُخْرَى عَن الْكَلْبِيّ: هِيَ مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: {مَا أنزل الله على بشر} (الْأَنْعَام: ٩١) الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ قَتَادَة: هما قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قدرُوا الله حق قدره} الْآيَة الْأُخْرَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات} (الْأَنْعَام: ١٤١) وَذكر ابْن الْعَرَبِيّ أَن قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد} (الْمَائِدَة: ١٤٥) نزلت بِمَكَّة يَوْم عَرَفَة. وَقَالَ السخاوي نزلت بعد الْحجر، وَقبل: الصافات، وَفِي (كتاب الْفَضَائِل) لأبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الغافقي، قَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سور الْأَنْعَام تدعى فِي ملكوت الله، وَفِي رِوَايَة تدعى فِي التَّوْرَاة. المرضية، سَمِعت سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: من قَرَأَهَا فقد انْتهى، وَفِي الْكتاب (الْفَائِق فِي اللَّفْظ الرَّائِق) لأبي الْقَاسِم عبد المحسن الْقَيْسِي قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام جملَة وَلم يقطعهَا بِكَلَام غفر لَهُ مَا أسلف من عمل لِأَنَّهَا نزلت جملَة وَمَعَهَا موكب من الْمَلَائِكَة سد مَا بَين الْخَافِقين، لَهُم زجل بالتسبيح وَالْأَرْض بهم ترتج) ، وَهِي مائَة وَخمْس وَسِتُّونَ آيَة وَثَلَاث آلَاف وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ كلمة وَاثنا عشر ألف حرف وَأَرْبَعمِائَة وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ حرفا.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

ثَبت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة أبي ذَر لَيْسَ إِلَّا.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ

أَشَارَ بِهِ إِلَى بَيَان تَفْسِير قَوْله عز وَجل: {وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذي أشروا أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ ثمَّ لم تكن فتنتهم إلَاّ أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين} (الْمَائِدَة: ٢٢) وفسرها ابْن عَبَّاس بقوله معذرتهم، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقَالَ معمر عَن قَتَادَة: فتنتهم مقالتهم، وَعَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَي: حجتهم.

مَعْرُوشَاتٍ مَا يُعْرَش مِنَ الكَرْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

لم يَقع هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات وَغير معروشات} (الْأَنْعَام: ١٤) وَفسّر معروشات بقوله: مَا يعرش من الْكَرم، وَغير ذَلِك، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات} قَالَ: مَا يعرش من الكروم، وَغير معروشات مَا لَا يعرش، وَفِي التَّفْسِير، وَقَالَ عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: المعروشات مَا عرش النَّاس، وَغير معروشات مَا خرج فِي الْبر وَالْجِبَال من الثمرات وَعَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: معروشات مسموكات، وَقيل: معروشات مَا يقوم على العراش، وَفِي (الْمغرب) : الْعَرْش السّقف فِي قَوْله: (وَكَانَ عرش الْمَسْجِد من جريد النّخل) أَي: من أفنانه وأغصانه، وعريش الْكَرم مَا يهيأ ليرتفع عَلَيْهِ، وَالْجمع عراش.

حَمُولَةَ مَا يُحْمَلُ عَلَيْها

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا} (الْأَنْعَام: ١٤٢) وَفسّر الحمولة بقوله: مَا يحمل عَلَيْهَا، وَعَن الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي الْأَحْوَص عَن عبد الله فِي قَوْله حمولة، مَا حمل من الْإِبِل وفرشا. قَالَ: الصغار من الْإِبِل رَوَاهُ الْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الحمولة هِيَ الْكِبَار، والفرش الصغار من الْإِبِل، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: الحمولة الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وكل شَيْء يحمل عَلَيْهِ، والفرش الْغنم، وَاخْتَارَهُ ابْن جرير، قَالَ، وَأَحْسبهُ إِنَّمَا سمى فرشا لدنوه من الأَرْض، وَقَالَ الرّبيع بن أنس وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة، الحمولة الْإِبِل وَالْبَقر، والفرش الْغنم، وَقَالَ السّديّ: أما الحمولة فالإبل، وَأما الْفرش فالفصلان والعجاجيل وَالْغنم وَمَا حمل عَلَيْهِ فَهُوَ حمولة وَقَالَ عبد الرَّحْمَن ابْن زيد بن أسلم: الحمولة تَرْكَبُونَ، والفرش مَا تَأْكُلُونَ وتحلبون، الشَّاة لَا تحمل ويؤكل لَحمهَا وتتخذون من صوفها لحافا وفرشا.

وَلَلَبَسْنا لَشَبَّهْنَا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} (الْأَنْعَام: ٩) وَفسّر: للبسنا، بقوله: لشبهنا، وَوَصله ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، فِي قَوْله: {وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ} بقوله لشبهنا عَلَيْهِم، وَأَصله من اللّبْس بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الْخَلْط، تَقول: لبس يلبس من بَاب ضرب يضْرب لبسا بِالْفَتْح، وَلبس الثَّوْب يلبس من بَاب علم يعلم لبسا بِالضَّمِّ.

وَيَنْأَوْنَ يَتَبَاعَدُونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وهم ينهون عَنهُ وينأون} وَفسّر: ينأون بقوله: يتباعدون، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، وَالْمعْنَى: أَن كفار مَكَّة ينهون النَّاس عَن اتِّبَاع الْحق ويتباعدون عَنهُ، وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة: ينهون النَّاس عَن مُحَمَّد ويتباعدون أَن يُؤمنُوا.

تُبْسلُ تُفْضَحُ أُبْسِلُوا: افْضِحُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَذكر أَن تبسل نفس بِمَا كسبت} وَفسّر لفظ: تبسل بقوله: تفضح، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الضَّحَّاك: عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَعِكْرِمَة وَالْحسن وَالسُّديّ، إِن تبسل: أَن تفضح، وَقَالَ قَتَادَة: تحبس، وَقَالَ أبي زيد: تؤاخذ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: تجزي، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَذكر بِهِ} (الْأَنْعَام: ٧٠) أَي: ذكر النَّاس بِالْقُرْآنِ وحذرهم نعْمَة الله وعذابه الْأَلِيم يَوْم الْقِيَامَة {أَن تبسل نفس بِمَا كسبت} أَي لِئَلَّا تبسل. قَوْله: (أبسلوا) ، إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا} أَي: أفضِحوا بِسَبَب كسبهم، ويروى: فضحوا من الثلاثي على صِيغَة الْمَجْهُول.

باسِطو أيْدِيهِمْ: البَسْطُ الضَّرْبُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم} (الْأَنْعَام: ٩٣) وَقَبله: {وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم} وَجَوَاب: لَو. مَحْذُوف تَقْدِيره لرأيت عجيبا. قَوْله: (باسطو أَيْديهم) ، أَي: بِالضَّرْبِ، وَقيل: بِالْعَذَابِ، وَقيل: بِقَبض الْأَرْوَاح من الأجساد وَيكون هَذَا وَقت الْمَوْت، وَقيل: يَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: فِي النَّار، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: باسطو أَيْديهم يبسطون إِلَيْهِم أَيْديهم يَقُولُونَ أخرجُوا أرواحكم إِلَيْنَا من أجسادكم، وَهَذَا عبارَة عَن العنف والإلحاح فِي الإزهاق. قَوْله: (الْبسط الضَّرْب) ، تَفْسِير الْبسط بِالضَّرْبِ غير موجه لِأَن الْمَعْنى الْبسط بِالضَّرْبِ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة يبسطون أَيْديهم بِالضَّرْبِ، كَمَا ذكرنَا.

اسْتَكْثَرْتُمْ أضْلَلْتُمْ كَثِيرا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس} (الْأَنْعَام: ١٢٨) وَفَسرهُ بقوله: أضللتم كثيرا. وَقَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس: قد استكثرتم من الْإِنْس بِمَعْنى أضللتم مِنْهُم كثيرا. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَالْحسن وَقَتَادَة، وعجبي من شرَّاح هَذَا الْكتاب كَيفَ أهملوا تَحْقِيق هَذَا الْموضع وَأَمْثَاله، فَمنهمْ من قَالَ هُنَا قَوْله استكثرتم أضللتم كثيرا وَوَصله ابْن أبي حَاتِم كَذَلِك، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ: وَمِنْهُم من لم يذكرهُ أصلا، فَإِذا وصل قارىء البُخَارِيّ إِلَى هَذَا الْموضع ووقف على قَوْله: استكثرتم أضللتم، وَلم يكن الْقُرْآن فِي حفظه حَتَّى يقف عَلَيْهِ وَلم يعلم أَوله وَلَا آخِره، تحير فِي ذَلِك، فَإِذا رَجَعَ إِلَى شرح من شُرُوح هَؤُلَاءِ يزْدَاد تحيرا. وَشرح البُخَارِيّ لَا يظْهر بِقُوَّة الْحِفْظ فِي الحَدِيث أَو بعلوا السَّنَد أَو بِكَثْرَة النَّقْل، ولايخرج من حَقه إلَاّ من لَهُ يَد فِي الْفُنُون وَلَا سِيمَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول مَعَ تتبع مَعَاني أَلْفَاظه كلمة كلمة، وَبَيَان المُرَاد مِنْهُ والتأمل فِيهِ والغوص فِي تيار تحقيقاته والبروز مِنْهُ بمكنونات تدقيقاته.

ذَرَأ مِنَ الحِرْثِ جَعَلُوا لله مِنْ ثَمَرَاتِهِمْ وَمَا لَهُمْ نَصِيبا وَلِلْشَّيْطَانِ وَالأوْثَانِ نَصِيبا.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا} وَفسّر قَوْله: ذَرأ من الْحَرْث، بقوله: جعلُوا لله إِلَى آخِره، وَهَكَذَا رَوَاهُ بن الْمُنْذر بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس، وَزَاد فَإِن سقط من ثمره مَا جعلُوا لله فِي نصيب الشَّيْطَان تَرَكُوهُ، وَإِن سقط مِمَّا جَعَلُوهُ للشَّيْطَان فِي نصيب الله لفظوه.

أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحَامُ الأُنْثَييْنِ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ إلَاّ عَلَى ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى فلِمَ تحرِّمونَ بَعْضا وتحلونَ بَعْضا.

هَذَا وَقع لغير أبي ذَر، وَلم أنظر نُسْخَة إلَاّ وَهَذِه التفاسير فِيهَا بَعْضهَا مُتَقَدم وَبَعضهَا مُتَأَخّر وَبَعضهَا غير مَوْجُود، وَفِي النُّسْخَة الَّتِي اعتمادي عَلَيْهَا وَقع هُنَا وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل آلذكرين حرم أم الأُنثيين أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الأُنثيين} (الْأَنْعَام: ١٤٤) ثمَّ فسره قَوْله: يَعْنِي هَل تشْتَمل يَعْنِي: الْأَرْحَام إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى، وَكَانَ الْمُشْركُونَ يحرمُونَ أجناسا من النعم بَعْضهَا على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَبَعضهَا على النِّسَاء دون الرِّجَال، فاحتج الله عَلَيْهِم. قَوْله: {قَالَ آلذاكرين من حرم أم الأُنثيين} الْآيَة.

فَالَّذِي حرمتم بِأَمْر مَعْلُوم من جِهَة الله يدل عَلَيْهِ أم فَعلْتُمْ ذَلِك كذبا على الله تَعَالَى؟ وَقَالَ الْفراء: جَاءَكُم التَّحْرِيم فِيمَا حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من قبل الذكرين أم الأُنثيين؟ فَإِن قَالُوا: من قبل الذّكر لزم تَحْرِيم كل ذكر أم من قبل الْأُنْثَى، فَكَذَلِك وَإِن قَالُوا: من قبل مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الرَّحِم لزم تَحْرِيم الْجَمِيع لِأَن الرَّحِم لَا يشْتَمل إلَاّ على ذكر أَو أُنْثَى.

أكِنَّةً وَاحِدُها كِنَانٌ

هَذَا ثَبت لأبي ذَر عَن الْمُسْتَمْلِي، وَهُوَ مُتَقَدم فِي بعض النّسخ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أكنة أَن يفقهوه} (الْأَنْعَام: ٢٥) وَقَبله {وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه وَفِي آذانهم وَقَرَأَ} الْآيَة، ثمَّ قَالَ: وَاحِدهَا أَي: أحد أكنة كنان على وزن فعال مثل: أَعِنَّة جمع عنان وأسنة جمع سِنَان وَفِي التَّفْسِير: أكنة أَي أغطية لِئَلَّا يفهموا الْقُرْآن {وَجَعَلنَا فِي آذانهم وَقَرَأَ} أَي: صمما من السماع النافع لَهُم.

مَسْفُوحا مُهْراقا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل لَا أجد فِيمَا أوحى إِلَى محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا} (الْأَنْعَام: ١٤٥ وَفسّر مسفوحا بقوله مهراقا. أَي: مصبوبا وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَو دَمًا مسفوحا يَعْنِي مهراقا.

صَدَفَ أعْرَضَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {فَمن أظلم مِمَّن كذب بآيَات الله وصدف عَنْهَا} (الْأَنْعَام: ١٥٧) الْآيَة. وَفسّر: صدف. بقوله أعرض، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة، صدف عَنْهَا أعرض عَنْهَا. أَي: عَن آيَات الله تَعَالَى، وَقَالَ السّديّ: أَي صدف عَن اتِّبَاع آيَات الله أَي: صرف النَّاس وصدهم عَن ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (صدف) أعرض قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ هم يصدقون} (الْأَنْعَام: ٤٦) أَي يعرضون قلت البُخَارِيّ لم يذكر إلاّ لفظ صدف وَإِن كَانَ معنى يصدقون كَذَلِك فَلَا بِلَاد من رِعَايَة الْمُنَاسبَة.

أُبْلِسُوا أُوبِسُوا وَأُبْسِلُوا أُسْلِمُوا

أَشَارَ بقوله أبلسوا أوبسوا إِلَى أَن معنى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا هم مبلسون} (الْأَنْعَام: ٤٤) من ذَلِك. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِيهِ: المبلس الحزين النادم، وَقَالَ الْفراء: المبلس الْمُنْقَطع رجاؤه. قَوْله: (أُوبسوا) على صِيغَة الْمَجْهُول كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره أيسوا على صِيغَة الْمَعْلُوم من أيس إِذا انْقَطع رجاؤه قَوْله: أبسلوا بِتَقْدِيم السِّين على اللَّام وَفَسرهُ بقوله أَسْلمُوا أَي: إِلَى الْهَلَاك وَأَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين أبسلو بِمَا كسبوا} (الْأَنْعَام: ٧٠) وَقد مر هَذَا عَن قريب بِغَيْر هَذَا التَّفْسِير.

سَرْمدا دَائما

لَا مُنَاسبَة لذكر هَذَا هَاهُنَا لِأَنَّهُ لم يَقع هَذَا إلَاّ فِي سُورَة الْقَصَص فِي قَوْله تَعَالَى: {قل أَرَأَيْتُم أَن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة} (الْقَصَص: ٧١) سرمدا أَي: دَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكره هُنَا لمناسبة فالق الإصباح وجاعل اللَّيْل سكنا. قلت: لم يذكر وَجه أَكثر هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة وَلَا تعرض إِلَى تَفْسِيرهَا وَإِنَّمَا ذكر هَذَا مَعَ بَيَان مُنَاسبَة بعيدَة على مَا لَا يخفى.

اسْتَهْوَتْهُ أضَلَّتْهُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين} (الْأَنْعَام: ٧١) وَفَسرهُ بقوله أضلته وَكَذَا فسره قَتَادَة.

تَمْتَرُونَ تَشُكُّونَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَنْتُم تمترون} (الْأَنْعَام: ٢٠) وَفَسرهُ بقوله: تشكون وَكَذَا فسره السّديّ.

وَقْرٌ صَمْمٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَفِي آذانهم وقر} وَفَسرهُ بقوله: صمم هَذَا بِفَتْح الْوَاو عِنْد الْجُمْهُور، وَقَرَأَ طَلْحَة بن مصرف بِكَسْر الْوَاو.

وأمْا الوِقْرُ الحِمْلُ

أَي: وَأما الوقر، بِكَسْر الْوَاو فَمَعْنَاه الْحمل، ذكره مُتَّصِلا بِمَا قبله لبَيَان الْفرق بَين مَفْتُوح الْوَاو وَبَين مكسورها.

فَإنَّهُ أسَاطِيرُ وَاحِدُها أُسْطُورَةٌ وَإسْطَارَةٌ وَهِيَ التُّرَّهاتُ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إلَاّ أساطير الْأَوَّلين} وَذكر أَن الأساطير وَاحِدهَا أسطورة، بِضَم الْهمزَة وأسطارة أَيْضا بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ فَسرهَا بقوله وَهِي الترهات، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الرَّاء وَهِي الأباطيل، قَالَ أَبُو زيد هِيَ جمع ترهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير، وَهِي فِي الأَصْل الطّرق الصغار المتشعبة عَن الطَّرِيق الْأَعْظَم، وَهِي كِنَايَة عَن الأباطيل، وَقَالَ الْأَصْمَعِي الترهات الطّرق الصغار، وَهِي فارسية معربة ثمَّ استعيرت فِي الأباطيل، فَقيل: الترهات السباسب والترهات الصحاصح، وَهِي من أَسمَاء الْبَاطِل وَرُبمَا جَاءَت مُضَافَة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وناس يَقُولُونَ ترة، وَالْجمع: ترارية.

البَأْسَاءُ مِنَ البَأْسِ وَيَكُونُ مِن البُؤْسِ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فأخذناهم بالبأساء} وَأَشَارَ إِلَى أَنه يجوز أَن يكون من الْبَأْس هُوَ الشدَّة، وَيجوز، أَن يكون من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَهُوَ الضّر، وَقيل: هُوَ الْفقر وَسُوء الْحَال، وَقَالَ الدَّاودِيّ الْبَأْس الْقِتَال.

جَهْرَةً مُعَايَنَةً

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {قل أَرَأَيْتُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة أَو جهرة وهم يَشْعُرُونَ هَل يُهلك إلَاّ الْقَوْم الظَّالِمُونَ} (الْأَنْعَام: ٤٧) البغتة الْفجأَة، والجهرة المعاينة وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة.

الصُّوَرُ جَماعَةُ صُورةٍ كَقَوْلِهِ صُورَةٌ وَسُوَرٌ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {يَوْم ينْفخ فِي الصُّدُور} (الْأَنْعَام: ٣٣) وَذكر أَن الصُّور جمع صُورَة كَمَا أَن السُّور جمع سُورَة، وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله: {يَوْم ينْفخ فِي الصُّور} فَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالصور هُنَا جمع سُورَة أَي: يَوْم ينْفخ فِيهَا ضحى، قَالَ ابْن جرير: كَمَا يُقَال سور لسور الْبَلَد وَهُوَ جمع سُورَة، وَالصَّحِيح أَن المُرَاد بالصور، الْقرن الَّذِي ينْفخ فِيهِ إسْرَافيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا إِسْمَاعِيل حَدثنَا سُلَيْمَان التَّمِيمِي عَن أسلم الْعجلِيّ عَن بشر بن سعاف عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ أَعْرَابِي: يَا رَسُول الله مَا الصُّور؟ قَالَ: قرن ينْفخ فِيهِ انْتهى، وَهُوَ وَاحِد لَا اسْم جمع.

مَلكُوتٌ مُلْكٌ مِثْلُ رَهَبُوتٍ خَبَرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ وَتقُولُ تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أنْ تُرْحَمَ.

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض} وَفسّر ملكوت بقوله: ملك، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الملكوت من الْملك كالرهبوت من الرهبة، وَيُقَال: الْوَاو وَالتَّاء فِيهَا زائدتان، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ملكوت كل شَيْء مَعْنَاهُ ملك كل شَيْء أَي: هُوَ مَالك كل شَيْء والمتصرف فِيهِ على حسب مَشِيئَته وَمُقْتَضى إِرَادَته، وَقيل: الملكوت الْملك مَا بلغ الْأَلْفَاظ، وَقيل: الملكوت عَالم الْغَيْب كَمَا أَن الْملك عَالم الشَّهَادَة. قَوْله: {مثل رهبوت خير من رحموت} أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن وزن ملكوت مثل وزن رهبوت ورحموت، وَهَذَا مثل يُقَال: رهبوت خير من رحموت، أَي: رهبة خير من رَحْمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا ملكوت وَملك رهبوت رحموت، وَتقول: ترهب خير من أَن ترحم، وَفِيه تعسف وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين الَّذِي ذكر أَولا هُوَ الصَّوَاب.

جَنَّ أظْلَمَ

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل} (الْأَنْعَام: ٧٦) وَفَسرهُ بقوله: أظلم، وَعَن أبي عُبَيْدَة أَي: غطى عَلَيْهِ وأظلم، وَهَذَا فِي قصَّة إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ السَّلَام.

تَعَالَى عَلا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ} وَفسّر تَعَالَى بقوله: علا ورقع فِي (مستخرج) أبي نعيم تَعَالَى الله علا الله

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله