«لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4628

الحديث رقم 4628 من كتاب «سورة الأنعام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن…

«لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا أَهْوَنُ، أَوْ: هَذَا أَيْسَرُ.»

﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾

سند حديث: ٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

٤٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن…

لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر} أي الكامل القدرة ({على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كالحجارة التي أمطر بها قوم لوط، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، {أو من تحت أرجلكم} كالرجفة والخسفة التي أصابت قوم صالح وقارون، قال صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك أي من عذابك، {أو يلبسكم شيعا} أي يخلطكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، {ويذيق بعضكم بأس بعض} بالقتال بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أهون أو هذا أيسر، أي مما قبله؛ لأن الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله تعالى.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • إثبات الوجه لله عز وجل بدون تشبيه ولا تعطيل.
  • الاستعاذة بالله من عذابه.
  • الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون وأيسر من عذاب الله.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بلدٍ لا يجاوز به إلَّا هو، لكن إذا أمر به؛ عَلِمَته ملائكته الموكَّلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) ممَّا يريد أن يخلقه؛ أذكرٌ أم أنثى؟ أتامٌّ أم ناقصٌ؟ لا أحد سواه، لكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا؛ علمه الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾) في دنياها أو أخراها من خيرٍ أو شرٍّ؟ (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾) أفي بلدها أم (١) غيرها؟ فليس أحدٌ من النَّاس يدري أين مضجعه من الأرض أفي (٢) بحرٍ أو برٍّ؟ سهلٍ أو جبلٍ؟ (﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) والاستدراك من نفي علم غير البارئ تعالى بوقت إنزال المطر بقولنا: لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكَّلون به … إلى آخره مستفادٌ من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الاية [الجن: ٢٧] ومقتضاه: اطِّلاع الرَّسول على بعض المغيَّب (٣)، والوليُّ تابعٌ للرَّسول يأخذ عنه، وسقط قوله: «﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى آخر السُّورة (٤)».

وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الرَّعد» [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٨] وبالله المستعان.

(٢) (بَابُ قَولِهِ) تعالى: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كما فعل بقوم نوحٍ ولوطٍ وأصحاب الفيل (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أُبيِّ بن كعبٍ ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرَّجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف، وقيل: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: أكابركم وحكَّامكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: سفلتكم وعبيدكم، وقيل: المراد بالفوق حبس المطر، وبالتَّحت: منع الثَّمرات، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾» وقالوا: «الآية» وثبت قوله: «باب قوله (٥)» لأبي ذرٍّ، وسقط (٦) للباقين.

(﴿يَلْبِسَكُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: (يَخْلِطَكُمْ، مِنَ الاِلْتِبَاسِ ﴿يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢]: يَخْلِطُوا (٧)) وهذا -كاللَّاحق- من (٨) قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: (فِرَقًا) أي لا تكونوا (٩) شيعةً واحدةً؛ يعني: يُخلَط أمركم خلط اضطرابٍ لا خلط اتِّفاقٍ، يُقاتِل بعضكم بعضًا.

٤٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضل عارمٌّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ (١٠) ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ») بذاتك، وزاد الإسماعيليُّ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن عمرٍو «الكريم» (قَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ

أَرْجُلِكُمْ (١)﴾) وسقطت «قال» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﵊: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زاد الإسماعيليُّ: «الكريم» أيضًا (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾) أي: يقاتل بعضكم بعضًا، وقال مجاهدٌ: يعني: أهواءً متفرقةً؛ وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف، وقال بعضهم: هو ما فيه النَّاس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا أَهْوَنُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله، فابتُلِيَت هذه

الأمَّة بالفتن؛ ليكفَّر بها عنهم (أَوْ) قال: (هَذَا أَيْسَرُ) شكَّ الرَّاوي.

وعند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ: قال رسول الله ﷺ: «دعوت الله أن يرفع عن أمَّتي أربعًا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرَّجم من السَّماء، والخسفَ من الأرض، وألَّا يلبسهم شِيَعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسفَ والرَّجم، وأبى أن يرفع عنهم الأُخرَيين (١)»، فيُستَفاد منه أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأمَّة، لكن روى أحمد من حديث أُبيِّ بن كعبٍ في هذه الآية قال: «هنَّ أربعٌ وكلُّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيِّهم بخمسٍ وعشرين سنةً، أُلبسِوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرَّجم»، لكنَّه أُعِلَّ بأنَّه مخالفٌ لحديث جابرٍ وغيره، وبأنَّ أُبيَّ بن كعبٍ لم يُدرِك سنةَ خمسٍ وعشرين من الوفاة النبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله: «لا محالة» والباقي كلام بعض الرُّواة، وجُمِع بينهما: بأنَّ حديث جابرٍ مقيَّدٌ بزمان وجود الصَّحابة، وبعد ذلك يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من حديث صُحارٍ -بضمِّ الصَّاد وبالحاء المخفَّفة (٢) المهملتين- العبديِّ رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يُخسَف بقبائل … » الحديثَ، ذكره في «فتح الباري»، وفي حديث ربيعة الجرشيِّ عند ابن أبي خيثمة رفعه: «يكون في أمَّتي الخسف والقذف والمسخ».

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٦] والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) هذا (بَابٌ) -بالتنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشركٍ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مفتح، بِكَسْر الْمِيم لِأَن اسْم للآلة الَّتِي يفتح بهَا، وَاسم الْآلَة مفعل ومفعال ومفعلة كلهَا بِكَسْر الْمِيم، وقرىء (مَفَاتِيح الْغَيْب) جمع مِفْتَاح، وَقيل: المفاتح هُنَا جمع مفتح بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان الْفَتْح، وَقيل: هُوَ مصدر ميمي على معنى: وَعِنْده فتح الْغَيْب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: جعل للغيب مفاتح على طَرِيق الِاسْتِعَارَة لِأَن المفاتح يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا فِي المخازن المتوثق مِنْهَا بالإغلاق والأقفال وَمن علم مفاتحها وَكَيف تفتح توصل إِلَيْهَا فَأَرَادَ أَنه هُوَ المتوصل إِلَى علم المغيبات وَحده لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا غَيره، كمن عِنْده مفاتح أقفال المخازن يعلم فتحهَا فَهُوَ المتوصل إِلَى مَا فِي المخازن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون.

٤٦٢٧ - ح دَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالِم بنِ عَبْد الله عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ: إنَّ الله عَنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ أيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي والمديني من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عبيد الله بن فضَالة وَمر فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {قلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ} (الْأَنْعَام: ٦٥) الآيَةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الْقَادِر} الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد الله الْقَادِر على بعث الْعَذَاب عَلَيْكُم من فَوْقكُم كالحجارة الَّتِي أرْسلت على قوم لوط وكالماء المنهمر الَّذِي نزل لإغراق قوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وكالحجارة الَّتِي أرْسلت على أَصْحَاب الْفِيل، وَمن تَحت أَرْجُلكُم كالخسف بقارون وإغراق آل فِرْعَوْن. وَقيل: من فَوْقكُم من أكابركم وسلاطينكم وَمن تَحت أَرْجُلكُم من سفلتكم وعبيدكم، وَقيل: من فَوْقكُم حبس الْمَطَر وَمن تَحت أَرْجُلكُم منع النَّبَات.

يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض} وَفسّر يلْبِسكُمْ بقوله يخلطكم، وَنبهَ على أَن مادته من مَادَّة الالتباس، لِأَن ثلاثيه من لبس يلبس من بَاب علم يعلم.

شِيعا فِرَقا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} وَفسّر الشيع بِالْفرقِ جمع فرقة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} أَي ليجعلكم ملتبسين شيعًا فرقا متخالفين. وَقَالَ الْوَالِي عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَهْوَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغير وَاحِد، وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة) .

٤٦٢٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ رسولُ الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجِلكُمْ قَال أعُوذُ بِوَجْهِكَ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأسَ بَعْضٍ قَالَ رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذَا أهْوَنُ أوْ هاذَا أيْسَرُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو النُّعْمَان، بِضَم النُّون اسْمه مُحَمَّد بن الْفضل الملقب بعارم، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة وَغَيره.

قَوْله: (أعوذ بِوَجْهِك) ، أَي: بذاتك. قَوْله: (وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) ، قَالَ ابْن عَبَّاس وَغير وَاحِد يَعْنِي يُسَلط بَعْضكُم على بعض بِالْعَذَابِ وَالْقَتْل. قَوْله: (هَذَا أَهْون) ، لِأَن الْفِتَن من المخلوقين وعذابهم أَهْون من عَذَاب الله وبالفتن ابْتليت هَذِه الْأمة. قَوْله: (أَو هَذَا أيسر) ، شكّ من الرَّاوِي وَوَقع فِي (الِاعْتِصَام) هَاتَانِ أَهْون أَو أيسر، أَي: خصْلَة الإلباس وخصلة إذاقة بَعضهم بَأْس بعض.

٣ - (بابٌ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} قبله: {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون} (الْأَنْعَام: ٨٢) أُرِيد بِهِ الشّرك.

٤٦٢٩ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحابُهُ وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن يزِيد وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة. قَوْله: (قَالَ أَصْحَابه) ، أَي: أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٤ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلاًّ فَضَلْنا عَلَى العَالَمِينَ} (الْأَنْعَام: ٨٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُونُس} إِلَى آخِره. قَالَ الله تَعَالَى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب} إِلَى أَن قَالَ {وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع وَيُونُس ولوطا} الْآيَة. قَوْله: (وَيُونُس) ، عطف على قَوْله: وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع، وهما معطوفان على مَا قبله من قَوْله: {وزَكَرِيا وَيحيى} وَهَذَا مَعْطُوف على قَوْله: (وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان) ، وَالضَّمِير فِي: ذُريَّته، يرجع إِلَى نوح عَلَيْهِ السَّلَام، لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ اخْتِيَار ابْن جرير، وَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ فِي عوده إِلَى إِبْرَاهِيم فِي قَوْله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق} أَي: وهبنا لإِبْرَاهِيم إِسْحَاق ولدا لصلبه، وَيَعْقُوب ولدا لإسحاق. فَإِن قلت: يشكل على ذَلِك لوط فَإِنَّهُ لَيْسَ من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم بل هُوَ ابْن أَخِيه هاران. قلت: دخل فِي الذُّرِّيَّة هاران تَغْلِيبًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا أنعبد إلاهك وإلاه آبَائِك إِبْرَاهِيم} الْآيَة. فإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، عَم يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام، وَدخل فِي آبَائِهِ تَغْلِيبًا.

٤٦٣٠ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ مَهْدِي حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي العالِيةَ قَالَ حدَّثني ابنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو الْعَالِيَة ضد السافلة اسْمه رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء ابْن مهْرَان الريَاحي، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله عز وَجل: {وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين} (الْأَنْعَام: ١٣٩) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بلدٍ لا يجاوز به إلَّا هو، لكن إذا أمر به؛ عَلِمَته ملائكته الموكَّلون به ومن شاء الله من خلقه (﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾) ممَّا يريد أن يخلقه؛ أذكرٌ أم أنثى؟ أتامٌّ أم ناقصٌ؟ لا أحد سواه، لكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا؛ علمه الملائكة الموكَّلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾) في دنياها أو أخراها من خيرٍ أو شرٍّ؟ (﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾) أفي بلدها أم (١) غيرها؟ فليس أحدٌ من النَّاس يدري أين مضجعه من الأرض أفي (٢) بحرٍ أو برٍّ؟ سهلٍ أو جبلٍ؟ (﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]) والاستدراك من نفي علم غير البارئ تعالى بوقت إنزال المطر بقولنا: لكن إذا أمر به علمته ملائكته الموكَّلون به … إلى آخره مستفادٌ من قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ الاية [الجن: ٢٧] ومقتضاه: اطِّلاع الرَّسول على بعض المغيَّب (٣)، والوليُّ تابعٌ للرَّسول يأخذ عنه، وسقط قوله: «﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى آخر السُّورة (٤)».

وهذا الحديث قد سبق في «الاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي إن شاء الله تعالى في «سورة الرَّعد» [خ¦٤٦٩٧] و «لقمان» [خ¦٤٧٧٨] وبالله المستعان.

(٢) (بَابُ قَولِهِ) تعالى: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) كما فعل بقوم نوحٍ ولوطٍ وأصحاب الفيل (﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وعند ابن مردويه من حديث أُبيِّ بن كعبٍ ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرَّجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف، وقيل: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: أكابركم وحكَّامكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: سفلتكم وعبيدكم، وقيل: المراد بالفوق حبس المطر، وبالتَّحت: منع الثَّمرات، وسقط لغير أبي ذرٍّ «﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾» وقالوا: «الآية» وثبت قوله: «باب قوله (٥)» لأبي ذرٍّ، وسقط (٦) للباقين.

(﴿يَلْبِسَكُمْ﴾) في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] أي: (يَخْلِطَكُمْ، مِنَ الاِلْتِبَاسِ ﴿يَلْبِسُواْ﴾ [الأنعام: ٨٢]: يَخْلِطُوا (٧)) وهذا -كاللَّاحق- من (٨) قول أبي عبيدة، وقوله: (﴿شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أي: (فِرَقًا) أي لا تكونوا (٩) شيعةً واحدةً؛ يعني: يُخلَط أمركم خلط اضطرابٍ لا خلط اتِّفاقٍ، يُقاتِل بعضكم بعضًا.

٤٦٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّدُ بنُ الفضل عارمٌّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الجهضميُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ رَسُولُ اللهِ (١٠) ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ») بذاتك، وزاد الإسماعيليُّ من طريق حمَّاد بن زيدٍ عن عمرٍو «الكريم» (قَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ

أَرْجُلِكُمْ (١)﴾) وسقطت «قال» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﵊: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) زاد الإسماعيليُّ: «الكريم» أيضًا (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾) يخلطكم في ملاحم القتال (﴿شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾) أي: يقاتل بعضكم بعضًا، وقال مجاهدٌ: يعني: أهواءً متفرقةً؛ وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف، وقال بعضهم: هو ما فيه النَّاس الآن من الاختلاف والأهواء وسفك الدماء (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا أَهْوَنُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين وعذابهم أهون من عذاب الله، فابتُلِيَت هذه

الأمَّة بالفتن؛ ليكفَّر بها عنهم (أَوْ) قال: (هَذَا أَيْسَرُ) شكَّ الرَّاوي.

وعند ابن مردويه من حديث ابن عبَّاسٍ: قال رسول الله ﷺ: «دعوت الله أن يرفع عن أمَّتي أربعًا، فرفع عنهم ثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت الله أن يرفع عنهم الرَّجم من السَّماء، والخسفَ من الأرض، وألَّا يلبسهم شِيَعًا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الخسفَ والرَّجم، وأبى أن يرفع عنهم الأُخرَيين (١)»، فيُستَفاد منه أنَّ الخسف والرَّجم لا يقعان في هذه الأمَّة، لكن روى أحمد من حديث أُبيِّ بن كعبٍ في هذه الآية قال: «هنَّ أربعٌ وكلُّهن واقعٌ لا محالة، فمضت اثنتان بعد وفاة نبيِّهم بخمسٍ وعشرين سنةً، أُلبسِوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة: الخسف والرَّجم»، لكنَّه أُعِلَّ بأنَّه مخالفٌ لحديث جابرٍ وغيره، وبأنَّ أُبيَّ بن كعبٍ لم يُدرِك سنةَ خمسٍ وعشرين من الوفاة النبويَّة، فكأنَّ حديثه انتهى عند قوله: «لا محالة» والباقي كلام بعض الرُّواة، وجُمِع بينهما: بأنَّ حديث جابرٍ مقيَّدٌ بزمان وجود الصَّحابة، وبعد ذلك يجوز وقوعهما، وعند أحمد بإسنادٍ صحيحٍ من حديث صُحارٍ -بضمِّ الصَّاد وبالحاء المخفَّفة (٢) المهملتين- العبديِّ رفعه: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يُخسَف بقبائل … » الحديثَ، ذكره في «فتح الباري»، وفي حديث ربيعة الجرشيِّ عند ابن أبي خيثمة رفعه: «يكون في أمَّتي الخسف والقذف والمسخ».

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٠٦] والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٣) هذا (بَابٌ) -بالتنوين- في قوله تعالى: (﴿وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) أي: بشركٍ، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مفتح، بِكَسْر الْمِيم لِأَن اسْم للآلة الَّتِي يفتح بهَا، وَاسم الْآلَة مفعل ومفعال ومفعلة كلهَا بِكَسْر الْمِيم، وقرىء (مَفَاتِيح الْغَيْب) جمع مِفْتَاح، وَقيل: المفاتح هُنَا جمع مفتح بِفَتْح الْمِيم أَي: مَكَان الْفَتْح، وَقيل: هُوَ مصدر ميمي على معنى: وَعِنْده فتح الْغَيْب وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: جعل للغيب مفاتح على طَرِيق الِاسْتِعَارَة لِأَن المفاتح يتَوَصَّل بهَا إِلَى مَا فِي المخازن المتوثق مِنْهَا بالإغلاق والأقفال وَمن علم مفاتحها وَكَيف تفتح توصل إِلَيْهَا فَأَرَادَ أَنه هُوَ المتوصل إِلَى علم المغيبات وَحده لَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا غَيره، كمن عِنْده مفاتح أقفال المخازن يعلم فتحهَا فَهُوَ المتوصل إِلَى مَا فِي المخازن، وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن السّديّ (وَعِنْده مفاتح الْغَيْب) قَالَ: خَزَائِن الْغَيْب. وَقَالَ مقَاتل: عِنْده خَزَائِن غيب الْعَذَاب مَتى ينزله بكم، وَقَالَ الْجَوْزِيّ: مفاتح الْغَيْب هُوَ مَا غَابَ عَن بني آدم من الرزق والمطر وَالثَّوَاب، وَقيل: مفاتح الْغَيْب السَّعَادَة والشقاوة، وَقيل: الْغَيْب عواقب الْأَعْمَار وخواتيم الْأَعْمَال. وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: مفاتح الْغَيْب خَزَائِن الأَرْض، وَقيل: هُوَ مَا لم يكن بعد أَنه يكون لم لَا يكون وَمَا يكون وَكَيف يكون.

٤٦٢٧ - ح دَّثنا عَبْدِ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَالِم بنِ عَبْد الله عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ: إنَّ الله عَنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ أيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز هُوَ ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأوسي والمديني من أَفْرَاد البُخَارِيّ يروي عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي النعوت عَن عبيد الله بن فضَالة وَمر فِي الاسْتِسْقَاء من حَدِيث عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

٢ - (بابُ قَوْلِهِ: {قلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابا مِنْ فَوْقِكُمْ} (الْأَنْعَام: ٦٥) الآيَةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الْقَادِر} الْآيَة. أَي: قل يَا مُحَمَّد الله الْقَادِر على بعث الْعَذَاب عَلَيْكُم من فَوْقكُم كالحجارة الَّتِي أرْسلت على قوم لوط وكالماء المنهمر الَّذِي نزل لإغراق قوم نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وكالحجارة الَّتِي أرْسلت على أَصْحَاب الْفِيل، وَمن تَحت أَرْجُلكُم كالخسف بقارون وإغراق آل فِرْعَوْن. وَقيل: من فَوْقكُم من أكابركم وسلاطينكم وَمن تَحت أَرْجُلكُم من سفلتكم وعبيدكم، وَقيل: من فَوْقكُم حبس الْمَطَر وَمن تَحت أَرْجُلكُم منع النَّبَات.

يَلْبِسَكُمْ يَخْلِطَكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض} وَفسّر يلْبِسكُمْ بقوله يخلطكم، وَنبهَ على أَن مادته من مَادَّة الالتباس، لِأَن ثلاثيه من لبس يلبس من بَاب علم يعلم.

شِيعا فِرَقا

أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} وَفسّر الشيع بِالْفرقِ جمع فرقة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى: {أَو يلْبِسكُمْ شيعًا} أَي ليجعلكم ملتبسين شيعًا فرقا متخالفين. وَقَالَ الْوَالِي عَن ابْن عَبَّاس: يَعْنِي الْأَهْوَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَغير وَاحِد، وَقد ورد فِي الحَدِيث الْمَرْوِيّ من طرق عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (سَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة) .

٤٦٢٨ - ح دَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عَمْرو بنِ دِينارٍ عنْ جابِرٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هاذِهِ الآيَةُ قُلْ هُوَ القادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ رسولُ الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجِلكُمْ قَال أعُوذُ بِوَجْهِكَ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأسَ بَعْضٍ قَالَ رسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هاذَا أهْوَنُ أوْ هاذَا أيْسَرُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَأَبُو النُّعْمَان، بِضَم النُّون اسْمه مُحَمَّد بن الْفضل الملقب بعارم، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة وَغَيره.

قَوْله: (أعوذ بِوَجْهِك) ، أَي: بذاتك. قَوْله: (وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) ، قَالَ ابْن عَبَّاس وَغير وَاحِد يَعْنِي يُسَلط بَعْضكُم على بعض بِالْعَذَابِ وَالْقَتْل. قَوْله: (هَذَا أَهْون) ، لِأَن الْفِتَن من المخلوقين وعذابهم أَهْون من عَذَاب الله وبالفتن ابْتليت هَذِه الْأمة. قَوْله: (أَو هَذَا أيسر) ، شكّ من الرَّاوِي وَوَقع فِي (الِاعْتِصَام) هَاتَانِ أَهْون أَو أيسر، أَي: خصْلَة الإلباس وخصلة إذاقة بَعضهم بَأْس بعض.

٣ - (بابٌ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم} قبله: {الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن وهم مهتدون} (الْأَنْعَام: ٨٢) أُرِيد بِهِ الشّرك.

٤٦٢٩ - ح دَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبِي عَدِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ لَمَا نَزَلَتْ وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أصْحابُهُ وأيُّنا لَمْ يَظْلِمْ فَنَزَلَتْ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَابْن أبي عدي هُوَ مُحَمَّد وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن يزِيد وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب ظلم دون ظلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة. قَوْله: (قَالَ أَصْحَابه) ، أَي: أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٤ - (بابُ قَوْلِهِ: {وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلاًّ فَضَلْنا عَلَى العَالَمِينَ} (الْأَنْعَام: ٨٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَيُونُس} إِلَى آخِره. قَالَ الله تَعَالَى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب} إِلَى أَن قَالَ {وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع وَيُونُس ولوطا} الْآيَة. قَوْله: (وَيُونُس) ، عطف على قَوْله: وَإِسْمَاعِيل وَالْيَسع، وهما معطوفان على مَا قبله من قَوْله: {وزَكَرِيا وَيحيى} وَهَذَا مَعْطُوف على قَوْله: (وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان) ، وَالضَّمِير فِي: ذُريَّته، يرجع إِلَى نوح عَلَيْهِ السَّلَام، لِأَنَّهُ أقرب الْمَذْكُورين وَهُوَ اخْتِيَار ابْن جرير، وَلَا إِشْكَال عَلَيْهِ فِي عوده إِلَى إِبْرَاهِيم فِي قَوْله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق} أَي: وهبنا لإِبْرَاهِيم إِسْحَاق ولدا لصلبه، وَيَعْقُوب ولدا لإسحاق. فَإِن قلت: يشكل على ذَلِك لوط فَإِنَّهُ لَيْسَ من ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم بل هُوَ ابْن أَخِيه هاران. قلت: دخل فِي الذُّرِّيَّة هاران تَغْلِيبًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا أنعبد إلاهك وإلاه آبَائِك إِبْرَاهِيم} الْآيَة. فإسماعيل عَلَيْهِ السَّلَام، عَم يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام، وَدخل فِي آبَائِهِ تَغْلِيبًا.

٤٦٣٠ - ح دَّثنا مُحَمَّدُ بنِ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ مَهْدِي حدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبِي العالِيةَ قَالَ حدَّثني ابنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أنْ يَقُولَ أَنا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو الْعَالِيَة ضد السافلة اسْمه رفيع، بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء ابْن مهْرَان الريَاحي، والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَوْله عز وَجل: {وَإِن يُونُس لمن الْمُرْسلين} (الْأَنْعَام: ١٣٩) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.7 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56