الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4679
الحديث رقم 4679 من كتاب «سورة براءة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله لقد جاءكم رسول من أنفسكم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ،
⦗٧٢⦘
عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.
٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ
يحكي زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق أرسل إليه في خلافته بعد قتال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- مسيلمة الكذاب ببلاد اليمامة سنة إحدى عشرة، بسبب ادعائه النبوة وارتداد كثير من العرب، وقد قُتل فيها كثير من الصحابة، فذهب إليه فوجد عنده عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- فقال أبو بكر لزيد: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد اشتد وكثر في الصحابة في حرب مسيلمة الكذاب، وإني أخاف أن يكثر القتل بقراء القرآن وحفاظه في الحروب التي يقع فيها القتال مع الكفار، فيذهب كثير من القرآن، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي عمر: جمع القرآن واللهِ خير من تركه. قال أبو بكر: فلم يزل عمر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر ذلك وعمر عنده جالس لا يتكلم. ثم قال أبو بكر لزيد: إنك يا زيد رجل شاب عاقل ولا نتهمك بكذب ولا نسيان، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فتتبع القرآن فاجمعه. وقد كان القرآن كله كُتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. قال زيد: فوالله لو كلفني أبو بكر نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. ثم قال زيد لأبي بكر وعمر: كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له أبو بكر: هو والله خير. قال زيد: فلم يزل أبو بكر يكلمني في جمع القرآن حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت أن أجمع القرآن؛ لما في ذلك من المصلحة العامة. فقام زيد بتتبع القرآن ليجمعه من «الرقاع» ومن «الأكتاف» جمع كتف وهو عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه، ومن جريد النخل الذي يكشطون خوصه فيكتبون في طرفه العريض، ومن صدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا في حياته صلى الله عليه وسلم كأُبي بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرا على تقرير، حتى وجد زيد آيتين من سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم يجدهما مكتوبتين مع أحد غيره: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم} [التوبة: 128] إلى آخرهما. وكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-.
وقد اعترضت الرافضة على فعل أبي بكر في جمعه القرآن، وأنه فعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس في فعله رضي الله عنه ما يُنكر؛ إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه، وقد أذن فيه -عليه الصلاة والسلام- بقوله في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن»، وغايته جمعُ ما كان مكتوبا قبل ذلك، فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبٍ أَيْضًا.
٢٠ - بَاب ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مِنْ الرَّأْفَةِ
٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:، وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نَتَّهِمُكَ، وكُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهِمَا. وَكَانَتْ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّأْفَةِ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هُوَ فَعُولٌ مِنَ الرَّأْفَةِ، وَهِيَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ) بِمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، اسْمُهُ عُبَيْدٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ التَّنْبِيهُ عَلَى اخْتِلَافِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي تَعْيِينِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَفِي التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) يُرِيدُ أَنَّ اللَّيْثَ فِيهِ شَيْخًا آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ خَالَفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) أَمَّا مُوسَى فَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَيَعْقُوبُ هُوَ وَلَدُهُ، وَمُتَابَعَةُ مُوسَى وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي آيَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَفِي آيَةِ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ وَجَدَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَآيَةُ الْأَحْزَابِ وَجَدَهَا لَمَّا نَسَخَ الْمَصَاحِفَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَرَوَاهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) فَأَمَّا أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَمُرَادُهُ أَنَّ أَصْحَابَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ خُزَيْمَةَ وَشَكَّ بَعْضُهُمْ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ آيَةُ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ، وَسَتَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرِوَايَةُ أَبِي ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَحْكَامِ بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ.
١٠ - سُورَةُ يُونُسَ
١ - بَاب وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ. وَمِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى: بِكُمْ. ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ. ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنْ الْهَلَكَةِ، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿وَعَدْوًا﴾ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ مَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ يُونُسَ) أَخَّرَ أَبُو ذَرٍّ الْبَسْمَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ قَالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ كُلُّ لَوْنٍ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ حُبُوبِ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ كَذَا ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَرْجَمَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَرِّجَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّوْحِيدِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَمِّ مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَبَيَّضَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ خَيْرٌ) أَمَّا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَوَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَخْبَرْتُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ شَفِيعٌ لَهُمْ وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: خَيْرٌ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: صَلَاتَهُمْ وَصَوْمَهُمْ وَصَدَقَتَهُمْ وَتَسْبِيحَهُمْ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أَيْ ثَوَابَ صِدْقٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ الْعَرَبِ: لِفُلَانِ قَدَمَ صِدْقٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ خَيْرٌ، أَوْ قَدَمَ سُوءٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ شَرٌّ. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ السَّابِقَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَلَفُ صِدْقٍ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
(تَنْبِيهٌ):
ذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ لَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَلَى الصَّوَابِ كَمَا قَدَّمْتُهُ، ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ فَسَّرَ الْقَدَمَ بِالْخَيْرِ وَلَوْ كَانَ وَقَعَ بِزِيَادَةِ ابْنِ مَعَ التَّصْحِيفِ لَكَانَ عَارِيًا عَنْ ذِكْرِ الْقَوْلِ الْمَنْسُوبِ لِمُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ الْقَدَمِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ تِلْكَ آيَاتٌ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامَ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى بِكُمْ) هَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي لِلْجَمِيعِ فِي التَّوْحِيدِ. وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى، وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ آيَاتُ الْكِتَابِ الْأَعْلَامُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي كُلِّ مِنْهُمَا صَرْفُ الْخِطَابِ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (دَعْوَاهُمْ دُعَاؤُهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ قَالَ: إِذَا أَرَادُوا الشَّيْءَ قَالُوا اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ مَا دَعَوْا بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرْتُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَسِيَاقَهُ أَتَمُّ، وَكُلُّ هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَعْنَى ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ لِأَنَّ اللَّهُمَّ مَعْنَاهَا يَا اللَّهُ أَوْ مَعْنَى الدَّعْوَى الْعِبَادَةِ أَيْ كَلَامُهُمْ فِي الْجَنَّةِ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ، أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أَيْ دَنَوْا لِلْهَلَكَةِ، يُقَالُ قَدْ أُحِيطَ بِهِ أَيْ أنَّهُ لَهَالِكٌ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ مِنْ إِحَاطَةِ الْعَدُوِّ بِالْقَوْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ غَالِبًا لِجَعْلِهِ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلَهَا أَرْدَفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُهُ الْإِنْسَانُ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكَ فِيهِ وَالْعَنْهُ) وَقَوْلُهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أَيْ لَأَهْلَكَ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ) هَكَذَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظٍ مُخْتَصَرٍ قَالَ: فَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَابُ فِي الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ
ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَأَفْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى وَزِيَادَةُ مَغْفِرَةٍ وَرِضْوَانٍ، هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ هُنَا فِيمَا أَظُنُّ قَتَادَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ قَالَ: الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ. الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَلَغَنَا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا أَيْضًا. وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. وَلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، ﴿الْحُسْنَى﴾ الْجَنَّةُ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَعْدًا فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُبَيِّضُ وُجُوهَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغَيِّرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْف، وَمِنْ تَحْدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلِهِ وَصَلَهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَإِسْرَائِيلُ عَنْهُ، وَوَقَفَهُ سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَشَرِيكٌ عَلَى عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ. وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ الزِّيَادَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ: مِنْهَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ إِنَّ الزِّيَادَةَ التَّضْعِيفُ، وَمِنْهَا قَوْلُ عَلِيٍّ: إِنَّ الزِّيَادَةَ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ. أَخْرَجَ جَمِيعُ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ رِوَايَةَ حُذَيْفَةَ وَرِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَيْضًا، وَأَشَارَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ لِأَنَّ النَّبِيَّ إِذَا صَدَقَ صَارَتْ مَقَالِيدُ أُمَّتِهِ وَمُلْكِهِمْ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ) يَعْنِي بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ وَالتَّشْدِيدِ، وَبِالثَّانِي قَرَأَ الْحَسَنُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَأَتْبَعَهُمْ مِثْلُ تَبِعَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ كَرَدَفْتُهُ وَأَرْدَفْتُهُ بِمَعْنًى، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَى أَدْرَكَ، وَغَيْرُ الْمَهْمُوزِ بِمَعْنَى مَضَى وَرَاءَهُ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكُهُ، وَقِيلَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْأَمْرِ اقْتَدَى بِهِ وَأَتْبَعَهُ بِالْهَمْزِ تَلَاهُ.
قَوْلُهُ: (عَدْوًا مِنَ الْعُدْوَانِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ نَعْتَانِ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ أَوْ عَلَى الْحَالِ أَيْ بَاغِينَ مُتَعَدِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ أَيْ لِأَجْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ.
٢ - بَاب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ السَّبَّاقِ) بالسِّين المهملة والموحَّدة المشدَّدة المفتوحتين وبعد الألف قافٌ، عُبيدٌ المدنيُّ الثَّقفيُّ أبو سعيدٍ: (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ) لرسول الله ﷺ (قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق في خلافته، قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرَّسول إليه بذلك (١) (مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ) ظرف زمانٍ، أي: أيَّامَ، والمراد: عقب مقاتلة الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذَّاب سنة
إحدى عشرة، بسبب ادِّعائه النُّبوَّة، وارتداد كثيرٍ من العرب، وقتل كثيرٍ من الصَّحابة (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ ثمَّ مهملةٍ فراءٍ مشدَّدةٍ مفتوحاتٍ، أي: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) القتال الواقع في (اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ) قيل: قُتِل بها من المسلمين ألفٌ ومئةٌ، وقيل: ألفٌ وأربع مئةٍ، منهم سبعون جمعوا القرآن، أي: مجموعهم، لا أنَّ كل فردٍ جمعه (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ) أي: يكثر (بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ) الَّتي يقع فيها (١) القتال مع الكفَّار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ (٢)، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ) أنت (القُرْآنَ) ولأبي ذَرٍّ: «أن يُجمَع القرآنُ» بضمِّ أوّل «يُجمَع» مبنيًّا للمفعول (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ): ولأبي ذَرٍّ: «فقلت» (لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمع القرآن (وَاللهِ خَيْرٌ) من تركه، وهو ردٌّ لقوله: «كيف أفعل (٣) شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟» وإنَّما لم يجمعه رسول الله ﷺ لِمَا كان (٤) يترقَّبه من النَّسخ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ) في جمع القرآن (حَتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ) إذ هو من النُّصح لله ولرسوله ولكتابه، وأذن فيه ﵊ بقوله في حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ (٥): «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن» وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل، فلا يتوجَّه اعتراض الرَّافضة على الصِّدِّيق (قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ): قال أبو بكرٍ ذلك (وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ) ولأبي ذَرٍّ: «جالس عنده» (٦) (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ) يا زيدُ (رَجُلٌ شَابٌّ) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يُطلَب منه، وبُعدْه عن النِّسيان (عَاقِلٌ) تعي المراد (وَلَا نَتَّهِمُكَ) بكذبٍ ولا نسيانٍ، والَّذي لا يُتَّهَم تركن النَّفس إليه، وسقطت «الواو» لأبي ذَرٍّ (كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: فهو أكثر ممارسةً له من غيره، فجمْعُ هذه الخصوصيَّات الأربعة فيه يدلُّ على أنَّه أَولى بذلك ممَّن لم تجتمع فيه (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ،
فَاجْمَعْهُ) وقد كان القرآن كلُّه كُتِب في العهد النَّبويِّ، لكن (١) غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ، ولا مرتَّب السُّور، قال زيد: (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أي: أبو بكرٍ (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ أَثْقَل عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) قال ذلك خوفًا من التَّقصير في إحصاء ما أُمِرَ بجمعه (قُلْتُ) للعمَرَين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ؟ فَقَالَ) لي (٢) (أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) لِمَا في ذلك من المصلحة العامَّة (فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) ممَّا عندي وعند غيري (مِنَ الرِّقَاعِ) بكسر الرَّاء (٣): جمع رقعةٍ، من أديمٍ أو ورقٍ أو نحوهما (٤) (وَالأَكْتَافِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة؛ جمْع كتفٍ: عظمٌ عريضٌ في أصل كتف الحيوان، يُنشَّف (٥) ويُكتَب فيه (وَالعُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين آخره موحَّدةٌ؛ جمع عسيبٍ؛ وهو جريد النَّخل، يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه (٦) العريض (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الَّذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا (٧) في حياته ﷺ، كأبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ، فيكون ما في الرِّقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقريرٍ (حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطميُّ ذو الشَّهادتَين (لَمْ أَجِدْهُمَا) أي: الآيتين (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ) كذا بالنَّصب على كشطٍ في الفرع كأصله (٨)، وفي فرعٍ آخرَ غيرِه بالجرِّ، أي: لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتَين (٩)، فالمراد بالنَّفي: نفي وجودهما مكتوبتَين (١٠) لا نفي كونهما محفوظتَين (١١) (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم … ﴾ إِلَى آخِرِها)،
وسقط لأبي ذَرٍّ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ (وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا في روايته (١) عن الزُّهريِّ (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ (٢) العين وفتح (٣) الميم، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ فيما وصله أحمد و (٤) إسحاق في «مسنديهما» عنه (وَ) تابعه أيضًا (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٧٠١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٦٩٨٩] كلاهما (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله أبو القاسم البغويُّ في «فضائل القرآن»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ فزاد اللَّيث فيه شيخًا آخر عن الزُّهريِّ (وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النَّجار بلفظ الكنية، فخالف السَّابق (وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٦]: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا (٥) ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، وقال: (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بلفظ الكنية (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعدٍ المذكور على قوله (٦): «أبي خزيمة» بالكنية، وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في «كتاب المصاحف» وغيره (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ) محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٩١]: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ المذكور (وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بالشَّكِّ، والتَّحقيقُ كما قال (٧) في «فتح الباري»: إنَّ آية التَّوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية (٨) الأحزاب مع خزيمة.
وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن».
وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطبٍ: «فجاء خزيمة بن ثابتٍ فقال: إنِّي رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: تلقَّيت من رسول الله ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (١)﴾ إلى آخر السُّورة (٢)، فقال عثمان: وأنا أشهد، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن» وعن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعبٍ عند عبد الله ابن الإمام أحمد: «أنَّهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكرٍ، وكان رجالٌ يكتبون (٣) ويُملي عليهم أُبيُّ بن كعبٍ، فلمَّا انتهوا إلى هذه الآية ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ [التوبه: ١٢٧] فظنُّوا أنَّ هذا آخر ما نزل (٤) من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعبٍ: إنَّ رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (٥)﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]» وعند أحمد قال: «أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى عمر بن الخطَّاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إنِّي أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ، ووعيتهما، وحفظتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ» (٦).
(((١٠))) (بسم الله الرحمن الرحيم. سورة يُونُسَ) مكيَّةٌ، وهي مئةٌ وتسع آياتٍ، وقدَّم أبو ذَرٍّ السُّورة على البسملة.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، وفي نسخةٍ: «باب: وقال ابن عبَّاسٍ» (١) فيما (٢) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عنه: (﴿فَاخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٤]) زاد أبو ذَرٍّ والوقت: «﴿بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾» أي: (فَنَبَتَ بِالمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) ممَّا يأكل النَّاس من الحنطة والشَّعير وسائر حبوب الأرض. (وَ ﴿قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا﴾) حين (٣) قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن الله، وقالت (٤) النَّصارى: عيسى ابن الله، وسقطت الواو في بعض النُّسخ موافقةً للفظ التَّنزيل (﴿سُبْحَانَهُ﴾) تنزيهًا (٥) له عن اتِّخاذ الولد (﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]) عن كلِّ شيءٍ، فهو علَّةٌ للتَّنزيه عن اتِّخاذ الولد، وسقط «﴿وَقَالُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وليس فيه حديثٌ مسوقٌ، فيحتمل إرادته؛ لتخريج ما (٦) يناسب ذلك، فبيَّض له ولم يتيسَّر له إيراده هنا.
(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة مولى (٧) عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله ابن جريرٍ (٨): (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]) هو (مُحَمَّدٌ ﷺ) وأخرج الطَّبريُّ (٩) من طريق الحسن أو قتادة قال: «محمَّدٌ شفيعٌ (١٠) لهم» ووصله ابن مردويه من حديث عليٍّ، ومن حديث (١١) أبي سعيدٍ بإسنادين ضعيفين.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ فيما (١) وصله الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: (خَيْرٌ) ورجَّحه ابن جريرٍ لقولِ العرب: لفلانٍ قدمُ صدقٍ (٢) في كذا، أي: قدَّمَ فيه خيرًا، أو قَدَمُ سَوءٍ في كذا؛ إذا (٣) قدَّم فيه شرًّا. (يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [يونس: ١]) قال أبو عُبيدة: (يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) وأراد: أنَّ معنى «تلك» هذه (وَمِثْلُهُ) من حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة، كما أنَّ في الأوَّل صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] المَعْنَى: بِكُمْ) قال في «الكشَّاف» -وتبعه البيضاويُّ واللَّفظ للأوَّل-: وفائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغةُ، كأنَّه يذكر لغيرهم حالهم؛ ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتَّقبيح، وسقط قوله: «يُقال (٤) … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.
(﴿دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٠٩]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: دعواهم» قال أبو عبيدة: (دُعَاؤُهُمْ) في الجنَّة: اللَّهم إنَّا نسبِّحك تسبيحًا (﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]) قال أبو عُبيدة: (دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ) زاد غيره: وسُدَّت عليهم مسالك الخلاص (٥)؛ كمَن أحاط به العدوُّ (﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]) أي: من جميع جوانبه.
((فَاتَّبَعَهُمْ)) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة (وَأَتْبَعَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة (وَاحِدٌ) في المعنى، والوصل والقطع، والتَّخفيف والتَّشديد، وبه قرأ الحسن؛ يريد قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ (١) [يونس: ٩٠].
(﴿وَعَدْوًا﴾ (٢)) يريد قوله تعالى: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠] (مِنَ العُدْوَانِ) أي: لأجل البغي والعدوان.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه في قوله تعالى: (﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١]): هو (قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ (٣): اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ) وفي الفرع: «له فيه» وليس «له» في أصله (٤) (وَالعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]: لأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ) بضمِّ همزة «أُهلِكَ» ودال «دُعِيَ» مبنيَّين للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «لأهلك من دعا عليه» بفتحهما (وَلأَمَاتَهُ) قال في «فتوح الغيب»: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ﴾ متضمِّنٌ (٥) معنى نفي التَّعجيل؛ لأنَّ «لو» لتعليق ما امتنع بامتناع غيره؛ يعني: لم يكن التَّعجيل ولا قضاء العذاب، فيلزم من ذلك حصول المهلة (٦)، وهذا لطفٌ من الله (٧) تعالى بعباده ورحمةٌ (٨)، وفي حديث مسلمٍ عن جابرٍ مرفوعًا: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» ففيه النَّهي عن ذلك.
(﴿لِّلَّذِينَ (١) أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]) قال مجاهدٌ -فيما وصله الفريابيُّ-: وعدٌ (٢)، أي: (مِثْلُهَا حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾) أي: (مَغْفِرَةٌ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «ورضوانٌ» (وَقالَ غَيْرُهُ) قيل: هو أبو قتادة: (النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) تعالى، وقد رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وغيرهما من حديث صهيبٍ مرفوعًا، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق وحذيفة وابن عبَّاسٍ وغيرهم من السَّلف والخلف.
(﴿الْكِبْرِيَاء﴾) قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء﴾ [يونس: ٧٨]: هو (المُلْكُ) بضمِّ الميم؛ لأنَّ النَّبيَّ إذا صُدِّق؛ صارت مقاليد أمَّته وملكهم إليه.
(٢) (﴿وَجَاوَزْنَا﴾) وفي نسخةٍ: «باب: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾» (﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾) بحر القَلْزَمِ حافظين لهم، وكانوا فيما قيل: ست مئة ألفٍ وعشرين (٣) ألف مقاتلٍ، لا يعدُّون فيهم ابن عشر سنين لصغره ولا ابن ستِّين لكبره (﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾) أي: أدركهم (﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾) عند شروق (٤) الشَّمس، وكانوا فيما قيل: ألف ألفٍ وست مئة ألفٍ، وفيهم مئة ألف حصانٍ أدهمَ ليس فيها أنثى، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن مردويه بسنده-: كان مع فرعون سبعون قائدًا، مع كلِّ قائدٍ سبعون ألفًا، وكان فرعون في الدُّهم، وهارون على مقدِّمة بني إسرائيل، وموسى في السَّاقة، فلمَّا قربت مقدِّمة فرعون منهم؛ قال بنو إسرائيل لموسى: هذا البحر أمامنا، إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا، إن أدرَكَنا قتلَنا، قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وصار اثني عشر طريقًا لكلٍّ سبطٍ واحدٌ، وأمر الله الرِّيح فنشَّفت أرضه، وتخرَّق الماء بين الطُّرق (٥) كهيئة الشَّبابيك؛ ليرى كلُّ قومٍ الآخرين؛ لئلَّا يظنُّوا أنَّهم هلكوا،
وجاوزتْ بنو إسرائيل البحر، فلمَّا خرج آخرهم منه؛ انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من النَّاحية الأخرى، فلمَّا رأى ذلك هاله وأحجم، وهاب وهمَّ بالرُّجوع، وهيهاتَ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] نَفَذَ القدر، واستُجِيبَت الدَّعوة، وجاء جبريل على فرسٍ أنثى وخاض البحر، فلمَّا شمَّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل اقتحمَ وراءه، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في البحر، وميكائيل في ساقتهم يسوقُهم، ولا يترك أحدًا منهم إلَّا ألحقه بهم، فلمَّا تكاملوا وهمَّ أوَّلهم بالخروج منه؛ أمر الله القادر القاهر البحرَ فانطبق عليهم، فلم ينجُ منهم أحدٌ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت (١) الأمواج فوق فرعون (﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾) وغشيته سكرات الموت (﴿قَالَ﴾) وهو كذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها: (﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]) وما علم اللَّعين أنَّ التَّوبة عند المعاينة غير نافعةٍ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون: ﴿آلآنَ﴾ أي: أتؤمن وقت الاضطرار ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾؟ [يونس: ٩١] وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد وغيره مرفوعًا: «لمَّا قال فرعون: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فَدَسستُهُ (٢) في فِيْهِ مخافةَ أن تناله الرَّحمة» ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، و «حال البحر»: هو طينه الأسود، والمعنى: لو رأيتني لرأيتَ أمرًا عجيبًا، يبهَُتُ الواصف عن كُنْهِه، فإنِّي لمَّا شاهدت تلك الحالة بُهِتُّ غضبًا على عدوِّ الله لادِّعائه تلك العظمة، فعمدت (٣) إلى حال البحر فأدسُّه في فِيْهِ مخافةَ أن تدركه الرَّحمة لسعتها.
والحاصل: أنَّه إنَّما فعل ذلك غضبًا لله، وعلمًا منه أنَّه لا ينفعه الإيمان لا أَنَّه (٤) كره إيمانه، لأنَّ كراهة الإيمان من الكافر كفرٌ، لكن قال أبو منصورٍ الماتريديُّ في «التَّأويلات»: الرِّضا بالكفر ليس بكفرٍ مطلقًا (٥)، إنَّما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره، ويؤيِّده قصَّةُ ابن أبي
سرحٍ المرويَّةُ في «سنن أبي داود» و «النَّسائيِّ»: لمَّا جاء يوم الفتح بين يدي النَّبيِّ ﷺ، وطلب المبايعة ثلاث مرَّاتٍ، وكلُّ ذلك يأبى ثمَّ بايعه، ثمَّ أقبل على أصحابه؛ فقال: «أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن بيعته فيقتله … » الحديثَ، وقيل: إنَّما قصد فرعونُ بقوله الخلاصَ، أو لأنَّه كان لمجرَّد التَّعليق (١)؛ كما قال: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فكأنَّه قال: لا أعرفه، فكيف يزول كفرُه بهذا التَّقليد؟! وقد رُوِيَ: أنَّ جبريل استفتاه: ما قولك في عبدٍ لرجلٍ نشأ في ماله ونعمته فكفرَ نعمته (٢)، وجحد حقَّه، وادَّعى السِّيادة دونه؟ فكتب: يقول الوليد بن مصعبٍ: جزاءُ العبد الخارج على (٣) سيِّده الكافر نعماه أن يغرق في البحر، فلمَّا ألجمه (٤) الغرق؛ ناوله جبريل خطَّه فعرفه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ … » إلى آخره وقال: «إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾» (﴿نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢]) بسكون النُّون وتخفيف الجيم؛ من «أنجى» وهي قراءة يعقوب، وفي نسخةٍ: «﴿نُنَجِّيكَ﴾» بتخفيف الجيم، أي: (نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ؛ وَهْوَ) أي: النَّجوة (النَّشَزُ) بفتح النُّون والمعجمة آخره زايٌ؛ وهو (المَكَانُ المُرْتَفِعُ) وقرأ ابن السَّمَيْفَع: (ننحِّيك) بالحاء المهملة المشدَّدة، أي: نلقيك بناحيةٍ ممَّا يلي البحر ليراك بنو إسرائيل، قال كعبٌ: رماه إلى السَّاحل كأنَّه ثورٌ، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا خرج موسى ﵊ وأصحابه؛ قال من تخلَّف من قوم فرعون: ما غرق فرعون: وقومه، ولكنَّهم في خزائن البحر يتصيَّدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أنِ الفظْ فرعون عريانًا، فلفَظَه عريانًا أصلعَ أخينس قصيرًا، ومن طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ (٥):
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْلِهِ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الله فرج عَن كَعْب وَتَابَ عَلَيْهِ بِحسن صدقه كَمَا فِي متن الحَدِيث، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَأمر الْمُؤمنِينَ بالتقوى والصدق. وَرِجَال إِسْنَاده قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا قبله غير مرّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث كَعْب الطَّوِيل، وتكلمنا فِيهِ فِيمَا مضى.
٢٠ - (بابٌ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ} (التَّوْبَة: ١٢٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لقد جَاءَكُم} الْآيَة، كَذَا ثَبت إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (مَا عنتم) وَقد من الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة على الْمُؤمنِينَ بِمَا أرسل إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم أَي: من جنسهم وعَلى لغتهم، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ١٢٩) وقرى: من أَنفسكُم، من النفاسة أَي: من أشرفكم وأفضلكم، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفَاطِمَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم) أَي: يعز عَلَيْهِ مَا يشق عَلَيْكُم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من الْعَنَت وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَصله التَّشْدِيد، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْإِثْم، وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: الضلال، وَقيل: الْهَلَاك. وَحَاصِل الْمَعْنى: يعز عَلَيْهِ أَن تدْخلُوا النَّار، وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلَاّ لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم} وَقَالَ عز وَجل: {إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم} (الْبَقَرَة: ١٤٣ وَالْحج: ٦٥) .
مِنَ الرَّأفَةِ
يَعْنِي: رؤوف من الرأفة وَهِي الحنو والعطف وَهِي أَشد الرَّحْمَة، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٤٦٧٩ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني ابنُ السَّبّاقِ أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابِتِ الأنْصارِيَّ رَضِي الله عنهُ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قَالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِن فيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي لأَرَي أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ الله لذالِكَ صَدْرِي ورَأيْتُ الَّذِي رَأي عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أبُو بَكْر إنَّكَ رجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ فَوَالله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أبُو بَكْرٍ هُوَ وَالله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُب وصُدُورِ الرِّجالِ حَتَّى وجَدْتُ مِنْ سُورَة التوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غيْرِهِ {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخِرِها وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {لقد جَاءَكُم رَسُول} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَابْن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عبيد حجازي.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.
قَوْله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) ، أَي: أَيَّام مقاتلة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ مقتلهم سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، واليمامة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم مَدِينَة بِالْيمن وَسميت باسم المصلوبة على بَابهَا وَهِي الَّتِي كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينهَا وَاسْمهَا عنزة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: كَانَ إسم الْيَمَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة: جو، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو حَتَّى سَمَّاهَا الْملك الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها، وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:
(وَقُلْنَا فسموا الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد الْإِقَامَة)
وَزعم عِيَاض أَنَّهَا تسمى أَيْضا: الْعرُوض، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْعرُوض إسم لمَكَّة وَالْمَدينَة مَعْرُوف. قَوْله: (قد استحر) ، أَي: اشْتَدَّ وَكثر على وزن استفعل من الْحر، وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه يُضَاف إِلَى الْحر والمحبوب يُضَاف إِلَى الْبرد وَمِنْه الْمثل: تولى حارها من تولى قارها، وَقتل بهَا من الْمُسلمين ألف وَمِائَة، وَقيل: ألف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهُم سَبْعُونَ جمعُوا الْقُرْآن. قَوْله: (فِي المواطن) أَي: الْمَوَاضِع الَّتِي سيغزو فِيهَا الْمُسلمُونَ وَيقتل نَاس من الْقُرَّاء فَيذْهب كثير من الْقُرْآن. قَوْله: (كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا كَلَام من يُؤثر الِاتِّبَاع ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ كَانَ بمعرض أَن ينْسَخ مِنْهُ أَو يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب وَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة، فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعه أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يصنع عُثْمَان فِي الْقُرْآن شَيْئا، وَإِنَّمَا أَخذ الصُّحُف الَّتِي وَضعهَا عِنْد حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا. وَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب فِي إثني عشر رجلا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار فَكتب مِنْهَا مصاحف وسيرها إِلَى الْأَمْصَار لِأَن حُذَيْفَة أخبرهُ بالاختلاف فِي ذَلِك، فَلَمَّا توفيت حَفْصَة أَخذ مَرْوَان بن الحكم تِلْكَ الصُّحُف فغسلها، وَقَالَ: أخْشَى أَن يُخَالف بعض الْقُرْآن بَعْضًا، وَفِي لفظ: أَخَاف أَن يكون فِيهِ شَيْء يُخَالف مَا نسخ عُثْمَان، وَإِنَّمَا فعل عُثْمَان هَذَا وَلم يَفْعَله الصّديق رَضِي الله عَنهُ، لِأَن غَرَض أبي بكر كَانَ جمع الْقُرْآن بِجَمِيعِ حُرُوفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا وَهِي على لُغَة قُرَيْش وَغَيرهَا، وَكَانَ غَرَض عُثْمَان تَجْرِيد لُغَة قُرَيْش من تِلْكَ الْقرَاءَات، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي قَول عُثْمَان لهَؤُلَاء الْكتاب، فَجمع أَبُو بكر غير جمع عُثْمَان، فَإِن قيل: فَمَا قصد عُثْمَان بإحضار الصُّحُف وَقد كَانَ زيد وَمن أضيف إِلَيْهِ حفظوه؟ . قيل: الْغَرَض بذلك سد بَاب الْمقَالة وَأَن يزْعم أَن فِي الصُّحُف قُرْآنًا لم يكْتب وَلِئَلَّا يرى إِنْسَان فِيمَا كتبوه شَيْئا مِمَّا لم يقْرَأ بِهِ فينكره، فالصحف شاهدة بِجَمِيعِ مَا كتبوه. قَوْله: (هُوَ وَالله خير) ، يحْتَمل أَن يكون لفظ: خير، أفعل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: كَيفَ ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا هُوَ خير؟ قلت: هَذَا خير فِي هَذَا الزَّمَان وَكَانَ تَركه خيرا فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب. قَوْله: (إِنَّك رجل شَاب) ، يُخَاطب بِهِ أَبُو بكر زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: شَاب، لِأَن عمره كَانَ إِحْدَى عشرَة سنة حِين قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وخطاب أبي بكر إِيَّاه بذلك فِي خِلَافَته، فَإِذا اعْتبرت هَذَا يكون عمره حئنذٍ مَا دون خمس وَعشْرين سنة، وَهِي أَيَّام الشَّبَاب. قَوْله: (لَا تتهمك) ، دلّ على عدم اتهامه بِهِ. قَوْله: (كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وكتابته الْوَحْي تدل على أَمَانَته الْغَايَة، وَكَيف وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى؟ قَوْله: (فتتبع) أَمر، و (الْقُرْآن) مَنْصُوب. قَوْله: (فوَاللَّه لَو كلفني) ، من كَلَام زيد، يحلف بِاللَّه أَن أَبَا بكر لَو كلفه كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (مَا كَانَ أثقل) جَوَاب: لَو قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن) ، قيل: إِن زيدا كَانَ جَامعا
لِلْقُرْآنِ فَمَا معنى هَذَا التتبع والطلب لشَيْء إِنَّمَا هُوَ ليحفظه ويعلمه، أُجِيب: أَنه كَانَ يتتبع وجوهه وقراءاته وَيسْأل عَنْهُمَا غَيره ليحيط بالأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْكتاب الْعَزِيز، وَيعلم الْقرَاءَات الَّتِي هِيَ غير قِرَاءَته. قَوْله: (أجمعه) حَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة. قَوْله: (من الرّقاع) ، بِكَسْر الرَّاء: جمع رقْعَة يكون من ورق وَمن جلد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (والأكتاف) ، جمع كتف وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان ينشف وَيكْتب فِيهِ. قَوْله: (والعسب) ، بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: جَمِيع عسيب وَهُوَ جريد النّخل العريض مِنْهُ وَكَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عَصا وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفها العريض، وَقَالَ ابْن فَارس: عسيب النّخل كالقضبان لغيره، وَذكر فِي التَّفْسِير: اللخاف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِي حِجَارَة بيض رقاق وَاحِدهَا لخفة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِيهَا عرض ودقة، وَقيل: الخزف. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) ، وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ الخطمي ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، شهد صفّين مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَقتل يومئذٍ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لم أجدهما مَعَ أحد غير خُزَيْمَة) ، فَإِن قيل: كَيفَ ألحق هَاتين الْآيَتَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَشَرطه أَن يثبت بالتواتر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ: لم أجدهما مكتوبتين عِنْد غَيره، أَو المُرَاد: لم أجدهما محفوظتين، وَوَجهه أَن الْمَقْصُود من التَّوَاتُر إِفَادَة الْيَقِين، وَالْخَبَر الْوَاحِد المحفوف بالقرائن يُفِيد أَيْضا الْيَقِين، وَكَانَ هَهُنَا قَرَائِن مثل كَونهمَا مكتوبتين وَنَحْوهمَا وَأَن مثله لَا يقدر فِي مثله بِمحضر الصَّحَابَة أَن يَقُول إلَاّ حَقًا وصدقاً. قلت: إِن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه وَلِهَذَا قَالَ زيد: وجدتهما مَعَ خُزَيْمَة، يَعْنِي مكتوبتين وَلم يقل: عرفني أَنَّهُمَا من الْقُرْآن، مَعَ تَصْرِيح زيد بِأَنَّهُ سمعهما من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو نقُول: ثَبت أَن خُزَيْمَة شَهَادَته بشهادتين فَإِذا شهد فِي هَذَا وَحده كَانَ كَافِيا. قَوْله: (لقد جَاءَكُم) إِلَى آخر بَيَان الْآيَتَيْنِ.
تابَعَهُ عُثْمانُ بنُ عُمَرَ واللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ
أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي وَاللَّيْث بن سعيد الْبَصْرِيّ كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى مُتَابعَة عُثْمَان أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد ابْن يحيى عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَذكره، وَأما مُتَابعَة اللَّيْث عَن يُونُس فرواها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد.
وَقَالَ اللّيْثُ: حدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ وَقَالَ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث رَحمَه الله، لَهُ فِيهِ شيخ آخر عَن ابْن شهَاب، وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلكنه خَالف فِي قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (أبي خُزَيْمَة) وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِه وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: قَوْله: أَبُو خُزَيْمَة، وهمٌ ورد عَلَيْهِ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ ولاحتمال أَن يَكُونَا سمعاها كِلَاهُمَا. قلت: أَبُو خُزَيْمَة هَذَا هُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أَخُو مَسْعُود بن أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن شهَاب عَن عبيدا السباق عَن زيد بن ثَابت: وجدت آخر التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ.
وَقَالَ مُوساى عنْ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب، قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي (صَحِيحه) .
وتابَعَهُ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ
أَي: تَابع مُوسَى فِي رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أبي خُزَيْمَة أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب (الْمَصَاحِف) من طَرِيقه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مُخْتَصَرًا مِنْ قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبٍ أَيْضًا.
٢٠ - بَاب ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مِنْ الرَّأْفَةِ
٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لَأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:، وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نَتَّهِمُكَ، وكُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهِمَا. وَكَانَتْ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ إِلَى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قَوْلُهُ: (مِنَ الرَّأْفَةِ) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هُوَ فَعُولٌ مِنَ الرَّأْفَةِ، وَهِيَ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ) بِمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، اسْمُهُ عُبَيْدٌ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ التَّنْبِيهُ عَلَى اخْتِلَافِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي تَعْيِينِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَفِي التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) يُرِيدُ أَنَّ اللَّيْثَ فِيهِ شَيْخًا آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ خَالَفَ فِي قَوْلِهِ مَعَ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) أَمَّا مُوسَى فَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَيَعْقُوبُ هُوَ وَلَدُهُ، وَمُتَابَعَةُ مُوسَى وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ فِي آيَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَفِي آيَةِ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ وَمِمَّا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ وَجَدَهَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَآيَةُ الْأَحْزَابِ وَجَدَهَا لَمَّا نَسَخَ الْمَصَاحِفَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَوَصَلَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَرَوَاهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) فَأَمَّا أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَمُرَادُهُ أَنَّ أَصْحَابَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَ خُزَيْمَةَ وَشَكَّ بَعْضُهُمْ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ آيَةَ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ آيَةُ الْأَحْزَابِ مَعَ خُزَيْمَةَ، وَسَتَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ هَذَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرِوَايَةُ أَبِي ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةُ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَحْكَامِ بِالشَّكِّ كَمَا قَالَ.
١٠ - سُورَةُ يُونُسَ
١ - بَاب وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ. ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ. وَمِثْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى: بِكُمْ. ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ. ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنْ الْهَلَكَةِ، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿وَعَدْوًا﴾ مِنْ الْعُدْوَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ مَغْفِرَةٌ وَرِضْوَانٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ يُونُسَ) أَخَّرَ أَبُو ذَرٍّ الْبَسْمَلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ قَالَ: اخْتَلَطَ فَنَبَتَ بِالْمَاءِ كُلُّ لَوْنٍ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ حُبُوبِ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ كَذَا ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَرْجَمَةٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُخَرِّجَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّوْحِيدِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَمِّ مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَبَيَّضَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ خَيْرٌ) أَمَّا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَوَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَخْبَرْتُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﷺ شَفِيعٌ لَهُمْ وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: خَيْرٌ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: صَلَاتَهُمْ وَصَوْمَهُمْ وَصَدَقَتَهُمْ وَتَسْبِيحَهُمْ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أَيْ ثَوَابَ صِدْقٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ قَوْلَ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ الْعَرَبِ: لِفُلَانِ قَدَمَ صِدْقٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ خَيْرٌ، أَوْ قَدَمَ سُوءٍ فِي كَذَا أَيْ قَدَمٌ فِيهِ شَرٌّ. وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمِ السَّابِقَةِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قَالَ: سَلَفُ صِدْقٍ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
(تَنْبِيهٌ):
ذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ مُجَاهِدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ لَمْ أَرَهُ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَلَى الصَّوَابِ كَمَا قَدَّمْتُهُ، ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا وَقَعَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي الْقَابِسِيَّ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ فَسَّرَ الْقَدَمَ بِالْخَيْرِ وَلَوْ كَانَ وَقَعَ بِزِيَادَةِ ابْنِ مَعَ التَّصْحِيفِ لَكَانَ عَارِيًا عَنْ ذِكْرِ الْقَوْلِ الْمَنْسُوبِ لِمُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ الْقَدَمِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ تِلْكَ آيَاتٌ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامَ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الْمَعْنَى بِكُمْ) هَذَا وَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَسَيَأْتِي لِلْجَمِيعِ فِي التَّوْحِيدِ. وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى، وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ آيَاتُ الْكِتَابِ الْأَعْلَامُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي كُلِّ مِنْهُمَا صَرْفُ الْخِطَابِ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَعَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (دَعْوَاهُمْ دُعَاؤُهُمْ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ قَالَ: إِذَا أَرَادُوا الشَّيْءَ قَالُوا اللَّهُمَّ فَيَأْتِيهِمْ مَا دَعَوْا بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرْتُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَسِيَاقَهُ أَتَمُّ، وَكُلُّ هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ مَعْنَى ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دُعَاؤُهُمْ لِأَنَّ اللَّهُمَّ مَعْنَاهَا يَا اللَّهُ أَوْ مَعْنَى الدَّعْوَى الْعِبَادَةِ أَيْ كَلَامُهُمْ فِي الْجَنَّةِ هَذَا اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ، أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أَيْ دَنَوْا لِلْهَلَكَةِ، يُقَالُ قَدْ أُحِيطَ بِهِ أَيْ أنَّهُ لَهَالِكٌ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ مِنْ إِحَاطَةِ الْعَدُوِّ بِالْقَوْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ غَالِبًا لِجَعْلِهِ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلَهَا أَرْدَفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ قَوْلُهُ الْإِنْسَانُ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكَ فِيهِ وَالْعَنْهُ) وَقَوْلُهُ: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أَيْ لَأَهْلَكَ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ وَلَأَمَاتَهُ) هَكَذَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرِيُّ بِلَفْظٍ مُخْتَصَرٍ قَالَ: فَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الِاسْتِجَابَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُسْتَجَابُ فِي الْخَيْرِ لَأَهْلَكَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: هُوَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ، انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ
ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَأَفْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ.
قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ مِثْلُهَا حُسْنَى وَزِيَادَةُ مَغْفِرَةٍ وَرِضْوَانٍ، هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ خَاصَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ هُنَا فِيمَا أَظُنُّ قَتَادَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ قَالَ: الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ. الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَلَغَنَا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مِثْلَهُ مَوْقُوفًا أَيْضًا. وَلِعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ. وَلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، ﴿الْحُسْنَى﴾ الْجَنَّةُ، ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَعْدًا فَيَقُولُونَ أَلَمْ يُبَيِّضُ وُجُوهَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ قَالَ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ ثُمَّ قَرَأَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغَيِّرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ مَعْمَرٌ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: الزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْف، وَمِنْ تَحْدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِثْلِهِ وَصَلَهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَإِسْرَائِيلُ عَنْهُ، وَوَقَفَهُ سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ، وَشَرِيكٌ عَلَى عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ. وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ الزِّيَادَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ: مِنْهَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ إِنَّ الزِّيَادَةَ التَّضْعِيفُ، وَمِنْهَا قَوْلُ عَلِيٍّ: إِنَّ الزِّيَادَةَ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ. أَخْرَجَ جَمِيعُ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ رِوَايَةَ حُذَيْفَةَ وَرِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَيْضًا، وَأَشَارَ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ الْمُلْكُ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْلُهُ ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ لِأَنَّ النَّبِيَّ إِذَا صَدَقَ صَارَتْ مَقَالِيدُ أُمَّتِهِ وَمُلْكِهِمْ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَاتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ) يَعْنِي بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ وَالتَّشْدِيدِ، وَبِالثَّانِي قَرَأَ الْحَسَنُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَأَتْبَعَهُمْ مِثْلُ تَبِعَهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ كَرَدَفْتُهُ وَأَرْدَفْتُهُ بِمَعْنًى، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَى أَدْرَكَ، وَغَيْرُ الْمَهْمُوزِ بِمَعْنَى مَضَى وَرَاءَهُ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكُهُ، وَقِيلَ اتَّبَعَهُ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْأَمْرِ اقْتَدَى بِهِ وَأَتْبَعَهُ بِالْهَمْزِ تَلَاهُ.
قَوْلُهُ: (عَدْوًا مِنَ الْعُدْوَانِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ نَعْتَانِ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ أَوْ عَلَى الْحَالِ أَيْ بَاغِينَ مُتَعَدِّينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَفْعُولَيْنِ أَيْ لِأَجْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ.
٢ - بَاب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٦٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ السَّبَّاقِ) بالسِّين المهملة والموحَّدة المشدَّدة المفتوحتين وبعد الألف قافٌ، عُبيدٌ المدنيُّ الثَّقفيُّ أبو سعيدٍ: (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ) لرسول الله ﷺ (قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق في خلافته، قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرَّسول إليه بذلك (١) (مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامَةِ) ظرف زمانٍ، أي: أيَّامَ، والمراد: عقب مقاتلة الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذَّاب سنة
إحدى عشرة، بسبب ادِّعائه النُّبوَّة، وارتداد كثيرٍ من العرب، وقتل كثيرٍ من الصَّحابة (وَعِنْدَهُ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ ثمَّ مهملةٍ فراءٍ مشدَّدةٍ مفتوحاتٍ، أي: اشتدَّ وكثر (يَوْمَ) القتال الواقع في (اليَمَامَةِ بِالنَّاسِ) قيل: قُتِل بها من المسلمين ألفٌ ومئةٌ، وقيل: ألفٌ وأربع مئةٍ، منهم سبعون جمعوا القرآن، أي: مجموعهم، لا أنَّ كل فردٍ جمعه (وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ) أي: يكثر (بِالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِنِ) الَّتي يقع فيها (١) القتال مع الكفَّار (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ (٢)، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ) أنت (القُرْآنَ) ولأبي ذَرٍّ: «أن يُجمَع القرآنُ» بضمِّ أوّل «يُجمَع» مبنيًّا للمفعول (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ): ولأبي ذَرٍّ: «فقلت» (لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ) لي (عُمَرُ: هُوَ) أي: جمع القرآن (وَاللهِ خَيْرٌ) من تركه، وهو ردٌّ لقوله: «كيف أفعل (٣) شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟» وإنَّما لم يجمعه رسول الله ﷺ لِمَا كان (٤) يترقَّبه من النَّسخ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ) في جمع القرآن (حَتَّى شَرَحَ اللهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ) إذ هو من النُّصح لله ولرسوله ولكتابه، وأذن فيه ﵊ بقوله في حديث أبي سعيدٍ عند مسلمٍ (٥): «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن» وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل، فلا يتوجَّه اعتراض الرَّافضة على الصِّدِّيق (قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ): قال أبو بكرٍ ذلك (وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ) ولأبي ذَرٍّ: «جالس عنده» (٦) (فَقَالَ) لي (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ) يا زيدُ (رَجُلٌ شَابٌّ) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يُطلَب منه، وبُعدْه عن النِّسيان (عَاقِلٌ) تعي المراد (وَلَا نَتَّهِمُكَ) بكذبٍ ولا نسيانٍ، والَّذي لا يُتَّهَم تركن النَّفس إليه، وسقطت «الواو» لأبي ذَرٍّ (كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: فهو أكثر ممارسةً له من غيره، فجمْعُ هذه الخصوصيَّات الأربعة فيه يدلُّ على أنَّه أَولى بذلك ممَّن لم تجتمع فيه (فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ،
فَاجْمَعْهُ) وقد كان القرآن كلُّه كُتِب في العهد النَّبويِّ، لكن (١) غير مجموعٍ في موضعٍ واحدٍ، ولا مرتَّب السُّور، قال زيد: (فَوَاللهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أي: أبو بكرٍ (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ؛ مَا كَانَ أَثْقَل عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ) قال ذلك خوفًا من التَّقصير في إحصاء ما أُمِرَ بجمعه (قُلْتُ) للعمَرَين: (كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «رسول الله» (ﷺ؟ فَقَالَ) لي (٢) (أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) لِمَا في ذلك من المصلحة العامَّة (فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ) حال كوني (أَجْمَعُهُ) ممَّا عندي وعند غيري (مِنَ الرِّقَاعِ) بكسر الرَّاء (٣): جمع رقعةٍ، من أديمٍ أو ورقٍ أو نحوهما (٤) (وَالأَكْتَافِ) بالمثنَّاة الفوقيَّة؛ جمْع كتفٍ: عظمٌ عريضٌ في أصل كتف الحيوان، يُنشَّف (٥) ويُكتَب فيه (وَالعُسُبِ) بضمِّ العين والسِّين المهملتين آخره موحَّدةٌ؛ جمع عسيبٍ؛ وهو جريد النَّخل، يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه (٦) العريض (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) الَّذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا (٧) في حياته ﷺ، كأبيِّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ، فيكون ما في الرِّقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقريرٍ (حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطميُّ ذو الشَّهادتَين (لَمْ أَجِدْهُمَا) أي: الآيتين (مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ) كذا بالنَّصب على كشطٍ في الفرع كأصله (٨)، وفي فرعٍ آخرَ غيرِه بالجرِّ، أي: لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتَين (٩)، فالمراد بالنَّفي: نفي وجودهما مكتوبتَين (١٠) لا نفي كونهما محفوظتَين (١١) (﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم … ﴾ إِلَى آخِرِها)،
وسقط لأبي ذَرٍّ ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ (وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا القُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما.
(تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا في روايته (١) عن الزُّهريِّ (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ (٢) العين وفتح (٣) الميم، ابن فارسٍ البصريُّ العبديُّ فيما وصله أحمد و (٤) إسحاق في «مسنديهما» عنه (وَ) تابعه أيضًا (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ، فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٧٠١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٦٩٨٩] كلاهما (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله أبو القاسم البغويُّ في «فضائل القرآن»: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ فزاد اللَّيث فيه شيخًا آخر عن الزُّهريِّ (وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك ابن النَّجار بلفظ الكنية، فخالف السَّابق (وَقَالَ مُوسَى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلِّف في «فضائل القرآن» [خ¦٤٩٨٦]: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا (٥) ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ، وقال: (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بلفظ الكنية (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعدٍ المذكور على قوله (٦): «أبي خزيمة» بالكنية، وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في «كتاب المصاحف» وغيره (وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ) محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ، فيما وصله المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦٧١٩١]: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) بن سعدٍ المذكور (وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بالشَّكِّ، والتَّحقيقُ كما قال (٧) في «فتح الباري»: إنَّ آية التَّوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية (٨) الأحزاب مع خزيمة.
وهذا الحديث أخرجه التِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «فضائل القرآن».
وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطبٍ: «فجاء خزيمة بن ثابتٍ فقال: إنِّي رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: تلقَّيت من رسول الله ﷺ: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (١)﴾ إلى آخر السُّورة (٢)، فقال عثمان: وأنا أشهد، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال: اختم بهما آخر ما نزل من القرآن» وعن أبي العالية عن أُبيِّ بن كعبٍ عند عبد الله ابن الإمام أحمد: «أنَّهم جمعوا القرآن في المصاحف في خلافة أبي بكرٍ، وكان رجالٌ يكتبون (٣) ويُملي عليهم أُبيُّ بن كعبٍ، فلمَّا انتهوا إلى هذه الآية ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون﴾ [التوبه: ١٢٧] فظنُّوا أنَّ هذا آخر ما نزل (٤) من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعبٍ: إنَّ رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ (٥)﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]» وعند أحمد قال: «أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى عمر بن الخطَّاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إنِّي أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ، ووعيتهما، وحفظتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله ﷺ» (٦).
(((١٠))) (بسم الله الرحمن الرحيم. سورة يُونُسَ) مكيَّةٌ، وهي مئةٌ وتسع آياتٍ، وقدَّم أبو ذَرٍّ السُّورة على البسملة.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، وفي نسخةٍ: «باب: وقال ابن عبَّاسٍ» (١) فيما (٢) وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عنه: (﴿فَاخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٤]) زاد أبو ذَرٍّ والوقت: «﴿بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾» أي: (فَنَبَتَ بِالمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ) ممَّا يأكل النَّاس من الحنطة والشَّعير وسائر حبوب الأرض. (وَ ﴿قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا﴾) حين (٣) قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزيرٌ ابن الله، وقالت (٤) النَّصارى: عيسى ابن الله، وسقطت الواو في بعض النُّسخ موافقةً للفظ التَّنزيل (﴿سُبْحَانَهُ﴾) تنزيهًا (٥) له عن اتِّخاذ الولد (﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]) عن كلِّ شيءٍ، فهو علَّةٌ للتَّنزيه عن اتِّخاذ الولد، وسقط «﴿وَقَالُواْ﴾ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ، وليس فيه حديثٌ مسوقٌ، فيحتمل إرادته؛ لتخريج ما (٦) يناسب ذلك، فبيَّض له ولم يتيسَّر له إيراده هنا.
(وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) أبو أسامة مولى (٧) عمر بن الخطَّاب ممَّا وصله ابن جريرٍ (٨): (﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]) هو (مُحَمَّدٌ ﷺ) وأخرج الطَّبريُّ (٩) من طريق الحسن أو قتادة قال: «محمَّدٌ شفيعٌ (١٠) لهم» ووصله ابن مردويه من حديث عليٍّ، ومن حديث (١١) أبي سعيدٍ بإسنادين ضعيفين.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ فيما (١) وصله الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ قال: (خَيْرٌ) ورجَّحه ابن جريرٍ لقولِ العرب: لفلانٍ قدمُ صدقٍ (٢) في كذا، أي: قدَّمَ فيه خيرًا، أو قَدَمُ سَوءٍ في كذا؛ إذا (٣) قدَّم فيه شرًّا. (يُقَالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ [يونس: ١]) قال أبو عُبيدة: (يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) وأراد: أنَّ معنى «تلك» هذه (وَمِثْلُهُ) من حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة، كما أنَّ في الأوَّل صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] المَعْنَى: بِكُمْ) قال في «الكشَّاف» -وتبعه البيضاويُّ واللَّفظ للأوَّل-: وفائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغةُ، كأنَّه يذكر لغيرهم حالهم؛ ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتَّقبيح، وسقط قوله: «يُقال (٤) … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.
(﴿دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ٢٠٩]) ولأبي ذَرٍّ: «يُقال: دعواهم» قال أبو عبيدة: (دُعَاؤُهُمْ) في الجنَّة: اللَّهم إنَّا نسبِّحك تسبيحًا (﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]) قال أبو عُبيدة: (دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ) زاد غيره: وسُدَّت عليهم مسالك الخلاص (٥)؛ كمَن أحاط به العدوُّ (﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]) أي: من جميع جوانبه.
((فَاتَّبَعَهُمْ)) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة (وَأَتْبَعَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الفوقيَّة (وَاحِدٌ) في المعنى، والوصل والقطع، والتَّخفيف والتَّشديد، وبه قرأ الحسن؛ يريد قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ (١) [يونس: ٩٠].
(﴿وَعَدْوًا﴾ (٢)) يريد قوله تعالى: ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: ٩٠] (مِنَ العُدْوَانِ) أي: لأجل البغي والعدوان.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه في قوله تعالى: (﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١]): هو (قَوْلُ الإِنْسَانِ لِوَلَدِهِ وَمَالِهِ إِذَا غَضِبَ (٣): اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ) وفي الفرع: «له فيه» وليس «له» في أصله (٤) (وَالعَنْهُ. ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]: لأُهْلِكُ مَنْ دُعِيَ عَلَيْهِ) بضمِّ همزة «أُهلِكَ» ودال «دُعِيَ» مبنيَّين للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «لأهلك من دعا عليه» بفتحهما (وَلأَمَاتَهُ) قال في «فتوح الغيب»: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ﴾ متضمِّنٌ (٥) معنى نفي التَّعجيل؛ لأنَّ «لو» لتعليق ما امتنع بامتناع غيره؛ يعني: لم يكن التَّعجيل ولا قضاء العذاب، فيلزم من ذلك حصول المهلة (٦)، وهذا لطفٌ من الله (٧) تعالى بعباده ورحمةٌ (٨)، وفي حديث مسلمٍ عن جابرٍ مرفوعًا: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» ففيه النَّهي عن ذلك.
(﴿لِّلَّذِينَ (١) أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦]) قال مجاهدٌ -فيما وصله الفريابيُّ-: وعدٌ (٢)، أي: (مِثْلُهَا حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾) أي: (مَغْفِرَةٌ) ولأبوي الوقت وذَرٍّ: «ورضوانٌ» (وَقالَ غَيْرُهُ) قيل: هو أبو قتادة: (النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ) تعالى، وقد رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ وغيرهما من حديث صهيبٍ مرفوعًا، ورُوِيَ عن الصِّدِّيق وحذيفة وابن عبَّاسٍ وغيرهم من السَّلف والخلف.
(﴿الْكِبْرِيَاء﴾) قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء﴾ [يونس: ٧٨]: هو (المُلْكُ) بضمِّ الميم؛ لأنَّ النَّبيَّ إذا صُدِّق؛ صارت مقاليد أمَّته وملكهم إليه.
(٢) (﴿وَجَاوَزْنَا﴾) وفي نسخةٍ: «باب: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾» (﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾) بحر القَلْزَمِ حافظين لهم، وكانوا فيما قيل: ست مئة ألفٍ وعشرين (٣) ألف مقاتلٍ، لا يعدُّون فيهم ابن عشر سنين لصغره ولا ابن ستِّين لكبره (﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾) أي: أدركهم (﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾) عند شروق (٤) الشَّمس، وكانوا فيما قيل: ألف ألفٍ وست مئة ألفٍ، وفيهم مئة ألف حصانٍ أدهمَ ليس فيها أنثى، وعن ابن عبَّاسٍ -فيما رواه ابن مردويه بسنده-: كان مع فرعون سبعون قائدًا، مع كلِّ قائدٍ سبعون ألفًا، وكان فرعون في الدُّهم، وهارون على مقدِّمة بني إسرائيل، وموسى في السَّاقة، فلمَّا قربت مقدِّمة فرعون منهم؛ قال بنو إسرائيل لموسى: هذا البحر أمامنا، إن دخلناه غرقنا، وفرعون خلفنا، إن أدرَكَنا قتلَنا، قال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] فأوحى الله إليه ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] وصار اثني عشر طريقًا لكلٍّ سبطٍ واحدٌ، وأمر الله الرِّيح فنشَّفت أرضه، وتخرَّق الماء بين الطُّرق (٥) كهيئة الشَّبابيك؛ ليرى كلُّ قومٍ الآخرين؛ لئلَّا يظنُّوا أنَّهم هلكوا،
وجاوزتْ بنو إسرائيل البحر، فلمَّا خرج آخرهم منه؛ انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من النَّاحية الأخرى، فلمَّا رأى ذلك هاله وأحجم، وهاب وهمَّ بالرُّجوع، وهيهاتَ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] نَفَذَ القدر، واستُجِيبَت الدَّعوة، وجاء جبريل على فرسٍ أنثى وخاض البحر، فلمَّا شمَّ أدهم فرعون ريح فرس جبريل اقتحمَ وراءه، ولم يملك فرعون من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في البحر، وميكائيل في ساقتهم يسوقُهم، ولا يترك أحدًا منهم إلَّا ألحقه بهم، فلمَّا تكاملوا وهمَّ أوَّلهم بالخروج منه؛ أمر الله القادر القاهر البحرَ فانطبق عليهم، فلم ينجُ منهم أحدٌ، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت (١) الأمواج فوق فرعون (﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾) وغشيته سكرات الموت (﴿قَالَ﴾) وهو كذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها: (﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]) وما علم اللَّعين أنَّ التَّوبة عند المعاينة غير نافعةٍ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون: ﴿آلآنَ﴾ أي: أتؤمن وقت الاضطرار ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾؟ [يونس: ٩١] وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند أحمد وغيره مرفوعًا: «لمَّا قال فرعون: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فَدَسستُهُ (٢) في فِيْهِ مخافةَ أن تناله الرَّحمة» ورواه التِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، و «حال البحر»: هو طينه الأسود، والمعنى: لو رأيتني لرأيتَ أمرًا عجيبًا، يبهَُتُ الواصف عن كُنْهِه، فإنِّي لمَّا شاهدت تلك الحالة بُهِتُّ غضبًا على عدوِّ الله لادِّعائه تلك العظمة، فعمدت (٣) إلى حال البحر فأدسُّه في فِيْهِ مخافةَ أن تدركه الرَّحمة لسعتها.
والحاصل: أنَّه إنَّما فعل ذلك غضبًا لله، وعلمًا منه أنَّه لا ينفعه الإيمان لا أَنَّه (٤) كره إيمانه، لأنَّ كراهة الإيمان من الكافر كفرٌ، لكن قال أبو منصورٍ الماتريديُّ في «التَّأويلات»: الرِّضا بالكفر ليس بكفرٍ مطلقًا (٥)، إنَّما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره، ويؤيِّده قصَّةُ ابن أبي
سرحٍ المرويَّةُ في «سنن أبي داود» و «النَّسائيِّ»: لمَّا جاء يوم الفتح بين يدي النَّبيِّ ﷺ، وطلب المبايعة ثلاث مرَّاتٍ، وكلُّ ذلك يأبى ثمَّ بايعه، ثمَّ أقبل على أصحابه؛ فقال: «أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين رآني كففت عن بيعته فيقتله … » الحديثَ، وقيل: إنَّما قصد فرعونُ بقوله الخلاصَ، أو لأنَّه كان لمجرَّد التَّعليق (١)؛ كما قال: ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] فكأنَّه قال: لا أعرفه، فكيف يزول كفرُه بهذا التَّقليد؟! وقد رُوِيَ: أنَّ جبريل استفتاه: ما قولك في عبدٍ لرجلٍ نشأ في ماله ونعمته فكفرَ نعمته (٢)، وجحد حقَّه، وادَّعى السِّيادة دونه؟ فكتب: يقول الوليد بن مصعبٍ: جزاءُ العبد الخارج على (٣) سيِّده الكافر نعماه أن يغرق في البحر، فلمَّا ألجمه (٤) الغرق؛ ناوله جبريل خطَّه فعرفه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ … » إلى آخره وقال: «إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾» (﴿نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢]) بسكون النُّون وتخفيف الجيم؛ من «أنجى» وهي قراءة يعقوب، وفي نسخةٍ: «﴿نُنَجِّيكَ﴾» بتخفيف الجيم، أي: (نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ؛ وَهْوَ) أي: النَّجوة (النَّشَزُ) بفتح النُّون والمعجمة آخره زايٌ؛ وهو (المَكَانُ المُرْتَفِعُ) وقرأ ابن السَّمَيْفَع: (ننحِّيك) بالحاء المهملة المشدَّدة، أي: نلقيك بناحيةٍ ممَّا يلي البحر ليراك بنو إسرائيل، قال كعبٌ: رماه إلى السَّاحل كأنَّه ثورٌ، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا خرج موسى ﵊ وأصحابه؛ قال من تخلَّف من قوم فرعون: ما غرق فرعون: وقومه، ولكنَّهم في خزائن البحر يتصيَّدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أنِ الفظْ فرعون عريانًا، فلفَظَه عريانًا أصلعَ أخينس قصيرًا، ومن طريق ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ (٥):
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْلِهِ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من حَيْثُ إِن الله فرج عَن كَعْب وَتَابَ عَلَيْهِ بِحسن صدقه كَمَا فِي متن الحَدِيث، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَأمر الْمُؤمنِينَ بالتقوى والصدق. وَرِجَال إِسْنَاده قد ذكرُوا عَن قريب وَفِيمَا قبله غير مرّة، والْحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث كَعْب الطَّوِيل، وتكلمنا فِيهِ فِيمَا مضى.
٢٠ - (بابٌ قَوْلُهُ: {لَقَدْ جاءَكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحيمٌ} (التَّوْبَة: ١٢٨)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {لقد جَاءَكُم} الْآيَة، كَذَا ثَبت إِلَى آخر الْآيَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر إِلَى قَوْله: (مَا عنتم) وَقد من الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَة على الْمُؤمنِينَ بِمَا أرسل إِلَيْهِم رَسُولا من أنفسهم أَي: من جنسهم وعَلى لغتهم، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم} (الْبَقَرَة: ١٢٩) وقرى: من أَنفسكُم، من النفاسة أَي: من أشرفكم وأفضلكم، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفَاطِمَة وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُمَا. قَوْله: (عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم) أَي: يعز عَلَيْهِ مَا يشق عَلَيْكُم، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيث: بعثت بالحنفية السمحة، وعنتم من الْعَنَت وَهُوَ الْمَشَقَّة، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أَصله التَّشْدِيد، وَقَالَ الضَّحَّاك: الْإِثْم، وَقَالَ ابْن أبي عرُوبَة: الضلال، وَقيل: الْهَلَاك. وَحَاصِل الْمَعْنى: يعز عَلَيْهِ أَن تدْخلُوا النَّار، وجمعت هَذِه الْآيَة سِتّ صِفَات لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الرسَالَة والنفاسة والعزة وحرصه على إِيصَال الْخيرَات إِلَى أمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والرأفة وَالرَّحْمَة. قَالَ الْحُسَيْن بن الْفضل: لم يجمع الله لنَبِيّ من الْأَنْبِيَاء إسمين من أَسْمَائِهِ إلَاّ لسيدنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم} وَقَالَ عز وَجل: {إِن الله بِالنَّاسِ لرؤوف رَحِيم} (الْبَقَرَة: ١٤٣ وَالْحج: ٦٥) .
مِنَ الرَّأفَةِ
يَعْنِي: رؤوف من الرأفة وَهِي الحنو والعطف وَهِي أَشد الرَّحْمَة، وَلم يثبت هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر.
٤٦٧٩ - ح دَّثنا أبُو اليَمانِ أخْبرَنا شُعَيبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرَني ابنُ السَّبّاقِ أنَّ زَيْدَ ابنَ ثابِتِ الأنْصارِيَّ رَضِي الله عنهُ وكانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الوَحْيَ قَالَ أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقال أبُو بَكْرٍ إنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنَّاسِ وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ فِي المَوَاطِن فيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ إلَاّ أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي لأَرَي أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئاً لَم يَفْعَلْهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عُمَرُ هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ الله لذالِكَ صَدْرِي ورَأيْتُ الَّذِي رَأي عُمَرُ قَالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ وعُمَرُ عِنْدَهُ جالِسٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَ أبُو بَكْر إنَّكَ رجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ وَلَا نَتَّهِمُك كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لرسُولِ الله الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ فَوَالله لوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ مَا كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآنِ قلْتُ كَيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلْهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أبُو بَكْرٍ هُوَ وَالله خَيْرٌ فلمْ أزَلْ أرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ الله لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُب وصُدُورِ الرِّجالِ حَتَّى وجَدْتُ مِنْ سُورَة التوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غيْرِهِ {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
علَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} (التَّوْبَة: ١٢٨) إِلَى آخِرِها وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاه الله ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضيَ الله عَنْهُمَا. .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: {لقد جَاءَكُم رَسُول} إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ. وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَابْن السباق، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ عبيد حجازي.
والْحَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن بنْدَار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب.
قَوْله: (مقتل أهل الْيَمَامَة) ، أَي: أَيَّام مقاتلة الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، مُسَيْلمَة الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة وَكَانَ مقتلهم سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة، واليمامة بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم مَدِينَة بِالْيمن وَسميت باسم المصلوبة على بَابهَا وَهِي الَّتِي كَانَت تبصر من مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وتعرف بالزرقاء لزرقة عينهَا وَاسْمهَا عنزة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: كَانَ إسم الْيَمَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة: جو، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْوَاو حَتَّى سَمَّاهَا الْملك الْحِمْيَرِي لما قتل الْمَرْأَة الَّتِي تسمى الْيَمَامَة باسمها، وَقَالَ الْملك الْحِمْيَرِي:
(وَقُلْنَا فسموا الْيَمَامَة باسمها ... وسرنا وَقُلْنَا لَا نُرِيد الْإِقَامَة)
وَزعم عِيَاض أَنَّهَا تسمى أَيْضا: الْعرُوض، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: الْعرُوض إسم لمَكَّة وَالْمَدينَة مَعْرُوف. قَوْله: (قد استحر) ، أَي: اشْتَدَّ وَكثر على وزن استفعل من الْحر، وَذَلِكَ أَن الْمَكْرُوه يُضَاف إِلَى الْحر والمحبوب يُضَاف إِلَى الْبرد وَمِنْه الْمثل: تولى حارها من تولى قارها، وَقتل بهَا من الْمُسلمين ألف وَمِائَة، وَقيل: ألف وَأَرْبَعمِائَة مِنْهُم سَبْعُونَ جمعُوا الْقُرْآن. قَوْله: (فِي المواطن) أَي: الْمَوَاضِع الَّتِي سيغزو فِيهَا الْمُسلمُونَ وَيقتل نَاس من الْقُرَّاء فَيذْهب كثير من الْقُرْآن. قَوْله: (كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا كَلَام من يُؤثر الِاتِّبَاع ويخشى الابتداع، وَإِنَّمَا لم يجمعه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ كَانَ بمعرض أَن ينْسَخ مِنْهُ أَو يُزَاد فِيهِ، فَلَو جمعه لكتب وَكَانَ الَّذِي عِنْده نُقْصَان يُنكر على من عِنْده الزِّيَادَة، فَلَمَّا أَمن هَذَا الْأَمر بِمَوْتِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمعه أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يصنع عُثْمَان فِي الْقُرْآن شَيْئا، وَإِنَّمَا أَخذ الصُّحُف الَّتِي وَضعهَا عِنْد حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا. وَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن الْحَارِث بن هِشَام وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَأبي بن كَعْب فِي إثني عشر رجلا من قُرَيْش وَالْأَنْصَار فَكتب مِنْهَا مصاحف وسيرها إِلَى الْأَمْصَار لِأَن حُذَيْفَة أخبرهُ بالاختلاف فِي ذَلِك، فَلَمَّا توفيت حَفْصَة أَخذ مَرْوَان بن الحكم تِلْكَ الصُّحُف فغسلها، وَقَالَ: أخْشَى أَن يُخَالف بعض الْقُرْآن بَعْضًا، وَفِي لفظ: أَخَاف أَن يكون فِيهِ شَيْء يُخَالف مَا نسخ عُثْمَان، وَإِنَّمَا فعل عُثْمَان هَذَا وَلم يَفْعَله الصّديق رَضِي الله عَنهُ، لِأَن غَرَض أبي بكر كَانَ جمع الْقُرْآن بِجَمِيعِ حُرُوفه ووجوهه الَّتِي نزل بهَا وَهِي على لُغَة قُرَيْش وَغَيرهَا، وَكَانَ غَرَض عُثْمَان تَجْرِيد لُغَة قُرَيْش من تِلْكَ الْقرَاءَات، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا بِهِ فِي قَول عُثْمَان لهَؤُلَاء الْكتاب، فَجمع أَبُو بكر غير جمع عُثْمَان، فَإِن قيل: فَمَا قصد عُثْمَان بإحضار الصُّحُف وَقد كَانَ زيد وَمن أضيف إِلَيْهِ حفظوه؟ . قيل: الْغَرَض بذلك سد بَاب الْمقَالة وَأَن يزْعم أَن فِي الصُّحُف قُرْآنًا لم يكْتب وَلِئَلَّا يرى إِنْسَان فِيمَا كتبوه شَيْئا مِمَّا لم يقْرَأ بِهِ فينكره، فالصحف شاهدة بِجَمِيعِ مَا كتبوه. قَوْله: (هُوَ وَالله خير) ، يحْتَمل أَن يكون لفظ: خير، أفعل التَّفْضِيل. فَإِن قلت: كَيفَ ترك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا هُوَ خير؟ قلت: هَذَا خير فِي هَذَا الزَّمَان وَكَانَ تَركه خيرا فِي زَمَانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعدم تَمام النُّزُول وَاحْتِمَال النّسخ كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب. قَوْله: (إِنَّك رجل شَاب) ، يُخَاطب بِهِ أَبُو بكر زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا قَالَ: شَاب، لِأَن عمره كَانَ إِحْدَى عشرَة سنة حِين قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَدِينَة، وخطاب أبي بكر إِيَّاه بذلك فِي خِلَافَته، فَإِذا اعْتبرت هَذَا يكون عمره حئنذٍ مَا دون خمس وَعشْرين سنة، وَهِي أَيَّام الشَّبَاب. قَوْله: (لَا تتهمك) ، دلّ على عدم اتهامه بِهِ. قَوْله: (كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وكتابته الْوَحْي تدل على أَمَانَته الْغَايَة، وَكَيف وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَمن أَصْحَاب الْفَتْوَى؟ قَوْله: (فتتبع) أَمر، و (الْقُرْآن) مَنْصُوب. قَوْله: (فوَاللَّه لَو كلفني) ، من كَلَام زيد، يحلف بِاللَّه أَن أَبَا بكر لَو كلفه كَذَا وَكَذَا. قَوْله: (مَا كَانَ أثقل) جَوَاب: لَو قَوْله: (فتتبعت الْقُرْآن) ، قيل: إِن زيدا كَانَ جَامعا
لِلْقُرْآنِ فَمَا معنى هَذَا التتبع والطلب لشَيْء إِنَّمَا هُوَ ليحفظه ويعلمه، أُجِيب: أَنه كَانَ يتتبع وجوهه وقراءاته وَيسْأل عَنْهُمَا غَيره ليحيط بالأحرف السَّبْعَة الَّتِي نزل بهَا الْكتاب الْعَزِيز، وَيعلم الْقرَاءَات الَّتِي هِيَ غير قِرَاءَته. قَوْله: (أجمعه) حَال من الْأَحْوَال الْمقدرَة المنتظرة. قَوْله: (من الرّقاع) ، بِكَسْر الرَّاء: جمع رقْعَة يكون من ورق وَمن جلد وَنَحْوهمَا. قَوْله: (والأكتاف) ، جمع كتف وَهُوَ عظم عريض يكون فِي أصل كتف الْحَيَوَان ينشف وَيكْتب فِيهِ. قَوْله: (والعسب) ، بِضَم الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ: جَمِيع عسيب وَهُوَ جريد النّخل العريض مِنْهُ وَكَانُوا يكشطون خوصها ويتخذونها عَصا وَكَانُوا يَكْتُبُونَ فِي طرفها العريض، وَقَالَ ابْن فَارس: عسيب النّخل كالقضبان لغيره، وَذكر فِي التَّفْسِير: اللخاف، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهِي حِجَارَة بيض رقاق وَاحِدهَا لخفة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: فِيهَا عرض ودقة، وَقيل: الخزف. قَوْله: (مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ) ، وَهُوَ خُزَيْمَة بن ثَابت بن الْفَاكِه الْأنْصَارِيّ الخطمي ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، شهد صفّين مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَقتل يومئذٍ سنة سبع وَثَلَاثِينَ. قَوْله: (لم أجدهما مَعَ أحد غير خُزَيْمَة) ، فَإِن قيل: كَيفَ ألحق هَاتين الْآيَتَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَشَرطه أَن يثبت بالتواتر؟ قيل لَهُ: مَعْنَاهُ: لم أجدهما مكتوبتين عِنْد غَيره، أَو المُرَاد: لم أجدهما محفوظتين، وَوَجهه أَن الْمَقْصُود من التَّوَاتُر إِفَادَة الْيَقِين، وَالْخَبَر الْوَاحِد المحفوف بالقرائن يُفِيد أَيْضا الْيَقِين، وَكَانَ هَهُنَا قَرَائِن مثل كَونهمَا مكتوبتين وَنَحْوهمَا وَأَن مثله لَا يقدر فِي مثله بِمحضر الصَّحَابَة أَن يَقُول إلَاّ حَقًا وصدقاً. قلت: إِن خُزَيْمَة أذكرهم مَا نسوه وَلِهَذَا قَالَ زيد: وجدتهما مَعَ خُزَيْمَة، يَعْنِي مكتوبتين وَلم يقل: عرفني أَنَّهُمَا من الْقُرْآن، مَعَ تَصْرِيح زيد بِأَنَّهُ سمعهما من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو نقُول: ثَبت أَن خُزَيْمَة شَهَادَته بشهادتين فَإِذا شهد فِي هَذَا وَحده كَانَ كَافِيا. قَوْله: (لقد جَاءَكُم) إِلَى آخر بَيَان الْآيَتَيْنِ.
تابَعَهُ عُثْمانُ بنُ عُمَرَ واللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ
أَي: تَابع شعيباً فِي رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ عُثْمَان بن عمر بن فَارس الْبَصْرِيّ الْعَبْدي وَاللَّيْث بن سعيد الْبَصْرِيّ كِلَاهُمَا عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي عَن مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وروى مُتَابعَة عُثْمَان أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث عَن مُحَمَّد ابْن يحيى عَن عُثْمَان بن عمر عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ فَذكره، وَأما مُتَابعَة اللَّيْث عَن يُونُس فرواها البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن وَفِي التَّوْحِيد.
وَقَالَ اللّيْثُ: حدَّثني عبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خالِدٍ عنِ ابنِ شِهابٍ وَقَالَ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ
أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن اللَّيْث رَحمَه الله، لَهُ فِيهِ شيخ آخر عَن ابْن شهَاب، وَأَنه رَوَاهُ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُور وَلكنه خَالف فِي قَوْله: مَعَ خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ، فَقَالَ: (أبي خُزَيْمَة) وَرِوَايَة اللَّيْث هَذِه وَصلهَا أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي (مُعْجم الصَّحَابَة) من طَرِيق أبي صَالح كَاتب اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَقَالَ أَبُو الْفرج: قَوْله: أَبُو خُزَيْمَة، وهمٌ ورد عَلَيْهِ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ ولاحتمال أَن يَكُونَا سمعاها كِلَاهُمَا. قلت: أَبُو خُزَيْمَة هَذَا هُوَ ابْن أَوْس بن زيد بن أَصْرَم بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار، شهد بَدْرًا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد وَتُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أَخُو مَسْعُود بن أَوْس، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ ابْن شهَاب عَن عبيدا السباق عَن زيد بن ثَابت: وجدت آخر التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ.
وَقَالَ مُوساى عنْ إبْرَاهِيمَ حدَّثنا ابنُ شِهابٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةَ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أَي: قَالَ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب، قَالَ: مَعَ أبي خُزَيْمَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن، وَفِي (التَّلْوِيح) : هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ البُخَارِيّ مُسْندًا فِي كتاب الْأَحْكَام فِي (صَحِيحه) .
وتابَعَهُ يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ
أَي: تَابع مُوسَى فِي رِوَايَته عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة فِي أبي خُزَيْمَة أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب (الْمَصَاحِف) من طَرِيقه.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56