الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4756
الحديث رقم 4756 من كتاب «سورة النور» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَتْ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى، وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.»
٤٧٥٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ.
قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ.
سَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ لَفْظُ: الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا) فِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَدَخَلَ حَسَّانُ، فَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَتْ لَهُ وِسَادَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا) فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَهُوَ مِمَّنْ تَوَلَّى كِبْرَهُ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَخَفُّ إِشْكَالًا.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ) زَادَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ وَوَقَعَ بَعْدَ هَذَا الْبَابِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ تَصْرِيحُ عَائِشَةَ بِصِفَةِ الْعَذَابِ دُونَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَلِهَذَا احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ تَعْنِي. وَسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ فِيهِ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الَّذِي هُنَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ سُفْيَانَ هُنَا هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ.
١٠ - بَاب: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
٤٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَشَبَّبَ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ أَيْ تَغَزَّلَ، يُقَالُ شَبَّبَ الشَّاعِرُ بِفُلَانَةَ أَيْ عَرَّضَ بِحُبِّهَا وَذَكَرَ حُسْنَهَا، وَالْمُرَادُ تَرْقِيقُ الشِّعْرِ بِذِكْرِ النِّسَاءِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى إِنْشَادِ الشِّعْرِ وَإِنْشَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ غَزَلٌ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ: فَلَمَّا سَمِعَ حَسَّانُ شِعْرَ الْهَاتِفِ شَبَّبَ بِجَارِيَةٍ: أَخَذَ فِي نَظْمِ جَوَابِهِ.
قَوْلُهُ: (حَصَانٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هَذَا الْوَزْنُ يَكْثُرُ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَنَّثِ، وَفِي الْأَعْلَامِ مِنْهَا كَأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَوَالِي الْفَتَحَاتِ مُشَاكَلَةَ خِفَّةِ اللَّفْظِ لِخِفَّةِ الْمَعْنَى حَصَانٌ، مِنَ الْحَصِينِ وَالتَّحْصِينِ يُرَادُ بِهِ الِامْتِنَاعُ عَلَى الرِّجَالِ وَمِنْ نَظَرِهِمْ إِلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: رَزَانٌ مِنَ الرَّزَانَةِ يُرَادُ قِلَّةُ الْحَرَكَةِ، وَتُزَنُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ زَايٌ ثُمَّ نُونٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ تُرْمَى، وَقَوْلُهُ: غَرْثَى بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، أَيْ: خَمِيصَةُ الْبَطْنِ، أَيْ: لَا تَغْتَابُ أَحَدًا، وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ فِيهَا تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُغْتَابِ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ وَالْغَوَافِلُ جَمْعُ غَافِلَةٍ وَهِيَ الْعَفِيفَةُ الْغَافِلَةُ عَنِ الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ تَبْرِئَتُهَا مِنِ اغْتِيَابِ النَّاسِ بِأَكْلِ لُحُومِهِمْ مِنَ الْغِيبَةِ، وَمُنَاسَبَةُ تَسْمِيَةِ الْغِيبَةِ بِأَكْلِ اللَّحْمِ أَنَّ اللَّحْمَ سِتْرٌ عَلَى الْعَظْمِ، فَكَأَنَّ الْمُغْتَابَ يَكْشِفُ مَا عَلَى مَنِ اغْتَابَهُ مِنْ سِتْرٍ. وَزَادَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ فِي هَذَا الشِّعْرِ عَلَى أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ:
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ … كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا … وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي … لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
وَزَادَ فِيهِ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ:
حَلِيلَةُ خَيْرِ الْخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا … نَبِيُّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتُ الْفَوَاضِلُ
رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللَّهُ حُرَّةً … مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ الْغَوَائِلِ
وَالْخِيمُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ: الْأَصْلُ الثَّابِتُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَيْمَةِ يُقَالُ: خَامَ يَخِيمُ إِذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَسْتُ كَذَاكَ) ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً مَدَحَتْ بِنْتَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: حَصَانٌ رَزَانُ. الْبَيْتَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَكِنْ أَبُوهَا. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ يُشَبِّبُ بِبِنْتٍ لَهُ، بِالنُّونِ لَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَيَكُونُ نَظْمُ حَسَّانَ فِي بِنْتِهِ لَا فِي عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا تَمَثَّلَ بِهِ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْأَبْيَاتِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا فِي عَائِشَةَ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِحَسَّانَ يَقُولُ فِيهَا:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ … بِكِ الدَّهْرُ بَلْ قِيلَ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: قَالَتْ: لَسْتُ كَذَاكَ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَلَّ قَوْلُ عَائِشَةَ: لَكِنْ أَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَسَّانَ كَانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ بَعْضَ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ (١)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (١) في قوله: (﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾) في الأمر والنهي (﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾) بأمر عائشة وصفوان (﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]) في شرعه وقدرته.
٤٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين، محمَّدٌ قال: (أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَشَبَّبَ) بشين معجمة فموحَّدتين الأولى مشدَّدة، أي: أنشد تغزُّلًا (وَقَالَ: حَصَانٌ) عفيفةٌ تمتنعُ من الرجل (رَزَانٌ) صاحبةُ وقارٍ (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) ما تُتَّهَمُ بها (٢) (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) لا تغتابُهُنَّ، ولأبي ذرٍّ: «من دماء» بدل: «من لحوم»، (قَالَتْ) عائشةُ تُخاطب حسَّانًا: (لَسْتَ كَذَاكَ) بل تغتاب الغوافل، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لها: (تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١])؟ وهذا مشكلٌ؛ إذ ظاهرُه: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ حسَّان، والمعتمد أنَّه عبد الله بن أبيٍّ، لكن في «مستخرج أبي نُعيم» وهو ممَّن تولَّى كِبْره، قال في «الفتح»: فهذه (٣) أخف إشكالًا (فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ العَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: يدفَعُ هجوَ الكفَّارِ فيهجوهم (٤) ويذبُّ عنه، وفي «المغازي» [خ¦٤١٤١] قال عروة:
كانت عائشة تكره أن يُسبَّ عندَها حسَّان، وتقول: إنَّه الذي يقول:
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي … لِعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ
ورُوي أنَّه ﵊ قال: «إنَّ الله يؤيِّد حسَّان بروح القدس في شِعره».
(١١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾) يريدون (﴿أَن تَشِيعَ﴾) أن تنتشر (﴿الْفَاحِشَةُ﴾) الزنى (﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾) الحدُّ (﴿وَالْآخِرَةِ﴾) النارُ، وظاهرُ الآية يتناول كلَّ مَن كان بهذه الصفة، وإنَّما نزلت في قذف عائشة، إلَّا أنَّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾) ما في الضمائر (﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾) وهذا نهايةٌ في الزَّجْر؛ لأنَّ مَن أحبَّ إشاعة الفاحشة، وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة؛ فهو يعلم أنَّ الله تعالى يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾) لعاجلكم بالعقوبة، فجواب «لولا» محذوف (﴿وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ﴾) بعباده (﴿رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩ - ٢٠]) بهم، فتاب على مَن تاب، وطهَّر مَن طهَّر منهم بالحدِّ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿الْفَاحِشَةُ﴾: «الآيةَ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾».
(تَشِيعَ) أي: (تَظْهَرُ) قاله مجاهدٌ، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ.
(﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾» أي: يفتعل؛ مِن الأَليَّة وهي الحَلِف، أي: ولا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾) أي: على ألَّا يُؤْتوا (﴿أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يعني: مِسطَحًا، و «لا»: تُحذف في اليمين كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: ألَّا تَبَرُّوا، وقال امرؤُ القيس:
فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................
أي: لا أبرح.
(﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾) عمَّن خاض في أمر عائشةَ (﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾) يُخاطبُ أبا بكرٍ (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فإذا غفرتَ يُغفَرُ لك، وإذا صفحتَ يُصفَح عنك (١)، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿ة وَالْمُهَاجِرينَ﴾ … » إلى آخر قوله: «﴿أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾» وقال بعدَ قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: «إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
القاسِمِ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا اسْتَأْذَنَ عَلَى عائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ {نِسْياً مَنْسِيًّا} (مَرْيَم: ٣٢)
(انْظُر الحَدِيث ١٧٧٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَالقَاسِم هُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.
٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَعِظُكُمُ الله أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَداً} الْآيَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يعظكم الله} (النُّور: ٧١)
الْآيَة. وَسقط لغير أبي ذَر لفظ. الْآيَة، قَوْله: (يعظكم الله) أَي: يَنْهَاكُم ويخوفكم، وَقيل: يعظكم الله كَيْلا تعودوا لمثله، أَي: إِلَى مثله {وَالله عليم} يَأْمر عَائِشَة وَصَفوَان {حَكِيم} ببراءتهما.
٥٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَش عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ جاءَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها قُلْتُ أتأْذَنِينَ لِهاذَا قالَتْ أوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَالَ سُفْيانُ تَعْنِي ذَهابَ بَصَرِهِ فَقَالَ:
(حَصانٌ رزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ)
قالَتْ لاكِنْ أنْتَ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَأْذَنِينَ لهَذَا) يفهم بِالتَّأَمُّلِ، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِي غير هَذَا الْموضع روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب حَدِيث الْإِفْك، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (لَكِن أَنْت) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: قَالَت: لست كَذَاك، الْخطاب لحسان، يَعْنِي: لَكِن أَنْت لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، وَهُوَ دَال على أَنه كَانَ خَاضَ فِيمَن خَاضَ.
٠١ - (بابٌ: {ويُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآياتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النُّور: ٨١) (النُّور: ٨١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَيبين الله لكم الْآيَات} الدالات على علمه وحكمته بِمَا ينزل عَلَيْكُم من الشَّرَائِع ويعلمكم من الْآدَاب الجميلة (وَالله عليم) بِأَمْر عَائِشَة وَصَفوَان وببراءتهما (حَكِيم) يضع الْأَشْيَاء فِي محالها.
٦٥٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ عَدِيّ أنْبأنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ عَلَى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ:
(حَصانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافِلِ)
قالَتْ لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ هاذَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ وَقَدْ أنْزَلَ الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} (النُّور: ١١) فقالَتْ وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمَى وقالَتْ وقَدْ كانَ يَرُدُّ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَابْن أبي عدي مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (فشبب) من التشبيب، وَهُوَ إنشاد الشّعْر على وَجه الْغَزل. قَوْله: (قَالَت: لست كَذَاك) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لحسان: (لست كَذَاك) تَعْنِي: لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، شارت بِهِ إِلَى أَنه خَاضَ فِي الْإِفْك وَلم يسلم من أكل لُحُوم الغوافل. قَوْله: (قلت) الْقَائِل هُوَ مَسْرُوق. قَوْله: (تدعين) ، أَي: تتركين (مثل هَذَا) ، يَعْنِي: حسانا (يدْخل عَلَيْك) وَقد خَاضَ فِي الْإِفْك ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: وَقد أنزل الله: (وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم) وَقد مر أَنه هُوَ الَّذِي تولى كبره على قَول. قَوْله: (وَقد كَانَ يرد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: يدافع هجو الْكفَّار لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهجوهم ويذب عَنهُ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ.
قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الْآيَةَ.
سَقَطَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ لَفْظُ: الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا) فِيهِ الْتِفَاتٌ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْغَيْبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَدَخَلَ حَسَّانُ، فَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَتْ لَهُ وِسَادَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا) فِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: وَهُوَ مِمَّنْ تَوَلَّى كِبْرَهُ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَخَفُّ إِشْكَالًا.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ) زَادَ أَبُو حُذَيْفَةَ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ وَوَقَعَ بَعْدَ هَذَا الْبَابِ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ تَصْرِيحُ عَائِشَةَ بِصِفَةِ الْعَذَابِ دُونَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَلِهَذَا احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ تَعْنِي. وَسُفْيَانُ الْمَذْكُورُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالرَّاوِي عَنْهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ فِيهِ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الَّذِي هُنَا. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ سُفْيَانَ هُنَا هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ.
١٠ - بَاب: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
٤٧٥٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَشَبَّبَ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ أَيْ تَغَزَّلَ، يُقَالُ شَبَّبَ الشَّاعِرُ بِفُلَانَةَ أَيْ عَرَّضَ بِحُبِّهَا وَذَكَرَ حُسْنَهَا، وَالْمُرَادُ تَرْقِيقُ الشِّعْرِ بِذِكْرِ النِّسَاءِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى إِنْشَادِ الشِّعْرِ وَإِنْشَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ غَزَلٌ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ: فَلَمَّا سَمِعَ حَسَّانُ شِعْرَ الْهَاتِفِ شَبَّبَ بِجَارِيَةٍ: أَخَذَ فِي نَظْمِ جَوَابِهِ.
قَوْلُهُ: (حَصَانٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هَذَا الْوَزْنُ يَكْثُرُ فِي أَوْصَافِ الْمُؤَنَّثِ، وَفِي الْأَعْلَامِ مِنْهَا كَأَنَّهُمْ قَصَدُوا بِتَوَالِي الْفَتَحَاتِ مُشَاكَلَةَ خِفَّةِ اللَّفْظِ لِخِفَّةِ الْمَعْنَى حَصَانٌ، مِنَ الْحَصِينِ وَالتَّحْصِينِ يُرَادُ بِهِ الِامْتِنَاعُ عَلَى الرِّجَالِ وَمِنْ نَظَرِهِمْ إِلَيْهَا، وَقَوْلُهُ: رَزَانٌ مِنَ الرَّزَانَةِ يُرَادُ قِلَّةُ الْحَرَكَةِ، وَتُزَنُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ زَايٌ ثُمَّ نُونٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ تُرْمَى، وَقَوْلُهُ: غَرْثَى بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، أَيْ: خَمِيصَةُ الْبَطْنِ، أَيْ: لَا تَغْتَابُ أَحَدًا، وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ فِيهَا تَلْمِيحٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُغْتَابِ: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ وَالْغَوَافِلُ جَمْعُ غَافِلَةٍ وَهِيَ الْعَفِيفَةُ الْغَافِلَةُ عَنِ الشَّرِّ، وَالْمُرَادُ تَبْرِئَتُهَا مِنِ اغْتِيَابِ النَّاسِ بِأَكْلِ لُحُومِهِمْ مِنَ الْغِيبَةِ، وَمُنَاسَبَةُ تَسْمِيَةِ الْغِيبَةِ بِأَكْلِ اللَّحْمِ أَنَّ اللَّحْمَ سِتْرٌ عَلَى الْعَظْمِ، فَكَأَنَّ الْمُغْتَابَ يَكْشِفُ مَا عَلَى مَنِ اغْتَابَهُ مِنْ سِتْرٍ. وَزَادَ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ فِي هَذَا الشِّعْرِ عَلَى أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ:
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ … كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا … وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي … لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
وَزَادَ فِيهِ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ:
حَلِيلَةُ خَيْرِ الْخَلْقِ دِينًا وَمَنْصِبًا … نَبِيُّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتُ الْفَوَاضِلُ
رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللَّهُ حُرَّةً … مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ الْغَوَائِلِ
وَالْخِيمُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ: الْأَصْلُ الثَّابِتُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَيْمَةِ يُقَالُ: خَامَ يَخِيمُ إِذَا أَقَامَ بِالْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَسْتُ كَذَاكَ) ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً مَدَحَتْ بِنْتَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: حَصَانٌ رَزَانُ. الْبَيْتَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَكِنْ أَبُوهَا. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ يُشَبِّبُ بِبِنْتٍ لَهُ، بِالنُّونِ لَا بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَيَكُونُ نَظْمُ حَسَّانَ فِي بِنْتِهِ لَا فِي عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا تَمَثَّلَ بِهِ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْأَبْيَاتِ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّهَا فِي عَائِشَةَ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِحَسَّانَ يَقُولُ فِيهَا:
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي زَعَمُوا لَكُمْ … فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِقٍ … بِكِ الدَّهْرُ بَلْ قِيلَ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: قَالَتْ: لَسْتُ كَذَاكَ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ أَوْ يُهَاجِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَلَّ قَوْلُ عَائِشَةَ: لَكِنْ أَنْتَ لَسْتَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَسَّانَ كَانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الْأَخِيرَةُ تَقَدَّمَتْ هُنَاكَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَوْلُهُ: بَابُ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ذَكَرَ فِيهِ بَعْضَ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مَا فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ (١)، كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٠) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (١) في قوله: (﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾) في الأمر والنهي (﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾) بأمر عائشة وصفوان (﴿حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]) في شرعه وقدرته.
٤٧٥٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدال المهملتين، محمَّدٌ قال: (أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ) بنُ الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمانَ بن مهرانَ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلمِ بنِ صُبيحٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع أنَّه (قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَشَبَّبَ) بشين معجمة فموحَّدتين الأولى مشدَّدة، أي: أنشد تغزُّلًا (وَقَالَ: حَصَانٌ) عفيفةٌ تمتنعُ من الرجل (رَزَانٌ) صاحبةُ وقارٍ (مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ) ما تُتَّهَمُ بها (٢) (وَتُصْبِحُ غَرْثَى) جائعة (مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ) لا تغتابُهُنَّ، ولأبي ذرٍّ: «من دماء» بدل: «من لحوم»، (قَالَتْ) عائشةُ تُخاطب حسَّانًا: (لَسْتَ كَذَاكَ) بل تغتاب الغوافل، قال مسروقٌ: (قُلْتُ) لها: (تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ) تعالى: (﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور: ١١])؟ وهذا مشكلٌ؛ إذ ظاهرُه: أنَّ المراد بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ حسَّان، والمعتمد أنَّه عبد الله بن أبيٍّ، لكن في «مستخرج أبي نُعيم» وهو ممَّن تولَّى كِبْره، قال في «الفتح»: فهذه (٣) أخف إشكالًا (فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ العَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: يدفَعُ هجوَ الكفَّارِ فيهجوهم (٤) ويذبُّ عنه، وفي «المغازي» [خ¦٤١٤١] قال عروة:
كانت عائشة تكره أن يُسبَّ عندَها حسَّان، وتقول: إنَّه الذي يقول:
فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي … لِعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ
ورُوي أنَّه ﵊ قال: «إنَّ الله يؤيِّد حسَّان بروح القدس في شِعره».
(١١) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين في قوله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾) يريدون (﴿أَن تَشِيعَ﴾) أن تنتشر (﴿الْفَاحِشَةُ﴾) الزنى (﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾) الحدُّ (﴿وَالْآخِرَةِ﴾) النارُ، وظاهرُ الآية يتناول كلَّ مَن كان بهذه الصفة، وإنَّما نزلت في قذف عائشة، إلَّا أنَّ العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾) ما في الضمائر (﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾) وهذا نهايةٌ في الزَّجْر؛ لأنَّ مَن أحبَّ إشاعة الفاحشة، وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة؛ فهو يعلم أنَّ الله تعالى يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه (﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾) لعاجلكم بالعقوبة، فجواب «لولا» محذوف (﴿وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ﴾) بعباده (﴿رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩ - ٢٠]) بهم، فتاب على مَن تاب، وطهَّر مَن طهَّر منهم بالحدِّ، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿الْفَاحِشَةُ﴾: «الآيةَ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾».
(تَشِيعَ) أي: (تَظْهَرُ) قاله مجاهدٌ، وسقط هذا لغير أبي ذرٍّ.
(﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾» أي: يفتعل؛ مِن الأَليَّة وهي الحَلِف، أي: ولا يحلف (﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا﴾) أي: على ألَّا يُؤْتوا (﴿أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾) يعني: مِسطَحًا، و «لا»: تُحذف في اليمين كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] يعني: ألَّا تَبَرُّوا، وقال امرؤُ القيس:
فقلتُ: يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................
أي: لا أبرح.
(﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾) عمَّن خاض في أمر عائشةَ (﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾) يُخاطبُ أبا بكرٍ (﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]) أي: فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فإذا غفرتَ يُغفَرُ لك، وإذا صفحتَ يُصفَح عنك (١)، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «﴿ة وَالْمُهَاجِرينَ﴾ … » إلى آخر قوله: «﴿أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾» وقال بعدَ قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: «إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
القاسِمِ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهُمَا اسْتَأْذَنَ عَلَى عائِشَةَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ {نِسْياً مَنْسِيًّا} (مَرْيَم: ٣٢)
(انْظُر الحَدِيث ١٧٧٣ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَابْن عون هُوَ عبد الله بن عون، وَالقَاسِم هُوَ مُحَمَّد بن أبي بكر. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.
٩ - (بابٌ قَوْلُهُ: {يَعِظُكُمُ الله أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَداً} الْآيَة)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {يعظكم الله} (النُّور: ٧١)
الْآيَة. وَسقط لغير أبي ذَر لفظ. الْآيَة، قَوْله: (يعظكم الله) أَي: يَنْهَاكُم ويخوفكم، وَقيل: يعظكم الله كَيْلا تعودوا لمثله، أَي: إِلَى مثله {وَالله عليم} يَأْمر عَائِشَة وَصَفوَان {حَكِيم} ببراءتهما.
٥٥٧٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدّثنا سُفْيانُ عنِ الأعْمَش عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قالَتْ جاءَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْها قُلْتُ أتأْذَنِينَ لِهاذَا قالَتْ أوَلَيْسَ قَدْ أصابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَالَ سُفْيانُ تَعْنِي ذَهابَ بَصَرِهِ فَقَالَ:
(حَصانٌ رزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ)
قالَتْ لاكِنْ أنْتَ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (أَتَأْذَنِينَ لهَذَا) يفهم بِالتَّأَمُّلِ، وَمُحَمّد بن يُوسُف هُوَ الْفرْيَابِيّ، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وَقد وَقع التَّصْرِيح بذلك عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَفِي غير هَذَا الْموضع روى البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف البيكندي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش وَأَبُو الضُّحَى مُسلم بن صبيح.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي فِي: بَاب حَدِيث الْإِفْك، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن بشر بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (لَكِن أَنْت) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: قَالَت: لست كَذَاك، الْخطاب لحسان، يَعْنِي: لَكِن أَنْت لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، وَهُوَ دَال على أَنه كَانَ خَاضَ فِيمَن خَاضَ.
٠١ - (بابٌ: {ويُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآياتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النُّور: ٨١) (النُّور: ٨١)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَيبين الله لكم الْآيَات} الدالات على علمه وحكمته بِمَا ينزل عَلَيْكُم من الشَّرَائِع ويعلمكم من الْآدَاب الجميلة (وَالله عليم) بِأَمْر عَائِشَة وَصَفوَان وببراءتهما (حَكِيم) يضع الْأَشْيَاء فِي محالها.
٦٥٧٤ - حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ عَدِيّ أنْبأنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبي الضُّحَى عنْ مَسْرُوق قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بنُ ثابِتٍ عَلَى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ:
(حَصانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحومِ الغَوافِلِ)
قالَتْ لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ هاذَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ وَقَدْ أنْزَلَ الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} (النُّور: ١١) فقالَتْ وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمَى وقالَتْ وقَدْ كانَ يَرُدُّ عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤١٤ وطرفه) .
هَذَا طَرِيق آخر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، وَابْن أبي عدي مُحَمَّد، وَاسم أبي عدي إِبْرَاهِيم.
قَوْله: (فشبب) من التشبيب، وَهُوَ إنشاد الشّعْر على وَجه الْغَزل. قَوْله: (قَالَت: لست كَذَاك) ، أَي: قَالَت عَائِشَة لحسان: (لست كَذَاك) تَعْنِي: لم تصبح غرثان من لُحُوم الغوافل، شارت بِهِ إِلَى أَنه خَاضَ فِي الْإِفْك وَلم يسلم من أكل لُحُوم الغوافل. قَوْله: (قلت) الْقَائِل هُوَ مَسْرُوق. قَوْله: (تدعين) ، أَي: تتركين (مثل هَذَا) ، يَعْنِي: حسانا (يدْخل عَلَيْك) وَقد خَاضَ فِي الْإِفْك ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: وَقد أنزل الله: (وَالَّذِي تولى كبره مِنْهُم) وَقد مر أَنه هُوَ الَّذِي تولى كبره على قَول. قَوْله: (وَقد كَانَ يرد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) أَي: يدافع هجو الْكفَّار لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يهجوهم ويذب عَنهُ.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56