«كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا، بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٨٩

الحديث رقم ٤٧٨٩ من كتاب «سورة الأحزاب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله ترجئ من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٧٨٩ في صحيح البخاري

«كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا، بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فَقُلْتُ لَهَا: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ، فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا».

تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ: سَمِعَ عَاصِمًا.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾ يُقَالُ: إِنَاهُ إِدْرَاكُهُ، أَنَى يَأْنِي أَنَاةً، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ: قَرِيبَةً، وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٧٨٩

٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - : أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٧٨٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ

[الحديث ٤٧٨٨ - طرفه في: ٥١١٣]

٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فَقُلْتُ لَهَا مَا كُنْتِ تَقُولِينَ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ آيَةِ التَّخْيِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَمَّا وَقَعَ أَشْفَقَ بَعْضُ الْأَزْوَاجِ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَفَوَّضْنَ أَمْرَ الْقَسْمِ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَتْ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِي: تُؤَخِّرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَرْجِهْ: أَخِّرْهُ) هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ وَالشُّعَرَاءِ، ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ قَالَ: أَخِّرْهُ وَأَخَاهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) هُوَ الطَّائِيُّ وَقِيلَ: الْبَلْخِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعِيدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُخْبِرِ عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَغَارُ) كَذَا وَقَعَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْغَيْرَةِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ كَانَتْ تُعَيَّرُ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَاهِبَةَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَهَا قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِيَ ابْنَةً - فَذَكَرَتْ مِنْ جَمَالِهَا - فَآثَرْتُكَ بِهَا. فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُهَا. فَلَمْ تَزَلْ تَذْكُرُ حَتَّى قَالَتْ: لَمْ تُصْدَعْ قَطُّ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ابْنَتِكِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَهَذِهِ امْرَأَةٌ أُخْرَى بِلَا شَكٍّ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ مُعَلَّقًا. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مِنَ الْوَاهِبَاتِ أُمُّ شَرِيكٍ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ. وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّ مِنَ الْوَاهِبَاتِ فَاطِمَةُ بِنْتُ شُرَيْحٍ. وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَى بِنْتُ الْحَطِيمِ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ. وَمِنْهُنَّ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، جَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ وَهُوَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ.

وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ هِيَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ.

وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ

سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ امْرَأَةٌ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى إِرَادَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ وَأَشَارَتْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ

قَوْلُهُ: (مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أَيْ مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُوجِدًا لِمَا تُرِيدُ بِلَا تَأْخِيرٍ، مُنْزِلًا لِمَا تُحِبُّ وَتَخْتَارُ. وَقَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَيْ تُؤَخِّرْهُنَّ بِغَيْرِ قَسْمٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قَالَ: كُنَّ نِسَاءً وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَأَ بَعْضَهُنَّ لَمْ يَنْكِحْهُنَّ، وَهَذَا شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأَحَدٍ مِنَ الْوَاهِبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَنَّهُ كَانَ هَمَّ بِطَلَاقِ بَعْضِهِنَّ، فَقُلْنَ لَهُ لَا تُطَلِّقْنَا وَاقْسِمْ لَنَا مَا شِئْتَ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِبَعْضِهِنَّ قَسْمًا مُسْتَوِيًا، وَهُنَّ اللَّاتِي آوَاهُنَّ، وَيَقْسِمُ لِلْبَاقِي مَا شَاءَ وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْجَأَهُنَّ. فَحَاصِلُ مَا نُقِلَ فِي تَأْوِيلِ (تُرْجِي) أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: تُطَلِّقُ وَتُمْسِكُ، ثَانِيهَا: تَعْتَزِلُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَقْسِمُ لِغَيْرِهَا، ثَالِثُهَا: تَقْبَلُ مَنْ شِئْتَ مِنَ الْوَاهِبَاتِ وَتَرُدَّ مَنْ شِئْتَ. وَحَدِيثُ الْبَابِ يُؤَيِّدُ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. وَظَاهِرُ مَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ مِنَ اسْتِئْذَانِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرْجِ أَحَدًا مِنْهُنَّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَزِلْ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَأَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ أَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ كَيْفَ شَاءَ فَلَمْ يَقْسِمْ إِلَّا بِالسَّوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (يَسْتَأْذِنُ الْمَرْأَةَ فِي الْيَوْمِ) أَيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ نَوْبَتُهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْأُخْرَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، وَرَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى الْمَرْوَزِيِّ. (تَكْمِيلٌ): اخْتُلِفَ فِي الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بَعْدَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ يَحِلُّ لَهُ صِنْفٌ دُونَ صِنْفٍ؟ أَوْ بَعْدَ النِّسَاءِ الْمَوْجُودَاتِ عِنْدَ التَّخْيِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مُجَازَاةً لَهُنَّ عَلَى اخْتِيَارِهِنَّ إِيَّاهُ، نَعَمْ، الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ بَعْدَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُهُ.

٨ - بَاب: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ يُقَالُ إِنَاهُ إِدْرَاكُهُ أَنَى يَأْنِي أَنَاةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنفسهُنَّ (١) له، وإن كان مباحًا له (٢)؛ لأنَّه راجعٌ إلى إرادته (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظُنُّ (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: إلَّا موجدًا لك مرادك بلا تأخير.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النكاح»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «عشرة النساء» و «التفسير».

٤٧٨٩ - به قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، السُّلَميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان (الأَحْوَلُ) البصريُّ (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدويَّة (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا) بإضافة «يوم» إلى «المرأة» أي: يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجَّه إلى الأخرى (بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ (٣) هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]) قالت معاذة: (فَقُلْتُ (٤) لَهَا) أي (٥): لعائشة مستفهمةً: (مَا كُنْتِ تَقُولِينَ) له ؟ (قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ (٦)) الاستئذان (إِلَيَّ؛ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا) وظاهره (٧): أنَّه لم يرجئ (٨) أحدًا منهنَّ، وهو (٩) قول الزُّهريِّ فيما أخرجه ابن أبي حاتم ما أعلم أنَّه أرجأ أحدًا من نسائه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الله بن المبارك (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة فيهما، أبو معاوية المُهَلَّبيُّ، فيما وصله ابن مردويه في «تفسيره» فقال: إنَّه (سَمِعَ عَاصِمًا) الأحول.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الطلاق»، وأبو داود في «النكاح»، والنَّسائي في «عشرة النساء».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَرُ فيه (قوله) تعالى: (﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) أي: إلَّا مصحوبين بالإذن، فهي في موضع الحال، أو إلَّا بسبب الإذن لكم، فأسقط باء السبب، وقال القاضي كالزَّمخشريِّ: إلَّا وقت أن يُؤذَن لكم، وردَّه أبو حيَّان بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ (١) «أن» (٢) المصدريَّة لا تقع موقع الظرف، لا يجوز: «آتيك أن يصيحَ الديك»، وإن جاز ذلك في المصدر الصريح؛ نحو: «آتيك صياحَ الديك» (﴿إِلَى طَعَامٍ﴾) متعلِّقٌ بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾ لأنَّه بمعنى: إلَّا أن تُدْعَوا إلى طعام (﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾) نصب على الحال، فعند الزمخشريِّ: العامل فيه ﴿يُؤْذَنَ﴾ وعند غيره مقدَّرٌ، أي: ادخُلوا غيرَ ناظرين إدراكه أو وقت نضجه، والمعنى: لا تَرقُبوا الطعام إذا طبخ حتَّى إذا قارب الاستواء؛ تعرضتم للدخول؛ فإنَّ هذا ممَّا يكرهه الله ويذمُّه، قال ابن كثير: وهذا دليلٌ على تحريم التطفيل، وقد صنَّف الخطيب البغداديُّ كتابًا في ذم الطفيليِّين، ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده، وأمال حمزة والكسائيُّ ﴿إِنَاهُ﴾ لأنَّه مصدر أنى الطعام؛ إذا أدرك (﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾) تفرَّقوا واخرُجُوا من منزله ولا تمكُثوا، والآية إمَّا

تقديم، أي: لا تدخلوا إلى طعام إلَّا أنْ يُؤذَنَ لكم، أوْ لا، والثاني أَولى؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التقديم، وحينئذٍ فالإذنُ مشروطٌ بكونه إلى طعامٍ، فلو أذن لأحدٍ أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجةٍ لا يجوز، لكنَّا نقول: الآية خطابٌ لقومٍ كانوا يتحيَّنون طعامَ رسول الله ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، فهي مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم، فيجوزُ ولا يشترط التصريح بالإذن، بل يكفي العلم بالرضا، كما يُشعِر به قوله: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حيث لم يُبيِّن الفاعل مع قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾) نُصِبَ عطفًا على ﴿غَيْرَ﴾ أي: لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين، أو حالٌ مقدَّرةٌ، أي: لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين، أو جُرَّ عطفًا على ﴿نَاظِرِينَ﴾ أي: غير ناظرين وغير مستأنسين، واللَّام في ﴿لِحَدِيثٍ﴾ للعلَّة، أي: لأجل أن يحدِّث بعضكم بعضًا، والمعنى: ولا طالبين الأُنسَ للحديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدَّثون طويلًا، فنهوا عنه (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) الانتظار والاستئناس (﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، وإشغاله (١) فيما لا (٢) يعنيه (﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾) أي: من إخراجكم، فهو من تقدير المضاف؛ بدليل قوله: (﴿وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾) أي: إن إخراجَكُم حقٌّ، فينبغي ألَّا يُترَك حياءً؛ ولهذا نهاكم وزجركم عنه، قال في «الكشاف»: وهذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء، وقال السَّمرقنديُّ: في الآية حفظ الأدب، وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا، بل إذا أكل ينبغي أن يخرج (﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾) حاجةً (﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾) المتاع (﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾) أي: سترٍ (﴿ذَلِكُمْ﴾) أي: الذي شرعتُه لكم من الحجاب (﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾) من الرَّيب؛ لأنَّ العين روزنة القلب، فإذا لم تَرَ العين لا يشتهي القلب، فهو عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر (٣)، وهذه آية الحجاب، وهي (٤) ممَّا وافق تنزيلُها قول عمر، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾) وما صحَّ لكم (﴿أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾) أن تفعلوا شيئًا يكرَهُه (﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) بعد وفاتِهِ أو فراقه؛ تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.

وفي حديث عكرمة عنِ ابن عبَّاس ممَّا (١) رواه ابن أبي حاتم: أنَّ الآية نزلت في رجل همَّ أن يتزوَّج بعض نساء النبي بعدَه، قال رجلٌ لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك (٢)، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السُّدِّي: أنَّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) أي: إيذاءه ونكاح نِسائِه (﴿كَانَ عِندَ اللهِ﴾) ذنبًا (﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾: «إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا﴾».

(يُقَالُ: ﴿إِنَاهُ﴾) قال أبو عُبيدةَ أي: (إِدْرَاكُهُ) وبلوغه، ويقال: (أَنَى) بفتح الهمزة والنون (يَأْنَى) بسكون الهمزة وفتح النون (أَنَاةً) بفتح الهمزة والنون من غير همز (٣) آخره هاء (٤) تأنيث، مقصورٌ، ولابن عساكر: «إناء» بهمزة من غير هاء تأنيث، وزاد أبو ذرٍّ: «فهو آنٍ».

(﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]) القياس أن يقول: قريبة بالتَّاء (٥)، وأجاب المؤلف عنه: بأنك (إِذَا وَصَفْتَ (٦) صِفَةَ المُؤَنَّثِ؛ قُلْتَ: قَرِيبَةً) بالتاء (وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا) قال الكِرمانيُّ أي: اسمًا زمانيًّا (٧) وعبارة أبي عبيدة: مجازه مجاز الظرف (وَبَدَلًا) أي: عن الصفة، يعني: جعلتَه اسمًا مكان الصفة (وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ؛ نَزَعْتَ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ) فقلت: قريبًا (وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا) أي: لفظ الكلمة المذكورة إذا لم تُرِدِ الصفة يستوي (فِي) لفظِها (٨) (الوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ

[الحديث ٤٧٨٨ - طرفه في: ٥١١٣]

٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فَقُلْتُ لَهَا مَا كُنْتِ تَقُولِينَ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا"

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٍ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ آيَةِ التَّخْيِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَمَّا وَقَعَ أَشْفَقَ بَعْضُ الْأَزْوَاجِ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَفَوَّضْنَ أَمْرَ الْقَسْمِ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَتْ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِي: تُؤَخِّرُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.

قَوْلُهُ: (أَرْجِهْ: أَخِّرْهُ) هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ وَالشُّعَرَاءِ، ذَكَرَهُ هُنَا اسْتِطْرَادًا. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ قَالَ: أَخِّرْهُ وَأَخَاهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى) هُوَ الطَّائِيُّ وَقِيلَ: الْبَلْخِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعِيدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنَا) هُوَ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُخْبِرِ عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ أَغَارُ) كَذَا وَقَعَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الْغَيْرَةِ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ كَانَتْ تُعَيَّرُ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدٍ.

قَوْلُهُ: (وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَاهِبَةَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي طَلَبَهَا قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِيَ ابْنَةً - فَذَكَرَتْ مِنْ جَمَالِهَا - فَآثَرْتُكَ بِهَا. فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُهَا. فَلَمْ تَزَلْ تَذْكُرُ حَتَّى قَالَتْ: لَمْ تُصْدَعْ قَطُّ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ابْنَتِكِ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَهَذِهِ امْرَأَةٌ أُخْرَى بِلَا شَكٍّ. وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ مُعَلَّقًا. وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مِنَ الْوَاهِبَاتِ أُمُّ شَرِيكٍ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ. وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّ مِنَ الْوَاهِبَاتِ فَاطِمَةُ بِنْتُ شُرَيْحٍ. وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَى بِنْتُ الْحَطِيمِ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ. وَمِنْهُنَّ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ، جَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ، وَخَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ وَهُوَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ.

وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ هِيَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ.

وَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ

سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ امْرَأَةٌ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى إِرَادَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ وَأَشَارَتْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ

قَوْلُهُ: (مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أَيْ مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُوجِدًا لِمَا تُرِيدُ بِلَا تَأْخِيرٍ، مُنْزِلًا لِمَا تُحِبُّ وَتَخْتَارُ. وَقَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَيْ تُؤَخِّرْهُنَّ بِغَيْرِ قَسْمٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قَالَ: كُنَّ نِسَاءً وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَأَ بَعْضَهُنَّ لَمْ يَنْكِحْهُنَّ، وَهَذَا شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأَحَدٍ مِنَ الْوَاهِبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أَنَّهُ كَانَ هَمَّ بِطَلَاقِ بَعْضِهِنَّ، فَقُلْنَ لَهُ لَا تُطَلِّقْنَا وَاقْسِمْ لَنَا مَا شِئْتَ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِبَعْضِهِنَّ قَسْمًا مُسْتَوِيًا، وَهُنَّ اللَّاتِي آوَاهُنَّ، وَيَقْسِمُ لِلْبَاقِي مَا شَاءَ وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْجَأَهُنَّ. فَحَاصِلُ مَا نُقِلَ فِي تَأْوِيلِ (تُرْجِي) أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: تُطَلِّقُ وَتُمْسِكُ، ثَانِيهَا: تَعْتَزِلُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَقْسِمُ لِغَيْرِهَا، ثَالِثُهَا: تَقْبَلُ مَنْ شِئْتَ مِنَ الْوَاهِبَاتِ وَتَرُدَّ مَنْ شِئْتَ. وَحَدِيثُ الْبَابِ يُؤَيِّدُ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ. وَظَاهِرُ مَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ مِنَ اسْتِئْذَانِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرْجِ أَحَدًا مِنْهُنَّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَزِلْ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَأَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَنْ قَتَادَةَ أَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ كَيْفَ شَاءَ فَلَمْ يَقْسِمْ إِلَّا بِالسَّوِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (يَسْتَأْذِنُ الْمَرْأَةَ فِي الْيَوْمِ) أَيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ نَوْبَتُهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْأُخْرَى.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا) وَصَلَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ، وَرَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى الْمَرْوَزِيِّ. (تَكْمِيلٌ): اخْتُلِفَ فِي الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ هَلِ الْمُرَادُ بَعْدَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ يَحِلُّ لَهُ صِنْفٌ دُونَ صِنْفٍ؟ أَوْ بَعْدَ النِّسَاءِ الْمَوْجُودَاتِ عِنْدَ التَّخْيِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مُجَازَاةً لَهُنَّ عَلَى اخْتِيَارِهِنَّ إِيَّاهُ، نَعَمْ، الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ بَعْدَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُهُ.

٨ - بَاب: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ يُقَالُ إِنَاهُ إِدْرَاكُهُ أَنَى يَأْنِي أَنَاةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أنفسهُنَّ (١) له، وإن كان مباحًا له (٢)؛ لأنَّه راجعٌ إلى إرادته (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ مَا أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظُنُّ (رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ) أي: إلَّا موجدًا لك مرادك بلا تأخير.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «النكاح»، والنَّسائيُّ فيه، وفي «عشرة النساء» و «التفسير».

٤٧٨٩ - به قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحَّدة، السُّلَميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان (الأَحْوَلُ) البصريُّ (عَنْ مُعَاذَةَ) بنت عبد الله العدويَّة (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ المَرْأَةِ مِنَّا) بإضافة «يوم» إلى «المرأة» أي: يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجَّه إلى الأخرى (بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ (٣) هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]) قالت معاذة: (فَقُلْتُ (٤) لَهَا) أي (٥): لعائشة مستفهمةً: (مَا كُنْتِ تَقُولِينَ) له ؟ (قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ (٦)) الاستئذان (إِلَيَّ؛ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا) وظاهره (٧): أنَّه لم يرجئ (٨) أحدًا منهنَّ، وهو (٩) قول الزُّهريِّ فيما أخرجه ابن أبي حاتم ما أعلم أنَّه أرجأ أحدًا من نسائه.

(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الله بن المبارك (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة فيهما، أبو معاوية المُهَلَّبيُّ، فيما وصله ابن مردويه في «تفسيره» فقال: إنَّه (سَمِعَ عَاصِمًا) الأحول.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «الطلاق»، وأبو داود في «النكاح»، والنَّسائي في «عشرة النساء».

(٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَرُ فيه (قوله) تعالى: (﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾) أي: إلَّا مصحوبين بالإذن، فهي في موضع الحال، أو إلَّا بسبب الإذن لكم، فأسقط باء السبب، وقال القاضي كالزَّمخشريِّ: إلَّا وقت أن يُؤذَن لكم، وردَّه أبو حيَّان بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ (١) «أن» (٢) المصدريَّة لا تقع موقع الظرف، لا يجوز: «آتيك أن يصيحَ الديك»، وإن جاز ذلك في المصدر الصريح؛ نحو: «آتيك صياحَ الديك» (﴿إِلَى طَعَامٍ﴾) متعلِّقٌ بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾ لأنَّه بمعنى: إلَّا أن تُدْعَوا إلى طعام (﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾) نصب على الحال، فعند الزمخشريِّ: العامل فيه ﴿يُؤْذَنَ﴾ وعند غيره مقدَّرٌ، أي: ادخُلوا غيرَ ناظرين إدراكه أو وقت نضجه، والمعنى: لا تَرقُبوا الطعام إذا طبخ حتَّى إذا قارب الاستواء؛ تعرضتم للدخول؛ فإنَّ هذا ممَّا يكرهه الله ويذمُّه، قال ابن كثير: وهذا دليلٌ على تحريم التطفيل، وقد صنَّف الخطيب البغداديُّ كتابًا في ذم الطفيليِّين، ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده، وأمال حمزة والكسائيُّ ﴿إِنَاهُ﴾ لأنَّه مصدر أنى الطعام؛ إذا أدرك (﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾) تفرَّقوا واخرُجُوا من منزله ولا تمكُثوا، والآية إمَّا

تقديم، أي: لا تدخلوا إلى طعام إلَّا أنْ يُؤذَنَ لكم، أوْ لا، والثاني أَولى؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التقديم، وحينئذٍ فالإذنُ مشروطٌ بكونه إلى طعامٍ، فلو أذن لأحدٍ أن يدخل بيوته لغير الطعام أو لبث بعد الطعام لحاجةٍ لا يجوز، لكنَّا نقول: الآية خطابٌ لقومٍ كانوا يتحيَّنون طعامَ رسول الله ، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، فهي مخصوصةٌ بهم وبأمثالهم، فيجوزُ ولا يشترط التصريح بالإذن، بل يكفي العلم بالرضا، كما يُشعِر به قوله: ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ حيث لم يُبيِّن الفاعل مع قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾) نُصِبَ عطفًا على ﴿غَيْرَ﴾ أي: لا تدخلوها غير ناظرين ولا مستأنسين، أو حالٌ مقدَّرةٌ، أي: لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين، أو جُرَّ عطفًا على ﴿نَاظِرِينَ﴾ أي: غير ناظرين وغير مستأنسين، واللَّام في ﴿لِحَدِيثٍ﴾ للعلَّة، أي: لأجل أن يحدِّث بعضكم بعضًا، والمعنى: ولا طالبين الأُنسَ للحديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدَّثون طويلًا، فنهوا عنه (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) الانتظار والاستئناس (﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، وإشغاله (١) فيما لا (٢) يعنيه (﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾) أي: من إخراجكم، فهو من تقدير المضاف؛ بدليل قوله: (﴿وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾) أي: إن إخراجَكُم حقٌّ، فينبغي ألَّا يُترَك حياءً؛ ولهذا نهاكم وزجركم عنه، قال في «الكشاف»: وهذا أدبٌ أدَّب الله به الثقلاء، وقال السَّمرقنديُّ: في الآية حفظ الأدب، وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا لا يجعل نفسه ثقيلًا، بل إذا أكل ينبغي أن يخرج (﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾) حاجةً (﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾) المتاع (﴿مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾) أي: سترٍ (﴿ذَلِكُمْ﴾) أي: الذي شرعتُه لكم من الحجاب (﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾) من الرَّيب؛ لأنَّ العين روزنة القلب، فإذا لم تَرَ العين لا يشتهي القلب، فهو عند عدم الرؤية أطهر، وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر (٣)، وهذه آية الحجاب، وهي (٤) ممَّا وافق تنزيلُها قول عمر، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾) وما صحَّ لكم (﴿أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾) أن تفعلوا شيئًا يكرَهُه (﴿وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) بعد وفاتِهِ أو فراقه؛ تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.

وفي حديث عكرمة عنِ ابن عبَّاس ممَّا (١) رواه ابن أبي حاتم: أنَّ الآية نزلت في رجل همَّ أن يتزوَّج بعض نساء النبي بعدَه، قال رجلٌ لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك (٢)، وكذا قال مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السُّدِّي: أنَّ الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾) أي: إيذاءه ونكاح نِسائِه (﴿كَانَ عِندَ اللهِ﴾) ذنبًا (﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]) وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ … » إلى آخره، وقال بعد قوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾: «إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا﴾».

(يُقَالُ: ﴿إِنَاهُ﴾) قال أبو عُبيدةَ أي: (إِدْرَاكُهُ) وبلوغه، ويقال: (أَنَى) بفتح الهمزة والنون (يَأْنَى) بسكون الهمزة وفتح النون (أَنَاةً) بفتح الهمزة والنون من غير همز (٣) آخره هاء (٤) تأنيث، مقصورٌ، ولابن عساكر: «إناء» بهمزة من غير هاء تأنيث، وزاد أبو ذرٍّ: «فهو آنٍ».

(﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]) القياس أن يقول: قريبة بالتَّاء (٥)، وأجاب المؤلف عنه: بأنك (إِذَا وَصَفْتَ (٦) صِفَةَ المُؤَنَّثِ؛ قُلْتَ: قَرِيبَةً) بالتاء (وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا) قال الكِرمانيُّ أي: اسمًا زمانيًّا (٧) وعبارة أبي عبيدة: مجازه مجاز الظرف (وَبَدَلًا) أي: عن الصفة، يعني: جعلتَه اسمًا مكان الصفة (وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ؛ نَزَعْتَ الهَاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ) فقلت: قريبًا (وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا) أي: لفظ الكلمة المذكورة إذا لم تُرِدِ الصفة يستوي (فِي) لفظِها (٨) (الوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل