الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4884
الحديث رقم 4884 من كتاب «سورة الحشر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ما قطعتم من لينة نخلة ما لم تكن عجوة أو برنية.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
قَوْلُهُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾
٤٨٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أغصانُ الشَّجرِ للِينِها. و ﴿مَا﴾: شرطيَّة في موضع نصب بـ ﴿قَطَعْتُم﴾ و ﴿مِّن لِّينَةٍ﴾ بيان لها (١) و ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ جواب الشَّرط لـ ﴿مَا﴾ ولابدَّ من حذف مضاف تقديره: فقطعها بإذنِ الله، وسقطَ «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) لمَّا نزلَ بهم، وكانوا تحصَّنُوا بحصونِهم (وَقَطَعَـ) ها إِهانةً لهم وإِرهَابًا وإرعابًا (٢) لقلوبِهِم (وَهْيَ البُوَيْرَةُ) بضم الموحدة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة راء: موضعٌ بقرب المدينة ونخل لبني النَّضير، فقالوا: يا محمَّد؛ قد كنتَ تَنهى عن الفسادِ في الأرضِ، فما بالُ قطعِ النَّخلِ وتَخرِيبها (٣)؟! (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾) الضَّمير عائد على ﴿مَا﴾ وأُنِّث؛ لأنَّه مفسَّر بـ «اللِّينة» (﴿قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾) أي: خيَّركم في ذلك (﴿وَلِيُخْزِيَ﴾) بالإذنِ في القطْعِ (﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]) اليهود في اعتراضِهم بأنَّ قطعَ الشَّجرِ المثمرِ فسادٌ، واستُدِلَّ به على جوازِ هدمِ ديارِ الكفَّارِ وقطعِ أشجارِهم زيادةً لغيظهِم.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (قَوْلُهُ: ﴿مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]) قال الزَّمخشريُّ: لم يدخل العاطفُ على هذه الجملةِ؛ لأنَّها بيانٌ للأولَى، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ (٤).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كلهَا من غير اسْتثِْنَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ لون من النّخل وأصل لينَة: لونة، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا.
٤٨٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا لَ يْثٌ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِها فَبِإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمضى الحَدِيث فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا خماسيا وَهنا سَاقه رباعيا. قَوْله: (البويرة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. قَوْله: (مَا قطعْتُمْ) مَحل: مَا نصب: بقطعتم، كَأَنَّهُ قيل: أَي: شَيْء قطعْتُمْ من لينَة، وَالضَّمِير فِي: تَرَكْتُمُوهَا، يرجع إِلَى: مَا لانه فِي معنى اللينة. قَوْله: (على أُصُولهَا) أَي: سوقها فَلم يقطعوها وَلم يحرقوها. قَوْله: (فبإذن الله) يَعْنِي: الْقطع وَالتّرْك بِإِذن الله قَوْله: (وليخزي) أَي: وَلأَجل أَن يخزي الْفَاسِقين من الإخزاء، وَهُوَ الْقَهْر والإذلال.
٣ - (بابٌ قَوْلِهِ: {مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ} (الْحَشْر: ٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {مَا أَفَاء الله} أَي: مَا رد الله وَرجع إِلَيْهِ مِنْهُم أَي من بني النَّضِير من الْأَمْوَال.
٥٨٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْروٍ عنِ الزهْرِيِّ عنْ مَالِكِ ابنِ أوْسٍ بنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كانَتْ أمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا ركابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلَ الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب، وَوَقع فِي (صَحِيح مُسلم) عَمْرو بن دِينَار عَن مَالك بن أَوْس، وَلَعَلَّ ذَلِك من بعض النقلَة لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِسْنَاد بعد عَن الزُّهْرِيّ: بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَدلَّ على أَنه مَذْكُور عِنْده فِي السَّنَد الأول. وَقَالَ الجياني: سقط ذكر ابْن شهَاب من نُسْخَة ابْن ماهان والْحَدِيث مَحْفُوظ لعَمْرو عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أَوْس.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي مطولا فِي: بَاب حَدِيث بني النَّضِير وَفِي الْجِهَاد أَيْضا وَالْخمس مطولا ومختصرا.
قَوْله: (مِمَّا لَو يوجف) من الإيجاف من الوجيف وَهُوَ السّير السَّرِيع. قَوْله: (بخيل) أَرَادَ بِهِ الفرسان وَأَرَادَ بالركاب الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا. قَوْله: (فِي السِّلَاح) ، وَهُوَ مَا أعد للحرب من آلَة الْحَدِيد مِمَّا يُقَاتل بِهِ وَالسيف وَحده لَيْسَ سِلَاحا. قَوْله: (والكراع) بِضَم الْكَاف. قَالَ ابْن دُرَيْد هُوَ: من ذَوَات الظلْف خَاصَّة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت بِهِ الْخَيل. وَفِي (الْمُجَرّد) الكراع اسْم لجَمِيع الْخَيل إِذا قلت السِّلَاح، والكراع، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ حجَّة لمَالِك على أَن الْفَيْء لَا يقسم وَإِنَّمَا هُوَ موكول إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَكَذَلِكَ الْخمس عِنْده، وَأَبُو حنيفَة يقسمهُ أَثلَاثًا وَالشَّافِعِيّ أَخْمَاسًا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قبل الشَّافِعِي قَالَ بالخمس من الْفَيْء، وَفِيه جَوَاز إدخار قوت سنة إِذا كَانَ من غَلَّته إِمَّا إِذا اشْتَرَاهُ من السُّوق؟ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَأَجَازَهُ قوم وَمنعه آخَرُونَ إِذا أضرّ بِالنَّاسِ، وَجَوَاز الإدخار لَا يقْدَح التَّوَكُّل.
٤ - (بابٌ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الْحَشْر: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} أَي: مَا أَمركُم بِهِ الرَّسُول فافعلوه.
٦٨٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ وَالمُتَنمِّصات وَالمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقِ الله فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمَّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ
وَكَيْتَ فَقَالَ وَمَالِي لَا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَنْ فِي كِتَابِ الله فَقَالَتْ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ لَئِنْ كُنْتُ قَرأتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ أمَّا قَرَأْتِ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ قَالَتْ فَإنِّي أرَى أهلَكَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ فَاذْهَبِي فَانْظُرِي فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئا فَقَالَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أما قَرَأت: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} (الْحَشْر: ٧) وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن عُثْمَان وَعَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن عُثْمَان وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي التَّرَجُّل عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعُثْمَان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن بشار وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن حَفْص بن عمر وَغَيره.
قَوْله: (الْوَاشِمَات) ، جمع واشمة من الوشم وَهُوَ غرز إبرة أَو مسلة وَنَحْوهمَا: فِي ظهر الْكَفّ أَو المعصم أَو الشّفة وَغير ذَلِك من بدن الْمَرْأَة حَتَّى يسيل مِنْهُ الدَّم ثمَّ يحشى ذَلِك الْموضع بكحل أَو نورة أَو نيلة. ففاعل هَذَا واشم وواشمة وَالْمَفْعُول بهَا موشومة. فَإِن طلبت فعل ذَلِك فَهِيَ مستوشمة وَهُوَ حرَام على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بهَا باختيارها والطالبة لَهُ فَإِن فعل بطفلة فالإثم على الفاعلة لَا على الطفلة لعدم تكليفها حِينَئِذٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْموضع الَّذِي وشم يصير نجسا فَإِن أمكن إِزَالَته بالعلاج وَجَبت إِزَالَته وَإِن لم يُمكن إلَاّ بِجرح فَإِن خَافَ مِنْهُ التّلف أَو فَوَات عُضْو أَو مَنْفَعَة عُضْو أَو شَيْئا فَاحِشا فِي عُضْو ظَاهر لم تجب إِزَالَته، وَإِذا تَابَ لم يبْق عَلَيْهِ إِثْم وَإِن لم يخف شَيْئا من ذَلِك وَنَحْوه لزمَه إِزَالَته ويعصى بِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُله الرجل وَالْمَرْأَة. قَوْله: (والمؤتشمات) ، جمع مؤتشمة، وَهِي الَّتِي يفعل فِيهَا الوشم. قَوْله: (وَالْمُتَنَمِّصَات) ، جمع متتمصة من التنمص بتاء مثناة من فَوق، ثمَّ نون وصاد مُهْملَة وَهُوَ إِزَالَة الشّعْر من الْوَجْه مَأْخُوذ من النماص بِكَسْر الْمِيم الأولى وَهُوَ المنقاش، والمنتمصة هِيَ الطالبة إِزَالَة شعر وَجههَا، والنامصة هِيَ الفاعلة ذَلِك يَعْنِي المزيلة، وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: بَعضهم يَقُول: المنتمصة بِتَقْدِيم النُّون وَالَّذِي ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عُبَيْدَة تَقْدِيم التَّاء مَعَ التَّشْدِيد. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ حرَام إلاّ إِذا نَبتَت للْمَرْأَة لحية أَو شوارب فَلَا يحرم بل يسْتَحبّ عندنَا. وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ فِي الحواجب وَمَا فِي أَطْرَاف الْوَجْه، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز حلق لحيتها وَلَا عنفقتها وَلَا شاربها وَلَا تَغْيِير شَيْء من خلقهَا بِزِيَادَة وَلَا نقص. قَوْله: (المتلفجات) ، جمع متفلجة بِالْفَاءِ وَالْجِيم من التفلج وَهُوَ برد الْأَسْنَان الثنايا والرباعيات مَأْخُوذ من الفلج بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهِي فُرْجَة بَين الثنايا والرباعيات. قَوْله: (لِلْحسنِ) ، يتَعَلَّق بالمتفلجات أَي: لأجل الْحسن، قيد بِهِ لِأَن الْحَرَام مِنْهُ هُوَ الْمَفْعُول لطلب الْحسن، أما إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ لعلاج أَو عيب فِي السن وَنَحْوه فَلَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يفعل ذَلِك الْعَجُوز وَشبههَا إِظْهَارًا للصغر وَحسن الْأَسْنَان، وَهَذَا الْفِعْل حرَام على الفاعلة وَالْمَفْعُول بهَا. قَوْله: (الْمُغيرَات خلق الله) ، يَشْمَل مَا ذكر قبله وَلذَلِك قَالَ: الْمُغيرَات بِدُونِ الْوَاو: لِأَن ذَلِك كُله تَغْيِير لخلق الله تَعَالَى وتزوير وتدليس، وَقيل: هَذَا صفة لَازمه للتفلج. قَوْله: (أم يَعْقُوب) لم أَقف على اسْمهَا. قَوْله: (من لعن) مفعول (لَا الْعَن) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إِطْلَاق اللَّعْن معينا كَانَ أَو غير معِين لِأَن الأَصْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ يلعن إلَاّ من يسْتَحق ذَلِك عِنْده. فَإِن قلت: يُعَارضهُ قَوْله: اللَّهُمَّ مَا من مُسلم سبيته أَو لعنته وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل فَاجْعَلْ لَهُ ذَلِك كَفَّارَة وَطهُورًا. قلت: لَا يُعَارضهُ لِأَنَّهُ عِنْده مُسْتَحقّ لذَلِك، وَأما عِنْد الله عز وَجل فَالْأَمْر موكول إِلَيْهِ يفهم من قَوْله وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل، يَعْنِي: فِي علمك لَا فِي علمي، أما أَن يَتُوب مِمَّا صدر مِنْهُ أَو يقْلع عَنهُ، وَإِن علم الله مِنْهُ خلاف ذَلِك كَانَ دعاؤه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ زِيَادَة فِي شقوته. قَوْله: (وَمن هُوَ فِي كتاب الله) مَعْطُوف على من (لعن) وَتَقْدِيره: مَا لي لَا الْعَن من هُوَ فِي كتاب الله مَلْعُون، قيل: أَيْن فِي الْقُرْآن لعنتهن؟ أُجِيب: بِأَن فِيهِ وجوب الِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاهُ الرَّسُول لقَوْله تَعَالَى:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أغصانُ الشَّجرِ للِينِها. و ﴿مَا﴾: شرطيَّة في موضع نصب بـ ﴿قَطَعْتُم﴾ و ﴿مِّن لِّينَةٍ﴾ بيان لها (١) و ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ جواب الشَّرط لـ ﴿مَا﴾ ولابدَّ من حذف مضاف تقديره: فقطعها بإذنِ الله، وسقطَ «باب قوله» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بنُ سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) هو ابنُ سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) لمَّا نزلَ بهم، وكانوا تحصَّنُوا بحصونِهم (وَقَطَعَـ) ها إِهانةً لهم وإِرهَابًا وإرعابًا (٢) لقلوبِهِم (وَهْيَ البُوَيْرَةُ) بضم الموحدة وفتح الواو وبعد التحتية الساكنة راء: موضعٌ بقرب المدينة ونخل لبني النَّضير، فقالوا: يا محمَّد؛ قد كنتَ تَنهى عن الفسادِ في الأرضِ، فما بالُ قطعِ النَّخلِ وتَخرِيبها (٣)؟! (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾) الضَّمير عائد على ﴿مَا﴾ وأُنِّث؛ لأنَّه مفسَّر بـ «اللِّينة» (﴿قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ﴾) أي: خيَّركم في ذلك (﴿وَلِيُخْزِيَ﴾) بالإذنِ في القطْعِ (﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]) اليهود في اعتراضِهم بأنَّ قطعَ الشَّجرِ المثمرِ فسادٌ، واستُدِلَّ به على جوازِ هدمِ ديارِ الكفَّارِ وقطعِ أشجارِهم زيادةً لغيظهِم.
(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (قَوْلُهُ: ﴿مَّا أَفَاء اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]) قال الزَّمخشريُّ: لم يدخل العاطفُ على هذه الجملةِ؛ لأنَّها بيانٌ للأولَى، وسقطَ «باب» لغير أبي ذرٍّ (٤).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
كلهَا من غير اسْتثِْنَاء، وَعَن ابْن عَبَّاس: هِيَ لون من النّخل وأصل لينَة: لونة، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا.
٤٨٨٤ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا لَ يْثٌ عَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَهِيَ البُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِها فَبِإِذْنِ الله وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ} .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمضى الحَدِيث فِي الْجِهَاد مُخْتَصرا خماسيا وَهنا سَاقه رباعيا. قَوْله: (البويرة) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْبَاء آخر الْحُرُوف وبالراء. قَوْله: (مَا قطعْتُمْ) مَحل: مَا نصب: بقطعتم، كَأَنَّهُ قيل: أَي: شَيْء قطعْتُمْ من لينَة، وَالضَّمِير فِي: تَرَكْتُمُوهَا، يرجع إِلَى: مَا لانه فِي معنى اللينة. قَوْله: (على أُصُولهَا) أَي: سوقها فَلم يقطعوها وَلم يحرقوها. قَوْله: (فبإذن الله) يَعْنِي: الْقطع وَالتّرْك بِإِذن الله قَوْله: (وليخزي) أَي: وَلأَجل أَن يخزي الْفَاسِقين من الإخزاء، وَهُوَ الْقَهْر والإذلال.
٣ - (بابٌ قَوْلِهِ: {مَا أفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ} (الْحَشْر: ٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {مَا أَفَاء الله} أَي: مَا رد الله وَرجع إِلَيْهِ مِنْهُم أَي من بني النَّضِير من الْأَمْوَال.
٥٨٨٤ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْروٍ عنِ الزهْرِيِّ عنْ مَالِكِ ابنِ أوْسٍ بنِ الحَدَثانِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهُ قَالَ كانَتْ أمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا ركابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتهِ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلَ الله..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَعَمْرو هُوَ ابْن دِينَار، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم ابْن شهَاب، وَوَقع فِي (صَحِيح مُسلم) عَمْرو بن دِينَار عَن مَالك بن أَوْس، وَلَعَلَّ ذَلِك من بعض النقلَة لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِسْنَاد بعد عَن الزُّهْرِيّ: بِهَذَا الْإِسْنَاد، فَدلَّ على أَنه مَذْكُور عِنْده فِي السَّنَد الأول. وَقَالَ الجياني: سقط ذكر ابْن شهَاب من نُسْخَة ابْن ماهان والْحَدِيث مَحْفُوظ لعَمْرو عَن الزُّهْرِيّ عَن مَالك بن أَوْس.
والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي مطولا فِي: بَاب حَدِيث بني النَّضِير وَفِي الْجِهَاد أَيْضا وَالْخمس مطولا ومختصرا.
قَوْله: (مِمَّا لَو يوجف) من الإيجاف من الوجيف وَهُوَ السّير السَّرِيع. قَوْله: (بخيل) أَرَادَ بِهِ الفرسان وَأَرَادَ بالركاب الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا. قَوْله: (فِي السِّلَاح) ، وَهُوَ مَا أعد للحرب من آلَة الْحَدِيد مِمَّا يُقَاتل بِهِ وَالسيف وَحده لَيْسَ سِلَاحا. قَوْله: (والكراع) بِضَم الْكَاف. قَالَ ابْن دُرَيْد هُوَ: من ذَوَات الظلْف خَاصَّة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت بِهِ الْخَيل. وَفِي (الْمُجَرّد) الكراع اسْم لجَمِيع الْخَيل إِذا قلت السِّلَاح، والكراع، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ حجَّة لمَالِك على أَن الْفَيْء لَا يقسم وَإِنَّمَا هُوَ موكول إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، وَكَذَلِكَ الْخمس عِنْده، وَأَبُو حنيفَة يقسمهُ أَثلَاثًا وَالشَّافِعِيّ أَخْمَاسًا، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قبل الشَّافِعِي قَالَ بالخمس من الْفَيْء، وَفِيه جَوَاز إدخار قوت سنة إِذا كَانَ من غَلَّته إِمَّا إِذا اشْتَرَاهُ من السُّوق؟ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: فَأَجَازَهُ قوم وَمنعه آخَرُونَ إِذا أضرّ بِالنَّاسِ، وَجَوَاز الإدخار لَا يقْدَح التَّوَكُّل.
٤ - (بابٌ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الْحَشْر: ٧)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} أَي: مَا أَمركُم بِهِ الرَّسُول فافعلوه.
٦٨٨٤ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله قَالَ لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ وَالمُتَنمِّصات وَالمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقِ الله فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمَّ يَعْقُوبَ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ
وَكَيْتَ فَقَالَ وَمَالِي لَا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَنْ فِي كِتَابِ الله فَقَالَتْ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ قَالَ لَئِنْ كُنْتُ قَرأتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ أمَّا قَرَأْتِ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قَالَتْ بَلَى قَالَ فَإنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ قَالَتْ فَإنِّي أرَى أهلَكَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ فَاذْهَبِي فَانْظُرِي فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئا فَقَالَ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنا.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: أما قَرَأت: {وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ} (الْحَشْر: ٧) وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وعلقمة هُوَ ابْن قيس، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن عُثْمَان وَعَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن عُثْمَان وَغَيره. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي التَّرَجُّل عَن مُحَمَّد بن عِيسَى وَعُثْمَان وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن أَحْمد بن منيع، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزِّينَة عَن مُحَمَّد بن بشار وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن رَافع. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي النِّكَاح عَن حَفْص بن عمر وَغَيره.
قَوْله: (الْوَاشِمَات) ، جمع واشمة من الوشم وَهُوَ غرز إبرة أَو مسلة وَنَحْوهمَا: فِي ظهر الْكَفّ أَو المعصم أَو الشّفة وَغير ذَلِك من بدن الْمَرْأَة حَتَّى يسيل مِنْهُ الدَّم ثمَّ يحشى ذَلِك الْموضع بكحل أَو نورة أَو نيلة. ففاعل هَذَا واشم وواشمة وَالْمَفْعُول بهَا موشومة. فَإِن طلبت فعل ذَلِك فَهِيَ مستوشمة وَهُوَ حرَام على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بهَا باختيارها والطالبة لَهُ فَإِن فعل بطفلة فالإثم على الفاعلة لَا على الطفلة لعدم تكليفها حِينَئِذٍ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْموضع الَّذِي وشم يصير نجسا فَإِن أمكن إِزَالَته بالعلاج وَجَبت إِزَالَته وَإِن لم يُمكن إلَاّ بِجرح فَإِن خَافَ مِنْهُ التّلف أَو فَوَات عُضْو أَو مَنْفَعَة عُضْو أَو شَيْئا فَاحِشا فِي عُضْو ظَاهر لم تجب إِزَالَته، وَإِذا تَابَ لم يبْق عَلَيْهِ إِثْم وَإِن لم يخف شَيْئا من ذَلِك وَنَحْوه لزمَه إِزَالَته ويعصى بِتَأْخِيرِهِ، وَسَوَاء فِي هَذَا كُله الرجل وَالْمَرْأَة. قَوْله: (والمؤتشمات) ، جمع مؤتشمة، وَهِي الَّتِي يفعل فِيهَا الوشم. قَوْله: (وَالْمُتَنَمِّصَات) ، جمع متتمصة من التنمص بتاء مثناة من فَوق، ثمَّ نون وصاد مُهْملَة وَهُوَ إِزَالَة الشّعْر من الْوَجْه مَأْخُوذ من النماص بِكَسْر الْمِيم الأولى وَهُوَ المنقاش، والمنتمصة هِيَ الطالبة إِزَالَة شعر وَجههَا، والنامصة هِيَ الفاعلة ذَلِك يَعْنِي المزيلة، وَعَن ابْن الْجَوْزِيّ: بَعضهم يَقُول: المنتمصة بِتَقْدِيم النُّون وَالَّذِي ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عُبَيْدَة تَقْدِيم التَّاء مَعَ التَّشْدِيد. قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ حرَام إلاّ إِذا نَبتَت للْمَرْأَة لحية أَو شوارب فَلَا يحرم بل يسْتَحبّ عندنَا. وَالنَّهْي إِنَّمَا هُوَ فِي الحواجب وَمَا فِي أَطْرَاف الْوَجْه، وَقَالَ ابْن حزم: لَا يجوز حلق لحيتها وَلَا عنفقتها وَلَا شاربها وَلَا تَغْيِير شَيْء من خلقهَا بِزِيَادَة وَلَا نقص. قَوْله: (المتلفجات) ، جمع متفلجة بِالْفَاءِ وَالْجِيم من التفلج وَهُوَ برد الْأَسْنَان الثنايا والرباعيات مَأْخُوذ من الفلج بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهِي فُرْجَة بَين الثنايا والرباعيات. قَوْله: (لِلْحسنِ) ، يتَعَلَّق بالمتفلجات أَي: لأجل الْحسن، قيد بِهِ لِأَن الْحَرَام مِنْهُ هُوَ الْمَفْعُول لطلب الْحسن، أما إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ لعلاج أَو عيب فِي السن وَنَحْوه فَلَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يفعل ذَلِك الْعَجُوز وَشبههَا إِظْهَارًا للصغر وَحسن الْأَسْنَان، وَهَذَا الْفِعْل حرَام على الفاعلة وَالْمَفْعُول بهَا. قَوْله: (الْمُغيرَات خلق الله) ، يَشْمَل مَا ذكر قبله وَلذَلِك قَالَ: الْمُغيرَات بِدُونِ الْوَاو: لِأَن ذَلِك كُله تَغْيِير لخلق الله تَعَالَى وتزوير وتدليس، وَقيل: هَذَا صفة لَازمه للتفلج. قَوْله: (أم يَعْقُوب) لم أَقف على اسْمهَا. قَوْله: (من لعن) مفعول (لَا الْعَن) فِيهِ دَلِيل على جَوَاز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إِطْلَاق اللَّعْن معينا كَانَ أَو غير معِين لِأَن الأَصْل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا كَانَ يلعن إلَاّ من يسْتَحق ذَلِك عِنْده. فَإِن قلت: يُعَارضهُ قَوْله: اللَّهُمَّ مَا من مُسلم سبيته أَو لعنته وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل فَاجْعَلْ لَهُ ذَلِك كَفَّارَة وَطهُورًا. قلت: لَا يُعَارضهُ لِأَنَّهُ عِنْده مُسْتَحقّ لذَلِك، وَأما عِنْد الله عز وَجل فَالْأَمْر موكول إِلَيْهِ يفهم من قَوْله وَلَيْسَ لذَلِك بِأَهْل، يَعْنِي: فِي علمك لَا فِي علمي، أما أَن يَتُوب مِمَّا صدر مِنْهُ أَو يقْلع عَنهُ، وَإِن علم الله مِنْهُ خلاف ذَلِك كَانَ دعاؤه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ زِيَادَة فِي شقوته. قَوْله: (وَمن هُوَ فِي كتاب الله) مَعْطُوف على من (لعن) وَتَقْدِيره: مَا لي لَا الْعَن من هُوَ فِي كتاب الله مَلْعُون، قيل: أَيْن فِي الْقُرْآن لعنتهن؟ أُجِيب: بِأَن فِيهِ وجوب الِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاهُ الرَّسُول لقَوْله تَعَالَى:
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56