«أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٤١

الحديث رقم ٤٩٤١ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: سورة سبح اسم ربك الأعلى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٤١ في صحيح البخاري

«أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا».

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٌٍ آنِيَةٌٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهَا، وَحَانَ شُرْبُهَا، ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ، ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ شَتْمًا، الضَّرِيعُ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَُمٌّ، ﴿بِمُسَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾ مَرْجِعَهُمْ.

﴿وَالْفَجْرِ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْوَِتْرُ اللهُ، ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ القَدِيمَةِ، وَالْعِمَادُ أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ، ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ، ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ وَ ﴿جَمًّا﴾ الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ، ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا اللهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾ نَقَبُوا، مِنْ جَِيْبَِ الْقَمِيصُ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ يَقْطَعُهَا، ﴿لَمًّا﴾ لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

﴿لا أُقْسِمُ﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ، ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ، ﴿وَمَا وَلَدَ﴾، ﴿لِبَدًا﴾ كَثِيرًا، وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، ﴿مَسْغَبَةٍ﴾ مَجَاعَةٍ، ﴿مَتْرَبَةٍ﴾ السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾.

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ بِمَعَاصِيهَا ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ

إسناد حديث البخاري رقم ٤٩٤١

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٤١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ أَيْ: يُعَذَّبُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾؛ الْحَبِيبُ، ﴿الْمَجِيدُ﴾ الْكَرِيمُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قَالَ: الْوَدُودُ الْحَبِيبُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ يَقُولُ: الْكَرِيمُ.

٨٦ - سُورَةُ (الطَّارِقِ)

هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ. ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ لَحَقٌّ. لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافَظٌ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطَّارِقِ: هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ؛ لِلْمُوقِدِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ إِلَخْ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الثَّاقِبُ الْمُضِيءُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الثَّاقِبُ﴾ الَّذِي يَتَوَهَّجُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُوَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾؛ الثُّرَيَّا.

قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَذَاتِ الصَّدْعِ: الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قَالَ: يَعْنِي ذَاتِ السَّحَابِ تُمْطِرُ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ذَاتِ النَّبَاتِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الْمَطَرُ بَعْدَ الْمَطَرِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾؛ لَحَقٌّ) وَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ بِزِيَادَةٍ.

قَوْلُهُ: (﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ أَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ: لَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِ لَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا شَاهِدًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقُرِئَتْ لَمَّا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ: فَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ أَنْكَرَ التَّشْدِيدَ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِي الطَّارِقِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ : أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا، وَوَصَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

٨٧ - سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، (وَهَدَى) الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ

وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ. فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْأَعْلَى. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا) ثَبَتَ أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي أَوَّلِ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا: يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَحَذَفَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى مُعْظَمِ السُّورَةِ. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ مِنْ صُلْبِ الرِّوَايَةِ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ؟ وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ دُونَهُ؟ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَأَنْ يُتَرَضَّى عَنِ الصَّحَابِيِّ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ.

٨٨ - سُورَةُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ؛ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ. لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً: شَتْمًا. وَيُقَالُ الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبْرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ. بِمُسيْطِرٍ: بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِّ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِيَابَهُمْ؛ مَرْجِعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَاكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْغَاشِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغَاشِيَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: الْيَهُودَ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّهْبَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾؛ شَتْمًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَا تَسْمَعُ فِيهَا بَاطِلًا وَلَا مَأْثَمًا، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ تَسْمَعُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، وَقَرَأَهَا الْجَحْدَرِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ فَضَمَّا التَّحْتَانِيَّةَ، وَضَمَّ نَافِعٌ أَيْضًا لَكِنْ بِفَوْقَانِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ، تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ الضَّرِيعُ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَالشِّبْرِقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ

بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: هُوَ نَبْتٌ أَخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الضَّرِيعُ؛ الشِّبْرِقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الضَّرِيعُ شَجَرٌ مِنْ نَارٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْحِجَارَةُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الضَّرِيعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّارِعِ وَهُوَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ السُّلَّا؛ بِضَمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَهُوَ شَوْكُ النَّخْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا إِلَّا مُبَيْطِرٍ؛ أَيْ بِالْمُوَحَّدَةِ، قَالَ: لَمْ نَجِدْ لَهُمَا ثَالِثًا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ زِيَادَاتٍ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ السَّطْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا هُوَ فِيهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ) قُلْتُ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالسِّينِ وَهِيَ قِرَاءَةُ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾؛ مَرْجِعَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلْ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

٨٩ - سُورَةُ (الْفَجْرِ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ يَعْنِي الْقَدِيمَةَ. وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ. ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ. وَجَمًّا: الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ: اللَّهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ. الْمُطَمْئِنَةُ: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَه اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعُ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ: يَقْطَعُهَا. لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْفَجْرِ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يَعْنِي: الْقَدِيمَة، وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِرَمَ الْقَدِيمَةِ، وَذَاتُ الْعِمَادِ: أَهْلُ عِمَادٍ لَا يُقِيمُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: إِرَمُ؛ قَبِيلَةٌ مِنْ عَادٍ، قَالَ: وَالْعِمَادُ؛ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ، انْتَهَى. وَإِرَمُ هُوَ ابْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادُ ابْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ. وَقِيلَ: إِرَمُ اسْمُ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَادِ شِدَّةُ أَبْدَانِهِمْ وَإِفْرَاطُ طُولِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّخْرَةَ فَيَحْمِلُهَا عَلَى كَاهِلِهِ فَيُلْقِيهَا عَلَى أَيِّ حَيٍّ أَرَادَ فَيُهْلِكُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِرَمُ اسْمُ أَبِيهِمْ.

وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِرَمُ أُمُّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ إِرَمَ قَبِيلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِرَمُ هِيَ دِمَشْقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: إِرَمُ الْأَرْضُ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْأرَمُ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ؛ أَيْ: هَلَكُوا. وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ قُرِئَتْ بِعَادٍ أَرَّمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالرَّاءُ ثَقِيلَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَذَاتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ؛ أَيْ أَهْلَكَ اللَّهُ ذَاتَ الْعِمَادِ، وَهُوَ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ.

وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ أَنَّ إِرَمَ اسْمُ الْقَبِيلَةِ وَهُمْ إِرَمُ بْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادٌ هُمْ بَنُو عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ، وَمُيِّزَتْ عَادٌ بِالْإِضَافَةِ لِإِرَمَ عَنْ عَادٍ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْقَافِ أَنَّ عَادًا قَبِيلَتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهَا صِفَةُ الْقَبِيلَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ الْقُوَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابًا قَدِيمًا: أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ، أَنَا الَّذِي رَفَعْتُ ذَاتَ الْعِمَادِ، أَنَا الَّذِي شَدَدْتُ بِذِرَاعِي بَطْنَ وَادٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحَارِي عَدَنَ، وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ فَذَكَرَ عَجَائِبَ مَا رَأَى فِيهَا، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ أَحْضَرَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَأَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ بَنَاهَا وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهَا أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، وَرَاوِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ لَا يُعْرَفُ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَا عُذِّبُوا بِهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ سَوْطُ عَذَابٍ. وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكْلا لَمًّا﴾: السَّفُّ، وَجَمًّا: الْكَثِيرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: السَّفُّ لَفُّ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا قَالَ: الْكَثِيرُ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى السَّفِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: هِيَ الصَّلَاةُ؛ بَعْضُهَا شَفْعٌ، وَبَعْضُهَا وَتْرٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ الْمُبْهَمُ فَاغْتَرَّ فَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ قَالَ: الْعَشْرُ: عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَجْرُ؛ فَجْرُ النَّهَارِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ: عَشْرُ الْأَضْحَى. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّفْعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ الْوَتْرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَهَا الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: جَرَى بِهِ الْكَلَامُ. لِأَنَّ السَّوْطَ أَصْلُ مَا كَانُوا يُعَذِّبُونَ بِهِ، فَجَرَى لِكُلِ عَذَابٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْغَايَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنَ الْمَرْصَدِ وَهُوَ مَكَانُ الرَّصْدِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمِرْصَادُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيِ الرَّاصِدِ، لَكِنْ أُتِيَ فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ الْبَاءُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَإِنْ سُمِعَ ذَلِكَ نَادِرًا فِي الشِّعْرِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَاضِحٌ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّكَلُّفِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بِمِرْصَادِ؛ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾: تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ بِالْأَلِفِ وَبِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ، وَمِثْلُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لَكِنْ بِغَيْرِ

أَلِفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَحَاضُّونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَالْكُلُّ صَوَابٌ. كَانُوا يَحَاضُّونَ: يُحَافِظُونَ، وَيَحُضُّونَ: يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، انْتَهَى. وَأَصْلُ تَحَاضُّونَ تَتَحَاضُّونَ؛ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِي يُكْرِمُونَ وَيَحُضُّونَ وَمَا بَعْدَهُمَا، وَبِمِثْلِ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ قَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَخَوَانِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فِيهَا وَفِي يُكْرِمُونَ فَقَطْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ وَشَيْبَةُ، لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفِ في يَحُضُّونَ.

قَوْلُهُ: (الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بِالْإِيمَانِ، الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ وَالْبَعْثِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُؤْمِنَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْه، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِالتَّأْنِيثِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَلِلْآخَرِ وَجْهٌ وَهُوَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الشَّخْصِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ عَنْهَا، أَمَرَ بِقَبْضِهَا فَأَدْخَلَهَا الْجَنَّةَ وَجَعَلَهَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا، وَإِسْنَادُ الِاطْمِئْنَانِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ إِيصَالِ الْخَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ، وَالْمُصَدِّقَةُ بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ. يَجُوبُ الْفَلَاةَ)؛ أَيْ: (يَقْطَعُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿جَابُوا﴾ الْبِلَادَ: نَقَبُوهَا، وَيَجُوبُ الْبِلَادَ يَدْخُلُ فِيهَا وَيَقْطَعُهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ فَرَّقُوهُ فَاتَّخَذُوهُ بُيُوتًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ نَقَبُوا الصَّخْرَ.

قَوْلُهُ: (لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾؛ كَثِيرًا شَدِيدًا.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي الْفَجْرِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قَالَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

٩٠ - سُورَةُ (لَا أُقْسِمُ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ. وَوَالِدٍ: آدَمَ وَمَا وَلَدَ. لُبَدًا: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ. مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ مِنَ التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ لَا أُقْسِمُ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْبَلَدِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَقُولُ: لَا تُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَزَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ فِيهِ مَا شَاءَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ

طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَاتِلَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالصِّيغَةُ لِلْوَقْتِ الْحَاضِر وَالْمُرَادُ الْآتِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْفَتْحُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمُ وَمَا وَلَدَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَمَعِيشَةٌ فِي نَكَدٍ وَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فِي وِلَادَتِهِ وَنَبْتِ أَسْنَانِهِ وَسَرَرِهِ وَخِتَانِهِ وَمَعِيشَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِهَذَا، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدَّدَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَحْدَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ. وَالنَّجْدَيْنِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: سَبِيلُ الْخَيْرِ وَسَبِيلُ الشَّرِّ، يَقُولُ: عَرَفْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النَّجْدَيْنِ سَبِيلُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ جُوعٍ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذِي مَجَاعَةٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: الْمَطْرُوحُ فِي التُّرَابِ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَطْرُوحُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَفِي لَفْظٍ: الْمَتْرَبَةُ الَّذِي لَا يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لِلنَّارِ عَقَبَةٌ دُونَ الْجَنَّةِ، ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إِلَخْ) بِلَفْظِ الْأَصْلِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ، ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قَدْ لَزِقَ بِالتُّرَابِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ إِطْعَامُ الْمُؤْمِنِ السَّغْبَانِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ فَكَّ وَأَطْعَمَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ فَكُ بِضَمِ الْكَافِ وَالْإِضَافَةِ وَإِطْعَامٌ عَطْفًا عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ الْهَمْزَةِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ أَوْ فُكَّ الرَّقَبَةَ. قَالَ: أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

٩١ - سُورَةُ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحَاهَا؛ ضَوْءُهَا. إِذَا تَلَاهَا: تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا. فَأَلْهَمَهَا: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَغْوَاهَا؛ بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(((٨٧))) (سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) ثبت (١): «سورة الأعلى» لأبي ذرٍّ وهي (٢) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.

ومعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزِّه ربَّك ﴿الْأَعْلَى﴾ عمَّا يصفُه الملحدون، فالاسمُ صلة، وبهِ يحتجُّ من جعلَ (٣) الاسمَ والمسمَّى (٤) واحدًا؛ لأنَّ أحدًا لا يقولُ: سبحان اسم اللهِ بل سبحانَ الله، وقال قومٌ: أي: نزِّه تسميةَ ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرِه محتَرِمٌ، فجعلوا الاسم بمعنى التَّسمية، فكما أنَّه يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن سوءِ الأدبِ، وقد سبقَ في أوَّل هذا المجموعِ مزيدٌ لذلك [خ¦٢ - ١]، والله الموفِّق. (٥) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ والسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لمَرَاتِعِهَا) وصلهُ الطَّبريُّ (٦)، وثبت للنَّسفيِّ وحدَه.

٤٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بنِ عثمَان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمانُ بنُ جَبَلة (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ

البَرَاءِ) بنِ عازبٍ ، أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (١) ) المدينةَ من المهاجرينِ (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا، وضمُّ ميم «مُصعب» (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عَمرو بنُ قيسٍ العامريُّ (فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ) أي: ما نزلَ منه (ثُمَّ جَاءَ) المدينةَ أيضًا (عَمَّارٌ) يعني: ابنَ ياسرٍ (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَسَعْدٌ) يعني: ابن أبي وقَّاص (ثُمَّ جَاءَ) أيضًا (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (فِي) جملةِ (عِشْرِينَ) من الصَّحابة، ذكر منهم ابنُ إسحاق: زيدَ بنَ الخطَّاب، وسعيدَ بنَ زيد بنِ عَمرو، وعمرًا وعبدَ الله ابنَي سُرَاقة، وخُنيسَ بنَ حذافةَ، وواقدَ بنَ عبد الله، وخَوْليَّ بنَ أبي خَوْليٍّ وأخاه هِلالًا، وعيَّاشَ بنَ أبي ربيعة، وخالدًا وإياسًا وعامرًا بني البُكَير، وهم الثَّلاثة عشر، فلعلَّ الباقي كانُوا أتباعًا لهُم (ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ) أي: كفرحِهم بهِ، فهو نصب بنزع الخافضِ (حَتَّى رَأَيْتُ الوَلَائِدَ) جمع: وليدَةٍ، الصَّبيَّة والأمَة (وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ قَدْ جَاءَ) حذفت التَّصلية لأبي ذرٍّ. قال: لأنَّ الصَّلاة عليه إنَّما كانَ ابتداءُ مشروعيَّتها في السَّنة الخامسة من الهِجرة. والظَّاهر إلى أنَّه يشيرُ إلى آيةِ الأمرِ بها، وهذا غيرُ متَّجه؛ لأنَّه قد وردَ في حديثِ الإسراءِ ذكر الصَّلاة على النَّبيِّ ، والإسراءُ كان بمكَّة، فلا وجهَ للإنكارِ. قال البَراء: (فَمَا جَاءَ) المدينَة (حَتَّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ (٢) مِثْلِهَا) وزادَ (٣) في «الهجرة»: من المفصَّل [خ¦٣٩٢٥]. وثبتَ لفظُ: «مثلِهَا» لأبي ذرٍّ (٤).

(((٨٨))) (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ (١) وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقط له «﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» ولغيره البسملة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] النَّصَارَى) وزاد ابنُ أبي حاتمٍ: واليهود. والثَّعلبي: والرُّهبان. يعني: أنَّهم عمِلوا ونصبوا في الدِّين على غيرِ دينِ الإسلامِ فلا يقبلُ منهم، وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ في النَّار، كجرِّ السَّلاسل وخوضِها في النَّار خوضَ الإبلِ في الوحلِ، والصُّعود والهُبوط في تلالِها ووهادِهَا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بَلَغَ إِنَاهَا) بكسر الهمزة وبعد النون ألف غير مهموز، وقتها في الحرِّ، فلو وقعَتْ منها قطرةٌ على جبالِ الدُّنيا لذابَتْ، وقال أبو ذرٍّ: «إناهَا حينها». (وَحَانَ شُرْبُهَا ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] بَلَغَ إِنَاهُ) أي: حانَ (﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا﴾) أي: الجنَّة (٢) (﴿لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]) أي: (شَتْمًا) ولا غيره من الباطلِ.

(الضَّرِيعُ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال: الضَّريع» (نَبْتٌ) له شوكٌ (يُقَالَ لَهُ: الشِّبْرِقُ) بكسر المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة (تُسَمِّيهِ أَهْلُ الحِجَازِ: الضَّرِيعَ؛ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَمٌّ) لا تقربه دابَّةٌ لخبثِه.

(﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]) أي: (بِمُسَلَّطٍ) فتقتلهم وتكرههم على الإيمانِ، وهذا منسوخٌ بآيةِ القتالِ. (وَيُقْرَأُ) ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (بِالصَّادِ وَالسِّينِ) وهذه قراءةُ هشامٍ، وهي على الأصلِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ المنذِر في قولهِ: (﴿إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] مَرْجِعَهُمْ) بعدَ الموتِ.

(((٨٩))) (سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسعٌ وعشرون، وثبت: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الوَتْرُ: اللهُ) لانفرادهِ بالألوهيَّة، وحذف ما بعد «مجاهد» لأبي ذرٍّ.

(﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]) أي: (القَدِيمَةِ) يعني: عادًا الأولى، ولأبي ذرٍّ: «يعني: القديمَة» وفي «اليونينية»: «(إِرْمَ ذَاتِ)» بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورُويَتْ عن الضَّحَّاك، لكن بفتح الهمزة، وأصله: أرِم، على وزن فعِل كفَخِذ، فخُفِّف (١) (وَالعِمَادُ) رَفْعٌ مبتدأ خبره: (أَهْلُ عَمُودٍ) أي: خيامٍ (لَا يُقِيمُونَ) في بلدٍ، وكانوا سيَّارة ينتجعون الغيثَ، وينتقلُون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابنِ عبَّاس: إنَّما قيل لهم: ذات العمادِ لطولِهم، واختارَ الأوَّل ابن جريرٍ، وردَّ الثَّاني. قال ابنُ كثيرٍ: فأصابَ، وحينئذٍ فالضَّمير يعودُ على القبيلةِ. قال: وأمَّا ما ذكرهُ جماعةٌ من المفسِّرين عندَ هذهِ الآية من ذكر مدينةٍ يقالُ لها: إرمَ ذاتِ العِماد، مبنيَّة بلبن الذَّهب والفضَّة، وأنَّ حصباءَهَا (٢) لآلئُ وجواهِر، وترابها بنادقُ المِسك … إلى غير ذلك من الأوصافِ، وأنَّها تنتقلُ فتارةً تكون بالشَّام وتارةً باليمنِ، وأخرى بغيرهما من الأرضِ؛ فمن خرافاتِ الإسرائيليين،

وليس لذلك حقيقة، وأمَّا ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ وهب بنِ منبِّه عن عبدِ الله بنِ (١) قِلابَة في (٢) هذه القصَّة أيضًا وذكر عجائبهَا؛ فقال في «الفتح»: فيها ألفاظٌ منكرةٌ، وراويها عبدُ الله بنُ (٣) قلابَة لا يُعرف، وفي إسنادهِ ابنُ لهيعة، ومثله ما يخبرُ به كثيرٌ من الكَذَبة المتحيِّلين من وجودِ مطالب تحت الأرضِ بها قناطيرُ الذَّهب والفضَّة والجواهرُ واليواقيتُ واللآلئُ والإكسِيرُ، لكن عليها موانعُ تمنعُ من الوصولِ إليها، فيحتالونَ على أموالِ ضعفةِ العقولِ والسُّفهاء فيأكلونَها بحجَّةِ صرفِها في بخوراتٍ ونحوها من الهذياناتِ (٤)، وتراهُم ينفقُون على حفرهَا (٥) الأموالَ الجَزْيلة، ويبلغونَ في العمقِ غايةً، ولا (٦) يظهرُ لهم إلَّا التُّراب والحَجر الكدَّان، فيفتقرُ الرَّجل منهم، وهو مع ذلك لا يزدادُ إلَّا طلبًا حتَّى يموتَ.

(﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «الَّذين» (عُذِّبُوا بِهِ) وعن قتادَة -ممَّا (٧) رواه ابنُ أبي حاتمٍ-: كلُّ شيءٍ عذِّب بهِ فهو سوط عذابٍ.

(﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] السَّفُّ) من سففتُ الأكلَ أسفُّه سفًّا.

(وَ ﴿جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] الكَثِيرُ) أي: يحبُّون جمعَ المالِ، وسقط «واو» و ﴿جَمًّا﴾ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] (كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) تعالى (فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ) أي: للأرضِ، كالذَّكر والأنثَى (الوَتْرُ) بفتح الواو وتكسر: هو (اللهُ وسبق [خ¦٦٠/ ١ م-٥١٢٠].

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ

فِيهِ السَّوْطُ) قاله الفرَّاء.

(﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إِلَيْهِ المَصِيرُ) وقال ابنُ عبَّاس: بحيثُ يسمعُ ويرى، وقيل: يرصدُ أعمالَ بني آدمَ لا يفوتهُ (١) شيءٌ منها.

(﴿تَحَاضُّونَ﴾ [الفجر: ١٨]) بفتح التاء والحاء فألف، وبها قرأ الكوفيُّون، أي: (تُحَافِظُونَ، وَ ﴿تَحَاضُّونَ﴾) بغير ألفٍ (تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) المساكين.

(﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) هي (المُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) وهي الثَّابتة على الإيمان (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] (٢) إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ (٣) قَبْضَهَا؛ اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا) إسنادُ الاطمئنانِ إلى الله مجازٌ يرادُ بهِ لازمه وغايتهُ، من نحو إيصالِ الخيرِ، وفيه المشاكَلة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «واطمأنَّ إليه» بتذكيرِ الضَّمير، أي: إلى الشَّخص (وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِي اللهُ عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عنه» (فَأَمَرَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأمر» (بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي أيضًا: «وأدخلَه» (اللهُ الجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وقال ابنُ (٤) عطاء: النَّفس المطمئنَّة هي العارفةُ بالله، الَّتي لا تصبرُ عن الله طرفةَ عينٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ الحسنِ: (﴿جَابُوا﴾ [الفجر: ٩]) أي: (نَقَبُوا) بالتَّخفيف، أي: نقبوا الصَّخر (٥) وأصلُ الجيبِ القَطع، مأخوذٌ (مِنْ جِيْبَ القَمِيصُ) إذا (٦) (قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ) وكذلك قولهم: فلانٌ (يَجُوبُ الفَلَاةَ) أي: (يَقْطَعُهَا) وجَيْبِ: بفتح الجيم وجر الموحدة بمن، والقَميصِ: خفض، وبكسر الجيم ونصب الموحدة، والقميصُ: رفع، وسقط لفظ «من» لأبي ذرٍّ (٧).

(﴿لَّمًّا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] (لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ: أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) قالَه أبو عُبيدة، وسبق معناهُ، وسقَطَ لأبي ذرٍّ.

(((٩٠))) (﴿لَا أُقْسِمُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها عشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مكَّة» (لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ) أي: أنتَ على الخصوصِ تستحلُّه دون غيركَ لجلالةِ شأنك، كما جاء [خ¦٤٣١٣] «لم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولَا تحلُّ لأحدٍ بعدِي» وأنت على هذا من بابِ التَّقديم للاختصاصِ؛ نحو: أنا عرفتُ. قال الواحديُّ: إنَّ الله تعالى لمَّا ذكرَ القَسم بمكَّة دلَّ ذلك على عظمِ قدرهَا مع كونها حرامًا، فوعدَ نبيَّه أن يحلَّها له يقاتلُ فيها، وأن (١) يفتحَها على يدهِ ويكون فيها حلًّا، والجملةُ اعتراضٌ بين المقسم بهِ وما عطف عليه.

(﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]) أي: من الأنبياءِ والصَّالحين من ذرِّيَّتهِ؛ لأنَّ الكافر وإن كان من ذرِّيَّته لكن لا حرمةَ لهُ (٢) حتَّى يقسمَ بهِ، أو المرادُ بـ ﴿وَوَالِدٍ﴾ إبراهيمُ، وبـ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ محمَّد ، و ﴿مَا﴾ بمعنى مَن. قال (٣) في «الأنوار»: وإيثارُ ﴿مَا﴾ على «مَن» لمعنى التَّعجب؛ كما في قولهِ تعالى: ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].

(﴿لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦]) بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذرٍّ، جمع: لُبْدَة، كغُرْفَة وغُرَف، وهي قراءة العامَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿لُّبَدًا﴾» بكسر اللام، أي: (كَثِيرًا) من تلبَّد الشَّيء؛ إذا اجتمعَ.

(وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾) هُما (الخَيْرُ وَالشَّرُّ) قال الزَّجاجُ: النَّجدان الطَّريقان الواضحان، والنَّجد المرتفعُ من

الأرضِ، والمعنى: ألم نبيِّن لهُ طريقَي الخيرِ والشَّرِّ؟ وقال ابنُ عبَّاس: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ (١) الثَّديين، وهما ممَّا تقسِم بهِ العرب، تقول: أمَا ونجديهَا ما فعلتُ، تريد: ثديي المرأة؛ لأنَّهما كالنَّجدينِ للبطنِ.

(﴿مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) أي: (مَجَاعَةٍ) والسَّغَب: الجُوع.

(﴿مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]) ولأبي ذرٍّ برفع الثَّلاثة، أي: (السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) ليس له بيتٌ لفقرِه.

(يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ) فلَم يجاوزهَا (فِي الدُّنْيَا) ليأمن (ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾) أي: أعلمكَ (﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]) الَّتي يقتحمهَا، وبيَّن سببَ جوازها بقوله: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]) برفع الكاف على إضمارِ مبتدأ، أي: هو فكُّ، وخفض ﴿رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، من الرِّق بإعتاقها (﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم ﴿إِطْعَامٌ﴾ منوَّنًا، وقراءةُ ابن كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ: ﴿فَكُّ﴾ بفتح الكاف فعلًا ماضيًا، ﴿رَقَبَةٍ﴾ نصب، ﴿إِطْعَامٌ﴾ فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) مجاعةٍ، وهذا تنبيهٌ على أنَّ النَّفس لا توافقُ صاحبهَا في الإنفاقِ لوجهِ الله تعالى ألبتَّة، فلا بدَّ من التَّكلُّف وحمل المشقَّة على النَّفس، والَّذي يوافقُ النَّفس هو الافتخارُ والمراءاة، فكأنَّه تعالى ذكر هذا المثل بإزاءِ ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦] والمرادُ بيان الإنفاقِ المفيد، وأن ذلك الإنفاق مضرٌّ. قاله صاحبُ «الفرائد» فيما حكاهُ في «فتوح الغيب».

(﴿فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) أي: (شِدَّةٍ) أي: شدَّة (٢) خلق، وقال ابنُ عبَّاس: في نَصَبٍ، وقيل: شدَّة مكايد مصائبِ الدُّنيا وشدائد الآخرة، وهذا ثابتٌ للنَّسفي وحدَه (٣).

(((٩١))) (سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس عشرة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي الْفِتْنَةِ، وَمِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ أَيْ: يُعَذَّبُونَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَدُودُ﴾؛ الْحَبِيبُ، ﴿الْمَجِيدُ﴾ الْكَرِيمُ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قَالَ: الْوَدُودُ الْحَبِيبُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ يَقُولُ: الْكَرِيمُ.

٨٦ - سُورَةُ (الطَّارِقِ)

هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ. ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ لَحَقٌّ. لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافَظٌ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطَّارِقِ: هُوَ النَّجْمُ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ) ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ الْمُضِيءُ، يُقَالُ: أَثْقِبْ نَارَكَ؛ لِلْمُوقِدِ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَسَيَأْتِي لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ. وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ إِلَخْ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الثَّاقِبُ الْمُضِيءُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الثَّاقِبُ﴾ الَّذِي يَتَوَهَّجُ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: هُوَ النَّجْمُ الَّذِي يُرْمَى بِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾؛ الثُّرَيَّا.

قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَذَاتِ الصَّدْعِ: الْأَرْضُ تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قَالَ: يَعْنِي ذَاتِ السَّحَابِ تُمْطِرُ ثُمَّ تَرْجِعُ بِالْمَطَرِ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ذَاتِ النَّبَاتِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الْمَطَرُ بَعْدَ الْمَطَرِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾؛ لَحَقٌّ) وَقَعَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ بِزِيَادَةٍ.

قَوْلُهُ: (﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ أَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَالَ: لَمْ نَسْمَعْ لِقَوْلِ لَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا شَاهِدًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقُرِئَتْ لَمَّا بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ: فَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ، وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ أَنْكَرَ التَّشْدِيدَ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يُورِدْ فِي الطَّارِقِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ : أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟ يَكْفِيكَ أَنْ تَقْرَأَ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَكَذَا، وَوَصَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

٨٧ - سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، (وَهَدَى) الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا.

٤٩٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ

وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَ. فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَيُقَالُ لَهَا: سُورَةُ الْأَعْلَى. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْرَأُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾؛ قَدَّرَ لِلْإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الْأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾؛ هَشِيمًا مُتَغَيِّرًا) ثَبَتَ أَيْضًا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِي أَوَّلِ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا: يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَحَذَفَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا شُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى مُعْظَمِ السُّورَةِ. ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ مِنْ صُلْبِ الرِّوَايَةِ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ؟ وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ دُونَهُ؟ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَأَنْ يُتَرَضَّى عَنِ الصَّحَابِيِّ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ.

٨٨ - سُورَةُ (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ؛ النَّصَارَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ. لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً: شَتْمًا. وَيُقَالُ الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ: الشِّبْرِقُ، يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ الضَّرِيعَ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ. بِمُسيْطِرٍ: بِمُسَلَّطٍ، وَيُقْرَأُ بِالصَّادِّ وَالسِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِيَابَهُمْ؛ مَرْجِعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ هَلْ أَتَاكَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْبَاقِينَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْغَاشِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغَاشِيَةُ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ النَّصَارَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: الْيَهُودَ، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرُّهْبَانُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ بَلَغَ إِنَاهَا وَحَانَ شُرْبُهَا. ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ بَلَغَ إِنَاهُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مُفَرَّقًا فِي مَوَاضِعِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾؛ شَتْمًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: لَا تَسْمَعُ فِيهَا بَاطِلًا وَلَا مَأْثَمًا، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ تَسْمَعُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، وَقَرَأَهَا الْجَحْدَرِيُّ بِتَحْتَانِيَّةٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ فَضَمَّا التَّحْتَانِيَّةَ، وَضَمَّ نَافِعٌ أَيْضًا لَكِنْ بِفَوْقَانِيَّةٍ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الضَّرِيعُ؛ نَبْتٌ يُقَالُ لَهُ الشِّبْرِقُ، تَسْمِيَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ الضَّرِيعُ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ سُمٌّ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَالشِّبْرِقُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ

بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: هُوَ نَبْتٌ أَخْضَرُ مُنْتِنُ الرِّيحِ يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ قَالَ: الضَّرِيعُ؛ الشِّبْرِقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الضَّرِيعُ شَجَرٌ مِنْ نَارٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْحِجَارَةُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الضَّرِيعَ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّارِعِ وَهُوَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ السُّلَّا؛ بِضَمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، وَهُوَ شَوْكُ النَّخْلِ.

قَوْلُهُ: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ مِثْلَهَا إِلَّا مُبَيْطِرٍ؛ أَيْ بِالْمُوَحَّدَةِ، قَالَ: لَمْ نَجِدْ لَهُمَا ثَالِثًا. كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ زِيَادَاتٍ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَصْلُهُ السَّطْرُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا هُوَ فِيهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الْقِتَالِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ) قُلْتُ: قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالصَّادِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالسِّينِ وَهِيَ قِرَاءَةُ هِشَامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِيَابَهُمْ﴾؛ مَرْجِعَهُمْ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَلَمْ يُجَاوِزْ بِهِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلْ فِيهَا حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

٨٩ - سُورَةُ (الْفَجْرِ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ يَعْنِي الْقَدِيمَةَ. وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ. ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ. ﴿أَكْلا لَمًّا﴾ السَّفُّ. وَجَمًّا: الْكَثِيرُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ: اللَّهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ. ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ﴿تَحَاضُّونَ﴾ تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ. الْمُطَمْئِنَةُ: الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَه اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَابُوا؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعُ لَهُ جَيْبٌ، يَجُوبُ الْفَلَاةَ: يَقْطَعُهَا. لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالْفَجْرِ - وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يَعْنِي: الْقَدِيمَة، وَالْعِمَادُ: أَهْلُ عَمُودٍ لَا يُقِيمُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: إِرَمَ الْقَدِيمَةِ، وَذَاتُ الْعِمَادِ: أَهْلُ عِمَادٍ لَا يُقِيمُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: إِرَمُ؛ قَبِيلَةٌ مِنْ عَادٍ، قَالَ: وَالْعِمَادُ؛ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ، انْتَهَى. وَإِرَمُ هُوَ ابْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادُ ابْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ. وَقِيلَ: إِرَمُ اسْمُ الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِمَادِ شِدَّةُ أَبْدَانِهِمْ وَإِفْرَاطُ طُولِهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال: كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي الصَّخْرَةَ فَيَحْمِلُهَا عَلَى كَاهِلِهِ فَيُلْقِيهَا عَلَى أَيِّ حَيٍّ أَرَادَ فَيُهْلِكُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: إِرَمُ اسْمُ أَبِيهِمْ.

وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِرَمُ أُمُّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ إِرَمَ قَبِيلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِرَمُ هِيَ دِمَشْقُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: إِرَمُ الْأَرْضُ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْأرَمُ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ؛ أَيْ: هَلَكُوا. وَمِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ قُرِئَتْ بِعَادٍ أَرَّمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَالرَّاءُ ثَقِيلَةٌ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَذَاتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ؛ أَيْ أَهْلَكَ اللَّهُ ذَاتَ الْعِمَادِ، وَهُوَ تَرْكِيبٌ قَلِقٌ.

وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَوَّلُ أَنَّ إِرَمَ اسْمُ الْقَبِيلَةِ وَهُمْ إِرَمُ بْنُ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَعَادٌ هُمْ بَنُو عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ، وَمُيِّزَتْ عَادٌ بِالْإِضَافَةِ لِإِرَمَ عَنْ عَادٍ الْأَخِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْقَافِ أَنَّ عَادًا قَبِيلَتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فَقَدْ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهَا صِفَةُ الْقَبِيلَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ أَيْ خِيَامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ الْقُوَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَرَأْتُ كِتَابًا قَدِيمًا: أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ، أَنَا الَّذِي رَفَعْتُ ذَاتَ الْعِمَادِ، أَنَا الَّذِي شَدَدْتُ بِذِرَاعِي بَطْنَ وَادٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِلَابَةَ قِصَّةً مُطَوَّلَةً جِدًّا أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ، وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَحَارِي عَدَنَ، وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى مَدِينَةٍ فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ فَذَكَرَ عَجَائِبَ مَا رَأَى فِيهَا، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُ أَحْضَرَهُ إِلَى دِمَشْقَ وَسَأَلَ كَعْبًا عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّةِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ بَنَاهَا وَكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهَا أَلْفَاظٌ مُنْكَرَةٌ، وَرَاوِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قِلَابَةَ لَا يُعْرَفُ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾: الَّذِي عُذِّبُوا بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: مَا عُذِّبُوا بِهِ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كُلُّ شَيْءٍ عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ سَوْطُ عَذَابٍ. وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ.

قَوْلُهُ: ﴿أَكْلا لَمًّا﴾: السَّفُّ، وَجَمًّا: الْكَثِيرُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: السَّفُّ لَفُّ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا قَالَ: الْكَثِيرُ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى السَّفِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ فِي النِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَتَمِّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فَقَالَ: هِيَ الصَّلَاةُ؛ بَعْضُهَا شَفْعٌ، وَبَعْضُهَا وَتْرٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مُبْهَمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَتِهِ الْمُبْهَمُ فَاغْتَرَّ فَصَحَّحَهُ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ قَالَ: الْعَشْرُ: عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَجْرُ؛ فَجْرُ النَّهَارِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ: عَشْرُ الْأَضْحَى. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّفْعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَالْوَتْرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ الْوَتْرَ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَقَرَأَهَا الْكُوفِيُّونَ سِوَى عَاصِمٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: سَوْطَ عَذَابٍ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْعَذَابِ يَدْخُلُ فِيهِ السَّوْطُ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: جَرَى بِهِ الْكَلَامُ. لِأَنَّ السَّوْطَ أَصْلُ مَا كَانُوا يُعَذِّبُونَ بِهِ، فَجَرَى لِكُلِ عَذَابٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْغَايَةُ.

قَوْلُهُ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنَ الْمَرْصَدِ وَهُوَ مَكَانُ الرَّصْدِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمِرْصَادُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيِ الرَّاصِدِ، لَكِنْ أُتِيَ فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ الْبَاءُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَإِنْ سُمِعَ ذَلِكَ نَادِرًا فِي الشِّعْرِ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَاضِحٌ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّكَلُّفِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بِمِرْصَادِ؛ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ.

قَوْلُهُ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾: تُحَافِظُونَ، وَتَحُضُّونَ: تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: قَرَأَ الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمٌ بِالْأَلِفِ وَبِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ، وَمِثْلُهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ لَكِنْ بِغَيْرِ

أَلِفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَحَاضُّونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ أَوَّلَهُ، وَالْكُلُّ صَوَابٌ. كَانُوا يَحَاضُّونَ: يُحَافِظُونَ، وَيَحُضُّونَ: يَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، انْتَهَى. وَأَصْلُ تَحَاضُّونَ تَتَحَاضُّونَ؛ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَالْمَعْنَى: لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِي يُكْرِمُونَ وَيَحُضُّونَ وَمَا بَعْدَهُمَا، وَبِمِثْلِ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ قَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَخَوَانِ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ بِالْمُثَنَّاةِ فِيهَا وَفِي يُكْرِمُونَ فَقَطْ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَافِعٌ وَشَيْبَةُ، لَكِنْ بِغَيْرِ أَلِفِ في يَحُضُّونَ.

قَوْلُهُ: (الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بِالْإِيمَانِ، الْمُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ وَالْبَعْثِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ الْمُؤْمِنَةُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾؛ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْه، وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَبْضِ رُوحِهَا وَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَدْخَلَهَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِالتَّأْنِيثِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ أَوْجَهُ. وَلِلْآخَرِ وَجْهٌ وَهُوَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الشَّخْصِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى اللَّهِ وَاطْمَأَنَّ اللَّهُ إِلَيْهَا وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ وَرَضِيَ عَنْهَا، أَمَرَ بِقَبْضِهَا فَأَدْخَلَهَا الْجَنَّةَ وَجَعَلَهَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ. أَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا، وَإِسْنَادُ الِاطْمِئْنَانِ إِلَى اللَّهِ مِنْ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ مِنْ إِيصَالِ الْخَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْمُطْمَئِنَّةُ إِلَى مَا قَالَ اللَّهُ، وَالْمُصَدِّقَةُ بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿جَابُوا﴾؛ نَقَبُوا، مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ. يَجُوبُ الْفَلَاةَ)؛ أَيْ: (يَقْطَعُهَا) ثَبَتَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿جَابُوا﴾ الْبِلَادَ: نَقَبُوهَا، وَيَجُوبُ الْبِلَادَ يَدْخُلُ فِيهَا وَيَقْطَعُهَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ فَرَّقُوهُ فَاتَّخَذُوهُ بُيُوتًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ﴾ نَقَبُوا الصَّخْرَ.

قَوْلُهُ: (لَمًّا: لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ؛ أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾؛ كَثِيرًا شَدِيدًا.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي الْفَجْرِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قَالَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

٩٠ - سُورَةُ (لَا أُقْسِمُ)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ. وَوَالِدٍ: آدَمَ وَمَا وَلَدَ. لُبَدًا: كَثِيرًا. وَالنَّجْدَيْنِ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ. مَتْرَبَةٍ: السَّاقِطُ مِنَ التُّرَابِ. يُقَالُ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ لَا أُقْسِمُ) وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: سُورَةُ الْبَلَدِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ مَكَّةَ، لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَقُولُ: لَا تُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فَزَادَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ فِيهِ مَا شَاءَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ

طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَاتِلَ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا فَالصِّيغَةُ لِلْوَقْتِ الْحَاضِر وَالْمُرَادُ الْآتِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْفَتْحُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِ سِنِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمُ وَمَا وَلَدَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ) ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَمَعِيشَةٌ فِي نَكَدٍ وَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فِي وِلَادَتِهِ وَنَبْتِ أَسْنَانِهِ وَسَرَرِهِ وَخِتَانِهِ وَمَعِيشَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿لُبَدًا﴾: كَثِيرًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِهَذَا، وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَشَدَّدَهَا أَبُو جَعْفَرٍ وَحْدَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ. وَالنَّجْدَيْنِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: سَبِيلُ الْخَيْرِ وَسَبِيلُ الشَّرِّ، يَقُولُ: عَرَفْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: النَّجْدَيْنِ سَبِيلُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّمَا هُمَا النَّجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: ﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مَجَاعَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ جُوعٍ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذِي مَجَاعَةٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ الطَّعَامُ.

قَوْلُهُ: ﴿مَتْرَبَةٍ﴾: السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: الْمَطْرُوحُ فِي التُّرَابِ لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَطْرُوحُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَيْتٌ. وَفِي لَفْظٍ: الْمَتْرَبَةُ الَّذِي لَا يَقِيهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَلِابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ؛ فَلَمْ يَقْتَحِمِ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ فَسَّرَ الْعَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لِلنَّارِ عَقَبَةٌ دُونَ الْجَنَّةِ، ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ اقْتِحَامِهَا فَقَالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ إِلَخْ) بِلَفْظِ الْأَصْلِ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَسْغَبَةٍ: مَجَاعَةٍ، ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ قَدْ لَزِقَ بِالتُّرَابِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ إِطْعَامُ الْمُؤْمِنِ السَّغْبَانِ.

(تَنْبِيهٌ): قَرَأَ فَكَّ وَأَطْعَمَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِيهِمَا ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَالْكِسَائِيُّ، وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ فَكُ بِضَمِ الْكَافِ وَالْإِضَافَةِ وَإِطْعَامٌ عَطْفًا عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي تَفْسِيرِ الْهَمْزَةِ.

(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرْ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ أَوْ فُكَّ الرَّقَبَةَ. قَالَ: أَوَلَيْسَتَا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ عِتْقَ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكَّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي عِتْقِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

٩١ - سُورَةُ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ضُحَاهَا؛ ضَوْءُهَا. إِذَا تَلَاهَا: تَبِعَهَا. وَطَحَاهَا: دَحَاهَا. وَدَسَّاهَا: أَغْوَاهَا. فَأَلْهَمَهَا: عَرَّفَهَا الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِطَغْوَاهَا؛ بِمَعَاصِيهَا. ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ عُقْبَى أَحَدٍ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(((٨٧))) (سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) ثبت (١): «سورة الأعلى» لأبي ذرٍّ وهي (٢) مكِّيَّة، وآيُها تسع عشرة.

ومعنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: نزِّه ربَّك ﴿الْأَعْلَى﴾ عمَّا يصفُه الملحدون، فالاسمُ صلة، وبهِ يحتجُّ من جعلَ (٣) الاسمَ والمسمَّى (٤) واحدًا؛ لأنَّ أحدًا لا يقولُ: سبحان اسم اللهِ بل سبحانَ الله، وقال قومٌ: أي: نزِّه تسميةَ ربِّك بأن تذكرهُ وأنت له معظِّمٌ ولذكرِه محتَرِمٌ، فجعلوا الاسم بمعنى التَّسمية، فكما أنَّه يجبُ تنزيه ذاتهِ وصفاتهِ عن النَّقائص يجبُ تنزيهُ الألفاظِ الموضوعة لها عن سوءِ الأدبِ، وقد سبقَ في أوَّل هذا المجموعِ مزيدٌ لذلك [خ¦٢ - ١]، والله الموفِّق. (٥) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ: (﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]) أي: (قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ والسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأَنْعَامَ لمَرَاتِعِهَا) وصلهُ الطَّبريُّ (٦)، وثبت للنَّسفيِّ وحدَه.

٤٩٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقبُ عبدِ الله بنِ عثمَان (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمانُ بنُ جَبَلة (عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بنِ عبدِ الله السَّبيعيِّ (عَنِ

البَرَاءِ) بنِ عازبٍ ، أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (١) ) المدينةَ من المهاجرينِ (مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بضم العين مصغَّرًا، وضمُّ ميم «مُصعب» (وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عَمرو بنُ قيسٍ العامريُّ (فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ) أي: ما نزلَ منه (ثُمَّ جَاءَ) المدينةَ أيضًا (عَمَّارٌ) يعني: ابنَ ياسرٍ (وَبِلَالٌ) المؤذِّن (وَسَعْدٌ) يعني: ابن أبي وقَّاص (ثُمَّ جَاءَ) أيضًا (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) (فِي) جملةِ (عِشْرِينَ) من الصَّحابة، ذكر منهم ابنُ إسحاق: زيدَ بنَ الخطَّاب، وسعيدَ بنَ زيد بنِ عَمرو، وعمرًا وعبدَ الله ابنَي سُرَاقة، وخُنيسَ بنَ حذافةَ، وواقدَ بنَ عبد الله، وخَوْليَّ بنَ أبي خَوْليٍّ وأخاه هِلالًا، وعيَّاشَ بنَ أبي ربيعة، وخالدًا وإياسًا وعامرًا بني البُكَير، وهم الثَّلاثة عشر، فلعلَّ الباقي كانُوا أتباعًا لهُم (ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ) أي: كفرحِهم بهِ، فهو نصب بنزع الخافضِ (حَتَّى رَأَيْتُ الوَلَائِدَ) جمع: وليدَةٍ، الصَّبيَّة والأمَة (وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ قَدْ جَاءَ) حذفت التَّصلية لأبي ذرٍّ. قال: لأنَّ الصَّلاة عليه إنَّما كانَ ابتداءُ مشروعيَّتها في السَّنة الخامسة من الهِجرة. والظَّاهر إلى أنَّه يشيرُ إلى آيةِ الأمرِ بها، وهذا غيرُ متَّجه؛ لأنَّه قد وردَ في حديثِ الإسراءِ ذكر الصَّلاة على النَّبيِّ ، والإسراءُ كان بمكَّة، فلا وجهَ للإنكارِ. قال البَراء: (فَمَا جَاءَ) المدينَة (حَتَّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ (٢) مِثْلِهَا) وزادَ (٣) في «الهجرة»: من المفصَّل [خ¦٣٩٢٥]. وثبتَ لفظُ: «مثلِهَا» لأبي ذرٍّ (٤).

(((٨٨))) (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ستٌّ (١) وعشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بسم الله الرحمن الرحيم» وسقط له «﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾» ولغيره البسملة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ أبي حاتمٍ في قولهِ تعالى: (﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] النَّصَارَى) وزاد ابنُ أبي حاتمٍ: واليهود. والثَّعلبي: والرُّهبان. يعني: أنَّهم عمِلوا ونصبوا في الدِّين على غيرِ دينِ الإسلامِ فلا يقبلُ منهم، وقيل: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ في النَّار، كجرِّ السَّلاسل وخوضِها في النَّار خوضَ الإبلِ في الوحلِ، والصُّعود والهُبوط في تلالِها ووهادِهَا.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بَلَغَ إِنَاهَا) بكسر الهمزة وبعد النون ألف غير مهموز، وقتها في الحرِّ، فلو وقعَتْ منها قطرةٌ على جبالِ الدُّنيا لذابَتْ، وقال أبو ذرٍّ: «إناهَا حينها». (وَحَانَ شُرْبُهَا ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] بَلَغَ إِنَاهُ) أي: حانَ (﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا﴾) أي: الجنَّة (٢) (﴿لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]) أي: (شَتْمًا) ولا غيره من الباطلِ.

(الضَّرِيعُ) ولأبي ذرٍّ: «ويقال: الضَّريع» (نَبْتٌ) له شوكٌ (يُقَالَ لَهُ: الشِّبْرِقُ) بكسر المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة (تُسَمِّيهِ أَهْلُ الحِجَازِ: الضَّرِيعَ؛ إِذَا يَبِسَ، وَهْوَ سَمٌّ) لا تقربه دابَّةٌ لخبثِه.

(﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]) أي: (بِمُسَلَّطٍ) فتقتلهم وتكرههم على الإيمانِ، وهذا منسوخٌ بآيةِ القتالِ. (وَيُقْرَأُ) ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ (بِالصَّادِ وَالسِّينِ) وهذه قراءةُ هشامٍ، وهي على الأصلِ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلَه ابنُ المنذِر في قولهِ: (﴿إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] مَرْجِعَهُمْ) بعدَ الموتِ.

(((٨٩))) (سورة ﴿وَالْفَجْرِ﴾) مكِّيَّة، وآيُها تسعٌ وعشرون، وثبت: «سورة» لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الوَتْرُ: اللهُ) لانفرادهِ بالألوهيَّة، وحذف ما بعد «مجاهد» لأبي ذرٍّ.

(﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]) أي: (القَدِيمَةِ) يعني: عادًا الأولى، ولأبي ذرٍّ: «يعني: القديمَة» وفي «اليونينية»: «(إِرْمَ ذَاتِ)» بكسر الهمز وسكون الراء وفتح الميم، ورُويَتْ عن الضَّحَّاك، لكن بفتح الهمزة، وأصله: أرِم، على وزن فعِل كفَخِذ، فخُفِّف (١) (وَالعِمَادُ) رَفْعٌ مبتدأ خبره: (أَهْلُ عَمُودٍ) أي: خيامٍ (لَا يُقِيمُونَ) في بلدٍ، وكانوا سيَّارة ينتجعون الغيثَ، وينتقلُون إلى الكلأ حيث كان، وعن ابنِ عبَّاس: إنَّما قيل لهم: ذات العمادِ لطولِهم، واختارَ الأوَّل ابن جريرٍ، وردَّ الثَّاني. قال ابنُ كثيرٍ: فأصابَ، وحينئذٍ فالضَّمير يعودُ على القبيلةِ. قال: وأمَّا ما ذكرهُ جماعةٌ من المفسِّرين عندَ هذهِ الآية من ذكر مدينةٍ يقالُ لها: إرمَ ذاتِ العِماد، مبنيَّة بلبن الذَّهب والفضَّة، وأنَّ حصباءَهَا (٢) لآلئُ وجواهِر، وترابها بنادقُ المِسك … إلى غير ذلك من الأوصافِ، وأنَّها تنتقلُ فتارةً تكون بالشَّام وتارةً باليمنِ، وأخرى بغيرهما من الأرضِ؛ فمن خرافاتِ الإسرائيليين،

وليس لذلك حقيقة، وأمَّا ما أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ وهب بنِ منبِّه عن عبدِ الله بنِ (١) قِلابَة في (٢) هذه القصَّة أيضًا وذكر عجائبهَا؛ فقال في «الفتح»: فيها ألفاظٌ منكرةٌ، وراويها عبدُ الله بنُ (٣) قلابَة لا يُعرف، وفي إسنادهِ ابنُ لهيعة، ومثله ما يخبرُ به كثيرٌ من الكَذَبة المتحيِّلين من وجودِ مطالب تحت الأرضِ بها قناطيرُ الذَّهب والفضَّة والجواهرُ واليواقيتُ واللآلئُ والإكسِيرُ، لكن عليها موانعُ تمنعُ من الوصولِ إليها، فيحتالونَ على أموالِ ضعفةِ العقولِ والسُّفهاء فيأكلونَها بحجَّةِ صرفِها في بخوراتٍ ونحوها من الهذياناتِ (٤)، وتراهُم ينفقُون على حفرهَا (٥) الأموالَ الجَزْيلة، ويبلغونَ في العمقِ غايةً، ولا (٦) يظهرُ لهم إلَّا التُّراب والحَجر الكدَّان، فيفتقرُ الرَّجل منهم، وهو مع ذلك لا يزدادُ إلَّا طلبًا حتَّى يموتَ.

(﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ١٣] الَّذِي) ولأبي ذرٍّ: «الَّذين» (عُذِّبُوا بِهِ) وعن قتادَة -ممَّا (٧) رواه ابنُ أبي حاتمٍ-: كلُّ شيءٍ عذِّب بهِ فهو سوط عذابٍ.

(﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] السَّفُّ) من سففتُ الأكلَ أسفُّه سفًّا.

(وَ ﴿جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] الكَثِيرُ) أي: يحبُّون جمعَ المالِ، وسقط «واو» و ﴿جَمًّا﴾ لأبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] (كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) تعالى (فَهْوَ شَفْعٌ، السَّمَاءُ شَفْعٌ) أي: للأرضِ، كالذَّكر والأنثَى (الوَتْرُ) بفتح الواو وتكسر: هو (اللهُ وسبق [خ¦٦٠/ ١ م-٥١٢٠].

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير مجاهدٍ: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا العَرَبُ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ العَذَابِ يَدْخُلُ

فِيهِ السَّوْطُ) قاله الفرَّاء.

(﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إِلَيْهِ المَصِيرُ) وقال ابنُ عبَّاس: بحيثُ يسمعُ ويرى، وقيل: يرصدُ أعمالَ بني آدمَ لا يفوتهُ (١) شيءٌ منها.

(﴿تَحَاضُّونَ﴾ [الفجر: ١٨]) بفتح التاء والحاء فألف، وبها قرأ الكوفيُّون، أي: (تُحَافِظُونَ، وَ ﴿تَحَاضُّونَ﴾) بغير ألفٍ (تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ) المساكين.

(﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) هي (المُصَدِّقَةُ بِالثَّوَابِ) وهي الثَّابتة على الإيمان (وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] (٢) إِذَا أَرَادَ اللهُ ﷿ (٣) قَبْضَهَا؛ اطْمَأَنَّتْ إِلَى اللهِ، وَاطْمَأَنَّ اللهُ إِلَيْهَا) إسنادُ الاطمئنانِ إلى الله مجازٌ يرادُ بهِ لازمه وغايتهُ، من نحو إيصالِ الخيرِ، وفيه المشاكَلة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «واطمأنَّ إليه» بتذكيرِ الضَّمير، أي: إلى الشَّخص (وَرَضِيَتْ عَنِ اللهِ، وَرَضِي اللهُ عَنْهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عنه» (فَأَمَرَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وأمر» (بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَأَدْخَلَهَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي أيضًا: «وأدخلَه» (اللهُ الجَنَّةَ، وَجَعَلَهُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ) وقال ابنُ (٤) عطاء: النَّفس المطمئنَّة هي العارفةُ بالله، الَّتي لا تصبرُ عن الله طرفةَ عينٍ.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) غيرُ الحسنِ: (﴿جَابُوا﴾ [الفجر: ٩]) أي: (نَقَبُوا) بالتَّخفيف، أي: نقبوا الصَّخر (٥) وأصلُ الجيبِ القَطع، مأخوذٌ (مِنْ جِيْبَ القَمِيصُ) إذا (٦) (قُطِعَ لَهُ جَيْبٌ) وكذلك قولهم: فلانٌ (يَجُوبُ الفَلَاةَ) أي: (يَقْطَعُهَا) وجَيْبِ: بفتح الجيم وجر الموحدة بمن، والقَميصِ: خفض، وبكسر الجيم ونصب الموحدة، والقميصُ: رفع، وسقط لفظ «من» لأبي ذرٍّ (٧).

(﴿لَّمًّا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ [الفجر: ١٩] (لَمَمْتُهُ أَجْمَعَ: أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِ) قالَه أبو عُبيدة، وسبق معناهُ، وسقَطَ لأبي ذرٍّ.

(((٩٠))) (﴿لَا أُقْسِمُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها عشرون، ولأبي ذرٍّ: «سورة ﴿لَا أُقْسِمُ﴾».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ: (﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] مَكَّةَ) ولأبي ذرٍّ: «﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: مكَّة» (لَيْسَ عَلَيْكَ مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ) أي: أنتَ على الخصوصِ تستحلُّه دون غيركَ لجلالةِ شأنك، كما جاء [خ¦٤٣١٣] «لم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولَا تحلُّ لأحدٍ بعدِي» وأنت على هذا من بابِ التَّقديم للاختصاصِ؛ نحو: أنا عرفتُ. قال الواحديُّ: إنَّ الله تعالى لمَّا ذكرَ القَسم بمكَّة دلَّ ذلك على عظمِ قدرهَا مع كونها حرامًا، فوعدَ نبيَّه أن يحلَّها له يقاتلُ فيها، وأن (١) يفتحَها على يدهِ ويكون فيها حلًّا، والجملةُ اعتراضٌ بين المقسم بهِ وما عطف عليه.

(﴿وَوَالِدٍ﴾ آدَمَ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]) أي: من الأنبياءِ والصَّالحين من ذرِّيَّتهِ؛ لأنَّ الكافر وإن كان من ذرِّيَّته لكن لا حرمةَ لهُ (٢) حتَّى يقسمَ بهِ، أو المرادُ بـ ﴿وَوَالِدٍ﴾ إبراهيمُ، وبـ ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ محمَّد ، و ﴿مَا﴾ بمعنى مَن. قال (٣) في «الأنوار»: وإيثارُ ﴿مَا﴾ على «مَن» لمعنى التَّعجب؛ كما في قولهِ تعالى: ﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦].

(﴿لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦]) بضم اللام وفتح الموحدة لأبي ذرٍّ، جمع: لُبْدَة، كغُرْفَة وغُرَف، وهي قراءة العامَّة، ولغير أبي ذرٍّ: «﴿لُّبَدًا﴾» بكسر اللام، أي: (كَثِيرًا) من تلبَّد الشَّيء؛ إذا اجتمعَ.

(وَ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾) هُما (الخَيْرُ وَالشَّرُّ) قال الزَّجاجُ: النَّجدان الطَّريقان الواضحان، والنَّجد المرتفعُ من

الأرضِ، والمعنى: ألم نبيِّن لهُ طريقَي الخيرِ والشَّرِّ؟ وقال ابنُ عبَّاس: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ (١) الثَّديين، وهما ممَّا تقسِم بهِ العرب، تقول: أمَا ونجديهَا ما فعلتُ، تريد: ثديي المرأة؛ لأنَّهما كالنَّجدينِ للبطنِ.

(﴿مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) أي: (مَجَاعَةٍ) والسَّغَب: الجُوع.

(﴿مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]) ولأبي ذرٍّ برفع الثَّلاثة، أي: (السَّاقِطُ فِي التُّرَابِ) ليس له بيتٌ لفقرِه.

(يُقَالُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ) فلَم يجاوزهَا (فِي الدُّنْيَا) ليأمن (ثُمَّ فَسَّرَ العَقَبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾) أي: أعلمكَ (﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢]) الَّتي يقتحمهَا، وبيَّن سببَ جوازها بقوله: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]) برفع الكاف على إضمارِ مبتدأ، أي: هو فكُّ، وخفض ﴿رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، من الرِّق بإعتاقها (﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾) بهمزة مكسورة وألف بعد العين ورفع ميم ﴿إِطْعَامٌ﴾ منوَّنًا، وقراءةُ ابن كثيرٍ وأبي عَمرو والكسائيِّ: ﴿فَكُّ﴾ بفتح الكاف فعلًا ماضيًا، ﴿رَقَبَةٍ﴾ نصب، ﴿إِطْعَامٌ﴾ فعلًا ماضيًا أيضًا (﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]) مجاعةٍ، وهذا تنبيهٌ على أنَّ النَّفس لا توافقُ صاحبهَا في الإنفاقِ لوجهِ الله تعالى ألبتَّة، فلا بدَّ من التَّكلُّف وحمل المشقَّة على النَّفس، والَّذي يوافقُ النَّفس هو الافتخارُ والمراءاة، فكأنَّه تعالى ذكر هذا المثل بإزاءِ ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ [البلد: ٦] والمرادُ بيان الإنفاقِ المفيد، وأن ذلك الإنفاق مضرٌّ. قاله صاحبُ «الفرائد» فيما حكاهُ في «فتوح الغيب».

(﴿فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) أي: (شِدَّةٍ) أي: شدَّة (٢) خلق، وقال ابنُ عبَّاس: في نَصَبٍ، وقيل: شدَّة مكايد مصائبِ الدُّنيا وشدائد الآخرة، وهذا ثابتٌ للنَّسفي وحدَه (٣).

(((٩١))) (سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس عشرة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله