الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٧١
الحديث رقم ٤٩٧١ من كتاب «سورة إذا جاء نصر الله» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٨٠⦘
(وَقَدْ تَبَّ)». هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ. فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى. وَأُمُّهُ خُزَاعِيَّةٌ. وَكُنِّيَ أَبَا لَهَبٍ إِمَّا بِابْنِهِ لَهَبٍ، وَإِمَّا بِشِدَّةِ حُمْرَةِ وَجْنَتِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَا لَهَبٍ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَهَّبُ مِنْ حُسْنِهِ انْتَهَى.
وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ أَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَلِكَوْنِهِ بِهَا أَشْهَرُ، وَلِأَنَّ فِي اسْمِهِ إِضَافَةً إِلَى الصَّنَمِ. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ تَكْنِيَةِ الْمُشْرِكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مَحَلُّ الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ لَهُ أَوْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَاحَى أَبَا لَهَبٍ فَقَعَدَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى صَدْرِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ بِضَبْعَيْ أَبِي لَهَبٍ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: كِلَانَا عَمُّكَ، فَلِمَ فَعَلْتَ بِي هَذَا؟ وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ قَلْبِي أَبَدًا. وَذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ: لَوْ عَضَّدْتَ ابْنَ أَخِيكَ لَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ دِينٍ، فَغَضِبَ، وَتَمَادَى عَلَى عَدَاوَتِهِ. وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا بَلْ أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا جَرَى لِقُرَيْشٍ مَاتَ غَمًّا.
قَوْلُهُ: (وَتَبَّ: خَسِرَ. تَبَابٌ: خُسْرَانٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قَالَ: يَقُولُ: خَسِرَ وَتَبَّ أَيْ خَسِرَ وَمَا كَسَبَ يَعْنِي وَلَدَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قَالَ: فِي هَلَكَةٍ.
قَوْلُهُ: (تَتْبِيبٍ: تَدْمِيرٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أَيْ: تَدْمِيرٍ وَإِهْلَاكٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفَوَائِدِهِ.
٢ - بَاب ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إلى هلاكِ عملهِ، وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] إشارة إلى هلاكِ نفسهِ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره. (تَبَابٌ) في قولهِ ﷿: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ (١) إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (خُسْرَانٌ. تَتْبِيبٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] (تَدْمِيرٌ).
٤٩٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مُرَّة»: بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبدِ الله الجَمَليُّ الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ)) تفسيرٌ لقولهِ: ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ أو قراءةٌ شاذَّة قرأهَا ابنُ عبَّاس، ثمَّ نُسِخَت تلاوتها (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا) بكسر عين «صعِد» (فَهَتَفَ) أي: صاح: (يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في «اليونينية»، كلمة يقولها المستغيثُ، وأصلُها إذا صاحُوا للغارَة؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ في الصَّباح، وكأنَّ القائل: يا صباحَاه يقول: قد غشينا الصَّباح فتأهَّبوا للعدوِّ (فَقَالُوا) يعني: قريشًا: (مَنْ هَذَا؟) أي: فقيل: هذا محمَّد (فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ) لهم:
(أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا) أي: عسكرًا (تَخْرُجُ (١) مِنْ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ) أسفله حيثُ يسفحُ فيه الماء (أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟) أصله: مصدِّقين لي، سقطتِ النون لإضافته إلى ياء المتكلِّم، وأدغمتْ ياء الجمع في ياءِ المتكلِّم (قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله: (تَبًّا لَكَ) نصب على المصدر (٢) بإضمار فعل، أي: ألزمكَ الله هلاكًا وخُسرانًا (مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ألهذا جمعتنَا؟» (ثُمَّ قَامَ) صلوات الله وسلامه عليه (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) سقط (٣) «﴿وَتَبَّ﴾» لأبي ذرٍّ ((وَقَدْ تَبَّ)، هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ) وهي تؤيِّد أنَّها إخبارٌ بوقوعِ ما دعا به عليهِ، ولم يدرك ابن عبَّاس هذه القصَّة.
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَّ﴾) ولأبي ذرٍّ (٤): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ ﷿: (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) ﴿مَا﴾ الأولى نافيةٌ، أو استفهام إنكارٍ، وعلى الثَّاني تكون منصوبة المحلِّ بما بعدها، أي: أيُّ شيءٍ أغنَى المال؟ وقُدِّمت (٥) لأنَّ لها (٦) صدر الكلامِ. والثَّانية بمعنى الَّذي، فالعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة، أي: وكسبه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ. فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى. وَأُمُّهُ خُزَاعِيَّةٌ. وَكُنِّيَ أَبَا لَهَبٍ إِمَّا بِابْنِهِ لَهَبٍ، وَإِمَّا بِشِدَّةِ حُمْرَةِ وَجْنَتِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَا لَهَبٍ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَهَّبُ مِنْ حُسْنِهِ انْتَهَى.
وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ أَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَلِكَوْنِهِ بِهَا أَشْهَرُ، وَلِأَنَّ فِي اسْمِهِ إِضَافَةً إِلَى الصَّنَمِ. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ تَكْنِيَةِ الْمُشْرِكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مَحَلُّ الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ لَهُ أَوْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَاحَى أَبَا لَهَبٍ فَقَعَدَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى صَدْرِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ بِضَبْعَيْ أَبِي لَهَبٍ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: كِلَانَا عَمُّكَ، فَلِمَ فَعَلْتَ بِي هَذَا؟ وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ قَلْبِي أَبَدًا. وَذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ: لَوْ عَضَّدْتَ ابْنَ أَخِيكَ لَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ دِينٍ، فَغَضِبَ، وَتَمَادَى عَلَى عَدَاوَتِهِ. وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا بَلْ أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا جَرَى لِقُرَيْشٍ مَاتَ غَمًّا.
قَوْلُهُ: (وَتَبَّ: خَسِرَ. تَبَابٌ: خُسْرَانٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قَالَ: يَقُولُ: خَسِرَ وَتَبَّ أَيْ خَسِرَ وَمَا كَسَبَ يَعْنِي وَلَدَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قَالَ: فِي هَلَكَةٍ.
قَوْلُهُ: (تَتْبِيبٍ: تَدْمِيرٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أَيْ: تَدْمِيرٍ وَإِهْلَاكٍ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفَوَائِدِهِ.
٢ - بَاب ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
إلى هلاكِ عملهِ، وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] إشارة إلى هلاكِ نفسهِ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره. (تَبَابٌ) في قولهِ ﷿: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ (١) إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] (خُسْرَانٌ. تَتْبِيبٌ) في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] (تَدْمِيرٌ).
٤٩٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشدٍ القطَّان الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمادُ بنُ أسامة قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، و «مُرَّة»: بضم الميم وتشديد الراء، ابن عبدِ الله الجَمَليُّ الكوفيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ)) تفسيرٌ لقولهِ: ﴿عَشِيرَتَكَ﴾ أو قراءةٌ شاذَّة قرأهَا ابنُ عبَّاس، ثمَّ نُسِخَت تلاوتها (خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا) بكسر عين «صعِد» (فَهَتَفَ) أي: صاح: (يَا صَبَاحَاهْ) بسكون الهاء في «اليونينية»، كلمة يقولها المستغيثُ، وأصلُها إذا صاحُوا للغارَة؛ لأنَّهم أكثر ما كانوا يغيرونَ في الصَّباح، وكأنَّ القائل: يا صباحَاه يقول: قد غشينا الصَّباح فتأهَّبوا للعدوِّ (فَقَالُوا) يعني: قريشًا: (مَنْ هَذَا؟) أي: فقيل: هذا محمَّد (فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ) لهم:
(أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا) أي: عسكرًا (تَخْرُجُ (١) مِنْ سَفْحِ هَذَا الجَبَلِ) أسفله حيثُ يسفحُ فيه الماء (أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟) أصله: مصدِّقين لي، سقطتِ النون لإضافته إلى ياء المتكلِّم، وأدغمتْ ياء الجمع في ياءِ المتكلِّم (قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ) منذرٌ (لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ) لعنهُ الله: (تَبًّا لَكَ) نصب على المصدر (٢) بإضمار فعل، أي: ألزمكَ الله هلاكًا وخُسرانًا (مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «ألهذا جمعتنَا؟» (ثُمَّ قَامَ) صلوات الله وسلامه عليه (فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]) سقط (٣) «﴿وَتَبَّ﴾» لأبي ذرٍّ ((وَقَدْ تَبَّ)، هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ) وهي تؤيِّد أنَّها إخبارٌ بوقوعِ ما دعا به عليهِ، ولم يدرك ابن عبَّاس هذه القصَّة.
(٢) (قَوْلُهُ: ﴿وَتَبَّ﴾) ولأبي ذرٍّ (٤): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قولهِ ﷿: (﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢]) ﴿مَا﴾ الأولى نافيةٌ، أو استفهام إنكارٍ، وعلى الثَّاني تكون منصوبة المحلِّ بما بعدها، أي: أيُّ شيءٍ أغنَى المال؟ وقُدِّمت (٥) لأنَّ لها (٦) صدر الكلامِ. والثَّانية بمعنى الَّذي، فالعائد محذوفٌ، أو مصدريَّة، أي: وكسبه.