«أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٦٩

الحديث رقم ٤٩٦٩ من كتاب «سورة إذا جاء نصر الله» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قوله ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩٦٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾. قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَجَلٌ، أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ».

قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ.

إسناد حديث رقم ٤٩٦٩ من صحيح البخاري

٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وَهِيَ سُورَةُ النَّصْرِ. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آخِرِيَّةَ سُورَةِ النَّصْرِ نُزُولُهَا كَامِلَةً، بِخِلَافِ بَرَاءَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِنَاءً عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَاشَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ وَعَنْ مُقَاتِلٍ: سَبْعًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللَّهِ وَالنَّصْرُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مُوَاظَبَتِهِ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِي الْأُولَى التَّصْرِيحُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ. وَفِي الثَّانِيَةِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ يَجْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي أَشْرَفِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ فَزَادَ فِيهِ عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي أَمَرَنِي رَبِّي إِذَا رَأَيْتُهَا أُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَالْفَتْحُ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِمِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا. وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ. وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ.

قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَدْ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْوُضُوءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ.

٣ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٤ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنْ النَّاسِ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ

٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَادَةُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي السَّابِقَةِ، وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّةً تَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ) أَيْ غَضِبَ وَلَفْظُ وَجَدَ الْمَاضِي يُسْتَعْمَلُ بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّةً أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ)؟ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَ أُنَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَفِي تَارِيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ، وَزَادَ وَكَانَ عُمَرُ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِيبُوا. وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فَتَكَلَّمِ الْآنَ مَعَهُمْ.

وَهَذَا الْقَائِلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ بَعْضُهُمْ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْلَهُ أَيْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ، لَا فِي مِثْلِ فَضْلِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَدًا فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ. لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْرَ السِّنِّ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَنَا مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَفِطْنَتِهِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَا: قَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُمَرَ - يُدْنِيكَ، فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَذِبًا وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ بَدَلَ الثَّالِثَةِ، وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَدَعَاهُ وَفِي

غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَمَا رُئِيَتُ) بِضَمِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ فَمَا أَرَيْتُهُ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا لِيُرِيَهُمْ) زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنِّي أَيْ مِثْلَ مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنَ الْعِلْمِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَهُ.

قَوْلُهُ: (مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.

قَوْلُهُ: (إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ.

قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ)؟ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ، قَالَ: إِذَا جَاءَ.

قَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَهُوَ آيَتُكَ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ، نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَوَهِمَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيُّ : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَفْسُهُ، فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهُ الْوَدَاعُ.

وَسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ: إِنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ؟ فَأَجَبْتُ بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالْفَتْحِ، لِأَنَّ مَجِيءَ النَّاسِ أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ. وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَالَ وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِذَا قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى إِذْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الْآيَةَ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْجَوَابَيْنِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا تَقُولُ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ إِلَّا مَا تَعْلَمُ زَادَ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِمَا، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَى حُبِّ مَا تَرَوْنَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَذَكَرَ جَوَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتِنْبَاطَهُ وَتَصْوِيبَ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ، الْحَدِيثَ.

وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ، لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ.

١١١ - سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تَبَابٌ: خُسْرَانٌ، تَتْبِيبٌ: تَدْمِيرٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «قال: حدَّثنا سفيان» (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينارٍ الأسديِّ، مولاهم الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ) أي: أشياخ بدرٍ، كما في الرِّواية اللَّاحقة إن شاء الله تعالى [خ¦٤٩٧٠] (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قَالُوا) أي: الأشياخ: (فَتْحُ المَدَائِنِ وَالقُصُورِ، قَالَ) عمر: (مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ): أقول: (أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ) بالتَّنوين فيهما (ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ) بضم النون وكسر العين مبنيًّا للمفعول، مِن نَعَى الميِّتَ يَنْعَاهُ نَعْيًا؛ إذا أذاعَ موتَه وأخبرَ بهِ.

(٤) (قولُهُ: ﴿فَسَبِّحْ﴾) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ﴾ (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: متلبِّسًا بحمدهِ (﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] تَوَّابٌ عَلَى العِبَادِ) أي: رجَّاع عليهم بالمغفرةِ وقبولِ التَّوبة (وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) الَّذي اقترفهُ. قاله الفرَّاء.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وَهِيَ سُورَةُ النَّصْرِ. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ أَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آخِرِيَّةَ سُورَةِ النَّصْرِ نُزُولُهَا كَامِلَةً، بِخِلَافِ بَرَاءَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِنَاءً عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَاشَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ وَعَنْ مُقَاتِلٍ: سَبْعًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ ثَلَاثًا، وَقِيلَ: ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللَّهِ وَالنَّصْرُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي مُوَاظَبَتِهِ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَغَيْرِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَفِي الْأُولَى التَّصْرِيحُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ السُّورَةِ. وَفِي الثَّانِيَةِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ يَجْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي أَشْرَفِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ فَزَادَ فِيهِ عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي أَمَرَنِي رَبِّي إِذَا رَأَيْتُهَا أُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ، وَالْفَتْحُ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ: كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِمِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا. وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ. وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ.

قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَدْ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْوُضُوءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ.

٣ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

٤٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَسَأَذْكُرُ شَرْحَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

٤ - بَاب قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنْ النَّاسِ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ

٤٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟

فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ تَوَّابٌ عَلَى الْعِبَادِ. وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ فِي مَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ) أَيْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَادَةُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ لِلنَّاسِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي السَّابِقَةِ، وَكَانَ رُبَّمَا أَدْخَلَ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ مَزِيَّةً تَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ) أَيْ غَضِبَ وَلَفْظُ وَجَدَ الْمَاضِي يُسْتَعْمَلُ بِالِاشْتِرَاكِ بِمَعْنَى الْغَضَبِ وَالْحُبِّ وَالْغِنَى وَاللِّقَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يُلْقَى ضَالَّةً أَوْ مَطْلُوبًا أَوْ إِنْسَانًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ)؟ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلَكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَ أُنَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَجَدُوا عَلَى عُمَرَ فِي إِدْنَائِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَفِي تَارِيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ نَحْوُهُ، وَزَادَ وَكَانَ عُمَرُ أَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا، فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِيبُوا. وَأَجَابَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الْغُلَامِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فَتَكَلَّمِ الْآنَ مَعَهُمْ.

وَهَذَا الْقَائِلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِقَوْلِهِ بَعْضُهُمْ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ كَانَ عُمَرُ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مِثْلَهُ أَيْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ، لَا فِي مِثْلِ فَضْلِهِ وَقَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَدًا فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ مُحَمَّدٌ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، لَكِنَّهُ مَاتَ صَغِيرًا وَأَدْرَكَ عُمَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ. لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أُمَّهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ غَيْرَ السِّنِّ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَنَا مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فِي مِثْلِ سِنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ إِذْ ذَاكَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ مِمَّنْ عَلِمْتُمْ وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَفِطْنَتِهِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ: أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عَقُولًا وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَا: قَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُمَرَ - يُدْنِيكَ، فَلَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يَسْمَعُ مِنْكَ كَذِبًا وَفِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ بَدَلَ الثَّالِثَةِ، وَلَا تَبْتَدِئْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَدَعَاهُ وَفِي

غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَمَا رُئِيَتُ) بِضَمِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ فَمَا أَرَيْتُهُ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا لِيُرِيَهُمْ) زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنِّي أَيْ مِثْلَ مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنَ الْعِلْمِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَهُ.

قَوْلُهُ: (مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.

قَوْلُهُ: (إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ.

قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ)؟ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ، قَالَ: إِذَا جَاءَ.

قَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَهُوَ آيَتُكَ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ، نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَوَهِمَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيُّ : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَفْسُهُ، فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهُ الْوَدَاعُ.

وَسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ: إِنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ؟ فَأَجَبْتُ بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالْفَتْحِ، لِأَنَّ مَجِيءَ النَّاسِ أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ. وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَالَ وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِذَا قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى إِذْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الْآيَةَ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْجَوَابَيْنِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا تَقُولُ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ إِلَّا مَا تَعْلَمُ زَادَ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِمَا، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَى حُبِّ مَا تَرَوْنَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَذَكَرَ جَوَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتِنْبَاطَهُ وَتَصْوِيبَ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ، الْحَدِيثَ.

وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ، لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ.

١١١ - سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تَبَابٌ: خُسْرَانٌ، تَتْبِيبٌ: تَدْمِيرٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو عثمان قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديٍّ (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثَّوريُّ، ولأبي ذرٍّ: «قال: حدَّثنا سفيان» (عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينارٍ الأسديِّ، مولاهم الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُمْ) أي: أشياخ بدرٍ، كما في الرِّواية اللَّاحقة إن شاء الله تعالى [خ¦٤٩٧٠] (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] قَالُوا) أي: الأشياخ: (فَتْحُ المَدَائِنِ وَالقُصُورِ، قَالَ) عمر: (مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قَالَ): أقول: (أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ) بالتَّنوين فيهما (ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ ، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ) بضم النون وكسر العين مبنيًّا للمفعول، مِن نَعَى الميِّتَ يَنْعَاهُ نَعْيًا؛ إذا أذاعَ موتَه وأخبرَ بهِ.

(٤) (قولُهُ: ﴿فَسَبِّحْ﴾) ولأبي ذرٍّ (١): «بابٌ» بالتَّنوين، أي: في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ﴾ (﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾) أي: متلبِّسًا بحمدهِ (﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] تَوَّابٌ عَلَى العِبَادِ) أي: رجَّاع عليهم بالمغفرةِ وقبولِ التَّوبة (وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ) الَّذي اقترفهُ. قاله الفرَّاء.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله