«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ مَعَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٣٨٢

الحديث رقم ٥٣٨٢ من كتاب «كتاب الأطعمة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أكل حتى شبع.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ…

«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ؟ أَوْ قَالَ: هِبَةٌ، قَالَ: لَا، بَلْ بَيْعٌ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى، وَايْمُ اللهِ مَا مِنَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ

⦗٧٠⦘

فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ» أَوْ كَمَا قَالَ.

سند حديث: ٥٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى : حَدَّثَنَا…

٥٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ…

قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وعددنا مئة وثلاثون من أصحابه، فقال عليه الصلاة والسلام: هل مع أحدكم طعامٌ؟ فكان مع رجل مقدار صاع من طعام أو نحو صاع، فعُجن الطعام الذي معه بالماء، ثم جاء رجل مشرك منتفش الشعر طويل، ومعه غنم يسوقها، فقال له عليه الصلاة والسلام: أتبيعنا الغنم أم تعطينا لها عطية، أو قال: هدية؟ قال الرجل: ليست هدية، بل أبيعكم لها، فاشترى عليه الصلاة والسلام منه شاة، فذُبحت، فأمر عليه الصلاة والسلام بالكبد أن يُشْوى، يمين الله ما من أحد في الثلاثين والمائة إلا وقد قطع عليه الصلاة والسلام له قطعة من الكبد، إن كان الرجل موجودًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا حفظها له حتى يحضر، ثم أمر صلى الله عليه وسلم أن يجعل ذلك الطعام في قصعتين، وهي القدر الذي يكفي عشرة أشخاص، فأكل كل الرجال وشبعوا، فبقي بعض الطعام في القصعتين، فحملنا باقي الطعام على بعير، أو كما قال.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • ظهور البركة في الاجتماع على الطعام.
  • جواز القَسَم لتأكيد الخبر، وإن كان المخبر صادقًا.
  • معجزة ظاهرة وآية باهرة للنبي صلى الله عليه وسلم من تكثير القدر اليسير من الصاع، ومن الكبد، ومن اللحم حتى وسع الجمع المذكور وفضل منه.
  • إذا غاب بعض من في القوم خبئ له نصيبه استحبابًا.
  • جواز الاشتراء من الكافر، وإثبات ملكه على ما في يده.
  • ابتياع الأشياء من المجهول الذي لا يعرف جائز، حتى يطلع على ما يلزم التورع عنه، أو يوجب ترك مبايعته، من غصب أو سرقة، أو شبههما.
  • جواز قبول هدية المشرك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سأل الرجل: هل يبيع، أو يهدي؟

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النبي ﷺ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ،

فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا.

٥٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ. وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ؟ - أَوْ قَالَ: هِبَةٌ - قَالَ: لَا بَلْ بَيْعٌ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنْ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ.

٥٣٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ.

[الحديث ٥٣٨٣ - طرفه في: ٥٤٤٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ) ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِيهِ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا.

الثَّاني: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي إِطْعَامِ الْقَوْمِ مِنْ سَوَادِ بَطْنِ الشَّاةِ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ رَجُلٍ، وَفِيهِ: فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.

الثَّالثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ)، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شِبَعَهُمْ لَمْ يَقَعْ قَبْلَ زَمَانِ وَفَاتِهِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ: قُلْتُ: لَكِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحَنَا خَيْبَرَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ شَبِعَ حِينَ شَبِعُوا وَاسْتَمَرَّ شِبَعُهُمْ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَمُرَادُ عَائِشَةَ بِمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الشِّبَعِ هُوَ مِنَ التَّمْرِ خَاصَّةً دُونَ الْمَاءِ، لَكِنْ قَرَنَتْهُ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَمَامَ الشِّبَعِ حَصَلَ بِجَمْعِهِمَا، فَكَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ، لَا أَنَّ الْمَاءَ وَحْدَهُ يُوجَدُ الشِّبَعُ مِنْهُ، وَلِمَا عَبَّرَتْ عَنِ التَّمْرِ بوَصْفٍ

وَاحِدٍ وَهُوَ السَّوَادُ، عَبَّرَتْ عَنِ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الشِّبَعُ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: سَمِعْتُ صَوْتَ النَّبِيِّ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ: كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي صَوْتِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ إِذْ ذَاكَ الْفَخَامَةَ الْمَأْلُوفَةَ مِنْهُ، فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجُوعِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى دَعْوَى ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوعُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَتُعُقِّبَ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالِ: فَكَانَ يَجُوعُ أَحْيَانَا؛ لِيَتَأَسَّى بِهِ أَصْحَابُهُ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يَجِدُ مَدَدًا وَأَدْرَكَهُ أَلَمُ الْجُوعِ صَبَرَ

فَضُوعِفَ لَهُ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ مِنْ أَدَبِ مَنْ يُضِيفُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الضَّيْفِ إِلَى بَابِ الدَّارِ تَكَرُّمَةً لَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الشِّبَعِ، وَأَنَّ تَرْكَهُ أَحْيَانَا أَفْضَلُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَلْمَانَ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ قَالَ الطَّبَرِيُّ: غَيْرَ أَنَّ الشِّبَعِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَفٌ، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِلَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَلَمْ يَشْغَلْهُ ثِقَلُهُ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. اهـ.

وَحَدِيثُ سَلْمَانَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي الْهَيْثَمِ إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاةَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ، وَمَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشِّبَعِ الَّذِي يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ وَيُثَبِّطُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقِيَامِ لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَرِ وَالْأَشَرِّ وَالنَّوْمِ وَالْكَسَلِ، وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَتُهُ إِلَى التَّحْرِيمِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ. وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْمُنِيرِ أَنَّ الشِّبَعَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى شِبَعِهِمُ الْمُعْتَادِ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الثُّلُثَ لِلطَّعَامِ وَالثُّلُثَ لِلشَّرَابِ وَالثُّلُثَ لِلنَّفْسِ، وَيَحْتَاجُ فِي دَعْوَى أَنَّ تِلْكَ عَادَتُهُمْ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا مَلَأَ آدَمِيٌ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ قَبْلَهُ فِي بَابِ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ مِنْ الْإِحْيَاءِ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْ هَذَا. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَثَرَ الْحِكْمَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا خُصَّ الثَّلَاثَةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ سِوَاهَا. وَهَلِ الْمُرَادُ بِالثُّلُثِ التَّسَاوِي عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، أَوِ التَّقْسِيمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُثِ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي بَابِ شُرْبِ اللَّبَنِ لِلْبَرَكَةِ حَدِيثَ أَنَسٍ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشِّبَعُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامُ بَرَكَةٍ. قُلْتُ: وَهُوَ مُحْتَمِلٌ إِلَّا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ الْمُرَادُ بِهِ الشِّبَعُ الْمُعْتَادُ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجُوعِ عَلَى رَأْيَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَهِيَ الْخُبْزَ وَحْدَهُ، فَمَتَى طَلَبَ الْأُدْمَ فَلَيْسَ بِجَائِعٍ. ثَانِيهُمَا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ رِيقُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الذُّبَابُ. وَذَكَرَ أَنَّ مَرَاتِبَ الشِّبَعِ تَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةٍ:

الْأَوَّلُ: مَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ.

الثَّانِي: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَصُومَ وَيُصَلِّيَ عَنْ قِيَامٍ وَهَذَانِ وَاجِبَانِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْوَى عَلَى أَدَاءِ النَّوَافِلِ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ وَهَذَانِ مُسْتَحَبَّانِ.

الْخَامِسُ: أَنْ يَمْلَأَ الثُّلُثَ وَهَذَا جَائِزٌ.

السَّادِسُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ يَثْقُلُ الْبَدَنُ وَيَكْثُرُ النَّوْمُ وَهَذَا مَكْرُوهٌ.

السَّابِعُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَتَضَرَّرَ، وَهِيَ الْبِطْنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فدخلوا (١) (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ) له: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا) زادَ في رواية عبدِ الرَّحمن بن أبي ليلى: «ثمَّ أكلَ النَّبيُّ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا» أي: فضلًا، ولمسلم: «ثمَّ أخذَ ما بقيَ فجمعَهُ ثمَّ دعا فيهِ بالبركةِ فعاد كما كانَ».

والمطابقة ظاهرةٌ، وقد سبق الحديثُ في «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨].

٥٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية بعدها ميم مكسورة فراء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طَرْخان أنَّه (قَالَ: وَحَدَّثَ (٢) أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ، والعطف على محذوفٍ.

قال في «الكواكب»: ظاهرُه أنَّ أباهُ حدَّث عن غيرِ أبي عثمان ثمَّ قال: وحدَّثني أبو عثمان (أَيْضًا) وتعقَّبه في «الفتح» فقال: ليس ذلك المراد، وإنَّما أرادَ (٣) أنَّ أبا عثمان حدَّثه بحديثٍ سابقٍ على هذا، ثمَّ حدَّثه بهذا، فلذلك قال: أيضًا، أي: حدَّث بحديثٍ بعد حديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق () أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٤) ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ) بالرَّفع والضَّمير للصاع (فَعُجِنَ) بضم العين، ذلك الصاع (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ) بضم الميم وسكون الشين

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ،

فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا.

٥٣٨٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ. وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ، فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ؟ - أَوْ قَالَ: هِبَةٌ - قَالَ: لَا بَلْ بَيْعٌ، قَالَ: فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنْ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا، إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ، وَشَبِعْنَا، وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ، فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ. أَوْ كَمَا قَالَ.

٥٣٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ.

[الحديث ٥٣٨٣ - طرفه في: ٥٤٤٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ) ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي تَكْثِيرِ الطَّعَامِ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَفِيهِ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا.

الثَّاني: حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي إِطْعَامِ الْقَوْمِ مِنْ سَوَادِ بَطْنِ الشَّاةِ، وَكَانُوا ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ رَجُلٍ، وَفِيهِ: فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.

الثَّالثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ)، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شِبَعَهُمْ لَمْ يَقَعْ قَبْلَ زَمَانِ وَفَاتِهِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ: قُلْتُ: لَكِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحَنَا خَيْبَرَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ شَبِعَ حِينَ شَبِعُوا وَاسْتَمَرَّ شِبَعُهُمْ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَمُرَادُ عَائِشَةَ بِمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الشِّبَعِ هُوَ مِنَ التَّمْرِ خَاصَّةً دُونَ الْمَاءِ، لَكِنْ قَرَنَتْهُ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَمَامَ الشِّبَعِ حَصَلَ بِجَمْعِهِمَا، فَكَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ، لَا أَنَّ الْمَاءَ وَحْدَهُ يُوجَدُ الشِّبَعُ مِنْهُ، وَلِمَا عَبَّرَتْ عَنِ التَّمْرِ بوَصْفٍ

وَاحِدٍ وَهُوَ السَّوَادُ، عَبَّرَتْ عَنِ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الشِّبَعُ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: سَمِعْتُ صَوْتَ النَّبِيِّ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ: كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي صَوْتِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ إِذْ ذَاكَ الْفَخَامَةَ الْمَأْلُوفَةَ مِنْهُ، فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجُوعِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى دَعْوَى ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوعُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَتُعُقِّبَ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالِ: فَكَانَ يَجُوعُ أَحْيَانَا؛ لِيَتَأَسَّى بِهِ أَصْحَابُهُ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يَجِدُ مَدَدًا وَأَدْرَكَهُ أَلَمُ الْجُوعِ صَبَرَ

فَضُوعِفَ لَهُ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ مِنْ أَدَبِ مَنْ يُضِيفُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الضَّيْفِ إِلَى بَابِ الدَّارِ تَكَرُّمَةً لَهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الشِّبَعِ، وَأَنَّ تَرْكَهُ أَحْيَانَا أَفْضَلُ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَلْمَانَ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ قَالَ الطَّبَرِيُّ: غَيْرَ أَنَّ الشِّبَعِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَفٌ، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِلَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَلَمْ يَشْغَلْهُ ثِقَلُهُ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. اهـ.

وَحَدِيثُ سَلْمَانَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ أَيْضًا، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي الْهَيْثَمِ إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاةَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ، وَمَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشِّبَعِ الَّذِي يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ وَيُثَبِّطُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقِيَامِ لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَرِ وَالْأَشَرِّ وَالنَّوْمِ وَالْكَسَلِ، وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَتُهُ إِلَى التَّحْرِيمِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ. وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْمُنِيرِ أَنَّ الشِّبَعَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى شِبَعِهِمُ الْمُعْتَادِ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَنَّ الثُّلُثَ لِلطَّعَامِ وَالثُّلُثَ لِلشَّرَابِ وَالثُّلُثَ لِلنَّفْسِ، وَيَحْتَاجُ فِي دَعْوَى أَنَّ تِلْكَ عَادَتُهُمْ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا مَلَأَ آدَمِيٌ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ: لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ.

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ قَبْلَهُ فِي بَابِ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ مِنْ الْإِحْيَاءِ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْ هَذَا. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَثَرَ الْحِكْمَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا خُصَّ الثَّلَاثَةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ سِوَاهَا. وَهَلِ الْمُرَادُ بِالثُّلُثِ التَّسَاوِي عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، أَوِ التَّقْسِيمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُثِ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي بَابِ شُرْبِ اللَّبَنِ لِلْبَرَكَةِ حَدِيثَ أَنَسٍ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشِّبَعُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامُ بَرَكَةٍ. قُلْتُ: وَهُوَ مُحْتَمِلٌ إِلَّا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّ الْمُرَادُ بِهِ الشِّبَعُ الْمُعْتَادُ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجُوعِ عَلَى رَأْيَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَهِيَ الْخُبْزَ وَحْدَهُ، فَمَتَى طَلَبَ الْأُدْمَ فَلَيْسَ بِجَائِعٍ. ثَانِيهُمَا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ رِيقُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الذُّبَابُ. وَذَكَرَ أَنَّ مَرَاتِبَ الشِّبَعِ تَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةٍ:

الْأَوَّلُ: مَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ.

الثَّانِي: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَصُومَ وَيُصَلِّيَ عَنْ قِيَامٍ وَهَذَانِ وَاجِبَانِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْوَى عَلَى أَدَاءِ النَّوَافِلِ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ وَهَذَانِ مُسْتَحَبَّانِ.

الْخَامِسُ: أَنْ يَمْلَأَ الثُّلُثَ وَهَذَا جَائِزٌ.

السَّادِسُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ يَثْقُلُ الْبَدَنُ وَيَكْثُرُ النَّوْمُ وَهَذَا مَكْرُوهٌ.

السَّابِعُ: أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَتَضَرَّرَ، وَهِيَ الْبِطْنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فدخلوا (١) (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ) له: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ) فدخلوا (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ القَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا) زادَ في رواية عبدِ الرَّحمن بن أبي ليلى: «ثمَّ أكلَ النَّبيُّ بعد ذلك وأهل البيت وتركوا سؤرًا» أي: فضلًا، ولمسلم: «ثمَّ أخذَ ما بقيَ فجمعَهُ ثمَّ دعا فيهِ بالبركةِ فعاد كما كانَ».

والمطابقة ظاهرةٌ، وقد سبق الحديثُ في «علاماتِ النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٨].

٥٣٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) بن إسماعيل المِنْقَريُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية بعدها ميم مكسورة فراء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طَرْخان أنَّه (قَالَ: وَحَدَّثَ (٢) أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ، والعطف على محذوفٍ.

قال في «الكواكب»: ظاهرُه أنَّ أباهُ حدَّث عن غيرِ أبي عثمان ثمَّ قال: وحدَّثني أبو عثمان (أَيْضًا) وتعقَّبه في «الفتح» فقال: ليس ذلك المراد، وإنَّما أرادَ (٣) أنَّ أبا عثمان حدَّثه بحديثٍ سابقٍ على هذا، ثمَّ حدَّثه بهذا، فلذلك قال: أيضًا، أي: حدَّث بحديثٍ بعد حديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق () أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (٤) ثَلَاثِينَ وَمِئَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ) بالرَّفع والضَّمير للصاع (فَعُجِنَ) بضم العين، ذلك الصاع (ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ) بضم الميم وسكون الشين

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده