«لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٢٢

الحديث رقم ٥٧٢٢ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حرق الحصير ليسد به الدم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٧٢٢ في صحيح البخاري

«لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً، عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللهِ فَرَقَأَ الدَّمُ.»

بَابٌ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ

إسناد حديث البخاري رقم ٥٧٢٢

٥٧٢٢ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٧٢٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ زَوْجُ وَالِدَةِ أَنَسٍ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ هُوَ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ) نُسِبَ الْكَيُّ إِلَيْهِمَا مَعًا لِرِضَاهُمَا بِهِ، ثُمَّ نُسِبَ الْكَيُّ لِأَبِي طَلْحَةَ وَحْدَهُ لِمُبَاشَرَتِهِ له. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ: وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ) هُوَ النَّاجِي بِالنُّونِ وَالْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ فَائِدَةً مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ، أَمَّا الْإِسْنَادُ فَبَيَّنَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ بَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ صُورَةَ أَخْذِ أَيُّوبَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَطْلَقَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ رِوَايَتَهُ بِالْعَنْعَنَةِ. وَأَمَّا الْمَتْنُ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْكَيَّ الْمَذْكُورَ كَانَ بِسَبَبِ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ فِيمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ زِيَادَةٌ أُخْرَى فِي أَوَّلِهِ أَفْرَدَهَا بَعْضُهُمْ، وَهِيَ حَدِيثُ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يُرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ. وَلَيْسَ لِعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ - وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَلَمَةَ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً.

ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: لَمَّا رَأَيْنَاهُ كَانَ لَا يَحْفَظُ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ضَعْفَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يكْتَبُ حَدِيثَهُ. وَوَصَلَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ رَيْحَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادٍ بِطُولِهِ، وَأَخْرَجَهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَذَلِكَ، وَفَرَّقَهُ الْبَزَّارُ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَالْحُمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَقَدْ تُشَدَّدُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ، هِيَ السُّمُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهَا فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَأَمَّا رُقْيَةُ الْأُذُنِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ وَجَعُ الْأُذُنِ، أَيْ: رَخَّصَ فِي رُقْيَةِ الْأُذُنِ إِذَا كَانَ بِهَا وَجَعٌ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْحَصْرِ الْمَاضِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى حَيْثُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ مَنْعَ مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا رُقْيَةَ أَنْفَعُ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيُ الرُّقَى عَنْ غَيْرِهِمَا. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ ضَبَطَهُ الْأُدْرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ. وَأَنَّهُ جَمْعُ أُدْرَةٍ وَهِيَ نَفْخَةُ الْخُصْيَةِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ شَاذٌّ انْتَهَى. وَلَمُ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَلْيُحَرَّرْ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي سِيَاقِ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ بِلَفْظِ: أَنْ يَرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ، وَأَذِنَ بِرُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالنَّفْسِ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: وَالْأُذُنُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تَصْحِيفٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَذِنَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْإِذْنِ، لَكِنْ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرْقِي مِنَ الْأُذْنِ وَالنَّفْسِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بَابُ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ.

٢٧ - بَاب حَرْقِ الْحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ

٥٧٢٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٢٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء مصغَّرًا، البصريُّ، اسمُ أبيهِ كثير، ونسبهُ لجدِّهِ لشُهرته به، قالَ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ) بتشديد التحتية من غير همز (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنَّه (قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبِيِّ» ( البَيْضَةُ) وهي قلنسوة من حديدٍ (وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ) الشَّريفُ (وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) بفتح الراء وتخفيف الموحدة، السِّنُّ الَّتي بين الثَّنيَّتينِ (١) (وَكَانَ عَلِيٌّ) (يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ) أي: يذهبُ ويجيءُ به (فِي المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، التِّرس (وَجَاءَتْ (٢) فَاطِمَةُ) الزَّهراء (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) المقدَّس (٣) (الدَّمَ) ليجمدَ ببرد الماءِ (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ) بفتح الميم (إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا) أي: قطعةً منها (وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللهِ فَرَقَأَ الدَّمُ) بفاء وراء وقاف مفتوحات فهمزة، أي: فانقطعَ لأنَّ الرَّمادَ من شأنهِ القبض لما فيه من التَّجفيفِ.

والحديثُ قد سبقَ في «غزوةِ أُحدٍ»، في «بابِ ما أصابَ النَّبيَّ من الجراحِ يوم أُحدٍ» [خ¦٤٠٧٥].

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) من سُطوعِ حرِّ جهنَّم وفَورانها حقيقة، أُرْسِلَتْ إلى الدُّنيا نذيرًا (١) للجَاحدين وبشيرًا للمُقرِّين؛ لأنَّها كفَّارةٌ لذنوبهم، أو من باب التَّشبيه شبَّه اشتعالَ حرارة الطَّبيعة في كونها مذيبةً للبدن ومُعذِّبة له بنارِ جهنَّم، ففيه تنبيهٌ للنُّفوسِ على شدَّة حرِّ جهنَّم (٢) أعاذنَا الله منها ومن سائر المكارهِ بمنِّه وكرمهِ آمين، والأوَّلُ أولى. قال الطِّيبيُّ: «من» ليست بيانيَّة حتَّى يكون تشبيهًا، كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهي إمَّا ابتدائية، أي: الحمَّى نشأت وحصلتْ من فيحِ جهنَّم، أو تبعيضيَّة، أي: بعضٌ منها. قال: ويدلُّ على هذا التَّأويل ما في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٧] «اشتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالت: ربِّ أكلَ بعضي بعضًا، فأذن (٣) لها بنفسَين: نفسٍ في الشِّتاءِ ونفسٍ في الصَّيفِ»، وكما أنَّ حرارةَ الصَّيفِ أثرٌ من فيحها كذلك الحُمَّى. والحمَّى: حرارةٌ غريبةٌ تشتعلُ في القلبِ، وتنتشرُ منه بتوسُّطِ الرُّوحِ والدَّم في العُروقِ إلى جميعِ البدنِ، وهي قسمان عرضيَّةٌ وهي الحادثةُ عن ورمٍ، أو حركةٍ، أو إصابةِ حرارةِ الشَّمسِ، أو القبضِ (٤) الشَّديدِ ونحوها، ومرضيَّةٌ وهي ثلاثةُ أنواع، وتكونُ عن (٥) مادَّةٍ، ثمَّ منها ما يُسَخِّنُ جميعَ البدنِ، فإن كان مبدأ تعلُّقها بالرُّوح فهي حُمَّى يومٍ لأنَّها تُقْلِعُ (٦) غالبًا في يومٍ ونهايتُها إلى ثلاثٍ، وإن كان تعلُّقها بالأعضاء الأصليَّة فهي حُمَّى دِقٍّ وهي أخطرها، وإن كان تعلُّقها بالأخلاطِ سُمِّيت عفَنِيَّةً (٧) وهي بعددِ (٨) الأخلاطِ الأربعةِ، وتحت هذه الأنواعِ المذكورةِ أصنافٌ كثيرةٌ بسبب الإفراد والتَّركيب.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ زَوْجُ وَالِدَةِ أَنَسٍ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ هُوَ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: (كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ) نُسِبَ الْكَيُّ إِلَيْهِمَا مَعًا لِرِضَاهُمَا بِهِ، ثُمَّ نُسِبَ الْكَيُّ لِأَبِي طَلْحَةَ وَحْدَهُ لِمُبَاشَرَتِهِ له. وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ: وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ) هُوَ النَّاجِي بِالنُّونِ وَالْجِيمِ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ فَائِدَةً مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ، أَمَّا الْإِسْنَادُ فَبَيَّنَ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ بَيَّنَ فِي رِوَايَتِهِ صُورَةَ أَخْذِ أَيُّوبَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَأَنَّهُ كَانَ قَرَأَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَأَطْلَقَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ رِوَايَتَهُ بِالْعَنْعَنَةِ. وَأَمَّا الْمَتْنُ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْكَيَّ الْمَذْكُورَ كَانَ بِسَبَبِ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ فِيمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ زِيَادَةٌ أُخْرَى فِي أَوَّلِهِ أَفْرَدَهَا بَعْضُهُمْ، وَهِيَ حَدِيثُ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنْ يُرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ. وَلَيْسَ لِعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ - وَكُنْيَتُهُ أَبُو سَلَمَةَ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً.

ثَانِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ.

ثَالِثُهَا: أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: لَمَّا رَأَيْنَاهُ كَانَ لَا يَحْفَظُ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ضَعْفَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يكْتَبُ حَدِيثَهُ. وَوَصَلَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَبُو يَعْلَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ رَيْحَانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبَّادٍ بِطُولِهِ، وَأَخْرَجَهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَذَلِكَ، وَفَرَّقَهُ الْبَزَّارُ حَدِيثَيْنِ، وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَالْحُمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَقَدْ تُشَدَّدُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ، هِيَ السُّمُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِهَا فِي بَابِ رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ بَعْدَ أَبْوَابٍ. وَأَمَّا رُقْيَةُ الْأُذُنِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ وَجَعُ الْأُذُنِ، أَيْ: رَخَّصَ فِي رُقْيَةِ الْأُذُنِ إِذَا كَانَ بِهَا وَجَعٌ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْحَصْرِ الْمَاضِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ مَنِ اكْتَوَى حَيْثُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ مَنْعَ مِنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا رُقْيَةَ أَنْفَعُ مِنْ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيُ الرُّقَى عَنْ غَيْرِهِمَا. وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ ضَبَطَهُ الْأُدْرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ. وَأَنَّهُ جَمْعُ أُدْرَةٍ وَهِيَ نَفْخَةُ الْخُصْيَةِ، قَالَ: وَهُوَ غَرِيبٌ شَاذٌّ انْتَهَى. وَلَمُ أَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ، فَلْيُحَرَّرْ.

وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي سِيَاقِ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ بِلَفْظِ: أَنْ يَرْقُوا مِنَ الْحُمَةِ، وَأَذِنَ بِرُقْيَةِ الْعَيْنِ وَالنَّفْسِ فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: وَالْأُذُنُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تَصْحِيفٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَذِنَ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْإِذْنِ، لَكِنْ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرْقِي مِنَ الْأُذْنِ وَالنَّفْسِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ بَابُ رُقْيَةِ الْعَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: رَخَّصَ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ.

٢٧ - بَاب حَرْقِ الْحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ

٥٧٢٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٧٢٢ - وبه قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين وفتح الفاء مصغَّرًا، البصريُّ، اسمُ أبيهِ كثير، ونسبهُ لجدِّهِ لشُهرته به، قالَ: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ) بتشديد التحتية من غير همز (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، سلمة بن دينار (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) رضي الله تعالى عنه، أنَّه (قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبِيِّ» ( البَيْضَةُ) وهي قلنسوة من حديدٍ (وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ) الشَّريفُ (وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ) بفتح الراء وتخفيف الموحدة، السِّنُّ الَّتي بين الثَّنيَّتينِ (١) (وَكَانَ عَلِيٌّ) (يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ) أي: يذهبُ ويجيءُ به (فِي المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون، التِّرس (وَجَاءَتْ (٢) فَاطِمَةُ) الزَّهراء (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) المقدَّس (٣) (الدَّمَ) ليجمدَ ببرد الماءِ (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ) بفتح الميم (إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا) أي: قطعةً منها (وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللهِ فَرَقَأَ الدَّمُ) بفاء وراء وقاف مفتوحات فهمزة، أي: فانقطعَ لأنَّ الرَّمادَ من شأنهِ القبض لما فيه من التَّجفيفِ.

والحديثُ قد سبقَ في «غزوةِ أُحدٍ»، في «بابِ ما أصابَ النَّبيَّ من الجراحِ يوم أُحدٍ» [خ¦٤٠٧٥].

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) من سُطوعِ حرِّ جهنَّم وفَورانها حقيقة، أُرْسِلَتْ إلى الدُّنيا نذيرًا (١) للجَاحدين وبشيرًا للمُقرِّين؛ لأنَّها كفَّارةٌ لذنوبهم، أو من باب التَّشبيه شبَّه اشتعالَ حرارة الطَّبيعة في كونها مذيبةً للبدن ومُعذِّبة له بنارِ جهنَّم، ففيه تنبيهٌ للنُّفوسِ على شدَّة حرِّ جهنَّم (٢) أعاذنَا الله منها ومن سائر المكارهِ بمنِّه وكرمهِ آمين، والأوَّلُ أولى. قال الطِّيبيُّ: «من» ليست بيانيَّة حتَّى يكون تشبيهًا، كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهي إمَّا ابتدائية، أي: الحمَّى نشأت وحصلتْ من فيحِ جهنَّم، أو تبعيضيَّة، أي: بعضٌ منها. قال: ويدلُّ على هذا التَّأويل ما في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٧] «اشتكتِ النَّارُ إلى ربِّها فقالت: ربِّ أكلَ بعضي بعضًا، فأذن (٣) لها بنفسَين: نفسٍ في الشِّتاءِ ونفسٍ في الصَّيفِ»، وكما أنَّ حرارةَ الصَّيفِ أثرٌ من فيحها كذلك الحُمَّى. والحمَّى: حرارةٌ غريبةٌ تشتعلُ في القلبِ، وتنتشرُ منه بتوسُّطِ الرُّوحِ والدَّم في العُروقِ إلى جميعِ البدنِ، وهي قسمان عرضيَّةٌ وهي الحادثةُ عن ورمٍ، أو حركةٍ، أو إصابةِ حرارةِ الشَّمسِ، أو القبضِ (٤) الشَّديدِ ونحوها، ومرضيَّةٌ وهي ثلاثةُ أنواع، وتكونُ عن (٥) مادَّةٍ، ثمَّ منها ما يُسَخِّنُ جميعَ البدنِ، فإن كان مبدأ تعلُّقها بالرُّوح فهي حُمَّى يومٍ لأنَّها تُقْلِعُ (٦) غالبًا في يومٍ ونهايتُها إلى ثلاثٍ، وإن كان تعلُّقها بالأعضاء الأصليَّة فهي حُمَّى دِقٍّ وهي أخطرها، وإن كان تعلُّقها بالأخلاطِ سُمِّيت عفَنِيَّةً (٧) وهي بعددِ (٨) الأخلاطِ الأربعةِ، وتحت هذه الأنواعِ المذكورةِ أصنافٌ كثيرةٌ بسبب الإفراد والتَّركيب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله