«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَرْأَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٥٣

الحديث رقم ٥٧٥٣ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الطيرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٧٥٣ في صحيح البخاري

«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ، وَالدَّابَّةِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٧٥٣

٥٧٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٧٥٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ غَفَلَ عَنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعَدَّةِ لِدَفْعِ الْعَوَارِضِ، فَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الِاكْتِوَاءَ وَلَا الِاسْتِرْقَاءَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأٌ فِيمَا يَعْتَرِيهِمُ إِلَّا الدُّعَاءَ وَالِاعْتِصَامَ بِاللَّهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، فَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ طِبِّ الْأَطِبَّاءِ وَرُقَى الرُّقَاةِ، وَلَا يُحْسِنُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَابِعُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْكِ الرُّقَى وَالْكَيِّ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ فِي دَفْعِ الدَّاءِ وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ، لَا الْقَدْحُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ وُقُوعِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَعَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَكِنْ مَقَامُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ أَعْلَى مِنْ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ، وَإِلَى هَذَا نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذَا مِنْ صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَعَلَائِقِهَا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خَوَاصُّ الْأَوْلِيَاءِ.

وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ فِعْلًا وَأَمْرًا، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْعِرْفَانِ وَدَرَجَاتِ التَّوَكُّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلتَّشْرِيعِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ تَوَكُّلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ كَامِلَ التَّوَكُّلِ يَقِينًا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ شَيْئًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرَ التَّوَكُّلِ، لَكِنْ مَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ وَفَوَّضَ وَأَخْلَصَ فِي ذَلِكَ كَانَ أَرْفَعَ مَقَامًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوَكُّلَ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِطْ قَلْبَهُ خَوْفٌ مِنْ شَيْءٍ البَتَّةَ حَتَّى السَّبُعِ الضَّارِي وَالْعَدُوِّ الْعَادِي، وَلَا مَنْ لَمْ يَسْعَ فِي طَلَبِ رِزْقٍ وَلَا فِي مُدَاوَاةِ أَلَمٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مَاضٍ لَمْ يَقْدَحْ فِي تَوَكُّلِهِ تَعَاطِيهِ الْأَسْبَابَ اتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ ظَاهَرَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَلَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرَ، وَأَقْعَدَ الرُّمَاةَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَأَذِنَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَاجَرَ هُوَ، وَتَعَاطَى أَسْبَابَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَهُوَ كَانَ أَحَقَّ الْخَلْقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ الَّذِي سَأَلَهُ: أَعْقِلُ نَاقَتِي أَوِ أَدَعُهَا؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَدْفَعُ التَّوَكُّلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٣ - بَاب الطِّيَرَةِ

٥٧٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ.

٥٧٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ".

[الحديث ٥٧٥٤ - طرفه في: ٥٧٥٥]

قَوْلُهُ (بَابُ الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشِّينِ، وَهُوَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ مِثْلُ تَحَيَّرَ حِيرَةً. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَجِئْ مِنَ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُ هَاتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ سَمِعَ طِيَبَةً، وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمُ التِّوَلَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الطَّيْرِ، فَإِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِأَمْرٍ فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ يَمْنَةً تَيَمَّنَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ رَآهُ طَارَ يَسْرَةً تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُهَيِّجُ الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُهَا، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السَّانِحَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْبَارِحُ بِمُوَحَّدَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، فَالسَّانِحِ

مَا وَلَّاكَ مَيَامِنَهُ، بِأَنْ يَمُرَّ عَنْ يَسَارِكَ إِلَى يَمِينِكَ، وَالْبَارِحُ بِالْعَكْسِ. وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَارِحِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِفَ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنُوحِ الطَّيْرِ وَبِرُوحِهَا مَا يَقْتَضِي مَا اعْتَقَدُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَكَلُّفٌ بِتَعَاطِي مَا لَا أَصْلَ لَهُ، إِذْ لَا نُطْقَ لِلطَّيْرِ وَلَا تَمْيِيزَ؛ فَيُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ عَلَى مَضْمُونِ مَعْنًى فِيهِ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُ التَّطَيُّرَ وَيَتَمَدَّحُ بِتَرْكِهِ، قَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ:

وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا … أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ

فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَامِنِ … وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ

وَقَالَ آخَرُ:

الزُّجَّرُ وَالطُّيَّرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ … مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ

وَقَالَ آخَرُ: وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تَدْنِي مِنَ الْفَتَى … نَجَاحًا، وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ

وَقَالَ آخَرُ:

لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى … وَلَا زَاجَرَتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ

وَقَالَ آخَرُ:

تَخَيَّرَ طِيَرَةً فِيهَا زِيَادُ … لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ

تَعَلَّمْ إِنَّهُ لَا طِيرَ إِلَّا … عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ

بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ … أَحَايِينَا، وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ

وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَتَطَيَّرُونَ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَصِحُّ مَعَهُمْ غَالِبًا؛ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ، وَبَقِيَتْ مِنْ ذَلِكَ بَقَايَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا طِيَرَةَ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ.

فَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: لَنْ يَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مَنْ تَكَهَّنَ، أَوِ اسْتَقْسَمَ، أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا تَطَيَّرَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا مِنَّا إِلَّا مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شِرْكًا لِاعْتِقَادِهِمُ أَنَّ ذَلِكَ يَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضُرًّا، فَكَأَنَّهُمُ أَشْرَكُوهُ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَقَوْلُهُ: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَسَلَّمَ لِلَّهِ وَلَمْ يَعْبَأْ بِالطِّيَرَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.

قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي سِيَاقِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالتَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَنَفَى أَوَّلًا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ كَمَا نَفَى الْعَدْوَى، ثُمَّ أَثْبَتَ الشُّؤْمَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنْ كَانَتِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ، الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: (لَا طِيَرَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حسابٍ لا تستلزمُ أفضليَّتهم على غيرهم، بل فيمن يُحاسب في الجملةِ من هو أفضل منهم، ومن يتأخَّر عن الدُّخول ممَّن تحقَّقت نجاته وعُرف مقامه من الجنَّة؛ ليشفعَ في غيره من هو أفضل منهم.

(٤٣) (بابُ الطِّيَرَةِ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية، التَّشاؤم بالشَّيء، وأصل ذلك أنَّهم كانوا في الجاهليَّة إذا خرج أحدهم لحاجةٍ، فإن رأى الطَّير طارَ عن يمينه تيمَّن به واستمرَّ، وإن طارَ عن يساره تشاءم به ورجعَ، وربَّما كانوا يهيِّجون الطَّيرَ ليطيرَ (١) فيعتمدون (٢) ذلك، ويصحُّ معهم في الغالب ليُزيِّن الشَّيطان لهم ذلك. وبقيتْ بقايا من ذلك في كثيرٍ من المسلمين فنهى الشَّرع عن ذلك، وفي حديث إسماعيلَ بن أميَّة، عن عبد الرَّزَّاق، عن النَّبيِّ : «ثلاثةٌ لا يَسلم منهنَّ أحدٌ الطِّيرةُ والظَّنُ والحسدُ، فإذا تطَّيرت فلا ترجِعْ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ، وإذا ظننْتَ فلا تحقِّق». وهذا -كما في «الفتح» - مرسلٌ أو معضلٌ، لكنْ له شاهدٌ من حديث أبي هُريرة أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب». وفي حديثِ أبي هريرة بسند لينٍ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «إذا تطَّيرتُم فامضُوا وعلى اللهِ فتوكَّلُوا». وفي حديث ابنِ عمر موقوفًا: «من عرضَ له من هذهِ الطِّيرةِ شيءٌ (٣)، فليقُل: اللَّهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ». رواه البيهقيُّ في «شعبه» (٤).

٥٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ سَالِمٍ)

أي: ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا عَدْوَى) هي هنا مُجاوزة العلَّة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلانًا من علَّةٍ به، وذلك على (١) ما يذهبُ إليه المتطببة في الجُذام والبرص والجُدريِّ والحصبةِ (٢) والبَخر (٣) والرَّمد والأمراضِ الوبائيَّة، والأكثرون على أنَّ المراد نفي ذلك وإبطاله على ما يدلُّ عليه ظاهرِ الحديث (وَلَا طِيَرَةَ) في «القاموس»: والطِّيَرَة والطِّيْرَة (٤) والطُّورةُ: ما يُتَشاءم به من الفألِ الرَّديءِ. انتهى.

ولمّا نفى الطِّيرة بطريق العُموم كما نفى العدوَى أثبت الشُّؤم في ثلاثةٍ فقال: (وَالشُّؤْمُ) بالهمزة الساكنة، ضدُّ اليُمن (فِي ثَلَاثٍ) وعند أبي داود من حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: «وإن كانت الطِّيرة في شيءٍ». وقال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناءِ من الطِّيرةِ، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الأشياء. قال الطِّيبيُّ: يحتملُ أن يكون الاستثناءُ على حقيقتهِ، وتكون (٥) هذه الأشياءُ خارجةً عن حُكم المستَثنى منه، أي: الشُّؤم ليس إلَّا في هذه الأشياء، كما في مسلم «إنَّما الشُّؤم في ثلاثةٍ» (فِي المَرْأَةِ) بأن لا تلدَ، وأن تكون لسنَاء (٦) (وَالدَّارِ) بأن تكون ضيِّقةً سيِّئة الجيران (وَالدَّابَّةِ) بأن لا يُغزى عليها. وقال القاضِي: تعقيبُ قوله: «ولا طيرة»، بهذه الشَّرطيَّة، أي: في رواية: «وإن كانت الطِّيرة» تدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى أنَّ الشُّؤم لو كان له وجودٌ في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها (٧) أقبلُ الأشياء لها، لكن لا وجودَ لها فيها، فلا وجودَ لها أصلًا. انتهى.

قال في «شرح المشكاة»: فعلى هذا فالشُّؤم في الأحاديث المستشهد بها محمولٌ على الكراهيَّة (٨) الَّتي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشَّرع. انتهى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ غَفَلَ عَنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعَدَّةِ لِدَفْعِ الْعَوَارِضِ، فَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الِاكْتِوَاءَ وَلَا الِاسْتِرْقَاءَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَلْجَأٌ فِيمَا يَعْتَرِيهِمُ إِلَّا الدُّعَاءَ وَالِاعْتِصَامَ بِاللَّهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، فَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ طِبِّ الْأَطِبَّاءِ وَرُقَى الرُّقَاةِ، وَلَا يُحْسِنُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَابِعُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْكِ الرُّقَى وَالْكَيِّ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ فِي دَفْعِ الدَّاءِ وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ، لَا الْقَدْحُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ وُقُوعِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَعَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَكِنْ مَقَامُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ أَعْلَى مِنْ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ، وَإِلَى هَذَا نَحَا الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذَا مِنْ صِفَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَعَلَائِقِهَا، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خَوَاصُّ الْأَوْلِيَاءِ.

وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ فِعْلًا وَأَمْرًا، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الْعِرْفَانِ وَدَرَجَاتِ التَّوَكُّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِلتَّشْرِيعِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ تَوَكُّلِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ كَامِلَ التَّوَكُّلِ يَقِينًا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ شَيْئًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرَ التَّوَكُّلِ، لَكِنْ مَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ وَفَوَّضَ وَأَخْلَصَ فِي ذَلِكَ كَانَ أَرْفَعَ مَقَامًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: قِيلَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّوَكُّلَ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِطْ قَلْبَهُ خَوْفٌ مِنْ شَيْءٍ البَتَّةَ حَتَّى السَّبُعِ الضَّارِي وَالْعَدُوِّ الْعَادِي، وَلَا مَنْ لَمْ يَسْعَ فِي طَلَبِ رِزْقٍ وَلَا فِي مُدَاوَاةِ أَلَمٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ مَاضٍ لَمْ يَقْدَحْ فِي تَوَكُّلِهِ تَعَاطِيهِ الْأَسْبَابَ اتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَقَدْ ظَاهَرَ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَلَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرَ، وَأَقْعَدَ الرُّمَاةَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَأَذِنَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ، وَهَاجَرَ هُوَ، وَتَعَاطَى أَسْبَابَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَهُوَ كَانَ أَحَقَّ الْخَلْقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ الَّذِي سَأَلَهُ: أَعْقِلُ نَاقَتِي أَوِ أَدَعُهَا؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَدْفَعُ التَّوَكُّلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٣ - بَاب الطِّيَرَةِ

٥٧٥٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ.

٥٧٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ".

[الحديث ٥٧٥٤ - طرفه في: ٥٧٥٥]

قَوْلُهُ (بَابُ الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشِّينِ، وَهُوَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ مِثْلُ تَحَيَّرَ حِيرَةً. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَجِئْ مِنَ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُ هَاتَيْنِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ سَمِعَ طِيَبَةً، وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمُ التِّوَلَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الطَّيْرِ، فَإِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِأَمْرٍ فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ يَمْنَةً تَيَمَّنَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ رَآهُ طَارَ يَسْرَةً تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُهَيِّجُ الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُهَا، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السَّانِحَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْبَارِحُ بِمُوَحَّدَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، فَالسَّانِحِ

مَا وَلَّاكَ مَيَامِنَهُ، بِأَنْ يَمُرَّ عَنْ يَسَارِكَ إِلَى يَمِينِكَ، وَالْبَارِحُ بِالْعَكْسِ. وَكَانُوا يَتَيَمَّنُونَ بِالسَّانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَارِحِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَمْيُهُ إِلَّا بِأَنْ يَنْحَرِفَ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنُوحِ الطَّيْرِ وَبِرُوحِهَا مَا يَقْتَضِي مَا اعْتَقَدُوهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَكَلُّفٌ بِتَعَاطِي مَا لَا أَصْلَ لَهُ، إِذْ لَا نُطْقَ لِلطَّيْرِ وَلَا تَمْيِيزَ؛ فَيُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ عَلَى مَضْمُونِ مَعْنًى فِيهِ، وَطَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ عُقَلَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُ التَّطَيُّرَ وَيَتَمَدَّحُ بِتَرْكِهِ، قَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ:

وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا … أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمِ

فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَامِنِ … وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمِ

وَقَالَ آخَرُ:

الزُّجَّرُ وَالطُّيَّرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمُ … مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالُ

وَقَالَ آخَرُ: وَمَا عَاجِلَاتُ الطَّيْرِ تَدْنِي مِنَ الْفَتَى … نَجَاحًا، وَلَا عَنْ رَيْثِهِنَّ قُصُورُ

وَقَالَ آخَرُ:

لَعُمْرُكَ مَا تَدْرِي الطَّوَارِقُ بِالْحَصَى … وَلَا زَاجَرَتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعُ

وَقَالَ آخَرُ:

تَخَيَّرَ طِيَرَةً فِيهَا زِيَادُ … لِتُخْبِرَهُ وَمَا فِيهَا خَبِيرُ

تَعَلَّمْ إِنَّهُ لَا طِيرَ إِلَّا … عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ

بَلَى شَيْءٌ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيْءٍ … أَحَايِينَا، وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ

وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَتَطَيَّرُونَ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَصِحُّ مَعَهُمْ غَالِبًا؛ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ ذَلِكَ، وَبَقِيَتْ مِنْ ذَلِكَ بَقَايَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا طِيَرَةَ، وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، وَالظَّنُّ، وَالْحَسَدُ.

فَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ، وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: لَنْ يَنَالَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا مَنْ تَكَهَّنَ، أَوِ اسْتَقْسَمَ، أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ تَطَيُّرًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا تَطَيَّرَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا مِنَّا إِلَّا مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ شِرْكًا لِاعْتِقَادِهِمُ أَنَّ ذَلِكَ يَجْلِبُ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعُ ضُرًّا، فَكَأَنَّهُمُ أَشْرَكُوهُ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَقَوْلُهُ: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فَسَلَّمَ لِلَّهِ وَلَمْ يَعْبَأْ بِالطِّيَرَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَرَضَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الطِّيَرَةِ شَيْءٌ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.

قَوْلُهُ: (لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَالشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي سِيَاقِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالتَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَنَفَى أَوَّلًا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ كَمَا نَفَى الْعَدْوَى، ثُمَّ أَثْبَتَ الشُّؤْمَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَإِنْ كَانَتِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ، الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي: (لَا طِيَرَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حسابٍ لا تستلزمُ أفضليَّتهم على غيرهم، بل فيمن يُحاسب في الجملةِ من هو أفضل منهم، ومن يتأخَّر عن الدُّخول ممَّن تحقَّقت نجاته وعُرف مقامه من الجنَّة؛ ليشفعَ في غيره من هو أفضل منهم.

(٤٣) (بابُ الطِّيَرَةِ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية، التَّشاؤم بالشَّيء، وأصل ذلك أنَّهم كانوا في الجاهليَّة إذا خرج أحدهم لحاجةٍ، فإن رأى الطَّير طارَ عن يمينه تيمَّن به واستمرَّ، وإن طارَ عن يساره تشاءم به ورجعَ، وربَّما كانوا يهيِّجون الطَّيرَ ليطيرَ (١) فيعتمدون (٢) ذلك، ويصحُّ معهم في الغالب ليُزيِّن الشَّيطان لهم ذلك. وبقيتْ بقايا من ذلك في كثيرٍ من المسلمين فنهى الشَّرع عن ذلك، وفي حديث إسماعيلَ بن أميَّة، عن عبد الرَّزَّاق، عن النَّبيِّ : «ثلاثةٌ لا يَسلم منهنَّ أحدٌ الطِّيرةُ والظَّنُ والحسدُ، فإذا تطَّيرت فلا ترجِعْ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ، وإذا ظننْتَ فلا تحقِّق». وهذا -كما في «الفتح» - مرسلٌ أو معضلٌ، لكنْ له شاهدٌ من حديث أبي هُريرة أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب». وفي حديثِ أبي هريرة بسند لينٍ عند ابن عديٍّ مرفوعًا: «إذا تطَّيرتُم فامضُوا وعلى اللهِ فتوكَّلُوا». وفي حديث ابنِ عمر موقوفًا: «من عرضَ له من هذهِ الطِّيرةِ شيءٌ (٣)، فليقُل: اللَّهمَّ لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ». رواه البيهقيُّ في «شعبه» (٤).

٥٧٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) ابن فارسٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ سَالِمٍ)

أي: ابن عُمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا عَدْوَى) هي هنا مُجاوزة العلَّة من صاحبها إلى غيره. يقال: أعدى فلانٌ فلانًا من علَّةٍ به، وذلك على (١) ما يذهبُ إليه المتطببة في الجُذام والبرص والجُدريِّ والحصبةِ (٢) والبَخر (٣) والرَّمد والأمراضِ الوبائيَّة، والأكثرون على أنَّ المراد نفي ذلك وإبطاله على ما يدلُّ عليه ظاهرِ الحديث (وَلَا طِيَرَةَ) في «القاموس»: والطِّيَرَة والطِّيْرَة (٤) والطُّورةُ: ما يُتَشاءم به من الفألِ الرَّديءِ. انتهى.

ولمّا نفى الطِّيرة بطريق العُموم كما نفى العدوَى أثبت الشُّؤم في ثلاثةٍ فقال: (وَالشُّؤْمُ) بالهمزة الساكنة، ضدُّ اليُمن (فِي ثَلَاثٍ) وعند أبي داود من حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: «وإن كانت الطِّيرة في شيءٍ». وقال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناءِ من الطِّيرةِ، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الأشياء. قال الطِّيبيُّ: يحتملُ أن يكون الاستثناءُ على حقيقتهِ، وتكون (٥) هذه الأشياءُ خارجةً عن حُكم المستَثنى منه، أي: الشُّؤم ليس إلَّا في هذه الأشياء، كما في مسلم «إنَّما الشُّؤم في ثلاثةٍ» (فِي المَرْأَةِ) بأن لا تلدَ، وأن تكون لسنَاء (٦) (وَالدَّارِ) بأن تكون ضيِّقةً سيِّئة الجيران (وَالدَّابَّةِ) بأن لا يُغزى عليها. وقال القاضِي: تعقيبُ قوله: «ولا طيرة»، بهذه الشَّرطيَّة، أي: في رواية: «وإن كانت الطِّيرة» تدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى أنَّ الشُّؤم لو كان له وجودٌ في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها (٧) أقبلُ الأشياء لها، لكن لا وجودَ لها فيها، فلا وجودَ لها أصلًا. انتهى.

قال في «شرح المشكاة»: فعلى هذا فالشُّؤم في الأحاديث المستشهد بها محمولٌ على الكراهيَّة (٨) الَّتي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشَّرع. انتهى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل