«مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠١٤

الحديث رقم ٦٠١٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوصاة بالجار.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه…

«مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.»

سند حديث: ٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي…

٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه…

يُخبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ جبريل ما زال يُكرِّر عليه ويأمُرُه بالاعتناء بالجار، الذي هو قريب الدار، مسلمًا أو كافرًا، قريبًا أو غير قريب، بحفظ حقِّه وعدم أذيَّتِه، والإحسان إليه والصبر على أذاه، حتى ظنَّ صلى الله عليه وسلم مِن تعظيم حق الجار وتَكرار جبريل لذلك أنه سينزلُ الوحيُ بإعطائه من مال جاره الذي يَخلُفُه بعد وفاتِه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • عِظَم حق الجار ووجوب مراعاة ذلك.
  • التأكيد على حق الجار بالوصية يقتضي ضرورة إكرامه والتودُّد والإحسان إليه، ودفع الضر عنه، وعيادته عند المرض، وتهنئته عند المسرة، وتعزيته عند المصيبة.
  • كلما كان بابُ الجار أقرب كان حقُّه آكد.
  • كمال الشريعة فيما جاءت به مما فيه صلاح المجتمع من الإحسان إلى الجيران ودفع الضرر عنهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يوصيني بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.

٦٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قال رسول الله : "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِالْجَارِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ لُغَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ، وَكَذَا الْوِصَايَةُ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءٌ وَهُمَا بِمَعْنًى، لَكِنَّ الْأَوَّلَ مِنْ أَوْصَيْتُ وَالثَّانِي مِنْ وَصَّيْتُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ هُنَا بَسْمَلَةٌ وَبَعْدَهَا كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، وَيُؤَيِّدُ مَا عِنْدَنَا أَنَّ أَحَادِيثَ صِلَةِ الرَّحِمِ تَقَدَّمَتْ وَأَحَادِيثَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَهَا وَالْوَصِيَّةُ بِالْجَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ذُكِرَتْ هُنَا، وَتَلَاهَا بَاقِي أَبْوَابِ الْأَدَبِ، وَقَوْلُهُ هُنَا بَعْدَ الْبَابِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَوَّبَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَبَدَأَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَثَنَّى بِذِي الْقُرْبَى وَثَلَّثَ بِالْجَارِ وَرَبَّعَ بِالصَّاحِبِ. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَا أَبِي نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ)، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِحْسَانًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وَثَبَتَ لِلنَّسَفِيِّ الْبَسْمَلَةَ قَبْلَ الْبَابِ وَكَأَنَّهُ لِلِانْتِقَالِ إِلَى نَوْعٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَأَيْتُ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ كِتَابَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ، وَالْجَارُ الْقَرِيبُ مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةَ وَالْجَارُ الْجُنُبِ بِخِلَافِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمُسْلِمُ وَالْجَارُ الْجُنُبُ غَيْرُهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَحَدُ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمَرْأَةُ وَالْجُنُبُ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَمْرَةُ هِيَ أُمُّهُ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ عَمْرَةَ كَثِيرًا وَرُبَّمَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً مِثْلَ هَذَا، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَقْرَانِ.

قَوْلُهُ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)، أَيْ يَأْمُرُ عَنِ اللَّهِ بِتَوْرِيثِ الْجَارِ مِنْ جَارِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا التَّوْرِيثِ فَقِيلَ: يَجْعَلُ لَهُ مُشَارَكَةً فِي الْمَالِ بِفَرْضِ سَهْمٍ يُعْطَاهُ مَعَ الْأَقَارِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَرِثُ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ الثَّانِي اسْتَمَرَّ، وَالْخَبَرُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ التَّوْرِيثَ لَمْ يَقَعْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ مِيرَاثًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمِيرَاثُ عَلَى قِسْمَيْنِ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ، فَالْحِسِّيُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْمَعْنَوِيُّ مِيرَاثُ الْعِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَظَ هُنَا أَيْضًا فَإِنَّ حَقَّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبٌ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَاهَا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِدِ، وَعَكْسُهُ

مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَأَكْثَرُ فَيُرَجِّحُ أَوْ يُسَاوِي، وَقَدْ حَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ مِنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ مُسْلِمٌ لَهُ رَحِمٌ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَالْإِسْلَامِ وَالرَّحِمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْجَارُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الدَّاخِلُ فِي الْجِوَارِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ يَرِثُ وَيُورَثُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَدَرَ قَبْلَ نَسْخِ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَدْ كَانَ ثَابِتًا فَكَيْفَ يَتَرَجَّى وُقُوعُهُ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ فَكَيْفَ يُظَنُّ رُجُوعُهُ بَعْدَ رَفْعِهِ؟ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: حِفْظُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ امْتِثَالُ الْوَصِيَّةِ بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوبِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ كَالْهَدِيَّةِ، وَالسَّلَامِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ لِقَائِهِ، وَتَفَقُّدِ حَالِهِ، وَمُعَاوَنَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَفِّ أَسْبَابِ الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً. وَقَدْ نَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ حَقِّ الْجَارِ وَأَنَّ إِضْرَارَهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ: وَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِ الصَّالِحِ. وَالَّذِي يَشْمَلُ الْجَمِيعَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرُ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَنِ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ مَحَاسِنَهُ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَيَعِظُ الْفَاسِقَ بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ زَلَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ فَيهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرُهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَكُفَّ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْجَارِ فِي بَابِ حَقِّ الْجِوَارِ قَرِيبًا انْتَهَى مُلَخَّصًا.

الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ لَفْظَهُ مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَأَبُو أُمَامَةَ وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَهُ فِي لَفْظٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُوصِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، فَأَفَادَ أَنَّهُ وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ جِبْرِيلَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: خَرَجْتُ أُرِيدُ النَّبِيَّ فَإِذَا بِهِ قَائِمٌ وَرَجُلٌ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، فَجَلَسْتُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَدْرِي هَذَا؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءً. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَفَادَ سَبَبَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ بَيَانَ لَفْظِ وَصِيَّةِ جِبْرِيلَ، إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ بَالَغَ فِي تَأْكِيدِ حَقِّ الْجَارِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ يُرْجَى لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَأَنَّ الظَّنَّ إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْمَظْنُونُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الشَّرِّ.

وَفِيهِ جَوَازُ الطَّمَعِ فِي الْفَضْلِ إِذَا تَوَالَتِ النِّعَمُ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّحَدُّثِ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ) وفي نسخة: «كِتاب» (الوَصَاءَةِ بِالجَارِ) بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة ممدودًا، لغة في الوصيَّة، وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء، وفي نسخة: «كتاب البرِّ والصِّلة» (١) (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (إِلَى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً﴾) تيَّاهًا جهولًا يتكبَّر عن إكرامِ أقاربهِ وأصحابهِ ومماليكهِ، فلا يَلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يفخرُ على عبادِ الله بما أعطاهُ من أنواع نعمه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «إلى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿إِحْسَانًا﴾: «الآية» والمراد من الآية ما فيها من الإحسان بالجار، والجار ذِي القُربى الَّذي قَرُب جواره، والجار الجُنب الَّذي بَعُد جواره، أو الجار الأوَّل (٢) القريب النَّسب، والآخر الأجنبيُّ.

٦٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عمرو بن حزم (عَنْ عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ (٣)) (يُوصِينِي بِالجَارِ) مسلمًا كان أو كافرًا (٤)، عابدًا (٥) أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًّا، غريبًا أو بلديًّا، ضارًّا أو نافعًا، قريبًا أو أجنبيًّا، قريب الدَّار أو بعيدها (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يوصيني بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.

٦٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قال رسول الله : "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَصَاةِ بِالْجَارِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ لُغَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ، وَكَذَا الْوِصَايَةُ بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءٌ وَهُمَا بِمَعْنًى، لَكِنَّ الْأَوَّلَ مِنْ أَوْصَيْتُ وَالثَّانِي مِنْ وَصَّيْتُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ هُنَا بَسْمَلَةٌ وَبَعْدَهَا كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، وَيُؤَيِّدُ مَا عِنْدَنَا أَنَّ أَحَادِيثَ صِلَةِ الرَّحِمِ تَقَدَّمَتْ وَأَحَادِيثَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ قَبْلَهَا وَالْوَصِيَّةُ بِالْجَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ذُكِرَتْ هُنَا، وَتَلَاهَا بَاقِي أَبْوَابِ الْأَدَبِ، وَقَوْلُهُ هُنَا بَعْدَ الْبَابِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَوَّبَ عَلَى تَرْتِيبِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَبَدَأَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَثَنَّى بِذِي الْقُرْبَى وَثَلَّثَ بِالْجَارِ وَرَبَّعَ بِالصَّاحِبِ. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَلَا أَبِي نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ)، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِحْسَانًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ وَلِلنَّسَفِيِّ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وَثَبَتَ لِلنَّسَفِيِّ الْبَسْمَلَةَ قَبْلَ الْبَابِ وَكَأَنَّهُ لِلِانْتِقَالِ إِلَى نَوْعٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَأَيْتُ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا سِرَاجِ الدِّينِ بْنِ الْمُلَقِّنِ كِتَابَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ، وَالْجَارُ الْقَرِيبُ مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةَ وَالْجَارُ الْجُنُبِ بِخِلَافِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمُسْلِمُ وَالْجَارُ الْجُنُبُ غَيْرُهُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ، عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَحَدُ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: الْجَارُ الْقَرِيبُ الْمَرْأَةُ وَالْجُنُبُ الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَمْرَةُ هِيَ أُمُّهُ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، وَقَدْ سَمِعَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ عَمْرَةَ كَثِيرًا وَرُبَّمَا دَخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً مِثْلَ هَذَا، وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَقْرَانِ.

قَوْلُهُ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)، أَيْ يَأْمُرُ عَنِ اللَّهِ بِتَوْرِيثِ الْجَارِ مِنْ جَارِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا التَّوْرِيثِ فَقِيلَ: يَجْعَلُ لَهُ مُشَارَكَةً فِي الْمَالِ بِفَرْضِ سَهْمٍ يُعْطَاهُ مَعَ الْأَقَارِبِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَرِثُ بِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ الثَّانِي اسْتَمَرَّ، وَالْخَبَرُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ التَّوْرِيثَ لَمْ يَقَعْ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ بِلَفْظِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ مِيرَاثًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْمِيرَاثُ عَلَى قِسْمَيْنِ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ، فَالْحِسِّيُّ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْمَعْنَوِيُّ مِيرَاثُ الْعِلْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُلْحَظَ هُنَا أَيْضًا فَإِنَّ حَقَّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبٌ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَاهَا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا ثُمَّ أَكْثَرُهَا وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى الْوَاحِدِ، وَعَكْسُهُ

مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَأَكْثَرُ فَيُرَجِّحُ أَوْ يُسَاوِي، وَقَدْ حَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ مِنْ رَوَى الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ، فَأَمَرَ لَمَّا ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ أَنْ يُهْدَى مِنْهَا لِجَارِهِ الْيَهُودِيِّ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَهُوَ الْمُشْرِكُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ مُسْلِمٌ لَهُ رَحِمٌ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَالْإِسْلَامِ وَالرَّحِمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْجَارُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الدَّاخِلُ فِي الْجِوَارِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ يَرِثُ وَيُورَثُ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَدَرَ قَبْلَ نَسْخِ التَّوْرِيثِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَقَدْ كَانَ ثَابِتًا فَكَيْفَ يَتَرَجَّى وُقُوعُهُ؟ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ فَكَيْفَ يُظَنُّ رُجُوعُهُ بَعْدَ رَفْعِهِ؟ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُجَاوِرُ فِي الدَّارِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: حِفْظُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلُ امْتِثَالُ الْوَصِيَّةِ بِهِ بِإِيصَالِ ضُرُوبِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ كَالْهَدِيَّةِ، وَالسَّلَامِ، وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ لِقَائِهِ، وَتَفَقُّدِ حَالِهِ، وَمُعَاوَنَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَفِّ أَسْبَابِ الْأَذَى عَنْهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً. وَقَدْ نَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهِيَ مُبَالَغَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ حَقِّ الْجَارِ وَأَنَّ إِضْرَارَهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ: وَيَفْتَرِقُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجَارِ الصَّالِحِ وَغَيْرِ الصَّالِحِ. وَالَّذِي يَشْمَلُ الْجَمِيعَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ لَهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ لَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرُ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَنِ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ مَحَاسِنَهُ وَالتَّرْغِيبَ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَيَعِظُ الْفَاسِقَ بِمَا يُنَاسِبُهُ بِالرِّفْقِ أَيْضًا وَيَسْتُرُ عَلَيْهِ زَلَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَنْهَاهُ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ فَيهِ وَإِلَّا فَيَهْجُرُهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَكُفَّ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْجَارِ فِي بَابِ حَقِّ الْجِوَارِ قَرِيبًا انْتَهَى مُلَخَّصًا.

الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ لَفْظَهُ مِثْلَ لَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَأَبُو أُمَامَةَ وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. وَوَقَعَ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَهُ فِي لَفْظٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُوصِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، فَأَفَادَ أَنَّهُ وَقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ جِبْرِيلَ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: خَرَجْتُ أُرِيدُ النَّبِيَّ فَإِذَا بِهِ قَائِمٌ وَرَجُلٌ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ، فَجَلَسْتُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَدْرِي هَذَا؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءً. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَفَادَ سَبَبَ الْحَدِيثِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ بَيَانَ لَفْظِ وَصِيَّةِ جِبْرِيلَ، إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ بَالَغَ فِي تَأْكِيدِ حَقِّ الْجَارِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ يُرْجَى لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَأَنَّ الظَّنَّ إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْمَظْنُونُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي طَرِيقِ الشَّرِّ.

وَفِيهِ جَوَازُ الطَّمَعِ فِي الْفَضْلِ إِذَا تَوَالَتِ النِّعَمُ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّحَدُّثِ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٢٨) (بابُ) وفي نسخة: «كِتاب» (الوَصَاءَةِ بِالجَارِ) بفتح الواو والصاد المهملة المخففة بعدها همزة ممدودًا، لغة في الوصيَّة، وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء، وفي نسخة: «كتاب البرِّ والصِّلة» (١) (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (إِلَى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً﴾) تيَّاهًا جهولًا يتكبَّر عن إكرامِ أقاربهِ وأصحابهِ ومماليكهِ، فلا يَلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يفخرُ على عبادِ الله بما أعطاهُ من أنواع نعمه، وسقط لأبي ذرٍّ قوله: «إلى قولهِ: ﴿مُخْتَالاً فَخُورًا﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿إِحْسَانًا﴾: «الآية» والمراد من الآية ما فيها من الإحسان بالجار، والجار ذِي القُربى الَّذي قَرُب جواره، والجار الجُنب الَّذي بَعُد جواره، أو الجار الأوَّل (٢) القريب النَّسب، والآخر الأجنبيُّ.

٦٠١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابنُ أنسٍ الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابنُ عمرو بن حزم (عَنْ عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ (٣)) (يُوصِينِي بِالجَارِ) مسلمًا كان أو كافرًا (٤)، عابدًا (٥) أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًّا، غريبًا أو بلديًّا، ضارًّا أو نافعًا، قريبًا أو أجنبيًّا، قريب الدَّار أو بعيدها (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.6 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الحمد لله