الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٦٣
الحديث رقم ٦٠٦٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٩⦘
إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا، كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأُخْرِجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَهَلَّا، تَعْنِي تَنَشَّرْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا. قَالَتْ وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.»
٦٠٦٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رجلًا من اليهود من بني زريق يُسمَّى لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَّيل إليه أنه كان يفعل الشيء وهو لم يفعله، فلما كان ذات يوم وهو عندها، لم يكن صلى الله عليه وسلم مشتغلًا بها، بل بالدعاء وتكراره حتى يطلعه الله على حقيقة الأمر، ثم أخبرها صلى الله عليه وسلم أن الله أجابه فيما دعاه، وأنه أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجله، فقال أحدهما للآخر: «ما وجع الرجل؟» أي: النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مطبوب» أي: مسحور، قال: «مَن طبه؟» أي: مَن سحره. قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ أي ما الأشياء التي استعملها في السحر؟ قال: «في مِشْطٍ ومُشَاطة، وجُف طَلْع نخلة ذَكَر» أي: سحره في مشط، وبعض ما كان يخرج من رأسه عند تسريحه، والغشاء الذي يكون عليه طلع النخلة قال: وأين هو؟ قال: «في بئر ذروان» وهي بئر بالمدينة، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه فاستخرجه، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، فأخبرها أن ماء البئر كان أحمر كالذي ينقع فيه الحناء، يعني: أنه تغير لرداءته أو لما خالطه مما أُلقي فيه، ورؤوس نخلها تشبه في كراهتها وقبح منظرها رؤوس الشياطين، قالت عائشة: «قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟» أي: أفلا أخرجت السحر وأشعته بين الناس وعلموا بما حَدَث؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «قد عافاني الله، فكرِهتُ أن أُثَوِّرَ على الناس فيه شرًّا» أي: قد شفاني الله من السحر، وأكره إن أذعته بين الناس أن أفتح عليهم باب شر من تذكير المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك فيؤذون المؤمنين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة، فأمر صلى الله عليه وسلم بالبئر فدُفنت.
وقد أنكر بعض الناس قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم زاعمين أنها تطعن في عصمته -صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يخيَّل إليه أنه يرى جبريل وهو لم يره، وأنه يوحى إليه ولم يوح إليه بشيء، وهذا كله مردود فقد قام الدليل على عصمته -عليه الصلاة والسلام- فيما يبلغه عن الله وعلى عصمته في التبليغ، وما حصل له من ضرر السحر ليس نقصًا فيما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما يجوز عليه من سائر الأمراض والآفات، والسحر الذي حصل له شرحته الروايات الأخرى، وهو أنه كان يخيل إليه أنه أتى أهله وهو لم يفعل ذلك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُجَازَفَةٌ، وَيُؤْمَنُ عَلَى الْمَمْدُوحِ الْإِعْجَابُ وَالْفِتْنَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ.
ثم ذَكَرَ فيه حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَوْصُولًا فِي قِصَّةِ جَرِّ الْإِزَارِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَفِي لَفْظِ: إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَدْحِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ صِدْقًا مَحْضًا وَكَانَ الْمَمْدُوحُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْإِعْجَابُ وَالْكِبْرُ مُدِحَ بِهِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ وَوُصِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ، وَقَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِيِّ: عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.
٥٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ
٦٠٦٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ تعالى أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي؛ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ. قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقَالَ: هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأُخْرِجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلَّا. . . تَعْنِي تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى تَذَكَّرُونَ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: قَالَ شُتَيْرُ بْنُ شَكَلٍ، لِمَسْرُوقٍ: حَدِّثْ يَا أَبَا عَائِشَةَ وَأُصَدِّقُكَ. قَالَ: هَلْ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعَ لِحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أَيْ إِنَّ إِثْمَ الْبَغْيِ وَعُقُوبَةَ الْبَغْيِ عَلَى الْبَاغِي إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ: وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِمَّنْ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّ الْمُطَابِقَ لِلتِّلَاوَةِ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ بَعْدَهُ، وَإِذَا لَمْ تَتَّفِقِ الرِّوَايَاتُ عَلَى شَيْءٍ فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْوَهْمَ مِنَ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ. قَالَ
الرَّاغِبُ: الْبَغْيُ مُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ فِي الشَّيْءِ. فَمِنْهُ مَا يُحْمَدُ وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ، فَالْمَحْمُودُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ إِلَى الْإِحْسَانِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرْضِ بِالتَّطَوُّعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالْمَذْمُومُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ إِلَى الْجَوْرِ وَالْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْمُبَاحِ إِلَى الشُّبْهَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْبَغْيُ عَلَى الْمَذْمُومِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ وَإِذَا أُطْلِقَ الْبَغْيُ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَحْمُودُ يُزَادُ فِيهِ غَالِبًا التَّاءُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبَغْيُ الِاسْتِعْلَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنْهُ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ.
قَوْلُهُ: (وَتَرْكُ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرْجَمَةِ الْبَابِ مَعَ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا نَهَى عَنِ الْبَغْيِ، وَأَعْلَمَ أَنَّ ضَرَرَ الْبَغْيِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبَاغِيِ، وَضَمِنَ النَّصْرَ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ كَانَ حَقُّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ، وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي كَادَهُ بِالسِّحْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ خَشْيَةَ أَنْ يَثُورَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرٌّ؛ فَسَلَكَ مَسْلَكَ الْعَدْلِ فِي أَنْ لَا يَحْصُلَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَاطَ السِّحْرَ مَنْ أَثَرِ الضَّرَرِ النَّاشِئِ عَنِ السِّحْرِ شَرٌّ، وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْإِحْسَانِ فِي تَرْكِ عُقُوبَةِ الْجَانِي كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ، لِجَمْعِهِ - تَعَالَى - بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَالْعَدْلُ وَاجِبُ وَالْإِحْسَانُ مَنْدُوبٌ. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِهِمَا فِي الْآيَةِ؛ فَقِيلَ: الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِحْسَانُ الْفَرَائِضُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِحْسَانُ الْإِخْلَاصُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ خَلْعُ الْأَنْدَادِ، وَالْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْفَرَائِضُ، وَالْإِحْسَانُ النَّافِلَةُ وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْعِبَادَةُ، وَالْإِحْسَانُ الْخُشُوعُ فِيهَا. وَقِيلَ الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ، وَالْإِحْسَانُ اجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ بَذْلُ الْحَقِّ، وَالْإِحْسَانُ تَرْكُ الظُّلْمِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ اسْتِوَاءُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْإِحْسَانُ فَضْلُ الْعَلَانِيَةِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْبَذْلُ، وَالْإِحْسَانُ الْعَفْوُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْإِحْسَانُ فِي الْأَقْوَالِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَقَرَّبِهَا لِكَلَامِهِ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِمَزِيدِ الطَّاعَاتِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِالْإِنْصَافِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعَدْلُ ضَرْبَانِ مُطْلَقٌ يَقْتَضِي الْعَقْلُ حُسْنَهُ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ مَنْسُوخًا وَلَا يُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ بِوَجْهٍ، نَحْوَ أَنْ تُحْسِنَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ وَتَكُفَّ الْأَذَى عَمَّنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْكَ. وَعَدْلٌ يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ وَيُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ مُقَابَلَةً كَالْقِصَاصِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَأَخْذِ مَالِ الْمُرْتَدِّ، وَلِذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا النَّحْوُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمُكَافَأَةِ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَالْإِحْسَانَ مُقَابَلَةُ الْخَيْرِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَالشَّرِّ بِالتَّرْكِ أَوْ بِأَقَلِّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا) هَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَهَلَّا تَعْنِي تَنَشَّرْتَ. وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْرَةِ أَوْ مِنْ نَشْرِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى إِظْهَارِهِ. وَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهَا فَأُخْرِجَ وَبَيْنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
القرابةِ، وهو صلة الرَّحم (﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾) عن الذُّنوب المفرطة في القُبح (﴿وَالْمُنكَرِ﴾) ما تُنكره العقول (﴿وَالْبَغْيِ﴾) طلب التَّطوُّل بالظُّلم والكبر (﴿يَعِظُكُمْ﴾) حال أو مستأنفٌ (﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]) أي (١): تتَّعظون بمواعظِ الله، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]) أي: ظُلمكم يرجعُ عليكم، كقولهِ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقولهِ ﷿ في الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ (٢) (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]) عطفٌ على سابقه، أي: من جَازى بمثل ما فُعل به من الظُّلم ثمَّ ظلمَ بعد ذلك، فحقٌّ على اللهِ أن ينصرَهُ، ولأبي ذرٍّ: «ومن بغي» بالواو بدل ثمَّ، والأولى هي الموافقة للتنزيلِ، فيحتملُ أن تكون الواو سبق قلم من المصنِّف أو ممَّن بعده، وزاد أبو ذرٍّ لفظ: «الآية» (وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ) أي: وباب تهييج الشَّرِّ (عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ).
٦٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ) بفتح الكاف وضمها (كَذَا وَكَذَا) قال العينيُّ: أيَّامًا. وقال في «المصابيح»: فسِّر
هذا في النَّسائيِّ بشهرين، وللإسماعيليِّ ممَّا سبق في «الطِّبِّ»: أربعين ليلة. وعند أحمد: ستَّة أشهرٍ، وفي «موطأ مالك» بإسنادٍ صحيحٍ: سنة. وهو المعتمد، وهذا في حديث السِّحر الَّذي صنعه لَبيد بن الأعصم (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّه يَأْتِي) أي: يباشرُ (أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي) ولا يباشر (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقَالَ) ﷺ: (لِي ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ) ﷿ (أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ) أي: في أمر التَّخييل (اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل -كما عند ابن سعدٍ في روايةٍ منقطعة- (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة على التَّثنية (وَالآخَرُ) هو جبريلُ (عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية، وهو ميكائيلُ (لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟) يريد النَّبيَّ ﷺ، وفي «الطبِّ» «ما وجعُ الرَّجل؟» [خ¦٥٧٦٣] (قَالَ: مَطْبُوبٌ) قال الرَّاوي ممَّا أدرجه: (يَعْنِي مَسْحُورًا قَالَ) ميكائيلُ (١) لجبريل: (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ) وكان ساحرًا منافقًا، وفي مسلم أنَّه كان كافرًا (٢) (قَالَ) أي: ميكائيلُ: (وَفِيمَ) سحرهُ؟ (قَالَ) أي: جبريلُ (فِي جُفِّ طَلْعَةٍ) بضم الجيم وتشديد الفاء، مضافًا لطلعةٍ وتنوينها (ذَكَرٍ) صفة لجفٍّ، وهو وعاءُ الطَّلع (فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ (٣) تَحْتَ رَعُوفَةٍ) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء، وهو حجرٌ يكون (٤) في قعر البئرِ يقعدُ عليه المايحُ -بالتَّحتية (٥) - ليملأ دلوَ الماتح، كذا نقل عن الحافظ أبي ذرٍّ، وقيل غير ذلك كما مرَّ [خ¦٥٧٦٥] (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ) في جماعةٍ من أصحابه (فَقَالَ: هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بهمزة مضمومة فراء مكسورة (كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا) أي: نخلِ البستان الَّتي هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) في قبحِ منظرِها (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) في حُمرة لونهِ، و «نُقاعة» بضم النون بعدها قاف، و «الحِنَّاء» ممدودٌ، أي: أنَّه تغيَّر لرداءتهِ أو لِمَا خالطَهُ ممَّا ألقي فيه (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ) أي: بصورةِ ما في الجُفِّ من المشطِ
والمشاطة (١) وما ربط فيه (٢) (فَأُخْرِجَ) من البئرِ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلَّا -تَعْنِي-) عائشة: (تَنَشَّرْتَ؟) بتشديد الشين المعجمة، والنُّشرة: الرُّقيَّة الَّتي بها يحل عقد الرَّجل عن مباشرةِ امرأتهِ، ولغير أبي ذرٍّ: «يعني» «بالتحتية» بدل: «الفوقية» (٣)، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا اللهُ) بتشديد الميم (فَقَدْ شَفَانِي) منه (وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ) بضم الهمزة بعدها مثلثة (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يروه فيتعلَّموه إن أرادوا السِّحر (قَالَتْ) عائشةُ ﵂: (وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام، معاهدٌ (لِيَهُودَ) (٤) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لليهود» بزيادة لامٍ. ومطابقةُ الآيات المذكورةِ، وترجمة الباب مع الحديث، كما هو ملخَّصٌ من قولِ ابن بطال (٥): إنَّ الله تعالى لمَّا نهى عن البغي، وأَعلم أنَّ ضررَ البغي إنَّما هو راجعٌ إلى الباغِي وضَمِنَ النَّصر لمن بُغِيَ عليه، كان حقُّ من بُغِيَ عليه أن يشكرَ الله على إحسانهِ إليه بأن يعفوَ عمَّن بَغَى عليه، وقد امتثلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك فلم يُعاقب الَّذي كاده بالسِّحر مع قدرتهِ على ذلك. وقال في «الفتح»: ويحتملُ أن تكون المطابقةُ من جهةِ أنَّه ﷺ تركَ استخراجَ السِّحرِ خشيةَ أن يثورَ على النَّاس منه شرٌّ، فسلكَ مسلكَ العدلِ في أن لا يحصلَ لمن لم يتعاطَ السِّحر شيء (٦) من أثرِ الضَّرر النَّاشئ عن السِّحر، وسلكَ مسلكَ الإحسانِ في ترك عقوبةِ الجاني.
والحديثُ سبقَ في «باب السِّحر» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣] والله الموفِّق والمعين.
(٥٧) (بابُ مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من التَّحاسد المذموم» وهو تمنِّي زوال النِّعمة عن المحسود، وتكون للحاسد دونهُ (وَ) عن (التَّدَابُرِ) بضم الموحدة بأن يُدْبِر كلُّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّك لست مِنْهُم) لِأَن فِيهِ مدح أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يعلم مِنْهُ.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين ذكر فِي الْإِزَار وَهُوَ قَوْله: (من جرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) مر فِي أول كتاب اللبَاس. قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله! إِن إزَارِي يسْقط أحد شقيه، يَعْنِي: يسترخي، وَيُشبه جَرّه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّك لست مِنْهُم، أَي: من الَّذين يجرونَ ثِيَابهمْ خُيَلَاء. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول كتاب اللبَاس: إِنَّك لست مِمَّن يصنعه خُيَلَاء، وَهَذَا فِيهِ مدح لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يُعلمهُ مِنْهُ.
وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يجوز الثَّنَاء على النَّاس بِمَا فيهم على وَجه الْإِعْلَام بصفاتهم ليعرف لَهُم سابقتهم وتقدمهم فِي الْفضل فينزلوا مَنَازِلهمْ ويقدموا على من لَا يساويهم ويقتدي بهم فِي الْخَيْر، أَلا ترى كَيفَ شهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للعشرة بِالْجنَّةِ؟ وَقَالَ للصديق، كل النَّاس قَالُوا لي: كذبت، وَقَالَ لي أَبُو بكر: صدقت. وروى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن قلَابَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْحم أمتِي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأقضاهم عَليّ، وَأمين أمتِي أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأعلم أمتِي بالحلال معَاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد رَضِي الله عَنْهُم.
٥٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ} (النَّحْل: ٩٠) وقَوْلِهِ: {إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ} (يُونُس: ٢٣) {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله} .)
أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه الْآيَات إِلَى وجوب ترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَالْإِحْسَان. أَي: إِلَى الْمُسِيء وَترك معاقبته على إساءته وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} الْآيَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سيقت إِلَى: {تذكرُونَ} .
ثمَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَقْوَال: الأول: أَن المُرَاد بِالْعَدْلِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْإِحْسَان أَدَاء الْفَرَائِض، قَالَه ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: الْعدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة. الثَّالِث: الْعدْل اسْتِوَاء السريرة وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان أَن تكون السريرة أفضل من الْعَلَانِيَة، قَالَه ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: الْعدْل خلع الأنداد، وَالْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ. الْخَامِس: الْعدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. السَّادِس: الْعدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التفضل. السَّابِع: الْعدْل امْتِثَال المأمورات، وَالْإِحْسَان اجْتِنَاب المنهيات. الثَّامِن: الْعدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. التَّاسِع: الْعدْل بذل الْحق، وَالْإِحْسَان ترك الظُّلم. الْعَاشِر: الْعدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفو. قَوْله: {وايتاء ذِي الْقُرْبَى} أَي: صلَة الرَّحِم، قَوْله: {وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} يَعْنِي عَن كل فعل وَقَول قَبِيح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزِّنَا وَالْبَغي، قيل: هُوَ الْكبر وَالظُّلم، وَقيل: التَّعَدِّي ومجاوزة الْحَد. قَوْله: {تذكرُونَ} أَصله: تتذكرون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْله: {إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم} قَالَ ابْن عُيَيْنَة: المُرَاد بهَا أَن الْبَغي تعجل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا لصَاحبه، يُقَال: للبغي مصرعة. قَوْله: ثمَّ بغى عَلَيْهِ لينصرنه الله كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. والأصيلي على وفْق التِّلَاوَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَوَقع للباقين: وَمن بغي عَلَيْهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَقع عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ سبق قلم إِمَّا من المُصَنّف وَإِمَّا مِمَّن بعده. قلت: الظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة غير هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، ثمَّ إِن الله عز وَجل ضمن نصْرَة من بغي عَلَيْهِ وَالْأولَى لمن بغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على مَا ضمن من نَصره، ويقابل ذَلِك بِالْعَفو عَمَّن بغي عَلَيْهِ، وَقد كَانَ الانتقام فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ١٢٦) لَكِن الصفح عَنهُ أولى عملا بقوله: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) وَقد أخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه.
وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ
وَترك، مجرور عطفا على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، أَي: وَفِي بَيَان وجوب ترك إثارة الشَّرّ أَي: تهييجه على مُسلم أَو كَافِر، وَحَال الْمُسلم يَقْتَضِي إطفاء الشَّرّ عَن النَّاس أَجْمَعِينَ.
٦٠٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله
عَنْهَا، قالَتْ: مَكُثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأتِي أهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قالَتْ عائِشةُ، قالَتْ عائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذاتَ يَوْمٍ: يَا عائِشَةُ {إنَّ الله أفْتانِي فِي أمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رِجْلَيَّ والآخرُ عِنْدَ رَأسي، فَقَالَ الَّذِي عندَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُوراً. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ. قَالَ: وفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئرِ ذَرْوانَ، فَجاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأُخْرِجَ. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله} فَهَلَاّ تَعْنِي: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمَّا الله فَقَدْ شَفانِي، وأمَّا أَنا فأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلَى الناسِ شَرًّا. قالَتْ: ولَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين الْآيَات الْمَذْكُورَة أَن الله لما نهى عَن الْبَغي وَأعلم أَن ضَرَر الْبَغي يرجع إِلَى الْبَاغِي وَضمن النُّصْرَة لمن بُغي عَلَيْهِ كَانَ حق من بُغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على إحسانه إِلَيْهِ بِأَن يعْفُو عَمَّن بغى عَلَيْهِ. أَلا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَيفَ ابْتُلِيَ بِالسحرِ وَلم يُعَاقب ساحره مَعَ قدرته على ذَلِك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله: (وَترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر) هُوَ من قَوْله: (وَأما أَنا فأكره أَن أثير على النَّاس شرا) .
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب السحر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَنَذْكُر بعض شَيْء.
قَوْله: (فيخيل إِلَيْهِ أَنه يَأْتِي أَهله) أَي: يخيل إِلَيْهِ أَنه يُبَاشر أَهله وَلم يكن ثمَّة مُبَاشرَة. قَوْله: (ذَات يَوْم) أَي: يَوْمًا، وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (فِي أَمر) أَي: فِي أَمر التخيل. قَوْله: (رجلَانِ) هما الْملكَانِ بِصُورَة الرجلَيْن. قَوْله: (رجْلي) مُفْرد أَو مثنى. قَوْله: (مطبوب) فسره بقوله: أَي: (مسحور) وَهَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر. قَوْله: (وَمن طببه؟) أَي: نسحره. قَوْله: (وفيم؟) أَي: فِي أَي شَيْء؟ قَوْله: (فِي جف) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ وعَاء طلع النّخل وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (ومشاقة) بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي مَا يغزل من الْكَتَّان. قَوْله: (راعوفة) بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهِي حجر فِي أَسْفَل الْبِئْر. قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون وَهُوَ بُسْتَان فِيهِ بِئْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (أريتها) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (رُؤُوس الشَّيَاطِين) مثل فِي استقباح الصُّورَة أَي: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الشكل. قَوْله: (نقاعة) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف وتشديدها مَاء ينفع فِيهِ الْحِنَّاء. قَوْله: (فَأخْرج) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخرج من تَحت الرعوفة. قَوْله: (تنشرت) تَفْسِير قَوْله: (فَهَلا) وَهُوَ أَيْضا مدرج فِي الْخَبَر، وتنشرت على وزن تفعلت. قَالَ الْجَوْهَرِي: التنشر من النشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَهِي كالرقية فَإِذا نشر المسموم فَكَأَنَّمَا نشط من عقال، أَي: يذهب عَنهُ سَرِيعا. وَفِي الحَدِيث: (لَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ؟) يَعْنِي سحرًا. ثمَّ نشره {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} أَي: رقاه، وَكَذَا قَالَه الْقَزاز: وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ هلا اغْتَسَلت ورقيت؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَظَاهر الحَدِيث أَن تنشرت أظهرت السحر، توضحه الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته؟) وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن النشرة فَقَالَ: هِيَ من عمل الشَّيْطَان، وَقَالَ الْحسن: النشرة من السحر وَهُوَ ضرب من الرقي والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ شَيْئا من الْجِنّ. وَقَالَ عِيَاض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيأة مَخْصُوصَة بالتجربة لَا يحيلها الْقيَاس الظني، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَازهَا، وَقيل: من قَالَ: إِن تنشرت مَأْخُوذ من النشر أَو من نشر الشَّيْء وَهُوَ إِظْهَاره كَيفَ يجمع بَين قَوْلهَا: فَأخْرج؟ وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته) ؟ . وَأجِيب: بِأَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر، والاستخراج
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُجَازَفَةٌ، وَيُؤْمَنُ عَلَى الْمَمْدُوحِ الْإِعْجَابُ وَالْفِتْنَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعْدٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ بن سلام مِنْ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ.
ثم ذَكَرَ فيه حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَوْصُولًا فِي قِصَّةِ جَرِّ الْإِزَارِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَفِي لَفْظِ: إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَدْحِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ صِدْقًا مَحْضًا وَكَانَ الْمَمْدُوحُ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْإِعْجَابُ وَالْكِبْرُ مُدِحَ بِهِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ وَوُصِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا وُصِفَ بِهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ؛ كَقَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ، وَقَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِيِّ: عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ.
٥٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ
٦٠٦٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ تعالى أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي؛ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ. قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَقَالَ: هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ. فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأُخْرِجَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلَّا. . . تَعْنِي تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى تَذَكَّرُونَ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: قَالَ شُتَيْرُ بْنُ شَكَلٍ، لِمَسْرُوقٍ: حَدِّثْ يَا أَبَا عَائِشَةَ وَأُصَدِّقُكَ. قَالَ: هَلْ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعَ لِحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ. وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أَيْ إِنَّ إِثْمَ الْبَغْيِ وَعُقُوبَةَ الْبَغْيِ عَلَى الْبَاغِي إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَلِلْبَاقِينَ: وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِمَّنْ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّ الْمُطَابِقَ لِلتِّلَاوَةِ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ بَعْدَهُ، وَإِذَا لَمْ تَتَّفِقِ الرِّوَايَاتُ عَلَى شَيْءٍ فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْوَهْمَ مِنَ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ. قَالَ
الرَّاغِبُ: الْبَغْيُ مُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ فِي الشَّيْءِ. فَمِنْهُ مَا يُحْمَدُ وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ، فَالْمَحْمُودُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ إِلَى الْإِحْسَانِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرْضِ بِالتَّطَوُّعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالْمَذْمُومُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ إِلَى الْجَوْرِ وَالْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْمُبَاحِ إِلَى الشُّبْهَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْبَغْيُ عَلَى الْمَذْمُومِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ وَإِذَا أُطْلِقَ الْبَغْيُ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَحْمُودُ يُزَادُ فِيهِ غَالِبًا التَّاءُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ وَقَالَ غَيْرُهُ: الْبَغْيُ الِاسْتِعْلَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنْهُ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ.
قَوْلُهُ: (وَتَرْكُ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرْجَمَةِ الْبَابِ مَعَ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا نَهَى عَنِ الْبَغْيِ، وَأَعْلَمَ أَنَّ ضَرَرَ الْبَغْيِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبَاغِيِ، وَضَمِنَ النَّصْرَ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ كَانَ حَقُّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ، وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي كَادَهُ بِالسِّحْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ خَشْيَةَ أَنْ يَثُورَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرٌّ؛ فَسَلَكَ مَسْلَكَ الْعَدْلِ فِي أَنْ لَا يَحْصُلَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَاطَ السِّحْرَ مَنْ أَثَرِ الضَّرَرِ النَّاشِئِ عَنِ السِّحْرِ شَرٌّ، وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْإِحْسَانِ فِي تَرْكِ عُقُوبَةِ الْجَانِي كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ، لِجَمْعِهِ - تَعَالَى - بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، وَالْعَدْلُ وَاجِبُ وَالْإِحْسَانُ مَنْدُوبٌ. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِهِمَا فِي الْآيَةِ؛ فَقِيلَ: الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِحْسَانُ الْفَرَائِضُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِحْسَانُ الْإِخْلَاصُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ خَلْعُ الْأَنْدَادِ، وَالْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْفَرَائِضُ، وَالْإِحْسَانُ النَّافِلَةُ وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْعِبَادَةُ، وَالْإِحْسَانُ الْخُشُوعُ فِيهَا. وَقِيلَ الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ، وَالْإِحْسَانُ اجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ بَذْلُ الْحَقِّ، وَالْإِحْسَانُ تَرْكُ الظُّلْمِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ اسْتِوَاءُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْإِحْسَانُ فَضْلُ الْعَلَانِيَةِ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ الْبَذْلُ، وَالْإِحْسَانُ الْعَفْوُ. وَقِيلَ: الْعَدْلُ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْإِحْسَانُ فِي الْأَقْوَالِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَقَرَّبِهَا لِكَلَامِهِ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِمَزِيدِ الطَّاعَاتِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِالْإِنْصَافِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْعَدْلُ ضَرْبَانِ مُطْلَقٌ يَقْتَضِي الْعَقْلُ حُسْنَهُ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ مَنْسُوخًا وَلَا يُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ بِوَجْهٍ، نَحْوَ أَنْ تُحْسِنَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ وَتَكُفَّ الْأَذَى عَمَّنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْكَ. وَعَدْلٌ يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ وَيُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ مُقَابَلَةً كَالْقِصَاصِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَأَخْذِ مَالِ الْمُرْتَدِّ، وَلِذَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَهَذَا النَّحْوُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمُكَافَأَةِ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَالْإِحْسَانَ مُقَابَلَةُ الْخَيْرِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَالشَّرِّ بِالتَّرْكِ أَوْ بِأَقَلِّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُورًا) هَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَهَلَّا تَعْنِي تَنَشَّرْتَ. وَمَنْ قَالَ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْرَةِ أَوْ مِنْ نَشْرِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى إِظْهَارِهِ. وَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهَا فَأُخْرِجَ وَبَيْنَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
القرابةِ، وهو صلة الرَّحم (﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾) عن الذُّنوب المفرطة في القُبح (﴿وَالْمُنكَرِ﴾) ما تُنكره العقول (﴿وَالْبَغْيِ﴾) طلب التَّطوُّل بالظُّلم والكبر (﴿يَعِظُكُمْ﴾) حال أو مستأنفٌ (﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]) أي (١): تتَّعظون بمواعظِ الله، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ … » إلى آخره، وقال بعد ﴿وَالإِحْسَانِ﴾: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: ٢٣]) أي: ظُلمكم يرجعُ عليكم، كقولهِ تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] وقولهِ ﷿ في الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ (٢) (﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]) عطفٌ على سابقه، أي: من جَازى بمثل ما فُعل به من الظُّلم ثمَّ ظلمَ بعد ذلك، فحقٌّ على اللهِ أن ينصرَهُ، ولأبي ذرٍّ: «ومن بغي» بالواو بدل ثمَّ، والأولى هي الموافقة للتنزيلِ، فيحتملُ أن تكون الواو سبق قلم من المصنِّف أو ممَّن بعده، وزاد أبو ذرٍّ لفظ: «الآية» (وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ) أي: وباب تهييج الشَّرِّ (عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ).
٦٠٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبدُ الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ) بفتح الكاف وضمها (كَذَا وَكَذَا) قال العينيُّ: أيَّامًا. وقال في «المصابيح»: فسِّر
هذا في النَّسائيِّ بشهرين، وللإسماعيليِّ ممَّا سبق في «الطِّبِّ»: أربعين ليلة. وعند أحمد: ستَّة أشهرٍ، وفي «موطأ مالك» بإسنادٍ صحيحٍ: سنة. وهو المعتمد، وهذا في حديث السِّحر الَّذي صنعه لَبيد بن الأعصم (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّه يَأْتِي) أي: يباشرُ (أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي) ولا يباشر (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقَالَ) ﷺ: (لِي ذَاتَ يَوْمٍ) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ) ﷿ (أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ) أي: في أمر التَّخييل (اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ) هما جبريل وميكائيل -كما عند ابن سعدٍ في روايةٍ منقطعة- (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التَّحتيَّة على التَّثنية (وَالآخَرُ) هو جبريلُ (عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ) بالتَّثنية، وهو ميكائيلُ (لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟) يريد النَّبيَّ ﷺ، وفي «الطبِّ» «ما وجعُ الرَّجل؟» [خ¦٥٧٦٣] (قَالَ: مَطْبُوبٌ) قال الرَّاوي ممَّا أدرجه: (يَعْنِي مَسْحُورًا قَالَ) ميكائيلُ (١) لجبريل: (وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ) وكان ساحرًا منافقًا، وفي مسلم أنَّه كان كافرًا (٢) (قَالَ) أي: ميكائيلُ: (وَفِيمَ) سحرهُ؟ (قَالَ) أي: جبريلُ (فِي جُفِّ طَلْعَةٍ) بضم الجيم وتشديد الفاء، مضافًا لطلعةٍ وتنوينها (ذَكَرٍ) صفة لجفٍّ، وهو وعاءُ الطَّلع (فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ (٣) تَحْتَ رَعُوفَةٍ) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء، وهو حجرٌ يكون (٤) في قعر البئرِ يقعدُ عليه المايحُ -بالتَّحتية (٥) - ليملأ دلوَ الماتح، كذا نقل عن الحافظ أبي ذرٍّ، وقيل غير ذلك كما مرَّ [خ¦٥٧٦٥] (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء (فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ) في جماعةٍ من أصحابه (فَقَالَ: هَذِهِ البِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بهمزة مضمومة فراء مكسورة (كَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا) أي: نخلِ البستان الَّتي هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) في قبحِ منظرِها (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ) في حُمرة لونهِ، و «نُقاعة» بضم النون بعدها قاف، و «الحِنَّاء» ممدودٌ، أي: أنَّه تغيَّر لرداءتهِ أو لِمَا خالطَهُ ممَّا ألقي فيه (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ) أي: بصورةِ ما في الجُفِّ من المشطِ
والمشاطة (١) وما ربط فيه (٢) (فَأُخْرِجَ) من البئرِ (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلَّا -تَعْنِي-) عائشة: (تَنَشَّرْتَ؟) بتشديد الشين المعجمة، والنُّشرة: الرُّقيَّة الَّتي بها يحل عقد الرَّجل عن مباشرةِ امرأتهِ، ولغير أبي ذرٍّ: «يعني» «بالتحتية» بدل: «الفوقية» (٣)، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا اللهُ) بتشديد الميم (فَقَدْ شَفَانِي) منه (وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ) بضم الهمزة بعدها مثلثة (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) باستخراجه من الجفِّ لئلَّا يروه فيتعلَّموه إن أرادوا السِّحر (قَالَتْ) عائشةُ ﵂: (وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام، معاهدٌ (لِيَهُودَ) (٤) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «لليهود» بزيادة لامٍ. ومطابقةُ الآيات المذكورةِ، وترجمة الباب مع الحديث، كما هو ملخَّصٌ من قولِ ابن بطال (٥): إنَّ الله تعالى لمَّا نهى عن البغي، وأَعلم أنَّ ضررَ البغي إنَّما هو راجعٌ إلى الباغِي وضَمِنَ النَّصر لمن بُغِيَ عليه، كان حقُّ من بُغِيَ عليه أن يشكرَ الله على إحسانهِ إليه بأن يعفوَ عمَّن بَغَى عليه، وقد امتثلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك فلم يُعاقب الَّذي كاده بالسِّحر مع قدرتهِ على ذلك. وقال في «الفتح»: ويحتملُ أن تكون المطابقةُ من جهةِ أنَّه ﷺ تركَ استخراجَ السِّحرِ خشيةَ أن يثورَ على النَّاس منه شرٌّ، فسلكَ مسلكَ العدلِ في أن لا يحصلَ لمن لم يتعاطَ السِّحر شيء (٦) من أثرِ الضَّرر النَّاشئ عن السِّحر، وسلكَ مسلكَ الإحسانِ في ترك عقوبةِ الجاني.
والحديثُ سبقَ في «باب السِّحر» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٣] والله الموفِّق والمعين.
(٥٧) (بابُ مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من التَّحاسد المذموم» وهو تمنِّي زوال النِّعمة عن المحسود، وتكون للحاسد دونهُ (وَ) عن (التَّدَابُرِ) بضم الموحدة بأن يُدْبِر كلُّ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنَّك لست مِنْهُم) لِأَن فِيهِ مدح أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يعلم مِنْهُ.
وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله بن عمر يروي عَن أَبِيه: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِين ذكر فِي الْإِزَار وَهُوَ قَوْله: (من جرَّ ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة) مر فِي أول كتاب اللبَاس. قَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله! إِن إزَارِي يسْقط أحد شقيه، يَعْنِي: يسترخي، وَيُشبه جَرّه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّك لست مِنْهُم، أَي: من الَّذين يجرونَ ثِيَابهمْ خُيَلَاء. وَفِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة فِي أول كتاب اللبَاس: إِنَّك لست مِمَّن يصنعه خُيَلَاء، وَهَذَا فِيهِ مدح لأبي بكر رَضِي الله عَنهُ، بِمَا يُعلمهُ مِنْهُ.
وَفِيه من الْفِقْه: أَنه يجوز الثَّنَاء على النَّاس بِمَا فيهم على وَجه الْإِعْلَام بصفاتهم ليعرف لَهُم سابقتهم وتقدمهم فِي الْفضل فينزلوا مَنَازِلهمْ ويقدموا على من لَا يساويهم ويقتدي بهم فِي الْخَيْر، أَلا ترى كَيفَ شهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للعشرة بِالْجنَّةِ؟ وَقَالَ للصديق، كل النَّاس قَالُوا لي: كذبت، وَقَالَ لي أَبُو بكر: صدقت. وروى معمر عَن قَتَادَة عَن ابْن قلَابَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أرْحم أمتِي أَبُو بكر وَأَقْوَاهُمْ فِي دين الله عمر، وأصدقهم حَيَاء عُثْمَان، وأقضاهم عَليّ، وَأمين أمتِي أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَأعلم أمتِي بالحلال معَاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد رَضِي الله عَنْهُم.
٥٦ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ} (النَّحْل: ٩٠) وقَوْلِهِ: {إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ} (يُونُس: ٢٣) {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله} .)
أَشَارَ البُخَارِيّ بإيراد هَذِه الْآيَات إِلَى وجوب ترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر يدل عَلَيْهِ قَوْله: وَالْإِحْسَان. أَي: إِلَى الْمُسِيء وَترك معاقبته على إساءته وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي: {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان} الْآيَة، وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ سيقت إِلَى: {تذكرُونَ} .
ثمَّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَقْوَال: الأول: أَن المُرَاد بِالْعَدْلِ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْإِحْسَان أَدَاء الْفَرَائِض، قَالَه ابْن عَبَّاس. الثَّانِي: الْعدْل الْفَرَائِض، وَالْإِحْسَان النَّافِلَة. الثَّالِث: الْعدْل اسْتِوَاء السريرة وَالْعَلَانِيَة، وَالْإِحْسَان أَن تكون السريرة أفضل من الْعَلَانِيَة، قَالَه ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: الْعدْل خلع الأنداد، وَالْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ. الْخَامِس: الْعدْل الْعِبَادَة، وَالْإِحْسَان الْخُشُوع فِيهَا. السَّادِس: الْعدْل الْإِنْصَاف، وَالْإِحْسَان التفضل. السَّابِع: الْعدْل امْتِثَال المأمورات، وَالْإِحْسَان اجْتِنَاب المنهيات. الثَّامِن: الْعدْل فِي الْأَفْعَال، وَالْإِحْسَان فِي الْأَقْوَال. التَّاسِع: الْعدْل بذل الْحق، وَالْإِحْسَان ترك الظُّلم. الْعَاشِر: الْعدْل الْبَذْل، وَالْإِحْسَان الْعَفو. قَوْله: {وايتاء ذِي الْقُرْبَى} أَي: صلَة الرَّحِم، قَوْله: {وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} يَعْنِي عَن كل فعل وَقَول قَبِيح، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الزِّنَا وَالْبَغي، قيل: هُوَ الْكبر وَالظُّلم، وَقيل: التَّعَدِّي ومجاوزة الْحَد. قَوْله: {تذكرُونَ} أَصله: تتذكرون، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْله: {إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم} قَالَ ابْن عُيَيْنَة: المُرَاد بهَا أَن الْبَغي تعجل عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا لصَاحبه، يُقَال: للبغي مصرعة. قَوْله: ثمَّ بغى عَلَيْهِ لينصرنه الله كَذَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة. والأصيلي على وفْق التِّلَاوَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي، وَوَقع للباقين: وَمن بغي عَلَيْهِ، وَهُوَ خلاف مَا وَقع عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ سبق قلم إِمَّا من المُصَنّف وَإِمَّا مِمَّن بعده. قلت: الظَّاهِر أَنه من النَّاسِخ وَاسْتمرّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة غير هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، ثمَّ إِن الله عز وَجل ضمن نصْرَة من بغي عَلَيْهِ وَالْأولَى لمن بغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على مَا ضمن من نَصره، ويقابل ذَلِك بِالْعَفو عَمَّن بغي عَلَيْهِ، وَقد كَانَ الانتقام فِيهِ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ١٢٦) لَكِن الصفح عَنهُ أولى عملا بقوله: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) وَقد أخْبرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ لَا ينْتَقم لنَفسِهِ وَيَعْفُو عَمَّن ظلمه.
وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ
وَترك، مجرور عطفا على قَوْله: قَول الله تَعَالَى، أَي: وَفِي بَيَان وجوب ترك إثارة الشَّرّ أَي: تهييجه على مُسلم أَو كَافِر، وَحَال الْمُسلم يَقْتَضِي إطفاء الشَّرّ عَن النَّاس أَجْمَعِينَ.
٦٠٦٣ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حَدثنَا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِي الله
عَنْهَا، قالَتْ: مَكُثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَكَذا يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَأتِي أهْلَهُ وَلَا يَأْتِي، قالَتْ عائِشةُ، قالَتْ عائِشَةُ: فَقَالَ لِي ذاتَ يَوْمٍ: يَا عائِشَةُ {إنَّ الله أفْتانِي فِي أمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلانِ فَجَلَسَ أحَدُهُما عِنْدَ رِجْلَيَّ والآخرُ عِنْدَ رَأسي، فَقَالَ الَّذِي عندَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأسِي: مَا بالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، يَعْنِي مَسْحُوراً. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بنُ أعْصَمَ. قَالَ: وفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ ومُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئرِ ذَرْوانَ، فَجاءَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأُخْرِجَ. قالَتْ عائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله} فَهَلَاّ تَعْنِي: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أمَّا الله فَقَدْ شَفانِي، وأمَّا أَنا فأكْرَهُ أنْ أُثِيرَ عَلَى الناسِ شَرًّا. قالَتْ: ولَبِيدُ بنُ أعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين الْآيَات الْمَذْكُورَة أَن الله لما نهى عَن الْبَغي وَأعلم أَن ضَرَر الْبَغي يرجع إِلَى الْبَاغِي وَضمن النُّصْرَة لمن بُغي عَلَيْهِ كَانَ حق من بُغي عَلَيْهِ أَن يشْكر الله على إحسانه إِلَيْهِ بِأَن يعْفُو عَمَّن بغى عَلَيْهِ. أَلا يُرى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَيفَ ابْتُلِيَ بِالسحرِ وَلم يُعَاقب ساحره مَعَ قدرته على ذَلِك، وَأما وَجه الْمُطَابقَة بَينه وَبَين التَّرْجَمَة الْأُخْرَى وَهِي قَوْله: (وَترك إثارة الشَّرّ على مُسلم أَو كَافِر) هُوَ من قَوْله: (وَأما أَنا فأكره أَن أثير على النَّاس شرا) .
والْحميدِي هُوَ عبد الله بن الزبير ابْن عِيسَى مَنْسُوب إِلَى أحد أجداده حميد، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهِشَام بن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا.
والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب السحر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ مستقصًى، وَنَذْكُر بعض شَيْء.
قَوْله: (فيخيل إِلَيْهِ أَنه يَأْتِي أَهله) أَي: يخيل إِلَيْهِ أَنه يُبَاشر أَهله وَلم يكن ثمَّة مُبَاشرَة. قَوْله: (ذَات يَوْم) أَي: يَوْمًا، وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه. قَوْله: (فِي أَمر) أَي: فِي أَمر التخيل. قَوْله: (رجلَانِ) هما الْملكَانِ بِصُورَة الرجلَيْن. قَوْله: (رجْلي) مُفْرد أَو مثنى. قَوْله: (مطبوب) فسره بقوله: أَي: (مسحور) وَهَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر. قَوْله: (وَمن طببه؟) أَي: نسحره. قَوْله: (وفيم؟) أَي: فِي أَي شَيْء؟ قَوْله: (فِي جف) بِضَم الْجِيم وَتَشْديد الْفَاء وَهُوَ وعَاء طلع النّخل وَيُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (ومشاقة) بِضَم الْمِيم وَتَخْفِيف الشين الْمُعْجَمَة وبالقاف، وَهِي مَا يغزل من الْكَتَّان. قَوْله: (راعوفة) بِفَتْح الرَّاء وَضم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَهِي حجر فِي أَسْفَل الْبِئْر. قَوْله: (ذروان) بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالواو وَالنُّون وَهُوَ بُسْتَان فِيهِ بِئْر بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (أريتها) بِضَم الْهمزَة وَكسر الرَّاء وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. قَوْله: (رُؤُوس الشَّيَاطِين) مثل فِي استقباح الصُّورَة أَي: أَنَّهَا وحشية المنظر سمجة الشكل. قَوْله: (نقاعة) بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْقَاف وتشديدها مَاء ينفع فِيهِ الْحِنَّاء. قَوْله: (فَأخْرج) على صِيغَة الْمَجْهُول أَي: أخرج من تَحت الرعوفة. قَوْله: (تنشرت) تَفْسِير قَوْله: (فَهَلا) وَهُوَ أَيْضا مدرج فِي الْخَبَر، وتنشرت على وزن تفعلت. قَالَ الْجَوْهَرِي: التنشر من النشرة بِضَم النُّون وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَهِي كالرقية فَإِذا نشر المسموم فَكَأَنَّمَا نشط من عقال، أَي: يذهب عَنهُ سَرِيعا. وَفِي الحَدِيث: (لَعَلَّ طِبًّا أَصَابَهُ؟) يَعْنِي سحرًا. ثمَّ نشره {قل أعوذ بِرَبّ النَّاس} أَي: رقاه، وَكَذَا قَالَه الْقَزاز: وَقَالَ الدَّاودِيّ: مَعْنَاهُ هلا اغْتَسَلت ورقيت؟ قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَظَاهر الحَدِيث أَن تنشرت أظهرت السحر، توضحه الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته؟) وَرُوِيَ أَنه سُئِلَ عَن النشرة فَقَالَ: هِيَ من عمل الشَّيْطَان، وَقَالَ الْحسن: النشرة من السحر وَهُوَ ضرب من الرقي والعلاج يعالج بِهِ من كَانَ يظنّ أَن بِهِ شَيْئا من الْجِنّ. وَقَالَ عِيَاض: النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيأة مَخْصُوصَة بالتجربة لَا يحيلها الْقيَاس الظني، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَازهَا، وَقيل: من قَالَ: إِن تنشرت مَأْخُوذ من النشر أَو من نشر الشَّيْء وَهُوَ إِظْهَاره كَيفَ يجمع بَين قَوْلهَا: فَأخْرج؟ وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (فَهَلا استخرجته) ؟ . وَأجِيب: بِأَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر، والاستخراج