الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٤٤
الحديث رقم ٦١٤٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَسَارٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَبِّرْ الْكُبْرَ. قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.
٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَه؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ) الْمُرَادُ الْأَكْبَرُ فِي السِّنِّ إِذَا وَقَعَ التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْفَاضِلُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ إِذَا عَارَضَهُ السِّنُّ.
وذكر فيه حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي قِصَّةِ مُحَيِّصَةَ، وَحُوَيِّصَةَ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَسَامَةِ، وَقَوْلُهُ: فَوَدَاهُمْ هُوَ لِلْأَكْثَرِ، وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَبُشَيْرٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَيْضًا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
ثم ذكر حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ الْحَدِيثَ، وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُسْتَوْفًى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْكَبِيرِ حَيْثُ يَقَعُ التَّسَاوِي، أَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّغِيرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْكَبِيرِ فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ تَأَسَّفَ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَدُهُ مَعَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ بِحُضُورِهِ وَحُضُورِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ ذَلِكَ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
٩٠ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ *
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرٍ) هو ابنُ يسارٍ المذكور (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابنُ أبي حَثْمة (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: بُشَيرًا (قَالَ): عن سهلٍ (مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ) لم يقل: ورافع بن خَدِيج.
٦١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لمن عندهُ من أصحابهِ: (أَخْبِرُونِي) وعند الإسماعيليِّ: «أَنْبؤوني» (بِشَجَرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «شجرةً» بإسقاط الجارِّ والنَّصب (مَثَلُهَا) بفتح الميم والمثلثة، كقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِ) في النَّفع العامِّ في جميع الأحوالِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) تُعطي ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أقَّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا) بتيسيرِ خالقهَا وتكوينهِ (وَلَا تَُحَُتُّ) بالبناء للفاعل، والمفعول (١) (وَرَقَُهَا؟) برفع (٢) القاف ونصبها في «اليونينيَّة» والظَّاهر النَّصب (٣) قال ابن عُمر: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّها النَّخلة» (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ) بفتح المثلثة، وهناكَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄، هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ) بسكون الهاء في الفرع كأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالضَّم (وَقَعَ فِي
نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى.
والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ.
وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨].
(٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن
عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله:
فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ
فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله ﷺ والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله ﷺ والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله ﷺ وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(الأولى للشَّيْطَان) أَي: الْحَالة الأولى أَو الْكَلِمَة القسمية، وَقَالَ ابْن بطال: الأولى، يَعْنِي اللُّقْمَة الأولى ترغيم للشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حمله على الْحلف، وباللقمة الأولى وَقع الْحِنْث فِيهَا. وَقَالَ: وَإِنَّمَا حلف لِأَنَّهُ ترغيم للشَّيْطَان، وَأَنه اشْتَدَّ عَلَيْهِ تَأْخِير عشائهم ثمَّ لما لم يَسعهُ مُخَالفَة أضيافه ترك التَّمَادِي فِي الْغَضَب فَأكل مَعَهم استمالة لقُلُوبِهِمْ، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ مُخَالفَة الْيَمين ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ إتْيَان بالأفضل كَمَا ورد فِي الحَدِيث.
٨٨ - (بابُ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: وَالله لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ)
أَي: هَذَا بَاب مَا وَقع فِي الحَدِيث من قَول الضَّيْف ... إِلَى آخِره.
فيهِ حَدِيثُ أبي جُحَيْفَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي جُحَيْفَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي قَالَ فِيهِ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: مَا أَنا بآكل حَتَّى يَأْكُل. وَقد مر عَن قريب فِي: بَاب صنع الطَّعَام والتكلف للضيف، وَلم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا سَاق هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب عقيب الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق.
٨٩ - (بابُ إكْرامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأكْبَرُ بِالْكلامِ والسُّؤَالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إكرام الْكَبِير، لما روى الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا فَلَيْسَ منا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَذكر عبد الرَّزَّاق أَن فِي الحَدِيث من تَعْظِيم جلال الله أَن يوفر ذُو الشيبة فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (وَيبدأ الْأَكْبَر بالْكلَام) لِأَنَّهُ من آدَاب الْإِسْلَام ومحاسن الْأَخْلَاق، وَلَكِن لَيْسَ
هَذَا على الْعُمُوم لِأَنَّهُ إِنَّمَا يبْدَأ الْأَكْبَر بِهِ. فِيمَا إِذا اسْتَوَى فِيهِ علم الصَّغِير وَالْكَبِير، وَإِذا علم الصَّغِير مَا يجهل الْكَبِير فالصغير يقدم حينئذٍ وَلَا يكون هَذَا سوء أدب وَلَا نقص فِي حق الْكَبِير. قَوْله: وَالسُّؤَال، أَي: وَيبدأ الْأَكْبَر أَيْضا بالسؤال وَهَذَا أَيْضا إِذا اسْتَوَى الْكَبِير مَعَ الصَّغِير، وَإِذا كَانَ الصَّغِير أعلم يقدم على الْكَبِير، وَكَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يسْأَل وَهُوَ صبي وَهُنَاكَ مشيخة.
٦١٤٢ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ ابنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأنْصارِ عَنْ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ أنَّهُمَا حَدَّثاهُأنَّ عَبْدَ الله بنَ سَهْلٍ ومُحَيْصَةَ بنَ مَسْعُودٍ أتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقا فِي النَّخل، فَقُتِلَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ابنُ سَهْلٍ وحُوَيْصَةَ ابْنا مَسْعُودٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَكَلَّموا فِي أمْرِ صاحِبِهِمْ، فَبَدَأ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَكَانَ أصْغَرَ القَوْمِ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَبِّر الكُبْرَ. قَالَ يَحْيَّى: لَيْلِيَ الكَلامَ الأكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فِي أمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ أوْ قَالَ: صاحِبَكُمْ بِأيْمانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رسولَ الله {أمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أيمانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رسُولَ الله} قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَداهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فأدْرَكْتُ ناقَةً مِنْ تِلْكَ إلابل فَدَخَلَتْ مِرْبَداً لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كبر الْكبر) وَفِي قَوْله: (ليلِي الْكَلَام الْأَكْبَر) .
وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن يسَار ضد الْيَمين وَرَافِع بن خديج بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال وبالجيم ابْن رَافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حَارِثَة الأوسي الْمَدِينِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة ثَلَاث وَقيل: أَربع وَسبعين، وَكَانَ يَوْم مَاتَ ابْن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة، وَسَهل بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، واسْمه عَامر بن سَاعِدَة بن عَامر أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمَدِينِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدهمَا، وَيُقَال: قبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَقد حفظ عَنهُ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ أَخُو عبد الرَّحْمَن بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْني أخي حويصة ومحيصة ابْني مَسْعُود بن عَامر بن عدي.
وَمضى الحَدِيث فِي آخر الْجِهَاد فِي: بَاب الْمُوَادَعَة والمصالحة مَعَ الْمُشْركين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن بشر بن الْمفضل عَن يحيى عَن بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تفَاوت فِي الطول وَالْقصر، وَاخْتِلَاف بعض الْأَلْفَاظ.
قَوْله: (ابْنا مَسْعُود) بِكَسْر الْهمزَة تَثْنِيَة ابْن. قَوْله: (فِي أَمر صَاحبهمْ) أَي: مقتولهم، وَهُوَ عبد الله. قَوْله: (كبر الْكبر) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جمع الْأَكْبَر أَي: قدم الْأَكْبَر للتكلم، وَإِنَّمَا أَمر أَن يتَكَلَّم الْأَكْبَر فِي السن ليحقق صُورَة الْقَضِيَّة وكيفيتها لَا أَنه يدعيها، إِذا حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ يحيى بن سعيد الرَّاوِي، قَالَ فِي رِوَايَته: (ليلى الْكَلَام الْأَكْبَر) بِالرَّفْع أَي: ليتولى الْأَكْبَر الْكَلَام. قَوْله: (تستحقون قتيلكم) أَي: دِيَة قتيلكم. قَوْله: (أَو قَالَ: صَاحبكُم) شكّ من الرَّاوِي، وَأَرَادَ بالصاحب الْمَقْتُول. قَوْله: (بأيمان خمسين مِنْكُم) بِإِضَافَة أَيْمَان إِلَى خمسين أَي: بأيمان خمسين رجلا مِنْكُم، ويروى: بأيمان، بِالتَّنْوِينِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَي: خمسين يَمِينا صادرة مِنْكُم، وبالرواية الأولى. احتجت الْحَنَفِيَّة حَيْثُ اعتبروا الْعدَد فِي الرِّجَال. قَوْله: (أَمر لم نره) أَي: لم نشاهده، وَكَيف تحلف عَلَيْهِ؟ قَوْله: فتبرئكم أَي فتخلصكم من الْيَمين. وَاعْلَم أَن حكم الْقسَامَة مُخَالف لسَائِر الدَّعَاوَى من جِهَة أَن الْيَمين على الْمُدَّعِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَارِث هُوَ الْأَخ وَهُوَ الْمُدَّعِي لَا أَبنَاء الْعم، فَلم عرض الْيَمين عَلَيْهِم، وَأجَاب بِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن الْيَمين يخْتَص بالوارث فَأطلق الْخطاب لَهُم، وَأَرَادَ من يخْتَص بِهِ وَمن جِهَة أَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينا وَذَلِكَ لتعظيم أَمر الدِّمَاء، وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم، بالمدعين فَلَمَّا تكلمُوا رد على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَلما لم يرْضوا بأيمانهم من جِهَة أَنهم كفار لَا يبالون بذلك عقله من عِنْده لِأَنَّهُ عَاقِلَة الْمُسلمين، وَإِنَّمَا عقله قطعا للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلَاّ فاستحقاقهم لم يثبت. قَوْله: (فوداهم) أَي: أعْطى لَهُم دِيَته من قبله بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من عِنْده، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ من خَالص مَاله أَو من بَيت المَال.
قَوْله: (مربداً لَهُم) المربد بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: الْموضع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ الْإِبِل. قَوْله: (فركضتني) أَي: رفستني وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام ضبط الحَدِيث وَحفظه حفظا بليغاً.
وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام مُرَاعَاة الْمصَالح الْعَامَّة، والاهتمام بإصلاح ذَات الْبَين، وَإِثْبَات الْقسَامَة، وَجَوَاز الْيَمين بِالظَّنِّ وَصِحَّة يَمِين الْكَافِر.
قَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَعَ رافِعِ بن خَدِيجٍ.
أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: حَدثنِي يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْمَذْكُور عَن قريب، عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث اللَّيْث بِهِ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: حَدثنَا يحيى عنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.
٦١٤٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثلُها مَثْلُ المُسْلِمِ تُؤْتِي أكْلُهَا كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها، وَلَا تحُتُّ وَرَقَها؟ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَة، فَكَرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فلمَّا لَمْ يَتَكَلَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أبي قُلْتُ: يَا أبتاهْ، وَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَةُ. قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَقُولَها؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا. قَالَ: مَا مَنَعَني إلَاّ أنِّي لَمْ أركَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلّمتُما، فَكَرِهْتُ.
أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب مَا لَا يستحي من الْحق، وَمضى أَيْضا فِي الْعلم، وإيراد هَذَا هُنَا لأجل أَن فِيهِ توقير الأكابر.
قَوْله: (وَلَا تَحت وَرقهَا) ، أَي: لَا تسْقط. قَوْله: (فَكرِهت) ، أَي: التَّكَلُّم مَعَ وجود الأكابر.
٩٠ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ والرَّجَزِ والحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أَن ينشد من الشّعْر وَهُوَ كَلَام مَوْزُون مقفى بِالْقَصْدِ، وَالرجز بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالزاي وَهُوَ نوع من الشّعْر عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: لَيْسَ بِشعر لِأَنَّهُ يُقَال: راجز وَلَا يُقَال: شَاعِر، وَسمي بِهِ لتقارب أَجْزَائِهِ وَقلة حُرُوفه، والحداء بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ يمد وَيقصر، وَحكى الْأَزْهَرِي وَغَيره كسر الْحَاء أَيْضا، وَهُوَ مصدر يُقَال: حدوت الْإِبِل حداء وإحداء، مثل دَعَوْت دُعَاء، وَيُقَال للشمال حد وَلِأَنَّهُ يَحْدُو السَّحَاب، وَهُوَ سوق الْإِبِل والغناء لَهَا، وغالباً يكون بالرجز، وَقد يكون بِغَيْرِهِ من الشّعْر، وَأول من حدا الْإِبِل عبدٌ لمضر بن نزار بن معد بن عدنان، كَانَ فِي إبل لمضر فقصر فَضَربهُ مُضر على يَده فأوجعه، فَقَالَ: يَا يدياه، وَكَانَ حسن الصَّوْت فأسرعت الْإِبِل لما سمعته فِي السّير فَكَانَ ذَلِك مبدأ الحداء، أخرجه ابْن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن طَاوُوس مُرْسلا، وَأوردهُ الْبَزَّار مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ، أَي: وَفِي بَيَان مَا يكره إنشاده من الشّعْر، وَهُوَ قسيم قَوْله: مَا يجوز.
وقَوْلِهِ تعالَى: وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُو اْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشُّعَرَاء: ٢٢٤ ٢٢٧) [/ ح.
سيقت هَذِه الْآيَات الْأَرْبَعَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بَين قَوْله: {يهيمون} وَبَين قَوْله: {وَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} لفظ: وَقَوله وَهُوَ حَشْو بِلَا فَائِدَة وَذكر هَذِه الْآيَات مُنَاسِب لقَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ لِأَنَّهَا فِي ذمّ الشُّعَرَاء الَّذين يَهْجُونَ النَّاس ويلحقهم الشُّعَرَاء الَّذين يمدحون النَّاس بِمَا لَيْسَ فيهم ويبالغون حَتَّى إِن بَعضهم يخرج عَن حد الْإِسْلَام، ويأتون فِي أشعارهم من الخرافات والأباطيل. قَوْله تَعَالَى: {وَالشعرَاء} جمع شَاعِر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَقَوله: {يتبعهُم الْغَاوُونَ} خَبره. وقرىء: وَالشعرَاء، بِالنّصب على إِضْمَار فعل يفسره الظَّاهِر، وَقَالَ أهل التَّأْوِيل، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَغَيره: إِنَّهُم شعراء الْمُشْركين يتبعهُم غواة النَّاس ومردة الشَّيَاطِين وعصاة الْجِنّ ويروون شعرهم، لِأَنَّهُ الغاوي لَا يتبع إلَاّ غاوياً مثله، وَعَن الضَّحَّاك: تهَاجر رجلَانِ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَحدهمَا من الْأَنْصَار وَالْآخر من قوم آخَرين، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا غواة من قومه وهما السُّفَهَاء، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ السُّهيْلي: نزلت الْآيَة فِي الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا وَردت بالإبهام ليدْخل مَعَهم من اقْتدى بهم، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَرَادَ بهؤلاء شعراء الْكفَّار: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة ابْن أبي وهب، ومسافع بن عبد منَاف، وَعَمْرو بن عبد الله، وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت، كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيتبعهم النَّاس. قَوْله: {ألم تَرَ أَنهم} مَعْنَاهُ: إِنَّك رَأَيْت آثَار فعل الله فيهم: {أَنهم فِي كل وادٍ} من أَوديَة الْكَلَام، وَقيل: يَأْخُذُونَ فِي كل فن من لَغْو وَكذب فيمدحون بباطل ويذمون بباطل، يهيمون حائرين، وَعَن طَرِيق الْخَيْر والرشد وَالْحق جائرين. وَقَالَ الْكسَائي: الهائم الذَّاهِب على وَجهه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهائم الْمُخَالف للقصد. قَوْله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} أَي: يَقُولُونَ: فعلنَا، وَلم يَفْعَلُوا. قَوْله: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} اسْتثْنى بِهِ الشُّعَرَاء الْمُؤمنِينَ الصَّالِحين الَّذين لَا يتلفظون فِيهَا بذنب، وَقَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} جَاءَ عبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يَبْكُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أنزل الله هَذِه الْآيَة وَهُوَ يعلم أَنا شعراء، فَقَالَ: اقرأوا مَا بعْدهَا: {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} يَعْنِي: ابْن رَوَاحَة وحساناً. قَوْله: {وَذكروا الله كثيرا} أَي: فِي شعرهم، وَقيل: فِي خلال كَلَامهم، وَقيل: لم يشغلهم الشّعْر عَن ذكر الله تَعَالَى. قَوْله: {وانتصروا من بعده مَا ظلمُوا} أَي: من الْمُشْركين لأَنهم بدأوا بالهجاء، وكذبوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأخرجوا الْمُسلمين من مَكَّة. وَقَوله: {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا} أَي: أشركوا وهجوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُؤمنِينَ. قَوْله: {أَي مُنْقَلب ينقبلون} أَي: مرجع يرجعُونَ إِلَيْهِ بعد مماتهم، يَعْنِي: يَنْقَلِبُون إِلَى جَهَنَّم يخلدُونَ فِيهَا، وَالْفرق بَين المنقلب والمرجع أَن المنقلب الِانْتِقَال إِلَى ضد مَا هُوَ فِيهِ، والمرجع الْعود من حَال إِلَى حَال، فَكل مرجع مُنْقَلب وَلَيْسَ كل مُنْقَلب مرجعاً.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: {فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ
يَعْنِي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {فِي كل وَاد يهيمون} فِي كل لَغْو يَخُوضُونَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فِي كل وَاد} قَالَ: فِي كل لَغْو، وَفِي قَوْله: {يهيمون} قَالَ: يَخُوضُونَ.
١٦٨ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن مَرْوَان بن الحكم أخبرهُ أَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن عبد يَغُوث أخبرهُ أَن أبي بن كَعْب أخبرهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الشّعْر فِيهِ حِكْمَة فالحكمة إِذا كَانَت فِي شعر من الْأَشْعَار يجوز إنشاد هَذَا الشَّاعِر وَيَجِيء الْآن أَن المُرَاد بالحكمة هُوَ القَوْل الصَّادِق المطابق للْوَاقِع وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَرْبَعَة من التَّابِعين قريشيون مدنيون على نسق وَاحِد وهم من الزُّهْرِيّ إِلَى أبي بن كَعْب
ولمروان وَعبد الرَّحْمَن مزية إِدْرَاك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكنهما من حَيْثُ الرِّوَايَة معدودان من التَّابِعين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الْمُبَارك عَن يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ بِهِ قَوْله حِكْمَة قد مر تَفْسِيرهَا الْآن وَقيل أصل الْحِكْمَة الْمَنْع وَالْمعْنَى أَن من الشّعْر كلَاما نَافِعًا يمْنَع من السَّفه فَقَالَ ابْن التِّين مَفْهُومه أَن بعض الشّعْر لَيْسَ كَذَلِك لِأَن من تبعيضيه وَقَالَ ابْن بطال مَا كَانَ فِي الشّعْر وَالرجز ذكر الله تَعَالَى وتعظيمه ووحدانيته وإيثار طَاعَته والاستسلام لَهُ فَهُوَ حسن يرغب فِيهِ وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ حِكْمَة وَمَا كَانَ كذبا وفحشا فَهُوَ المذموم وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث رد على كَثْرَة الشّعْر مُطلقًا وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن كبار التَّابِعين أَنهم قَالُوا الشّعْر وأنشدوه واستنشدوه وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتذاكرون الشّعْر وَحَدِيث الْجَاهِلِيَّة عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا ينهاهم وَرُبمَا تَبَسم
٦١٤٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا سُفْيان عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت جُنْدَباً يَقُولُ: بَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَمْشِي إذْ أصابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَميَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ إلَاّ إصْبَعٌ دَميتِ. وَفِي سَبِيلِ الله مَا لقِيتِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة.
قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمشي) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: كَانَ فِي بعض الْمشَاهد، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الْأسود: خرج إِلَى الصَّلَاة أخرجه الطَّيَالِسِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غَار. قَوْله: (فعثر) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة أَي: سقط، يُقَال: عثر عثاراً من بَاب طلب. قَوْله: (فدميت إصبعه) بِفَتْح الدَّال وَكسر الْمِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: أما التَّاء فَفِي الرجز مَكْسُورَة، وَفِي الحَدِيث سَاكِنة، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن غَيره قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تعمد إسكانهما ليخرج الْقسمَيْنِ عَن الشّعْر، وَاخْتلف هَل قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متمثلاً؟ أَو قَالَه من قبل نَفسه لإنشائه فَخرج مَوْزُونا؟ وَإِلَى الأول مَال الطَّبَرِيّ وَغَيره وَبِه جزم ابْن التِّين، وَقَالَ: إنَّهُمَا من شعر عبد الله بن رَوَاحَة، وَاخْتلف أَيْضا فِي جَوَاز تمثل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالشعر وإنشاده حاكياً عَن غَيره، فَالصَّحِيح جَوَازه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصحي فِي ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَمَثَّل أَحْيَانًا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ:
(هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع)
إِلَى آخِره.
وَقَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر:
أَلا كل شَيْء مِمَّا خلا الله بَاطِل
على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَمَثَّل من الْعشْر:
(ويأتيك بالأخبار من لم تزَود)
فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة يستعيذ من الشَّيْطَان: من همزَة ونفخه ونفثه وَفَسرهُ عَمْرو بن مرّة رَاوِيه قَالَ: نفثه الشّعْر ونفخة الْكبر وهمزه الموته، أَي: الْجُنُون، وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لما نزل إِبْلِيس إِلَى الأَرْض قَالَ: يَا رب! إجعل لي قُرْآنًا قَالَ: الشّعْر وَرُوِيَ ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل المغافري، قَالَ: سَمِعت عبد الله ابْن عمر، يَقُول: من قَالَ ثَلَاثَة أَبْيَات من الشّعْر من تِلْقَاء نَفسه لم يدْخل الفردوس، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الشّعْر مَزَامِير الشَّيْطَان. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذِه أَخْبَار واهية) .
٦١٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا ابنُ مَهْدِيّ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ حَدثنَا أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَة لَبِيدٍ) .
ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ
وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ تلفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالشعر وَشَيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن أبي نعيم.
قَوْله: (كلمة لبيد) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن ربيعَة بِفَتْح الرَّاء العامري الصَّحَابِيّ، عَاشَ مائَة وَأَرْبع وَخمسين سنة، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. وَقَوله هَذَا من قصيدة من بَحر الطَّوِيل ذَكرنَاهَا بوجوهها فِي (شرح الشواهد الْأَكْبَر والأصغر) وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَاسم أبي الصَّلْت ربيعَة بن وهب بن علاج بن أبي سَلمَة من ثَقِيف، قَالَه الزبير بن بكار، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر: إسم أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف بن عقدَة أَبُو عُثْمَان، شَاعِر جاهلي، وَقيل: إِنَّه كَانَ صَالحا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ تنبأ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي أول زَمَانه، وَأَنه كَانَ فِي أول أمره على الْإِيمَان ثمَّ زاغ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الله بقوله: {واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) الْآيَة. قلت: الْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي بلعم بن باعوراء وَفِي الْمرْآة، وَكَانَ شعر أُميَّة ينشد بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُعْجِبهُ. وَقَالَ هِشَام: كَانَ أُميَّة قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِالشَّام فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجره، فَلَمَّا نزل ببدر قيل لَهُ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان؟ فَقَالَ: إِلَى الطَّائِف آخذ مَالِي وأعود إِلَى الْمَدِينَة اتبع مُحَمَّدًا، فَقيل لَهُ: هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب؟ قَالَ: لَا. قيل: فِيهِ شيبَة وَعتبَة ابْنا خَالك، وَفِيه فلَان وَفُلَان ابْنا عمك، وعدو لَهُ أَقَاربه فجذع أنف نَاقَته وهلب ذنبها وشق ثِيَابه وَبكى، فَذهب إِلَى الطَّائِف وَمَات بهَا، وَذكر فِي (الْمرْآة) وَفَاته فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة.
٦١٤٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بن أبي عُبَيْدٍ عَنْ سَلمَةَ ابنِ الأكوَعِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعامِرِ بنِ الأكْوَعِ: أَلا تُسْمِعُنا مِنْ هُنَيْهاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عامِرٌ رجلا شَاعِرًا، فَنزل يَحْدُو بالقَوْمِ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنا ... وَلَا تَصَدَّقْنا وَلَا صَلَّيْنا)
(فاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَا فَيْنا)
(وألْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ... إِنَّا إذَا صِيحَ بِنا أتَيْنا)
وبالصِّياحِ عَوَّلوا عَلَيْنا
فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ هاذَا السّائِقُ؟ قالُوا: عامِرُ بنُ الأكْوَعِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله. فَقَالَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ الله، لَوْلا أمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهُمْ حَتَّى أصابَتْنَا مَخْمَصَة شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ الله فَتَحَها عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَة، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هاذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. عَلَى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُر إنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهْرِقُوها واكْسِرُوها. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أوْ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قَالَ: أوْ ذَاكَ، فَلَمَّا تَصافَّ القَوْمُ كانَ سَيْفُ عامِر فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُ بابُ سَيْفِهِ، فأصابَ رُكْبَة عامِرٍ فَماتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سلَمةُ: رَآنِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شاحباً فَقَالَ لي: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: فِدًى لكَ أبي وأُمِّي، زَعَمُوا أنَّ عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: مَنْ قالَهُ؟ قُلْتُ: قالَهُ فُلَانٌ وفُلانٌ وفُلَانٌ وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ الأنْصارِيُّ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِي نَشأ بِها مِثْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لاشْتِمَاله على الشّعْر والرجوز والحداء. وحاتم بن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنين تفَاوت بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان.
قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُنَاكَ: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أَلَا تسمعنا؟) من الإسماع. قَوْله: (من هنيهاتك) جمع هنيهة، ويروى: هنياتك، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد النُّون. قَالَ الْكرْمَانِي: جمع الهنية مصغر الهنة إِذا صلها: هنو، وَهِي الشَّيْء الصَّغِير المُرَاد بهما الأراجيز. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هن على وزن: أَخ، كلمة كِنَايَة وَمَعْنَاهُ: شَيْء، وَأَصله هنو. وَتقول للْمَرْأَة: هنة، وتصغيرها. هنيَّة، تردها إِلَى الأَصْل وَتَأْتِي بِالْهَاءِ، وَقد تبدل من الْيَاء الثَّانِيَة هَاء، فَنَقُول: هنيهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث ابْن الْأَكْوَع وَلَا تسمعنا من هناتك، أَي: من كلماتك أَو من أراجيزك، وَفِي رِوَايَة: من هنياتك على التصغير، وَفِي أُخْرَى: من هنيهاتك، على قلب الْيَاء هَاء. قَوْله: (شَاعِرًا) ويروى: حداء. قَوْله: (يَحْدُو) أَي: يَسُوق. قَوْله: (اللَّهُمَّ) هَكَذَا الرِّوَايَة، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَوْزُون: لَا هم، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَيْسَ بِشعر وَلَا رجز لِأَنَّهُ لَيْسَ بموزون، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ رجز مَوْزُون، وَإِنَّمَا زيد فِي أَوله سَبَب خَفِيف وَيُسمى الخزم بالمعجمتين. قَوْله: (فدَاء لَك) بِكَسْر الْفَاء وبالمد والتنوين أَي: لِرَسُولِك، وَقَالَ الْمَازرِيّ: لَا يُقَال لله تَعَالَى: فدَاء لَك، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله للشَّخْص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ، فَهُوَ إِمَّا مجَاز عَن الرِّضَا كَأَن قَالَ: نَفسِي مبذولة لرضاك، أَو هَذِه الْكَلِمَة وَقعت فِي الْبَين خطابا لسامع الْكَلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: فدى، مَمْدُود ومقصور ومرفوع ومنصوب، وَقَالَ ابْن بطال: فدى لَك، أَي: من عنْدك فَلَا تعاقبني، وَاللَّام للتبيين نَحْو لَام: هيت لَك. قَوْله: (مَا اقتفينا) أَي: اتَّبعنَا أمره ومادته قَاف وَفَاء، وَفِي الْمَغَازِي: مَا أبقينا من الْإِبْقَاء ومادته بَاء وقاف أَي: أفدنا من عقابك فدَاء مَا أبقينا من الذُّنُوب، أَي: مَا تَرَكْنَاهُ مَكْتُوبًا علينا، وروى: مَا اتقينا، من الاتقاء، وَمَا اقتنينا من الاقتناء، ويروى: مَا آتَيْنَا من الْإِتْيَان. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء عَن الْفِرَار أَو عَن الْبَاطِل. قَوْله: (وبالصياح عولوا علينا) ، أَي: حملُوا علينا بالصياح لَا بالشجاعة، قَالَ الْكرْمَانِي: قد تقدم فِي الْجِهَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَقُولهَا فِي حفر الخَنْدَق، وَأَنَّهَا من أراجيز ابْن رَوَاحَة، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة فِي وُقُوع الْأَمريْنِ وَلَا مَحْذُور أَن يَحْدُو الشَّخْص بِشعر غَيره. قَوْله: (وَجَبت) ، أَي: الشَّهَادَة وَقَالَ أَبُو عمر: كَانُوا قد عرفُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اسْتغْفر لأحد عِنْد الْوَقْعَة وَفِي الْمشَاهد يستشهد الْبَتَّةَ، فَلَمَّا سمع عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك قَالَ: يَا رَسُول الله لَوْلَا أمتعتنا بعامر أَي: لَو تركته لنا فبارز يومئذٍ فَرجع سَيْفه على سَاقه فَقطع كحله فَمَاتَ مِنْهَا. قَوْله: (جمر) بِضَمَّتَيْنِ جمع حمَار. قَوْله: (إنسية) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وبفتحهما وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (أهريقوها) ويروى: هريقوها، أَي: أريقوها، فَفِي الرِّوَايَة الأولى الْهَاء زَائِدَة، وَفِي الثَّانِيَة منقلبة عَن الْهمزَة. قَوْله: (أَو ذَاك) أَي: أهريقوها واغسلوها. قَوْله: (وَيرجع) بِالرَّفْع. قَوْله: (ذُبَاب سَيْفه) أَي: طرفه. قَوْله: (شاحباً) أَي: متغير اللَّوْن، يُقَال شحب يشحب سحوباً فَهُوَ شاحب، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَلَا يَصح أَن يكون بِالْجِيم كَمَا قَالَه ابْن التِّين، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة فِي رِوَايَة الْمَغَازِي. قَوْله: (حَبط) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل عمله. قَوْله: (وَأسيد) بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين مصغر أَسد بن الْحضير بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (إِن لَهُ لأجرين) وهما: أجر الْجهد فِي الطَّاعَة، وَأجر المجاهدة فِي سَبِيل الله، وَقيل: أحد الأجرين مَوته فِي سَبِيل الله، وَالْآخر لما كَانَ يَحْدُو بِهِ الْقَوْم من شعره وَيَدْعُو الله فِي ثباتهم عِنْد لِقَاء عدوهم. قَوْله: (لجاهد مُجَاهِد) كِلَاهُمَا بِلَفْظ إسم الْفَاعِل، الأول من الثلاثي، وَالثَّانِي من الْمَزِيد فِيهِ، وَالْمعْنَى: لجاهد فِي الْأجر وَمُجاهد للْمُبَالَغَة فِيهِ، يَعْنِي: مبالغ فِي سَبِيل الله، ويروى بِلَفْظ الْمَاضِي فِي الأول وبلفظ جمع المجهدة فِي الثَّانِي. قَوْله: (قل عَرَبِيّ نَشأ بهَا) قل عَرَبِيّ نَشأ فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْخصْلَة، وَالْهَاء عَائِدَة إِلَى الْحَرْب أَو بِلَاد الْعَرَب، أَي: قَلِيل من الْعَرَب نَشأ بهَا.
٦١٤٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْمَاعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَتَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى بَعْضِ نِسائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بالقَوَارِيرِ، قَالَ أبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بالقوَارِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حدو أَنْجَشَة بِالنسَاء. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بِهِ.
قَوْله: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بعض نِسَائِهِ) فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد على مَا يَأْتِي عَن أَيُّوب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سفر، وَفِي رو اية شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس: كَانَ فِي منزله فحدا الْحَادِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق شبة بِلَفْظ: وَكَانَ مَعَهم سائق وحاد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو بِالنسَاء وَكَانَ الْبَراء بن مَالك يَحْدُو بِالرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حادٍ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة. وَكَانَ حسن الصَّوْت، وَفِي رِوَايَة وهيب: وأنجشة غُلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسُوق بِهن، وَفِي رِوَايَة حميد عَن أنس: فَاشْتَدَّ بِهن فِي السِّيَاقَة، أخرجهَا أَحْمد عَن ابْن أبي عدي عَنهُ. قَوْله: (ومعهن أم سليم) بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي أم أنس رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب كَمَا سَيَأْتِي: كَانَت أم سليم فِي النَّقْل وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أنس: كَانَت أم سليم مَعَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه مُسلم من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع، وَحكى عِيَاض أَن فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي فِي مُسلم: أم سَلمَة، بدل: أم سليم. قيل: إِنَّه تَصْحِيف لِأَن الرِّوَايَات تظاهرت بِأَنَّهَا أم سليم. قَوْله: (وَيحك) قد مر غير مرّة أَن كلمة: وَيحك، كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن يَقع فِي أَمر لَا يسْتَحقّهُ، وانتصابه على المصدرية، وَقد ترفع وتضاف وَلَا تُضَاف، يُقَال: وَيْح زيد وويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (يَا أَنْجَشَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْجِيم وبالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي رِوَايَة وهيب: يَا أنجش بالترخيم. قَالَ البلاذري: كَانَ أَنْجَشَة حَبَشِيًّا يكنى أَبَا مَارِيَة. وَفِي التَّوْضِيح: أَنْجَشَة غُلَام أسود للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكرُوهُ فِي الصَّحَابَة. قلت: ذكره أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب: أَنْجَشَة العَبْد الْأسود كَانَ يَسُوق أَو يَقُود بنساء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَكَانَ إِذا حدا اعتنقت الْإِبِل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَنْجَشَة رويدك بِالْقَوَارِيرِ. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة أَنه كَانَ مِمَّن نفاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المخنثين. قَوْله: (رويدك) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: رويداً، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أرْفق، وَوَقع فِي رِوَايَة حميد: رويدك أرْفق، جمع بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن حميد كَذَاك: سوقك، وَهِي بِمَعْنى: كَفاك. وَقَالَ عِيَاض: رويداً مَنْصُوب على أَنه صفة لمَحْذُوف أَي: سُقْ سوقاً رويداً، أَو: أحد حدواً رويداً، أَو على الْمصدر أَي: أرود رويداً مثل: أرْفق رفقا، أَو على الْحَال أَي: سر رويداً، ورويدك مَنْصُوب على الإغراء أَو مفعول بِفعل مُضْمر أَي: إلزم رفقك. وَقَالَ الرَّاغِب: رويداً من أرود يرود كأمهل يُمْهل، وَزنه وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ من الرود بِفَتْح أول وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ الترود فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق راد وارتاد، والرائد طَالب الْكلأ، ورادت الْمَرْأَة ترود إِذا مشت على هينتها، وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: رويداً تَصْغِير رَود، وَهُوَ مصدر فعل الرائد وَهُوَ الْمَبْعُوث فِي طلب الشَّيْء، وَلم يسْتَعْمل فِي معنى المهلة إلَاّ مُصَغرًا. قَالَ: وَذكر صَاحب (الْعين) أَنه إِذا أُرِيد بِهِ معنى الترديد فِي الْوَعيد لم ينون. قَوْله: (سوقك) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حميد: سيرك، وَهُوَ بِالنّصب على نزع الْخَافِض، أَي: أرْفق فِي سوقك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويد أَي أرْفق، وسوقك مفعول بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: سوقاً، وَقيل: رويدك إِمَّا مصدر وَالْكَاف فِي مَحل خفض، وَإِمَّا إسم فعل وَالْكَاف حرف خطاب، وسوقك بِالنّصب على الْوَجْهَيْنِ، وَالْمرَاد بِهِ حدوك إطلاقاً لإسم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ ابْن مَالك: رويدك إسم فعل بِمَعْنى أرود أَي: أمْهل وَالْكَاف الْمُتَّصِلَة بِهِ حرف الْخطاب وفتحة داله بنائية، وَلَك أَن تجْعَل
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَسَارٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَبِّرْ الْكُبْرَ. قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.
٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَه؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ) الْمُرَادُ الْأَكْبَرُ فِي السِّنِّ إِذَا وَقَعَ التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْفَاضِلُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ إِذَا عَارَضَهُ السِّنُّ.
وذكر فيه حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي قِصَّةِ مُحَيِّصَةَ، وَحُوَيِّصَةَ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَسَامَةِ، وَقَوْلُهُ: فَوَدَاهُمْ هُوَ لِلْأَكْثَرِ، وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَبُشَيْرٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَيْضًا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
ثم ذكر حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ الْحَدِيثَ، وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُسْتَوْفًى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْكَبِيرِ حَيْثُ يَقَعُ التَّسَاوِي، أَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّغِيرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْكَبِيرِ فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ تَأَسَّفَ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَدُهُ مَعَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ بِحُضُورِهِ وَحُضُورِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ ذَلِكَ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
٩٠ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ *
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرٍ) هو ابنُ يسارٍ المذكور (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابنُ أبي حَثْمة (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: بُشَيرًا (قَالَ): عن سهلٍ (مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ) لم يقل: ورافع بن خَدِيج.
٦١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) لمن عندهُ من أصحابهِ: (أَخْبِرُونِي) وعند الإسماعيليِّ: «أَنْبؤوني» (بِشَجَرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «شجرةً» بإسقاط الجارِّ والنَّصب (مَثَلُهَا) بفتح الميم والمثلثة، كقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِ) في النَّفع العامِّ في جميع الأحوالِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) تُعطي ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أقَّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا) بتيسيرِ خالقهَا وتكوينهِ (وَلَا تَُحَُتُّ) بالبناء للفاعل، والمفعول (١) (وَرَقَُهَا؟) برفع (٢) القاف ونصبها في «اليونينيَّة» والظَّاهر النَّصب (٣) قال ابن عُمر: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّها النَّخلة» (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ) بفتح المثلثة، وهناكَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ﵄، هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ) بسكون الهاء في الفرع كأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالضَّم (وَقَعَ فِي
نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى.
والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ.
وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨].
(٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن
عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله:
فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ
فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله ﷺ والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله ﷺ والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله ﷺ وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
(الأولى للشَّيْطَان) أَي: الْحَالة الأولى أَو الْكَلِمَة القسمية، وَقَالَ ابْن بطال: الأولى، يَعْنِي اللُّقْمَة الأولى ترغيم للشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حمله على الْحلف، وباللقمة الأولى وَقع الْحِنْث فِيهَا. وَقَالَ: وَإِنَّمَا حلف لِأَنَّهُ ترغيم للشَّيْطَان، وَأَنه اشْتَدَّ عَلَيْهِ تَأْخِير عشائهم ثمَّ لما لم يَسعهُ مُخَالفَة أضيافه ترك التَّمَادِي فِي الْغَضَب فَأكل مَعَهم استمالة لقُلُوبِهِمْ، قَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ جَازَ مُخَالفَة الْيَمين ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ إتْيَان بالأفضل كَمَا ورد فِي الحَدِيث.
٨٨ - (بابُ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: وَالله لَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ)
أَي: هَذَا بَاب مَا وَقع فِي الحَدِيث من قَول الضَّيْف ... إِلَى آخِره.
فيهِ حَدِيثُ أبي جُحَيْفَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي جُحَيْفَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ الحَدِيث الَّذِي قَالَ فِيهِ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: مَا أَنا بآكل حَتَّى يَأْكُل. وَقد مر عَن قريب فِي: بَاب صنع الطَّعَام والتكلف للضيف، وَلم تقع هَذِه التَّرْجَمَة وَلَا التَّعْلِيق الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَإِنَّمَا سَاق هَذَا الحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب عقيب الحَدِيث الَّذِي فِي الْبَاب السَّابِق.
٨٩ - (بابُ إكْرامِ الكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأكْبَرُ بِالْكلامِ والسُّؤَالِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إكرام الْكَبِير، لما روى الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (من لم يرحم صَغِيرنَا وَيعرف حق كَبِيرنَا فَلَيْسَ منا) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر، وَذكر عبد الرَّزَّاق أَن فِي الحَدِيث من تَعْظِيم جلال الله أَن يوفر ذُو الشيبة فِي الْإِسْلَام. قَوْله: (وَيبدأ الْأَكْبَر بالْكلَام) لِأَنَّهُ من آدَاب الْإِسْلَام ومحاسن الْأَخْلَاق، وَلَكِن لَيْسَ
هَذَا على الْعُمُوم لِأَنَّهُ إِنَّمَا يبْدَأ الْأَكْبَر بِهِ. فِيمَا إِذا اسْتَوَى فِيهِ علم الصَّغِير وَالْكَبِير، وَإِذا علم الصَّغِير مَا يجهل الْكَبِير فالصغير يقدم حينئذٍ وَلَا يكون هَذَا سوء أدب وَلَا نقص فِي حق الْكَبِير. قَوْله: وَالسُّؤَال، أَي: وَيبدأ الْأَكْبَر أَيْضا بالسؤال وَهَذَا أَيْضا إِذا اسْتَوَى الْكَبِير مَعَ الصَّغِير، وَإِذا كَانَ الصَّغِير أعلم يقدم على الْكَبِير، وَكَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يسْأَل وَهُوَ صبي وَهُنَاكَ مشيخة.
٦١٤٢ - ح دَّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ حَدثنَا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ ابنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأنْصارِ عَنْ رافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بن أبي حَثْمَةَ أنَّهُمَا حَدَّثاهُأنَّ عَبْدَ الله بنَ سَهْلٍ ومُحَيْصَةَ بنَ مَسْعُودٍ أتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقا فِي النَّخل، فَقُتِلَ عَبْدُ الله بنُ سَهْلٍ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمانِ ابنُ سَهْلٍ وحُوَيْصَةَ ابْنا مَسْعُودٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتَكَلَّموا فِي أمْرِ صاحِبِهِمْ، فَبَدَأ عَبْدُ الرَّحْمانِ وَكَانَ أصْغَرَ القَوْمِ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: كَبِّر الكُبْرَ. قَالَ يَحْيَّى: لَيْلِيَ الكَلامَ الأكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فِي أمْرِ صَاحِبِهِمْ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ أوْ قَالَ: صاحِبَكُمْ بِأيْمانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رسولَ الله {أمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أيمانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رسُولَ الله} قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَداهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فأدْرَكْتُ ناقَةً مِنْ تِلْكَ إلابل فَدَخَلَتْ مِرْبَداً لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِها.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كبر الْكبر) وَفِي قَوْله: (ليلِي الْكَلَام الْأَكْبَر) .
وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن يسَار ضد الْيَمين وَرَافِع بن خديج بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَكسر الدَّال وبالجيم ابْن رَافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حَارِثَة الأوسي الْمَدِينِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة ثَلَاث وَقيل: أَربع وَسبعين، وَكَانَ يَوْم مَاتَ ابْن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة، وَسَهل بن أبي حثْمَة بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، واسْمه عَامر بن سَاعِدَة بن عَامر أَبُو يحيى، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمَدِينِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدهمَا، وَيُقَال: قبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَقد حفظ عَنهُ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ أَخُو عبد الرَّحْمَن بن سهل الْأنْصَارِيّ ابْني أخي حويصة ومحيصة ابْني مَسْعُود بن عَامر بن عدي.
وَمضى الحَدِيث فِي آخر الْجِهَاد فِي: بَاب الْمُوَادَعَة والمصالحة مَعَ الْمُشْركين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن بشر بن الْمفضل عَن يحيى عَن بشير بن يسَار عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، وَبَينهمَا تفَاوت فِي الطول وَالْقصر، وَاخْتِلَاف بعض الْأَلْفَاظ.
قَوْله: (ابْنا مَسْعُود) بِكَسْر الْهمزَة تَثْنِيَة ابْن. قَوْله: (فِي أَمر صَاحبهمْ) أَي: مقتولهم، وَهُوَ عبد الله. قَوْله: (كبر الْكبر) بِضَم الْكَاف وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ جمع الْأَكْبَر أَي: قدم الْأَكْبَر للتكلم، وَإِنَّمَا أَمر أَن يتَكَلَّم الْأَكْبَر فِي السن ليحقق صُورَة الْقَضِيَّة وكيفيتها لَا أَنه يدعيها، إِذا حَقِيقَة الدَّعْوَى إِنَّمَا هِيَ لِأَخِيهِ عبد الرَّحْمَن. قَوْله: (قَالَ يحيى) هُوَ يحيى بن سعيد الرَّاوِي، قَالَ فِي رِوَايَته: (ليلى الْكَلَام الْأَكْبَر) بِالرَّفْع أَي: ليتولى الْأَكْبَر الْكَلَام. قَوْله: (تستحقون قتيلكم) أَي: دِيَة قتيلكم. قَوْله: (أَو قَالَ: صَاحبكُم) شكّ من الرَّاوِي، وَأَرَادَ بالصاحب الْمَقْتُول. قَوْله: (بأيمان خمسين مِنْكُم) بِإِضَافَة أَيْمَان إِلَى خمسين أَي: بأيمان خمسين رجلا مِنْكُم، ويروى: بأيمان، بِالتَّنْوِينِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَي: خمسين يَمِينا صادرة مِنْكُم، وبالرواية الأولى. احتجت الْحَنَفِيَّة حَيْثُ اعتبروا الْعدَد فِي الرِّجَال. قَوْله: (أَمر لم نره) أَي: لم نشاهده، وَكَيف تحلف عَلَيْهِ؟ قَوْله: فتبرئكم أَي فتخلصكم من الْيَمين. وَاعْلَم أَن حكم الْقسَامَة مُخَالف لسَائِر الدَّعَاوَى من جِهَة أَن الْيَمين على الْمُدَّعِي، وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَارِث هُوَ الْأَخ وَهُوَ الْمُدَّعِي لَا أَبنَاء الْعم، فَلم عرض الْيَمين عَلَيْهِم، وَأجَاب بِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم أَن الْيَمين يخْتَص بالوارث فَأطلق الْخطاب لَهُم، وَأَرَادَ من يخْتَص بِهِ وَمن جِهَة أَنَّهَا خَمْسُونَ يَمِينا وَذَلِكَ لتعظيم أَمر الدِّمَاء، وَبَدَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم، بالمدعين فَلَمَّا تكلمُوا رد على الْمُدعى عَلَيْهِ، وَلما لم يرْضوا بأيمانهم من جِهَة أَنهم كفار لَا يبالون بذلك عقله من عِنْده لِأَنَّهُ عَاقِلَة الْمُسلمين، وَإِنَّمَا عقله قطعا للنزاع وجبراً لخاطرهم، وإلَاّ فاستحقاقهم لم يثبت. قَوْله: (فوداهم) أَي: أعْطى لَهُم دِيَته من قبله بِكَسْر الْقَاف وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: من عِنْده، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ من خَالص مَاله أَو من بَيت المَال.
قَوْله: (مربداً لَهُم) المربد بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: الْموضع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ الْإِبِل. قَوْله: (فركضتني) أَي: رفستني وَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام ضبط الحَدِيث وَحفظه حفظا بليغاً.
وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي للْإِمَام مُرَاعَاة الْمصَالح الْعَامَّة، والاهتمام بإصلاح ذَات الْبَين، وَإِثْبَات الْقسَامَة، وَجَوَاز الْيَمين بِالظَّنِّ وَصِحَّة يَمِين الْكَافِر.
قَالَ اللَّيْثُ: حدّثني يَحْيَى عَنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَعَ رافِعِ بن خَدِيجٍ.
أَي: قَالَ اللَّيْث بن سعد: حَدثنِي يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن بشير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة، وَهُوَ الْمَذْكُور عَن قريب، عَن سهل بن أبي حثْمَة ... إِلَى آخِره، هَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث اللَّيْث بِهِ.
وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: حَدثنَا يحيى عنْ بُشَيْرٍ عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.
٦١٤٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ الله حدّثني نافِعٌ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثلُها مَثْلُ المُسْلِمِ تُؤْتِي أكْلُهَا كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها، وَلَا تحُتُّ وَرَقَها؟ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَة، فَكَرِهْتُ أنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فلمَّا لَمْ يَتَكَلَّما قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أبي قُلْتُ: يَا أبتاهْ، وَقَعَ فِي نَفْسِي إنَّها النَّخْلَةُ. قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَقُولَها؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا. قَالَ: مَا مَنَعَني إلَاّ أنِّي لَمْ أركَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلّمتُما، فَكَرِهْتُ.
أَي قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: حَدثنَا يحيى هُوَ ابْن سعيد أَيْضا عَن نَافِع عَن عبد الله بن عمر ... إِلَى آخِره، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب مَا لَا يستحي من الْحق، وَمضى أَيْضا فِي الْعلم، وإيراد هَذَا هُنَا لأجل أَن فِيهِ توقير الأكابر.
قَوْله: (وَلَا تَحت وَرقهَا) ، أَي: لَا تسْقط. قَوْله: (فَكرِهت) ، أَي: التَّكَلُّم مَعَ وجود الأكابر.
٩٠ - (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ والرَّجَزِ والحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يجوز أَن ينشد من الشّعْر وَهُوَ كَلَام مَوْزُون مقفى بِالْقَصْدِ، وَالرجز بِفَتْح الرَّاء وَالْجِيم وبالزاي وَهُوَ نوع من الشّعْر عِنْد الْأَكْثَرين، وَقيل: لَيْسَ بِشعر لِأَنَّهُ يُقَال: راجز وَلَا يُقَال: شَاعِر، وَسمي بِهِ لتقارب أَجْزَائِهِ وَقلة حُرُوفه، والحداء بِضَم الْحَاء وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ يمد وَيقصر، وَحكى الْأَزْهَرِي وَغَيره كسر الْحَاء أَيْضا، وَهُوَ مصدر يُقَال: حدوت الْإِبِل حداء وإحداء، مثل دَعَوْت دُعَاء، وَيُقَال للشمال حد وَلِأَنَّهُ يَحْدُو السَّحَاب، وَهُوَ سوق الْإِبِل والغناء لَهَا، وغالباً يكون بالرجز، وَقد يكون بِغَيْرِهِ من الشّعْر، وَأول من حدا الْإِبِل عبدٌ لمضر بن نزار بن معد بن عدنان، كَانَ فِي إبل لمضر فقصر فَضَربهُ مُضر على يَده فأوجعه، فَقَالَ: يَا يدياه، وَكَانَ حسن الصَّوْت فأسرعت الْإِبِل لما سمعته فِي السّير فَكَانَ ذَلِك مبدأ الحداء، أخرجه ابْن سعد بِسَنَد صَحِيح عَن طَاوُوس مُرْسلا، وَأوردهُ الْبَزَّار مَوْصُولا عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ، أَي: وَفِي بَيَان مَا يكره إنشاده من الشّعْر، وَهُوَ قسيم قَوْله: مَا يجوز.
وقَوْلِهِ تعالَى: وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَاّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُو اْ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشُّعَرَاء: ٢٢٤ ٢٢٧) [/ ح.
سيقت هَذِه الْآيَات الْأَرْبَعَة كلهَا فِي رِوَايَة كَرِيمَة والأصيلي، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر بَين قَوْله: {يهيمون} وَبَين قَوْله: {وَإِنَّهُم يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} لفظ: وَقَوله وَهُوَ حَشْو بِلَا فَائِدَة وَذكر هَذِه الْآيَات مُنَاسِب لقَوْله: وَمَا يكره مِنْهُ لِأَنَّهَا فِي ذمّ الشُّعَرَاء الَّذين يَهْجُونَ النَّاس ويلحقهم الشُّعَرَاء الَّذين يمدحون النَّاس بِمَا لَيْسَ فيهم ويبالغون حَتَّى إِن بَعضهم يخرج عَن حد الْإِسْلَام، ويأتون فِي أشعارهم من الخرافات والأباطيل. قَوْله تَعَالَى: {وَالشعرَاء} جمع شَاعِر مَرْفُوع على الِابْتِدَاء وَقَوله: {يتبعهُم الْغَاوُونَ} خَبره. وقرىء: وَالشعرَاء، بِالنّصب على إِضْمَار فعل يفسره الظَّاهِر، وَقَالَ أهل التَّأْوِيل، مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَغَيره: إِنَّهُم شعراء الْمُشْركين يتبعهُم غواة النَّاس ومردة الشَّيَاطِين وعصاة الْجِنّ ويروون شعرهم، لِأَنَّهُ الغاوي لَا يتبع إلَاّ غاوياً مثله، وَعَن الضَّحَّاك: تهَاجر رجلَانِ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَحدهمَا من الْأَنْصَار وَالْآخر من قوم آخَرين، وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا غواة من قومه وهما السُّفَهَاء، فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ السُّهيْلي: نزلت الْآيَة فِي الثَّلَاثَة وَإِنَّمَا وَردت بالإبهام ليدْخل مَعَهم من اقْتدى بهم، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَرَادَ بهؤلاء شعراء الْكفَّار: عبد الله بن الزبعري، وهبيرة ابْن أبي وهب، ومسافع بن عبد منَاف، وَعَمْرو بن عبد الله، وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت، كَانُوا يَهْجُونَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فيتبعهم النَّاس. قَوْله: {ألم تَرَ أَنهم} مَعْنَاهُ: إِنَّك رَأَيْت آثَار فعل الله فيهم: {أَنهم فِي كل وادٍ} من أَوديَة الْكَلَام، وَقيل: يَأْخُذُونَ فِي كل فن من لَغْو وَكذب فيمدحون بباطل ويذمون بباطل، يهيمون حائرين، وَعَن طَرِيق الْخَيْر والرشد وَالْحق جائرين. وَقَالَ الْكسَائي: الهائم الذَّاهِب على وَجهه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الهائم الْمُخَالف للقصد. قَوْله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} أَي: يَقُولُونَ: فعلنَا، وَلم يَفْعَلُوا. قَوْله: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} اسْتثْنى بِهِ الشُّعَرَاء الْمُؤمنِينَ الصَّالِحين الَّذين لَا يتلفظون فِيهَا بذنب، وَقَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت هَذِه الْآيَة: {وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ} جَاءَ عبد الله بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وهم يَبْكُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله أنزل الله هَذِه الْآيَة وَهُوَ يعلم أَنا شعراء، فَقَالَ: اقرأوا مَا بعْدهَا: {إلَاّ الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس: {إلَاّ الَّذين آمنُوا} يَعْنِي: ابْن رَوَاحَة وحساناً. قَوْله: {وَذكروا الله كثيرا} أَي: فِي شعرهم، وَقيل: فِي خلال كَلَامهم، وَقيل: لم يشغلهم الشّعْر عَن ذكر الله تَعَالَى. قَوْله: {وانتصروا من بعده مَا ظلمُوا} أَي: من الْمُشْركين لأَنهم بدأوا بالهجاء، وكذبوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأخرجوا الْمُسلمين من مَكَّة. وَقَوله: {وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا} أَي: أشركوا وهجوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْمُؤمنِينَ. قَوْله: {أَي مُنْقَلب ينقبلون} أَي: مرجع يرجعُونَ إِلَيْهِ بعد مماتهم، يَعْنِي: يَنْقَلِبُون إِلَى جَهَنَّم يخلدُونَ فِيهَا، وَالْفرق بَين المنقلب والمرجع أَن المنقلب الِانْتِقَال إِلَى ضد مَا هُوَ فِيهِ، والمرجع الْعود من حَال إِلَى حَال، فَكل مرجع مُنْقَلب وَلَيْسَ كل مُنْقَلب مرجعاً.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: {فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ} فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ
يَعْنِي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله: {فِي كل وَاد يهيمون} فِي كل لَغْو يَخُوضُونَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح عَن عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فِي كل وَاد} قَالَ: فِي كل لَغْو، وَفِي قَوْله: {يهيمون} قَالَ: يَخُوضُونَ.
١٦٨ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن أَن مَرْوَان بن الحكم أخبرهُ أَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود بن عبد يَغُوث أخبرهُ أَن أبي بن كَعْب أخبرهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن الشّعْر فِيهِ حِكْمَة فالحكمة إِذا كَانَت فِي شعر من الْأَشْعَار يجوز إنشاد هَذَا الشَّاعِر وَيَجِيء الْآن أَن المُرَاد بالحكمة هُوَ القَوْل الصَّادِق المطابق للْوَاقِع وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد أَرْبَعَة من التَّابِعين قريشيون مدنيون على نسق وَاحِد وهم من الزُّهْرِيّ إِلَى أبي بن كَعْب
ولمروان وَعبد الرَّحْمَن مزية إِدْرَاك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكنهما من حَيْثُ الرِّوَايَة معدودان من التَّابِعين والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِي الْأَدَب عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن الْمُبَارك عَن يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ بِهِ قَوْله حِكْمَة قد مر تَفْسِيرهَا الْآن وَقيل أصل الْحِكْمَة الْمَنْع وَالْمعْنَى أَن من الشّعْر كلَاما نَافِعًا يمْنَع من السَّفه فَقَالَ ابْن التِّين مَفْهُومه أَن بعض الشّعْر لَيْسَ كَذَلِك لِأَن من تبعيضيه وَقَالَ ابْن بطال مَا كَانَ فِي الشّعْر وَالرجز ذكر الله تَعَالَى وتعظيمه ووحدانيته وإيثار طَاعَته والاستسلام لَهُ فَهُوَ حسن يرغب فِيهِ وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ حِكْمَة وَمَا كَانَ كذبا وفحشا فَهُوَ المذموم وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث رد على كَثْرَة الشّعْر مُطلقًا وَأخرج الطَّبَرِيّ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَمن كبار التَّابِعين أَنهم قَالُوا الشّعْر وأنشدوه واستنشدوه وروى التِّرْمِذِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتذاكرون الشّعْر وَحَدِيث الْجَاهِلِيَّة عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا ينهاهم وَرُبمَا تَبَسم
٦١٤٦ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ حدّثنا سُفْيان عَنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْت جُنْدَباً يَقُولُ: بَيْنَما النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَمْشِي إذْ أصابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَميَتْ إصْبَعُهُ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ إلَاّ إصْبَعٌ دَميتِ. وَفِي سَبِيلِ الله مَا لقِيتِ. (انْظُر الحَدِيث ٢٨٠٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة.
والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة.
قَوْله: (بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يمشي) وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة: كَانَ فِي بعض الْمشَاهد، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن الْأسود: خرج إِلَى الصَّلَاة أخرجه الطَّيَالِسِيّ وَأحمد، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن الْأسود عَن جُنْدُب: كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غَار. قَوْله: (فعثر) بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والثاء الْمُثَلَّثَة أَي: سقط، يُقَال: عثر عثاراً من بَاب طلب. قَوْله: (فدميت إصبعه) بِفَتْح الدَّال وَكسر الْمِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: أما التَّاء فَفِي الرجز مَكْسُورَة، وَفِي الحَدِيث سَاكِنة، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ نظر. قلت: فِي نظره نظر، لِأَن غَيره قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تعمد إسكانهما ليخرج الْقسمَيْنِ عَن الشّعْر، وَاخْتلف هَل قَالَه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متمثلاً؟ أَو قَالَه من قبل نَفسه لإنشائه فَخرج مَوْزُونا؟ وَإِلَى الأول مَال الطَّبَرِيّ وَغَيره وَبِه جزم ابْن التِّين، وَقَالَ: إنَّهُمَا من شعر عبد الله بن رَوَاحَة، وَاخْتلف أَيْضا فِي جَوَاز تمثل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بالشعر وإنشاده حاكياً عَن غَيره، فَالصَّحِيح جَوَازه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الصحي فِي ذَلِك أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَمَثَّل أَحْيَانًا بِالْبَيْتِ، فَقَالَ:
(هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع)
إِلَى آخِره.
وَقَالَ: أصدق كلمة قَالَهَا الشَّاعِر:
أَلا كل شَيْء مِمَّا خلا الله بَاطِل
على مَا يَجِيء الْآن. وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَمَثَّل من الْعشْر:
(ويأتيك بالأخبار من لم تزَود)
فَإِن قلت: قد رُوِيَ عَن جُبَير بن مطعم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة يستعيذ من الشَّيْطَان: من همزَة ونفخه ونفثه وَفَسرهُ عَمْرو بن مرّة رَاوِيه قَالَ: نفثه الشّعْر ونفخة الْكبر وهمزه الموته، أَي: الْجُنُون، وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لما نزل إِبْلِيس إِلَى الأَرْض قَالَ: يَا رب! إجعل لي قُرْآنًا قَالَ: الشّعْر وَرُوِيَ ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل المغافري، قَالَ: سَمِعت عبد الله ابْن عمر، يَقُول: من قَالَ ثَلَاثَة أَبْيَات من الشّعْر من تِلْقَاء نَفسه لم يدْخل الفردوس، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الشّعْر مَزَامِير الشَّيْطَان. قلت: قَالَ الطَّبَرِيّ: هَذِه أَخْبَار واهية) .
٦١٤٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار حَدثنَا ابنُ مَهْدِيّ حَدثنَا سُفْيانُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ حَدثنَا أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَة لَبِيدٍ) .
ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا الله باطِلُ
وكادَ أُمَيَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ. (انْظُر الحَدِيث ٣٨٤١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ تلفظ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالشعر وَشَيخ البُخَارِيّ هُوَ مُحَمَّد بن بشار بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة، وَفِي بعض النّسخ صرح باسمه، وَابْن مهْدي هُوَ عبد الرَّحْمَن، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر الْكُوفِي، وَأَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَيَّام الْجَاهِلِيَّة عَن أبي نعيم.
قَوْله: (كلمة لبيد) ، بِفَتْح اللَّام وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة ابْن ربيعَة بِفَتْح الرَّاء العامري الصَّحَابِيّ، عَاشَ مائَة وَأَرْبع وَخمسين سنة، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. وَقَوله هَذَا من قصيدة من بَحر الطَّوِيل ذَكرنَاهَا بوجوهها فِي (شرح الشواهد الْأَكْبَر والأصغر) وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَاسم أبي الصَّلْت ربيعَة بن وهب بن علاج بن أبي سَلمَة من ثَقِيف، قَالَه الزبير بن بكار، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر: إسم أبي الصَّلْت عبد الله بن أبي ربيعَة بن عَوْف بن عقدَة أَبُو عُثْمَان، شَاعِر جاهلي، وَقيل: إِنَّه كَانَ صَالحا، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه كَانَ تنبأ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي أول زَمَانه، وَأَنه كَانَ فِي أول أمره على الْإِيمَان ثمَّ زاغ عَنهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الله بقوله: {واتل عَلَيْهِم نبأ الَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا} (الْأَعْرَاف: ١٧٥) الْآيَة. قلت: الْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي بلعم بن باعوراء وَفِي الْمرْآة، وَكَانَ شعر أُميَّة ينشد بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيُعْجِبهُ. وَقَالَ هِشَام: كَانَ أُميَّة قد آمن برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِالشَّام فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله من الطَّائِف ويهاجره، فَلَمَّا نزل ببدر قيل لَهُ: إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان؟ فَقَالَ: إِلَى الطَّائِف آخذ مَالِي وأعود إِلَى الْمَدِينَة اتبع مُحَمَّدًا، فَقيل لَهُ: هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب؟ قَالَ: لَا. قيل: فِيهِ شيبَة وَعتبَة ابْنا خَالك، وَفِيه فلَان وَفُلَان ابْنا عمك، وعدو لَهُ أَقَاربه فجذع أنف نَاقَته وهلب ذنبها وشق ثِيَابه وَبكى، فَذهب إِلَى الطَّائِف وَمَات بهَا، وَذكر فِي (الْمرْآة) وَفَاته فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة.
٦١٤٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حَدثنَا حاتِمُ بنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بن أبي عُبَيْدٍ عَنْ سَلمَةَ ابنِ الأكوَعِ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنا لَيْلاً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ لِعامِرِ بنِ الأكْوَعِ: أَلا تُسْمِعُنا مِنْ هُنَيْهاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عامِرٌ رجلا شَاعِرًا، فَنزل يَحْدُو بالقَوْمِ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ مَا اهْتَدَيْنا ... وَلَا تَصَدَّقْنا وَلَا صَلَّيْنا)
(فاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنا ... وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَا فَيْنا)
(وألْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ... إِنَّا إذَا صِيحَ بِنا أتَيْنا)
وبالصِّياحِ عَوَّلوا عَلَيْنا
فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَنْ هاذَا السّائِقُ؟ قالُوا: عامِرُ بنُ الأكْوَعِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ الله. فَقَالَ رجلٌ مِنَ القَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ الله، لَوْلا أمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فأتَيْنا خَيْبَرَ فَحاصَرْناهُمْ حَتَّى أصابَتْنَا مَخْمَصَة شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إنَّ الله فَتَحَها عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أمْسَى النَّاسُ اليَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَة، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا هاذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى أيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ. عَلَى أيِّ لَحْمٍ؟ قالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُر إنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أهْرِقُوها واكْسِرُوها. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسولَ الله! أوْ نُهَرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قَالَ: أوْ ذَاكَ، فَلَمَّا تَصافَّ القَوْمُ كانَ سَيْفُ عامِر فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ وَيَرْجِعُ ذُ بابُ سَيْفِهِ، فأصابَ رُكْبَة عامِرٍ فَماتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سلَمةُ: رَآنِي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شاحباً فَقَالَ لي: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: فِدًى لكَ أبي وأُمِّي، زَعَمُوا أنَّ عامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: مَنْ قالَهُ؟ قُلْتُ: قالَهُ فُلَانٌ وفُلانٌ وفُلَانٌ وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ الأنْصارِيُّ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:
كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأجْرَيْنِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِي نَشأ بِها مِثْلَهُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لاشْتِمَاله على الشّعْر والرجوز والحداء. وحاتم بن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي سكن الْمَدِينَة، وَيزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي عبيد مولى سَلمَة بن الْأَكْوَع.
والْحَدِيث مضى فِي: بَاب غَزْوَة خَيْبَر، الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ أخرجه عَن عبد الله بن مسلمة عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ... إِلَى آخِره، وَبَين المتنين تفَاوت بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان.
قَوْله: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَهُنَاكَ: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (أَلَا تسمعنا؟) من الإسماع. قَوْله: (من هنيهاتك) جمع هنيهة، ويروى: هنياتك، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف بعد النُّون. قَالَ الْكرْمَانِي: جمع الهنية مصغر الهنة إِذا صلها: هنو، وَهِي الشَّيْء الصَّغِير المُرَاد بهما الأراجيز. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هن على وزن: أَخ، كلمة كِنَايَة وَمَعْنَاهُ: شَيْء، وَأَصله هنو. وَتقول للْمَرْأَة: هنة، وتصغيرها. هنيَّة، تردها إِلَى الأَصْل وَتَأْتِي بِالْهَاءِ، وَقد تبدل من الْيَاء الثَّانِيَة هَاء، فَنَقُول: هنيهة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي حَدِيث ابْن الْأَكْوَع وَلَا تسمعنا من هناتك، أَي: من كلماتك أَو من أراجيزك، وَفِي رِوَايَة: من هنياتك على التصغير، وَفِي أُخْرَى: من هنيهاتك، على قلب الْيَاء هَاء. قَوْله: (شَاعِرًا) ويروى: حداء. قَوْله: (يَحْدُو) أَي: يَسُوق. قَوْله: (اللَّهُمَّ) هَكَذَا الرِّوَايَة، قَالَ الْكرْمَانِي: وَالْمَوْزُون: لَا هم، وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا لَيْسَ بِشعر وَلَا رجز لِأَنَّهُ لَيْسَ بموزون، وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ رجز مَوْزُون، وَإِنَّمَا زيد فِي أَوله سَبَب خَفِيف وَيُسمى الخزم بالمعجمتين. قَوْله: (فدَاء لَك) بِكَسْر الْفَاء وبالمد والتنوين أَي: لِرَسُولِك، وَقَالَ الْمَازرِيّ: لَا يُقَال لله تَعَالَى: فدَاء لَك، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي مَكْرُوه يتَوَقَّع حُلُوله للشَّخْص فيختار شخص آخر أَن يحل ذَلِك بِهِ ويفديه مِنْهُ، فَهُوَ إِمَّا مجَاز عَن الرِّضَا كَأَن قَالَ: نَفسِي مبذولة لرضاك، أَو هَذِه الْكَلِمَة وَقعت فِي الْبَين خطابا لسامع الْكَلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: فدى، مَمْدُود ومقصور ومرفوع ومنصوب، وَقَالَ ابْن بطال: فدى لَك، أَي: من عنْدك فَلَا تعاقبني، وَاللَّام للتبيين نَحْو لَام: هيت لَك. قَوْله: (مَا اقتفينا) أَي: اتَّبعنَا أمره ومادته قَاف وَفَاء، وَفِي الْمَغَازِي: مَا أبقينا من الْإِبْقَاء ومادته بَاء وقاف أَي: أفدنا من عقابك فدَاء مَا أبقينا من الذُّنُوب، أَي: مَا تَرَكْنَاهُ مَكْتُوبًا علينا، وروى: مَا اتقينا، من الاتقاء، وَمَا اقتنينا من الاقتناء، ويروى: مَا آتَيْنَا من الْإِتْيَان. قَوْله: (أَبينَا) من الإباء عَن الْفِرَار أَو عَن الْبَاطِل. قَوْله: (وبالصياح عولوا علينا) ، أَي: حملُوا علينا بالصياح لَا بالشجاعة، قَالَ الْكرْمَانِي: قد تقدم فِي الْجِهَاد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يَقُولهَا فِي حفر الخَنْدَق، وَأَنَّهَا من أراجيز ابْن رَوَاحَة، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاة فِي وُقُوع الْأَمريْنِ وَلَا مَحْذُور أَن يَحْدُو الشَّخْص بِشعر غَيره. قَوْله: (وَجَبت) ، أَي: الشَّهَادَة وَقَالَ أَبُو عمر: كَانُوا قد عرفُوا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اسْتغْفر لأحد عِنْد الْوَقْعَة وَفِي الْمشَاهد يستشهد الْبَتَّةَ، فَلَمَّا سمع عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك قَالَ: يَا رَسُول الله لَوْلَا أمتعتنا بعامر أَي: لَو تركته لنا فبارز يومئذٍ فَرجع سَيْفه على سَاقه فَقطع كحله فَمَاتَ مِنْهَا. قَوْله: (جمر) بِضَمَّتَيْنِ جمع حمَار. قَوْله: (إنسية) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وبفتحهما وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته. قَوْله: (أهريقوها) ويروى: هريقوها، أَي: أريقوها، فَفِي الرِّوَايَة الأولى الْهَاء زَائِدَة، وَفِي الثَّانِيَة منقلبة عَن الْهمزَة. قَوْله: (أَو ذَاك) أَي: أهريقوها واغسلوها. قَوْله: (وَيرجع) بِالرَّفْع. قَوْله: (ذُبَاب سَيْفه) أَي: طرفه. قَوْله: (شاحباً) أَي: متغير اللَّوْن، يُقَال شحب يشحب سحوباً فَهُوَ شاحب، وَقَالَ صَاحب التَّوْضِيح: وَلَا يَصح أَن يكون بِالْجِيم كَمَا قَالَه ابْن التِّين، وَلَيْسَت هَذِه اللَّفْظَة فِي رِوَايَة الْمَغَازِي. قَوْله: (حَبط) بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل عمله. قَوْله: (وَأسيد) بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين مصغر أَسد بن الْحضير بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَوْله: (إِن لَهُ لأجرين) وهما: أجر الْجهد فِي الطَّاعَة، وَأجر المجاهدة فِي سَبِيل الله، وَقيل: أحد الأجرين مَوته فِي سَبِيل الله، وَالْآخر لما كَانَ يَحْدُو بِهِ الْقَوْم من شعره وَيَدْعُو الله فِي ثباتهم عِنْد لِقَاء عدوهم. قَوْله: (لجاهد مُجَاهِد) كِلَاهُمَا بِلَفْظ إسم الْفَاعِل، الأول من الثلاثي، وَالثَّانِي من الْمَزِيد فِيهِ، وَالْمعْنَى: لجاهد فِي الْأجر وَمُجاهد للْمُبَالَغَة فِيهِ، يَعْنِي: مبالغ فِي سَبِيل الله، ويروى بِلَفْظ الْمَاضِي فِي الأول وبلفظ جمع المجهدة فِي الثَّانِي. قَوْله: (قل عَرَبِيّ نَشأ بهَا) قل عَرَبِيّ نَشأ فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْخصْلَة، وَالْهَاء عَائِدَة إِلَى الْحَرْب أَو بِلَاد الْعَرَب، أَي: قَلِيل من الْعَرَب نَشأ بهَا.
٦١٤٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حَدثنَا إسْمَاعِيلُ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَتَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى بَعْضِ نِسائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقاً بالقَوَارِيرِ، قَالَ أبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوها عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: سَوْقَكَ بالقوَارِيرِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ حدو أَنْجَشَة بِالنسَاء. وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن علية، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَأَبُو قلَابَة بِكَسْر الْقَاف عبد الله بن زيد الْجرْمِي.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن قُتَيْبَة بِهِ.
قَوْله: (أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على بعض نِسَائِهِ) فِي رِوَايَة حَمَّاد بن زيد على مَا يَأْتِي عَن أَيُّوب: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سفر، وَفِي رو اية شُعْبَة عَن ثَابت عَن أنس: كَانَ فِي منزله فحدا الْحَادِي، وَأخرجه النَّسَائِيّ والإسماعيلي من طَرِيق شبة بِلَفْظ: وَكَانَ مَعَهم سائق وحاد، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس رَضِي الله عَنهُ كَانَ أَنْجَشَة يَحْدُو بِالنسَاء وَكَانَ الْبَراء بن مَالك يَحْدُو بِالرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَة عَن أنس كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حادٍ يُقَال لَهُ أَنْجَشَة. وَكَانَ حسن الصَّوْت، وَفِي رِوَايَة وهيب: وأنجشة غُلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَسُوق بِهن، وَفِي رِوَايَة حميد عَن أنس: فَاشْتَدَّ بِهن فِي السِّيَاقَة، أخرجهَا أَحْمد عَن ابْن أبي عدي عَنهُ. قَوْله: (ومعهن أم سليم) بِضَم السِّين وَفتح اللَّام وَهِي أم أنس رَضِي الله عَنهُ وَفِي رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب كَمَا سَيَأْتِي: كَانَت أم سليم فِي النَّقْل وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَن أنس: كَانَت أم سليم مَعَ نسَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه مُسلم من طَرِيق يزِيد بن زُرَيْع، وَحكى عِيَاض أَن فِي رِوَايَة السَّمرقَنْدِي فِي مُسلم: أم سَلمَة، بدل: أم سليم. قيل: إِنَّه تَصْحِيف لِأَن الرِّوَايَات تظاهرت بِأَنَّهَا أم سليم. قَوْله: (وَيحك) قد مر غير مرّة أَن كلمة: وَيحك، كلمة ترحم وتوجع يُقَال لمن يَقع فِي أَمر لَا يسْتَحقّهُ، وانتصابه على المصدرية، وَقد ترفع وتضاف وَلَا تُضَاف، يُقَال: وَيْح زيد وويحاً لَهُ وويح لَهُ. قَوْله: (يَا أَنْجَشَة) بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْجِيم وبالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي رِوَايَة وهيب: يَا أنجش بالترخيم. قَالَ البلاذري: كَانَ أَنْجَشَة حَبَشِيًّا يكنى أَبَا مَارِيَة. وَفِي التَّوْضِيح: أَنْجَشَة غُلَام أسود للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَكرُوهُ فِي الصَّحَابَة. قلت: ذكره أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب: أَنْجَشَة العَبْد الْأسود كَانَ يَسُوق أَو يَقُود بنساء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَام حجَّة الْوَدَاع، وَكَانَ حسن الصَّوْت وَكَانَ إِذا حدا اعتنقت الْإِبِل فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يَا أَنْجَشَة رويدك بِالْقَوَارِيرِ. وَأخرج الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَاثِلَة أَنه كَانَ مِمَّن نفاهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من المخنثين. قَوْله: (رويدك) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: رويداً، وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أرْفق، وَوَقع فِي رِوَايَة حميد: رويدك أرْفق، جمع بَينهمَا، وَوَقع فِي رِوَايَة عَن حميد كَذَاك: سوقك، وَهِي بِمَعْنى: كَفاك. وَقَالَ عِيَاض: رويداً مَنْصُوب على أَنه صفة لمَحْذُوف أَي: سُقْ سوقاً رويداً، أَو: أحد حدواً رويداً، أَو على الْمصدر أَي: أرود رويداً مثل: أرْفق رفقا، أَو على الْحَال أَي: سر رويداً، ورويدك مَنْصُوب على الإغراء أَو مفعول بِفعل مُضْمر أَي: إلزم رفقك. وَقَالَ الرَّاغِب: رويداً من أرود يرود كأمهل يُمْهل، وَزنه وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ من الرود بِفَتْح أول وَسُكُون ثَانِيه، وَهُوَ الترود فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق راد وارتاد، والرائد طَالب الْكلأ، ورادت الْمَرْأَة ترود إِذا مشت على هينتها، وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي: رويداً تَصْغِير رَود، وَهُوَ مصدر فعل الرائد وَهُوَ الْمَبْعُوث فِي طلب الشَّيْء، وَلم يسْتَعْمل فِي معنى المهلة إلَاّ مُصَغرًا. قَالَ: وَذكر صَاحب (الْعين) أَنه إِذا أُرِيد بِهِ معنى الترديد فِي الْوَعيد لم ينون. قَوْله: (سوقك) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة حميد: سيرك، وَهُوَ بِالنّصب على نزع الْخَافِض، أَي: أرْفق فِي سوقك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: رويد أَي أرْفق، وسوقك مفعول بِهِ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم: سوقاً، وَقيل: رويدك إِمَّا مصدر وَالْكَاف فِي مَحل خفض، وَإِمَّا إسم فعل وَالْكَاف حرف خطاب، وسوقك بِالنّصب على الْوَجْهَيْنِ، وَالْمرَاد بِهِ حدوك إطلاقاً لإسم الْمُسَبّب على السَّبَب. وَقَالَ ابْن مَالك: رويدك إسم فعل بِمَعْنى أرود أَي: أمْهل وَالْكَاف الْمُتَّصِلَة بِهِ حرف الْخطاب وفتحة داله بنائية، وَلَك أَن تجْعَل