«أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٤٤

الحديث رقم ٦١٤٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦١٤٤ في صحيح البخاري

«أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تُحَُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا فَكَرِهْتُ.»

بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَقَوْلِهِ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ

إسناد حديث البخاري رقم ٦١٤٤

٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦١٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَسَارٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ : كَبِّرْ الْكُبْرَ. قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.

٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَه؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ) الْمُرَادُ الْأَكْبَرُ فِي السِّنِّ إِذَا وَقَعَ التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْفَاضِلُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ إِذَا عَارَضَهُ السِّنُّ.

وذكر فيه حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي قِصَّةِ مُحَيِّصَةَ، وَحُوَيِّصَةَ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَسَامَةِ، وَقَوْلُهُ: فَوَدَاهُمْ هُوَ لِلْأَكْثَرِ، وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَبُشَيْرٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَيْضًا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

ثم ذكر حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ الْحَدِيثَ، وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُسْتَوْفًى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْكَبِيرِ حَيْثُ يَقَعُ التَّسَاوِي، أَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّغِيرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْكَبِيرِ فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ تَأَسَّفَ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَدُهُ مَعَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ بِحُضُورِهِ وَحُضُورِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ ذَلِكَ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ.

٩٠ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ

وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ *

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرٍ) هو ابنُ يسارٍ المذكور (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابنُ أبي حَثْمة (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: بُشَيرًا (قَالَ): عن سهلٍ (مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ) لم يقل: ورافع بن خَدِيج.

٦١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمن عندهُ من أصحابهِ: (أَخْبِرُونِي) وعند الإسماعيليِّ: «أَنْبؤوني» (بِشَجَرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «شجرةً» بإسقاط الجارِّ والنَّصب (مَثَلُهَا) بفتح الميم والمثلثة، كقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِ) في النَّفع العامِّ في جميع الأحوالِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) تُعطي ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أقَّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا) بتيسيرِ خالقهَا وتكوينهِ (وَلَا تَُحَُتُّ) بالبناء للفاعل، والمفعول (١) (وَرَقَُهَا؟) برفع (٢) القاف ونصبها في «اليونينيَّة» والظَّاهر النَّصب (٣) قال ابن عُمر: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّها النَّخلة» (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ) بفتح المثلثة، وهناكَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ، هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا. قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ) بسكون الهاء في الفرع كأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالضَّم (وَقَعَ فِي

نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى.

والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ.

وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨].

(٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن

عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله:

فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ

فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَسَارٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ : كَبِّرْ الْكُبْرَ. قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الْكَلَامَ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ - أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ - بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَادَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ نَاقَةً مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ.

٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَه؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الْأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ) الْمُرَادُ الْأَكْبَرُ فِي السِّنِّ إِذَا وَقَعَ التَّسَاوِي فِي الْفَضْلِ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْفَاضِلُ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ إِذَا عَارَضَهُ السِّنُّ.

وذكر فيه حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي قِصَّةِ مُحَيِّصَةَ، وَحُوَيِّصَةَ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَسَامَةِ، وَقَوْلُهُ: فَوَدَاهُمْ هُوَ لِلْأَكْثَرِ، وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَبُشَيْرٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ أَيْضًا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

ثم ذكر حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ الْحَدِيثَ، وقد تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مُسْتَوْفًى، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْكَبِيرِ حَيْثُ يَقَعُ التَّسَاوِي، أَمَّا لَوْ كَانَ عِنْدَ الصَّغِيرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْكَبِيرِ فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْكَبِيرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ تَأَسَّفَ حَيْثُ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَدُهُ مَعَ أَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ بِكَوْنِهِ بِحُضُورِهِ وَحُضُورِ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَ ذَلِكَ تَأَسَّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ.

٩٠ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ

وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ *

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(قَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، ممَّا وصله مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى) بن سعيد الأنصاريُّ (عَنْ بُشَيْرٍ) هو ابنُ يسارٍ المذكور (عَنْ سَهْلٍ) هو: ابنُ أبي حَثْمة (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريُّ: (حَسِبْتُ أَنَّهُ) أي: بُشَيرًا (قَالَ): عن سهلٍ (مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ) لم يقل: ورافع بن خَدِيج.

٦١٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضم العين، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرني» بالإفراد فيهما (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمن عندهُ من أصحابهِ: (أَخْبِرُونِي) وعند الإسماعيليِّ: «أَنْبؤوني» (بِشَجَرَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «شجرةً» بإسقاط الجارِّ والنَّصب (مَثَلُهَا) بفتح الميم والمثلثة، كقوله: (مَثَلُ المُسْلِمِ) في النَّفع العامِّ في جميع الأحوالِ (تُؤْتِي أُكُلَهَا) تُعطي ثمرها (كُلَّ حِينٍ) أقَّته الله لإثمارها (بِإِذْنِ رَبِّهَا) بتيسيرِ خالقهَا وتكوينهِ (وَلَا تَُحَُتُّ) بالبناء للفاعل، والمفعول (١) (وَرَقَُهَا؟) برفع (٢) القاف ونصبها في «اليونينيَّة» والظَّاهر النَّصب (٣) قال ابن عُمر: (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّها النَّخلة» (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ) بفتح المثلثة، وهناكَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) ، هيبةً منهما وتوقيرًا (فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا. قَالَ النَّبِيُّ : هِيَ النَّخْلَةُ. فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ) بسكون الهاء في الفرع كأصله (٤)، وفي غيرهما (٥) بالضَّم (وَقَعَ فِي

نَفْسِي النَّخْلَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّها النَّخلة» (قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا) في الرِّواية الأخرى: «من حُمُر النَّعم» (قَالَ) ابن عُمر: قلتُ: يا أبتاه (مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ) ذلك لذلك. قال في «الفتح»: وكأنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ هذا الحديث هنا إلى تقديمِ (١) الكبير حيث يقعُ التَّساوي، أمَّا لو كان عند الصَّغير ما ليس عند الكبيرِ فلا يُمنعُ من الكلامِ بحضرة الكبيرِ؛ لأنَّ عمرَ تأسَّف حيثُ لم يتكلَّم ولدهُ مع أنَّه اعتذرَ له بكونهِ بحضورهِ وحضورِ أبي بكرٍ، ومع ذلك تأسَّف على كونهِ لم يتكلَّم. انتهى.

والحاصل أنَّ الصَّغير إذا تخصَّصَ بعلمٍ جازَ له أن يتقدَّم به، ولا يعَدُّ ذلك سوءَ أدبٍ، ولا تنقيصًا لحقِّ الكبيرِ، ولذا قال عمرُ: لو كنتَ قلتَها كان أحبَّ إليَّ.

وهذا الحديثُ سبقَ في مواضع [خ¦٦١] [خ¦٦٢] [خ¦١٣١] [خ¦٤٦٩٨] [خ¦٥٤٤٨].

(٩٠) (بابُ مَا يَجُوزُ) أن يُنشدَ (مِنَ الشِّعْرِ) وهو الكلام المقفَّى الموزون قصدًا، والتَّقييد بالقصدِ مُخْرِج ما وقع موزونًا اتفاقًا فلا يسمَّى شعرًا (وَ) ما يجوز من (الرَّجَزِ) بفتح الراء والجيم بعدها زاي، وهو نوعٌ من الشِّعر عند الأكثرِ، فعلى هذا يكون عطفهُ على الشِّعر من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، واحتجَّ القائل بأنَّه ليس بشعرٍ، بأنَّه (٢) يقال فيه: راجزٌ لا شاعرٌ، وسمِّي رجزًا لتقارب أجزائهِ واضطراب اللِّسان به، يقال: رَجَزَ البعيرُ، إذا تقاربَ خَطْوهُ واضطربَ لضعفٍ فيه (وَ) ما يجوزُ من (الحُدَاءِ) بضم الحاء وتخفيف الدال المفتوحة المهملتين يمدُّ ويُقصر، سَوقِ الإبلِ بضربٍ مخصوصٍ من الغناء (٣)، ويكون بالرَّجَز غالبًا، وأوَّل من حَدا الإبل عبدٌ لمُضَرَ بنِ نزارِ بن معدِّ بن

عدنان، كان في إبلٍ لمضر فقصَّر، فضربَه مُضر على يدهِ فأوجعهُ، فقال: يا يداهُ يا يداهُ، وكان حسنَ الصَّوت، فأسرعتِ الإبلُ لَمَّا سمعته في السَّير، فكان ذلك مبدأ الحُدَاء، رواه ابنُ سعدٍ بسندٍ صحيحٍ عن طاوس مرسلًا، وأورده البزَّار موصولًا عن ابن عبَّاس. دخلَ حديثُ بعضهم في بعضٍ، ويلحقُ به غناءُ الحجيجِ المشوِّق للحجِّ بذكر الكعبةِ البيت الحرام وغيرها من المشاعرِ العظام، وما يحرِّضُ أهل الجهادِ على القتال (١)، ومنه غناءُ المرأة لتسكيت الولد في المهد (وَ) بيان (مَا يُكْرَهُ) إنشادُه (مِنْهُ) من الشِّعرِ، والجائز من الشِّعر ما لم يكثر منه في المسجدِ، وخلا عن الهجو، وعن الإغراقِ في المدحِ، والكذب المحضِ، فالتَّغزُّل بمعيَّنٍ لا يسوغُ.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالشُّعَرَاء﴾) مبتدأ خبرُه (﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾) أي: لا يتبعُهم على باطلهِم وكذبهِم، وتمزيقِ الأعراضِ، والقَدح في الأنسابِ، ومدح من لا يستحقُّ المدح والهجاء، ولا يستحسنُ ذلك منهم إلَّا الغاوون، أي: السُّفهاء، أو الرَّاوون، أو الشَّياطين، أو المشركون، وسمَّى الثَّعلبيُّ من شعراء المشركين: عبدَ الله بن الزِّبَعْري (٢)، وهُبيرةَ بن أبي وَهْبٍ، ومُسَافعَ بن عبد مناف وأبا عزة (٣) عَمرو، وأميَّة بنَ أبي الصَّلت. قال الزَّجَّاج: إذا مدحَ أو هجا شاعرٌ بما لا يكون، وأحبَّ ذلك قومٌ وتابعوه، فهم الغاوون (﴿أَلَمْ تَرَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقولهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾» (٤) (﴿أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾) من الكلام (﴿يَهِيمُونَ﴾) خبر ﴿أَنَّ﴾ أي: في كلِّ فنٍّ من الكذبِ يتحدَّثون، أو في كلِّ لغوٍ وباطلٍ يخوضون، كما يأتي قريبًا عن ابن عبَّاس إن شاء الله تعالى، والهائم الذَّاهب على وجههِ لا مقصدَ له، وهو تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شعبٍ من القولِ، واعتسافِهم حتَّى يفضِّلوا أجبنَ النَّاس على عنترةَ، وأبخلهم على حاتمٍ. وعن الفرزدق أنَّ سليمانَ بنَ عبد الملك سمعَ قوله:

فَبِتْنَ بِجَانبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وَبِتُّ أَفُضُّ أَغْلَاقَ الخِتَامِ

فقال: قد وجبَ عليك الحدُّ، فقال: قد درأَ الله الحدَّ عنِّي بقولهِ: (﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾) حيث وصفَهم بالكذبِ، والخلف في الوعد، ثمَّ استثنى الشُّعراء المؤمنين الصَّالحين بقولهِ: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾) كعبد الله بنِ رواحة، وحسَّان بن ثابتٍ، وكعبِ بن زهير، وكعبِ بن مالك (﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) يعني كان ذكرُ الله وتلاوةُ القرآن أغلب عليهم من الشِّعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيدِ الله، والثَّناء عليه، والحكمة والموعظة والزُّهد والأدب، ومدح رسول الله والصَّحابة وصلحاء الأمَّة ونحو ذلك ممَّا ليس فيه ذنبٌ (﴿وَانتَصَرُوا﴾) وهجوا (﴿مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾) هجوًا، أي: ردُّوا هجاء من هجا رسولَ الله والمسلمين، وأحقُّ الخلق بالهجاءِ من كذَّب رسول الله وهجاهُ. وعن كعب بن مالكٍ: أنَّ رسول الله قال له: «اهجُهم فوالَّذي نفسِي بيده لهو أشدُّ عليهم من النَّبل» وكان يقول لحسَّان: «قلْ وروحُ القُدس معك» وختم (١) السُّورة بما يقطع أكبادَ المتدبِّرين، وهو قوله: (﴿وَسَيَعْلَمُ﴾) لِمَا (٢) فيه من الوعيدِ البليغ، وقوله: (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾) وإطلاقه (٣)، وقوله: (﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]) وإبهامهُ. قال ابنُ عطاء: سيعلمُ المُعْرض عنَّا ما الَّذي فاته منَّا، وقوله: ﴿أَيَّ﴾ نصب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ على المصدرِ لا بـ ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ لأنَّ أسماء الاستفهامِ لا يعملُ فيها ما قبلها، أي: ينقلبون أيَّ انقلابٍ، وسياق الآية إلى آخر السُّورة ثابتٌ في رواية كريمةَ والأَصيليِّ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بعد قولهِ: ﴿الْغَاوُونَ﴾ أن قال: «إلى آخر السُّورة». ثمَّ قال: «وقولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾» وذكر: «إلى آخر السُّورة» كذا في الفرع وأصله (٤)، وفيه أيضًا على قولهِ: «﴿وَأَنَّهُمْ﴾ … إلى آخر السُّورة» علامة السُّقوط لأبي ذرٍّ أيضًا. وقال الحافظ ابن حجرٍ وتبعه العينيُّ: ووقع في رواية أبي ذرٍّ بين قوله: ﴿يَهِيمُونَ﴾ وبين قولهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ لفظ: «وقوله» وهي (٥) زيادةٌ لا يحتاجُ إليها (٦).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله