«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الْحَادِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٠٩

الحديث رقم ٦٢٠٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المعاريض مندوحة عن الكذب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ في مسير له فحدا الحادي، فقال…

«كَانَ النَّبِيُّ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الْحَادِي، فَقَالَ النَّبِيُّ : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالْقَوَارِيرِ.»

سند حديث: ٦٢٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا…

٦٢٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «كان النبي ﷺ في مسير له فحدا الحادي، فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُتْبَةَ، وَأَمَّا أَبُو لَهَبٍ فَلَقَبٌ لُقِّبَ بِهِ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَأْلَأُ وَيَلْتَهِبُ جَمَالًا، قَالَ: فَهُوَ لَقَبٌ وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي الْإِشْكَالَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ اللَّقَبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لِلْكَافِرِ لَمْ يَصْلُحْ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: هَذِهِ التَّكْنِيَةُ لَيْسَتْ لِلْإِكْرَامِ بَلْ لِلْإِهَانَةِ إِذْ هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَهَنَّمِيِّ إِذْ مَعْنَاهُ تَبَّتْ يَدَا الْجَهَنَّمِيِّ، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لَا نَظَرَ فِيهَا إِلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ، بَلِ الِاسْمُ إِذَا صُدِّرَ بِأُمٍّ أَوْ أَبٍ فَهُوَ كُنْيَةٌ، سَلَّمْنَا لَكِنَّ اللَّهَبَ لَا يَخْتَصُّ بِجَهَنَّمَ وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِهِ بِكُنْيَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى النَّارِ ذَاتِ اللَّهَبِ وَوَافَقَتْ كُنْيَتُهُ حَالَهُ حَسُنَ أَنْ يُذْكَرَ بِهَا، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ النَّوَوِيُّ مِنَ الْكِتَابِ إِلَى هِرَقْلَ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ ذِكْرُهُ بِعَظِيمِ الرُّومِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ، وَاللَّقَبُ لِغَيْرِ الْعَرَبِ كَالْكُنَى لِلْعَرَبِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَرْعٌ: إِذَا كَتَبَ إِلَى مُشْرِكٍ كِتَابًا وَكَتَبَ فِيهِ سَلَامًا أَوْ نَحْوَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ إِلَى هِرَقْلَ، فَذَكَرَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ: عَظِيمُ الرُّومِ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ، وَقَدْ جَمَعَ أَبِي فِي نُكَتٍ لَهُ عَلَى الْأَذْكَارِ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَظِيمُ الرُّومِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِهِرَقْلَ فَإِنَّهُ عَظِيمُهُمْ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ قَوْلِهِ مَلِكُ الرُّومِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَتَبَهَا لَأَمْكَنَ هِرَقْلَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَا فِي أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ.

قَالَ: وَلَا يَرِدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ مِصْرَ: وَقَالَ الْمَلِكُ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ أَمْرٍ مَضَى وَانْقَضَى بِخِلَافِ هِرَقْلَ، انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّ ذِكْرَ عَظِيمِ الرُّومِ وَالْعُدُولَ عَنْ مَلِكِ الرُّومِ حَيْثُ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى اسْمِهِ ; لِأَنَّ مَنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْلَ كَثِيرٌ، فَقِيلَ عَظِيمُ الرُّومِ لِيُمَيَّزَ عَمَّنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْلَ، فَعَلَى هَذَا فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْكِتَابَةِ لِكُلِّ مَلِكٍ مُشْرِكٍ بِلَفْظِ عَظِيمِ قَوْمِهِ إِلَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ. وَعَلَى عُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأَلُّفِ أَوْ مِنْ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ يَجُوزُ ذَلِكَ بِلَا تَقْيِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا ذُكِرَ قَيْصَرُ وَأَنَّهُ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ كَكِسْرَى لِمَلِكِ الْفُرْسِ، وَخَاقَانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وَالنَّجَاشِيِّ لِمَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَتُبَّعٍ لِمَلِكِ الْيَمَنِ، وَبَطْلَيُوسَ لِمَلِكِ الْيُونَانِ، وَالْقَطَنُونِ لِمَلِكِ الْيَهُودِ وَهَذَا فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ صَارَ يُقَالُ لَهُ: رَأْسُ الْجَالُوتِ، وَنُمْرُودُ لِمَلِكِ الصَّابِئَةِ، وَدَهْمِي لِمَلِكِ الْهِنْدِ، وَقُورُ لِمَلِكِ السِّنْدِ، وَيَعْبُورُ لِمَلِكِ الصِّينِ، وَذُو يَزِنَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَذْوَاءِ لِمَلِكِ حِمْيَرَ، وَهَيَاجُ لِمَلِكِ الزَّنْجِ، وَزِنْبِيلُ لِمَلِكِ الْخَزَرِ، وَشَاهْ أَرْمَنَ لِمَلِكِ أَخْلَاطَ، وَكَابِلَ لِمَلِكِ النُّوبَةِ، وَالْأَفْشِينُ لِمَلِكِ فَرْغَانَةَ وَأُسْرُوسَنَةَ، وَفِرْعَوْنُ لِمَلِكِ مِصْرَ، وَالْعَزِيزُ لِمَنْ ضَمَّ إِلَيْهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَجَالُوتُ لِمَلِكِ الْعَمَالِقَةِ ثُمَّ الْبَرْبَرِ، وَالنُّعْمَانُ لِمَلِكِ الْغَرْبِ مِنْ قِبَلِ الْفُرْسِ، نُقِلَ أَكْثَرُ هَذَا الْفَصْلِ مِنَ السِّيرَةِ لِمُغَلْطَايَ وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ.

١١٦ - بَاب الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَت نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ

٦٢٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الْحَادِي، فَقَالَ رسول الله : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ - وَيْحَكَ - بِالْقَوَارِيرِ.

٦٢١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.، وَأَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : رُوَيْدَكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكَذِبِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ) بنُ عبد الله بنِ أبي طلحة زيد الأنصاريُّ، ممَّا سبق موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠١]: (سَمِعْتُ أَنَسًا) ، يقول: (مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟) وكان جاهلًا بموته (قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ الغلام: (هَدَأَ نَفَسُهُ) بفتح الهاء والدال المهملة بعدها همزة، و «نفَسه» بفتح الفاء، واحدُ الأنفاس، أي: سكنَ نفسُه وانقطعَ بالموت (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من بلاءِ الدُّنيا وألم أمراضها (وَظَنَّ) أبو طلحةَ (أَنَّهَا صَادِقَةٌ) باعتبار ما فهمَهُ من كلامها (١) لأنَّ مفهومه أنَّ الصَّبي تعافى؛ لأنَّ النَّفس إذا سكن أشعر بالنَّوم، والعليل إذا نام أشعرَ بزوال مرضهِ أو خفَّته، فالمرأة صادقةٌ باعتبارِ مرادها، وأمَّا خبرها بذلك فهو غير مطابقٍ للأمر الَّذي فهمَه أبو طلحةَ، فمن ثمَّ قال الرَّاوي: وظنَّ أنَّها صادقةٌ، ومثل ذلك لا يسمَّى كذبًا على الحقيقةِ، بل مندوحةٌ عن الكذب.

٦٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ البُنانيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الحَادِي) أنجشةُ الحبشيُّ، والحدو سوقُ الإبل والغناء لها (فَقَالَ النَّبِيُّ : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالقَوَارِيرِ) متعلِّق بقولهِ: ارفق، ولأبي ذرٍّ: «ويحكَ القواريرَ» بإسقاط الجار ونصب القوارير، أي: النِّساء، فهو من المعاريضِ، وهي التَّورية بالشَّيءِ عن الشَّيء، كما مرَّ معناه.

والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٢٠٢] [خ¦٦١٦١] [خ¦٦١٤٩].

٦٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، ابن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ وَ) عن حمَّاد بن زيدٍ، عن (أَيُّوبَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِيهِ.

قَوْله: (يحوطك) من حاطه إِذا حفظه ورعاه. قَوْله: (فِي ضحضاح) بإعجام الضادين وإهمال الحاءين: الْقَرِيب القعر، أَي: رَقِيق خَفِيف، وَيُقَال: الضحضاح من النَّار وَمن المَاء وَمن كل شَيْء وَهُوَ الْقَلِيل الرَّقِيق مِنْهُ. قَوْله: (لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل) وَهِي الطَّبَقَة السُّفْلى من أطباق جَهَنَّم، وَقيل: الدَّرك الْأَسْفَل توابيت من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، والأدراك فِي اللُّغَة الْمنَازل.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه: جَوَاز تكنية الْمُشرك على وَجه التألف وَغَيره من الْمصَالح، وَقيل: هَذِه التكنية لَيست للإكرام فِي نفس الْأَمر، وَأما تكنية أبي طَالب فلاشتهاره بكنيته دون اسْمه، فَإِن قيل: مَا وَجه تكنية أبي لَهب؟ أُجِيب بأجوبة. الأول: أَن وَجهه كَانَ يتلهب جمالاً فَجعل الله مَا كَانَ يفتخر بِهِ فِي الدُّنْيَا ويتزين بِهِ سَببا لعذابه. الثَّانِي: للْإِشَارَة إِلَى أَنه { (١١١) سيصلى نَارا ذَات لَهب} (المسد: ٣) . الثَّالِث: أَن اسْمه عبد الْعُزَّى وكنيته أَبُو عتبَة، وَأما أَبُو لَهب فلقب لقب بِهِ لجماله وَلَيْسَت بكنية. الرَّابِع قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: إِن هَذِه التكنية لَيست للإكرام بل للإهانة إِذْ هِيَ كِنَايَة عَن الجهنمي إِذْ مَعْنَاهُ: تبت يدا جهنمي، وَاعْترض عَلَيْهِ بعضم بِأَن التكنية لَا ينظر فِيهَا إِلَى مَدْلُول اللَّفْظ بل الإسم إِذا صدر بَاب أَو أم فَهُوَ كنية. انْتهى. قلت: كثير من الْأَسْمَاء المصدرة بِالْأَبِ أَو الْأُم لم يقْصد بهَا الكنية، وَإِنَّمَا يقْصد بهَا إِمَّا الْعلم وَإِمَّا اللقب وَلَا يقْصد بهَا الكنية، فَمن ذَلِك يُقَال لرجل من إياد، وَقيل من نزار: أَبُو أرب، يضْرب بِهِ الْمثل فِي كَثْرَة الْجِمَاع، فَيُقَال: أنكح من أبي أرب يُقَال: إِنَّه افتض فِي لَيْلَة وَاحِدَة سبعين عذراء، ذكره ابْن الْأَثِير فِي كتاب سَمَّاهُ (مرصعاً) وَمن ذَلِك أَبُو براقش لَيْسَ لَهُ إسم غَيرهَا، وَيُقَال: أم الْأَبْرَد للنمرة من قَوْلهم ثوب أبرد فِيهِ لمع بَيَاض وَسَوَاد، وَأم إِحْدَى وَعشْرين للدجاجة، وَأم أحراد بِالْحَاء الْمُهْملَة بِئْر مَكَّة عِنْد بَاب الْبَصرِيين حفرهَا خلف بن أسعد الْخُزَاعِيّ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة. وَفِيه دلَالَة على أَن الله تَعَالَى قد يُعْطي الْكَافِر عوضا من أَعماله الَّتِي مثلهَا يكون قربَة لأهل الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخبر أَن عَمه نفعته تَرْبِيَته إِيَّاه وحياطته لَهُ التَّخْفِيف الَّذِي لَو لم ينصره فِي الدُّنْيَا لم يُخَفف عَنهُ، فَعلم بذلك أَنه عوض نصرته لَا لأجل قرَابَته مِنْهُ، فقد كَانَ لأبي لَهب من الْقَرَابَة مثل مَا كَانَ لأبي طَالب فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك.

١١٦ - (بابٌ المَعارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ)

قَالَ بَعضهم: بَاب منوناً. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب وَإِنَّمَا يكون معرباً إِذا قُلْنَا: هَذَا بَاب فِيهِ المعاريض مندوحة كَذَا وَقع فِي الْأُصُول: المعاريض، بِالْيَاءِ وَكَذَا أوردهُ ابْن بطال، وَأوردهُ ابْن التِّين بِلَفْظ: الْمعَارض، بِدُونِ الْيَاء، ثمَّ قَالَ: كَذَا التَّبْوِيب وَالصَّوَاب المعاريض كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، والمعاريض جمع معراض من التَّعْرِيض وَهُوَ خلاف التَّصْرِيح من القَوْل، وَهُوَ التورية بالشَّيْء عَن الشَّيْء، وَمعنى مندوحة: متسعة، يُقَال مِنْهُ انتدح فلَان بِكَذَا ينتدح بِهِ انتداحاً إِذا اتَّسع بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يُقَال: ندحت الشَّيْء وسعته، قَالَ الطَّبَرِيّ: يُقَال انتدحت الْغنم فِي مرابضها إِذا تبددت واتسعت من البطنة، وانتدح بطن فلَان إِذا استرخى واتسع، وَحَاصِل الْمَعْنى: المعاريض يسْتَغْنى بهَا الرجل عَن الِاضْطِرَار إِلَى الْكَذِب، وَهَذِه التَّرْجَمَة ذكرهَا الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِن فِي المعاريض لمندوحة عَن الْكَذِب، وَأخرجه ابْن أبي عدي عَن قَتَادَة مَرْفُوعا ووهاه.

وَقَالَ إسْحاقُ: سَمِعْتُ أنَساً: ماتَ ابنٌ لأبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلامُ؟ قالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأ نَفْسُهُ وأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَراحَ، وظَنَّ أنَّها صادِقَةٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هدأ نَفسه وَأَرْجُو أَن يكون قد استراح) فَإِن أم سليم ورت بكلامها هَذَا أَن الْغُلَام انْقَطع بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ وَأَبُو طَلْحَة فهم من ذَلِك أَنه تعافى. وَإِسْحَاق هَذَا ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد وَهُوَ زوج أم سليم أم أنس، وَهَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَهُوَ طرف من حَدِيث مطول أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب من لم يظْهر حزنه عِنْد الْمُصِيبَة، قَالَ: حَدثنِي بشر بن الحكم قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: حَدثنَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عُتْبَةَ، وَأَمَّا أَبُو لَهَبٍ فَلَقَبٌ لُقِّبَ بِهِ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَأْلَأُ وَيَلْتَهِبُ جَمَالًا، قَالَ: فَهُوَ لَقَبٌ وَلَيْسَ بِكُنْيَةٍ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي الْإِشْكَالَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ اللَّقَبَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لِلْكَافِرِ لَمْ يَصْلُحْ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: هَذِهِ التَّكْنِيَةُ لَيْسَتْ لِلْإِكْرَامِ بَلْ لِلْإِهَانَةِ إِذْ هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَهَنَّمِيِّ إِذْ مَعْنَاهُ تَبَّتْ يَدَا الْجَهَنَّمِيِّ، فَهُوَ مُتَعَقَّبٌ لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لَا نَظَرَ فِيهَا إِلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ، بَلِ الِاسْمُ إِذَا صُدِّرَ بِأُمٍّ أَوْ أَبٍ فَهُوَ كُنْيَةٌ، سَلَّمْنَا لَكِنَّ اللَّهَبَ لَا يَخْتَصُّ بِجَهَنَّمَ وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النُّكْتَةَ فِي ذِكْرِهِ بِكُنْيَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى النَّارِ ذَاتِ اللَّهَبِ وَوَافَقَتْ كُنْيَتُهُ حَالَهُ حَسُنَ أَنْ يُذْكَرَ بِهَا، وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ النَّوَوِيُّ مِنَ الْكِتَابِ إِلَى هِرَقْلَ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ ذِكْرُهُ بِعَظِيمِ الرُّومِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ، وَاللَّقَبُ لِغَيْرِ الْعَرَبِ كَالْكُنَى لِلْعَرَبِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَرْعٌ: إِذَا كَتَبَ إِلَى مُشْرِكٍ كِتَابًا وَكَتَبَ فِيهِ سَلَامًا أَوْ نَحْوَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ إِلَى هِرَقْلَ، فَذَكَرَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ: عَظِيمُ الرُّومِ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ، وَقَدْ جَمَعَ أَبِي فِي نُكَتٍ لَهُ عَلَى الْأَذْكَارِ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَظِيمُ الرُّومِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِهِرَقْلَ فَإِنَّهُ عَظِيمُهُمْ فَاكْتَفَى بِهِ عَنْ قَوْلِهِ مَلِكُ الرُّومِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَتَبَهَا لَأَمْكَنَ هِرَقْلَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَا فِي أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَى الْمَمْلَكَةِ.

قَالَ: وَلَا يَرِدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ مِصْرَ: وَقَالَ الْمَلِكُ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ أَمْرٍ مَضَى وَانْقَضَى بِخِلَافِ هِرَقْلَ، انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ أَنَّ ذِكْرَ عَظِيمِ الرُّومِ وَالْعُدُولَ عَنْ مَلِكِ الرُّومِ حَيْثُ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى اسْمِهِ ; لِأَنَّ مَنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْلَ كَثِيرٌ، فَقِيلَ عَظِيمُ الرُّومِ لِيُمَيَّزَ عَمَّنْ يَتَسَمَّى بِهِرَقْلَ، فَعَلَى هَذَا فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْكِتَابَةِ لِكُلِّ مَلِكٍ مُشْرِكٍ بِلَفْظِ عَظِيمِ قَوْمِهِ إِلَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ. وَعَلَى عُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّأَلُّفِ أَوْ مِنْ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ يَجُوزُ ذَلِكَ بِلَا تَقْيِيدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِذَا ذُكِرَ قَيْصَرُ وَأَنَّهُ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ كَكِسْرَى لِمَلِكِ الْفُرْسِ، وَخَاقَانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وَالنَّجَاشِيِّ لِمَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَتُبَّعٍ لِمَلِكِ الْيَمَنِ، وَبَطْلَيُوسَ لِمَلِكِ الْيُونَانِ، وَالْقَطَنُونِ لِمَلِكِ الْيَهُودِ وَهَذَا فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ صَارَ يُقَالُ لَهُ: رَأْسُ الْجَالُوتِ، وَنُمْرُودُ لِمَلِكِ الصَّابِئَةِ، وَدَهْمِي لِمَلِكِ الْهِنْدِ، وَقُورُ لِمَلِكِ السِّنْدِ، وَيَعْبُورُ لِمَلِكِ الصِّينِ، وَذُو يَزِنَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَذْوَاءِ لِمَلِكِ حِمْيَرَ، وَهَيَاجُ لِمَلِكِ الزَّنْجِ، وَزِنْبِيلُ لِمَلِكِ الْخَزَرِ، وَشَاهْ أَرْمَنَ لِمَلِكِ أَخْلَاطَ، وَكَابِلَ لِمَلِكِ النُّوبَةِ، وَالْأَفْشِينُ لِمَلِكِ فَرْغَانَةَ وَأُسْرُوسَنَةَ، وَفِرْعَوْنُ لِمَلِكِ مِصْرَ، وَالْعَزِيزُ لِمَنْ ضَمَّ إِلَيْهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَجَالُوتُ لِمَلِكِ الْعَمَالِقَةِ ثُمَّ الْبَرْبَرِ، وَالنُّعْمَانُ لِمَلِكِ الْغَرْبِ مِنْ قِبَلِ الْفُرْسِ، نُقِلَ أَكْثَرُ هَذَا الْفَصْلِ مِنَ السِّيرَةِ لِمُغَلْطَايَ وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ.

١١٦ - بَاب الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا: مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَت نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ

٦٢٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الْحَادِي، فَقَالَ رسول الله : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ - وَيْحَكَ - بِالْقَوَارِيرِ.

٦٢١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.، وَأَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : رُوَيْدَكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكَذِبِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ) بنُ عبد الله بنِ أبي طلحة زيد الأنصاريُّ، ممَّا سبق موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠١]: (سَمِعْتُ أَنَسًا) ، يقول: (مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟) وكان جاهلًا بموته (قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) أمُّ الغلام: (هَدَأَ نَفَسُهُ) بفتح الهاء والدال المهملة بعدها همزة، و «نفَسه» بفتح الفاء، واحدُ الأنفاس، أي: سكنَ نفسُه وانقطعَ بالموت (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من بلاءِ الدُّنيا وألم أمراضها (وَظَنَّ) أبو طلحةَ (أَنَّهَا صَادِقَةٌ) باعتبار ما فهمَهُ من كلامها (١) لأنَّ مفهومه أنَّ الصَّبي تعافى؛ لأنَّ النَّفس إذا سكن أشعر بالنَّوم، والعليل إذا نام أشعرَ بزوال مرضهِ أو خفَّته، فالمرأة صادقةٌ باعتبارِ مرادها، وأمَّا خبرها بذلك فهو غير مطابقٍ للأمر الَّذي فهمَه أبو طلحةَ، فمن ثمَّ قال الرَّاوي: وظنَّ أنَّها صادقةٌ، ومثل ذلك لا يسمَّى كذبًا على الحقيقةِ، بل مندوحةٌ عن الكذب.

٦٢٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ ثَابِتٍ البُنانيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ فِي مَسِيرٍ لَهُ فَحَدَا الحَادِي) أنجشةُ الحبشيُّ، والحدو سوقُ الإبل والغناء لها (فَقَالَ النَّبِيُّ : ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالقَوَارِيرِ) متعلِّق بقولهِ: ارفق، ولأبي ذرٍّ: «ويحكَ القواريرَ» بإسقاط الجار ونصب القوارير، أي: النِّساء، فهو من المعاريضِ، وهي التَّورية بالشَّيءِ عن الشَّيء، كما مرَّ معناه.

والحديثُ سبق قريبًا [خ¦٦٢٠٢] [خ¦٦١٦١] [خ¦٦١٤٩].

٦٢١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الميم، ابن زيدٍ (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ وَ) عن حمَّاد بن زيدٍ، عن (أَيُّوبَ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِيهِ.

قَوْله: (يحوطك) من حاطه إِذا حفظه ورعاه. قَوْله: (فِي ضحضاح) بإعجام الضادين وإهمال الحاءين: الْقَرِيب القعر، أَي: رَقِيق خَفِيف، وَيُقَال: الضحضاح من النَّار وَمن المَاء وَمن كل شَيْء وَهُوَ الْقَلِيل الرَّقِيق مِنْهُ. قَوْله: (لَكَانَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل) وَهِي الطَّبَقَة السُّفْلى من أطباق جَهَنَّم، وَقيل: الدَّرك الْأَسْفَل توابيت من نَار تطبق عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: توابيت من حَدِيد تغلق عَلَيْهِم، والأدراك فِي اللُّغَة الْمنَازل.

وَقَالَ ابْن بطال: وَفِيه: جَوَاز تكنية الْمُشرك على وَجه التألف وَغَيره من الْمصَالح، وَقيل: هَذِه التكنية لَيست للإكرام فِي نفس الْأَمر، وَأما تكنية أبي طَالب فلاشتهاره بكنيته دون اسْمه، فَإِن قيل: مَا وَجه تكنية أبي لَهب؟ أُجِيب بأجوبة. الأول: أَن وَجهه كَانَ يتلهب جمالاً فَجعل الله مَا كَانَ يفتخر بِهِ فِي الدُّنْيَا ويتزين بِهِ سَببا لعذابه. الثَّانِي: للْإِشَارَة إِلَى أَنه { (١١١) سيصلى نَارا ذَات لَهب} (المسد: ٣) . الثَّالِث: أَن اسْمه عبد الْعُزَّى وكنيته أَبُو عتبَة، وَأما أَبُو لَهب فلقب لقب بِهِ لجماله وَلَيْسَت بكنية. الرَّابِع قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: إِن هَذِه التكنية لَيست للإكرام بل للإهانة إِذْ هِيَ كِنَايَة عَن الجهنمي إِذْ مَعْنَاهُ: تبت يدا جهنمي، وَاعْترض عَلَيْهِ بعضم بِأَن التكنية لَا ينظر فِيهَا إِلَى مَدْلُول اللَّفْظ بل الإسم إِذا صدر بَاب أَو أم فَهُوَ كنية. انْتهى. قلت: كثير من الْأَسْمَاء المصدرة بِالْأَبِ أَو الْأُم لم يقْصد بهَا الكنية، وَإِنَّمَا يقْصد بهَا إِمَّا الْعلم وَإِمَّا اللقب وَلَا يقْصد بهَا الكنية، فَمن ذَلِك يُقَال لرجل من إياد، وَقيل من نزار: أَبُو أرب، يضْرب بِهِ الْمثل فِي كَثْرَة الْجِمَاع، فَيُقَال: أنكح من أبي أرب يُقَال: إِنَّه افتض فِي لَيْلَة وَاحِدَة سبعين عذراء، ذكره ابْن الْأَثِير فِي كتاب سَمَّاهُ (مرصعاً) وَمن ذَلِك أَبُو براقش لَيْسَ لَهُ إسم غَيرهَا، وَيُقَال: أم الْأَبْرَد للنمرة من قَوْلهم ثوب أبرد فِيهِ لمع بَيَاض وَسَوَاد، وَأم إِحْدَى وَعشْرين للدجاجة، وَأم أحراد بِالْحَاء الْمُهْملَة بِئْر مَكَّة عِنْد بَاب الْبَصرِيين حفرهَا خلف بن أسعد الْخُزَاعِيّ، وأمثال هَذِه كَثِيرَة. وَفِيه دلَالَة على أَن الله تَعَالَى قد يُعْطي الْكَافِر عوضا من أَعماله الَّتِي مثلهَا يكون قربَة لأهل الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخبر أَن عَمه نفعته تَرْبِيَته إِيَّاه وحياطته لَهُ التَّخْفِيف الَّذِي لَو لم ينصره فِي الدُّنْيَا لم يُخَفف عَنهُ، فَعلم بذلك أَنه عوض نصرته لَا لأجل قرَابَته مِنْهُ، فقد كَانَ لأبي لَهب من الْقَرَابَة مثل مَا كَانَ لأبي طَالب فَلم يَنْفَعهُ ذَلِك.

١١٦ - (بابٌ المَعارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ)

قَالَ بَعضهم: بَاب منوناً. قلت: لَيْسَ كَذَلِك لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب وَإِنَّمَا يكون معرباً إِذا قُلْنَا: هَذَا بَاب فِيهِ المعاريض مندوحة كَذَا وَقع فِي الْأُصُول: المعاريض، بِالْيَاءِ وَكَذَا أوردهُ ابْن بطال، وَأوردهُ ابْن التِّين بِلَفْظ: الْمعَارض، بِدُونِ الْيَاء، ثمَّ قَالَ: كَذَا التَّبْوِيب وَالصَّوَاب المعاريض كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، والمعاريض جمع معراض من التَّعْرِيض وَهُوَ خلاف التَّصْرِيح من القَوْل، وَهُوَ التورية بالشَّيْء عَن الشَّيْء، وَمعنى مندوحة: متسعة، يُقَال مِنْهُ انتدح فلَان بِكَذَا ينتدح بِهِ انتداحاً إِذا اتَّسع بِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: يُقَال: ندحت الشَّيْء وسعته، قَالَ الطَّبَرِيّ: يُقَال انتدحت الْغنم فِي مرابضها إِذا تبددت واتسعت من البطنة، وانتدح بطن فلَان إِذا استرخى واتسع، وَحَاصِل الْمَعْنى: المعاريض يسْتَغْنى بهَا الرجل عَن الِاضْطِرَار إِلَى الْكَذِب، وَهَذِه التَّرْجَمَة ذكرهَا الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ إِن فِي المعاريض لمندوحة عَن الْكَذِب، وَأخرجه ابْن أبي عدي عَن قَتَادَة مَرْفُوعا ووهاه.

وَقَالَ إسْحاقُ: سَمِعْتُ أنَساً: ماتَ ابنٌ لأبِي طَلْحَةَ فَقَالَ: كَيْفَ الغُلامُ؟ قالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأ نَفْسُهُ وأرْجُو أنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَراحَ، وظَنَّ أنَّها صادِقَةٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (هدأ نَفسه وَأَرْجُو أَن يكون قد استراح) فَإِن أم سليم ورت بكلامها هَذَا أَن الْغُلَام انْقَطع بِالْكُلِّيَّةِ بِالْمَوْتِ وَأَبُو طَلْحَة فهم من ذَلِك أَنه تعافى. وَإِسْحَاق هَذَا ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد وَهُوَ زوج أم سليم أم أنس، وَهَذَا التَّعْلِيق سقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَهُوَ طرف من حَدِيث مطول أخرجه البُخَارِيّ فِي الْجَنَائِز فِي: بَاب من لم يظْهر حزنه عِنْد الْمُصِيبَة، قَالَ: حَدثنِي بشر بن الحكم قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: حَدثنَا

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله