«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٩١

الحديث رقم ٦٦٩١ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا حرم طعامه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٦٩١ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ: أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ. فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا.» وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا.

بَابُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَقَوْلِهِ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٦٦٩١

٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ: أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٦٩١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ، وَالْأَخِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لُبَابَةَ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَعَنْ قَتَادَةَ يَلْزَمُ الْغَنِيَّ الْعُشْرُ وَالْمُتَوَسِّطَ السُّبُعُ وَالْمُمْلَقَ الْخُمُسُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْكُلُّ إِلَّا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ، فَكَفَّارَتُهُ يَمِينٌ، وَعَنْ سَحْنُونٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ يَلْزَمُهُ الْكُلُّ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ.

وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ كَعْبٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ أَهْدَى أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ؟ وَقِصَّةُ كَعْبٍ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْجِيزُ، لَكِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَنْجِيزٌ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْضِ، فَيَكُونُ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، أَوْ يُعَلِّقَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ لَمْ يُمْنَعْ وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَإِيثَارُ الْأَنْصَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَفِي لَفْظِ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ الْمَالِيَّةُ، وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فَقَالَ: التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَظَاهِرُ حَالِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ. قُلْتُ: مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِهَا مَحْوُ الذُّنُوبِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ

٢٥ - بَاب إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾

٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَرَّمَ طَعَامًا). فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: طَعَامَهُ، وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ نَذْرِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: طَعَامُ كَذَا أَوْ شَرَابُ كَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ: نَذَرْتُ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا آكُلَ كَذَا، أَوْ لَا أَشْرَبَ كَذَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِنْ قَرَنَهُ بِحَلِفٍ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ

قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المراد بهذا التَّحريم هو الامتناعُ من الانتفاعِ لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحلَّه الله (١) (﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾) أي: بيَّن الله لكُم (﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]) بالكفَّارةِ، أو شرعَ لكم الاستثناء في أيمانِكم، وذلك أن يقول: إن شاءَ الله، عقبها حتَّى لا يحنثَ، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢)﴾ … » إلى آخره.

(وَقولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) ما طابَ ولذَّ من الحلال، أي: لا تمنعوا أنفسَكُم كمنع التَّحريم، أو لا تقولوا: حرَّمناها على أنفسِنَا، مبالغةً منكم في العزمِ على تركهَا تزهُّدًا منكم وتقشُّفًا.

٦٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن الصَّبَّاح الزَّعفرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ) بن محمَّد المصيصيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما، اللَّيثيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) (تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) أمُّ المؤمنين بنت عمر (أَنَّ أَيَّتَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أنْ» بتخفيف النون (٣) «أيَّتُنَا» بالرَّفع (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ) له: (إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ) بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فراء، صمغٌ له رائحةٌ كريهةٌ ينضجه

شجر يُسمَّى العُرْفُط (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِها، ويحتملُ أن تكون حفصة (فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ) أي: «إنِّي أجدُ منك ريحَ مَغافير، أكلتَ مغافير (١)؟!» (فَقَالَ) : (لَا) ما أكلتُ مَغافير، وكان يكره الرَّائحة الخبيثةَ (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: ١ - ٤]) خطابٌ (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) على طريقِ الالتفاتِ؛ ليكون أبلغَ في (٢) معاتبتِهما، وجوابُ الشَّرط محذوف، والتَّقدير: إن تتوبَا إلى الله فهو الواجب (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾) حفصةَ (﴿حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]) سقطَ قوله «حديثًا» من «اليونينيَّة» وثبتَ في غيرِها (لِقولهِ) : (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) أي: الحديث المُسَرّ كان ذلك القول.

قال البخاريُّ بالسَّند (٣):

(وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسبقَ في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٢] بلفظ: حَدَّثنا إبراهيمُ بن موسى (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن يوسف، عن ابنِ جُريج بالسَّند المذكور إلى قولهِ (٤): (وَلَنْ أَعُودَ لَهُ) للشُّرب، فزاد قوله: (وَقَدْ حَلَفْتُ) على عدمِ (٥) شُرب العسلِ (فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا).

وسبق الحديثُ في «الطَّلاق» بعينِ (٦) هذا الإسنادِ والمتن [خ¦٥٢٦٧].

(٢٦) (باب) حكم (الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ) أو فضله (٧) (وَقولهِ) تعالى (٨): (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]) أي: بما أوجبُوا على أنفسِهم مبالغةً في وصفِهم بالتَّوفُّر على أداءِ الواجبات؛ لأنَّ من وفَى بما أوجبَه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَزَادَ: وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ، وَالْأَخِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لُبَابَةَ لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَعَنْ قَتَادَةَ يَلْزَمُ الْغَنِيَّ الْعُشْرُ وَالْمُتَوَسِّطَ السُّبُعُ وَالْمُمْلَقَ الْخُمُسُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْكُلُّ إِلَّا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ، فَكَفَّارَتُهُ يَمِينٌ، وَعَنْ سَحْنُونٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَجَمَاعَةٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ يَلْزَمُهُ الْكُلُّ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ.

وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ كَعْبٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ أَنَّ مَنْ أَهْدَى أَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ؟ وَقِصَّةُ كَعْبٍ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّنْجِيزُ، لَكِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَنْجِيزٌ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْضِ، فَيَكُونُ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، أَوْ يُعَلِّقَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إِلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ لَمْ يُمْنَعْ وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَإِيثَارُ الْأَنْصَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ: لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَفِي لَفْظِ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَتِ الْكَفَّارَةُ الْمَالِيَّةُ، وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فَقَالَ: التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا وَظَاهِرُ حَالِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ. قُلْتُ: مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ أَنَّ لِلصَّدَقَةِ أَثَرًا فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِهَا مَحْوُ الذُّنُوبِ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ

٢٥ - بَاب إِذَا حَرَّمَ طَعَامَهُ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾

٦٦٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لِعَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَرَّمَ طَعَامًا). فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: طَعَامَهُ، وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ نَذْرِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: طَعَامُ كَذَا أَوْ شَرَابُ كَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ: نَذَرْتُ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا آكُلَ كَذَا، أَوْ لَا أَشْرَبَ كَذَا، وَالرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا إِنْ قَرَنَهُ بِحَلِفٍ فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ

قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المراد بهذا التَّحريم هو الامتناعُ من الانتفاعِ لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحلَّه الله (١) (﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ﴾) أي: بيَّن الله لكُم (﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]) بالكفَّارةِ، أو شرعَ لكم الاستثناء في أيمانِكم، وذلك أن يقول: إن شاءَ الله، عقبها حتَّى لا يحنثَ، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢)﴾ … » إلى آخره.

(وَقولهِ) تعالى: (﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]) ما طابَ ولذَّ من الحلال، أي: لا تمنعوا أنفسَكُم كمنع التَّحريم، أو لا تقولوا: حرَّمناها على أنفسِنَا، مبالغةً منكم في العزمِ على تركهَا تزهُّدًا منكم وتقشُّفًا.

٦٦٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن الصَّبَّاح الزَّعفرانيُّ قال: (حَدَّثَنَا الحَجَّاجُ) بن محمَّد المصيصيُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بنِ عبد العزيز، أنَّه (قَالَ: زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباحٍ (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بالتَّصغير فيهما، اللَّيثيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) (تَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ) أمِّ المؤمنين (زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) أمُّ المؤمنين بنت عمر (أَنَّ أَيَّتَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أنْ» بتخفيف النون (٣) «أيَّتُنَا» بالرَّفع (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ فَلْتَقُلْ) له: (إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ) بفتح الميم والغين المعجمة وبعد الألف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فراء، صمغٌ له رائحةٌ كريهةٌ ينضجه

شجر يُسمَّى العُرْفُط (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) استفهامٌ محذوفُ الأداة (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال ابن حجرٍ: لم أقفْ على تعيينِها، ويحتملُ أن تكون حفصة (فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ) أي: «إنِّي أجدُ منك ريحَ مَغافير، أكلتَ مغافير (١)؟!» (فَقَالَ) : (لَا) ما أكلتُ مَغافير، وكان يكره الرَّائحة الخبيثةَ (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: ١ - ٤]) خطابٌ (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) على طريقِ الالتفاتِ؛ ليكون أبلغَ في (٢) معاتبتِهما، وجوابُ الشَّرط محذوف، والتَّقدير: إن تتوبَا إلى الله فهو الواجب (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾) حفصةَ (﴿حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]) سقطَ قوله «حديثًا» من «اليونينيَّة» وثبتَ في غيرِها (لِقولهِ) : (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) أي: الحديث المُسَرّ كان ذلك القول.

قال البخاريُّ بالسَّند (٣):

(وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو إسحاق الرَّازيُّ الصَّغير، وسبقَ في «التَّفسير» [خ¦٤٩١٢] بلفظ: حَدَّثنا إبراهيمُ بن موسى (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن يوسف، عن ابنِ جُريج بالسَّند المذكور إلى قولهِ (٤): (وَلَنْ أَعُودَ لَهُ) للشُّرب، فزاد قوله: (وَقَدْ حَلَفْتُ) على عدمِ (٥) شُرب العسلِ (فَلَا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا).

وسبق الحديثُ في «الطَّلاق» بعينِ (٦) هذا الإسنادِ والمتن [خ¦٥٢٦٧].

(٢٦) (باب) حكم (الوَفَاءِ بِالنَّذْرِ) أو فضله (٧) (وَقولهِ) تعالى (٨): (﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]) أي: بما أوجبُوا على أنفسِهم مبالغةً في وصفِهم بالتَّوفُّر على أداءِ الواجبات؛ لأنَّ من وفَى بما أوجبَه

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده