الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6953
الحديث رقم 6953 من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الحيل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٢٣⦘
أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.»
٦٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ كل الأعمال معتبرة بالنية، وهذا الحكم عام في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات، فمن قصد بعمله منفعةً لم يَنَلْ إلا تلك المنفعة ولا ثواب له، ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى نال من عمله المثوبة والأجر ولو كان عملًا عاديًّا، كالأكل والشرب.
ثم ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا لبيان تأثير النية في الأعمال مع تساويهما في الصورة الظاهرة، فبَيَّن أنَّ من قصد بهجرته وترك وطنه ابتغاء مرضات ربه، فهجرته هجرة شرعية مقبولة يثاب عليها لصدق نيته، ومن قصد بهجرته منفعةً دنيوية، من مال، أو جاه، أو تجارة، أو زوجة، فلا ينال من هجرته إلا تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا
٦٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحِيَلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ التَّرْكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَيْ مِنَ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى - إِجَازَةُ الْحِيَلِ. قَالَ: وَهُوَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ بَلْ دَعَا لَهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَقُلْ بَابُ تَرْكِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَتَهُ لَوْ وَقَعَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِنْكَارٌ، بِخِلَافِ الْحِيَلِ فَإِنَّ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا عُمُومًا إِبْطَالَ حُقُوقٍ وَجَبَتْ وَإِثْبَاتَ حُقُوقٍ لَا تَجِبُ فَتَحَرَّى فِيهَا لِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ أَوَّلًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مِنَ الْحِيَلِ مَا يُشْرَعُ فَلَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَغَيْرِهِ وَجَعَلَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا عَلَى إِرَادَةِ الْيَمِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اتَّسَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَحَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ، فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ الْقَصْدُ أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ الْقَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالًا، قَالَ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَإِبْطَالِ التَّحَيُّلِ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ، وَوَجْهُ التَّعْمِيمِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ الْمُقَدَّرَ الِاعْتِبَارُ، فَمَعْنَى الِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَادَاتِ إِجْزَاؤُهَا وَبَيَانُ مَرَاتِبِهَا، وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ الرَّدُّ إِلَى الْقَصْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ تَصْرِيحُ الْبُخَارِيِّ بِدُخُولِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَقَلْتُ هُنَاكَ كَلَامَ ابْنِ الْمُنِيرِ فِي ضَابِطِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ عَلْقَمَةَ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: يَخْطُبُ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: بِالنِّيَّاتِ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ كَمَا هُنَا مَعَ حَذْفِ إِنَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَكَانَ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَنْقَلِبُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ.
وَاحْتُجَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُبْرُمَةَ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَجَابُوا أَنَّ الْحَجَّ خَرَجَ عَنْ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ يَمْضِي فَاسِدُهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِأَثْنَاءِ الْحَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ بِالْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَالْأَجْرِ
الْحَاصِلِ لِلْمَرِيضِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ عَلَى الصَّبْرِ لِثُبُوتِ الْأخْبَارِ بِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَقَعُ الْأَجْرُ عَلَى الصَّبْرِ وَحُصُولِ الْأَجْرِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ لِمَنْ قَصَدَ الْعِبَادَةَ فَعَاقَهُ عَنْهَا عَائِقٌ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ، وَكَمَنْ لَهُ أَوْرَادٌ فَعَجَرَ عَنْ فِعْلِهَا لِمَرَضٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُهَا كَمَنْ عَمِلَهَا. وَمِمَّا يُسْتَثْنَى عَلَى خُلْفٍ مَا إِذَا نَوَى صَلَاةَ فَرْضٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فَرْضًا هَلْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا؟ وَهَذَا عِنْدَ الْعُذْرِ، فَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا يَنْقَلِبُ نَفْلًا إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
وَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُثَابُ الْمَسْبُوقُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَوْ يَعُمُّ، وَهَلْ يُثَابُ مَنْ نَوَى صِيَامَ نَفْلٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ مِنْ حِينَ نَوَى؟ وَهَلْ تُكْمَلُ الْجُمُعَةُ إِذَا خَرَجَ وَقْتُهَا فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا جُمُعَةً أَوْ ظُهْرًا وَهَلْ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا أَوْ تَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ؟
وَالْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الِاعْتِدَالَ الثَّانِيَ مَثَلًا هَلْ يَنْوِي الْجُمُعَةَ أَوِ الظُّهْرَ؟ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ هَلْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً أَوْ لَا؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ وَمَنْ قَالَ بِإِعْمَالِهَا، لِأَنَّ مَرْجِعَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِيَّةِ الْعَامِلِ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْأَبْوَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ.
وَالضَّابِطُ مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَلَاصُ مَظْلُومٍ مَثَلًا فَهُوَ مَطْلُوبٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَوَاتُ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَاطِي الْحِيَلِ فِي تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ كَالْغَزَالِيِّ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَيَأْثَمُ بِقَصْدِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ الْبَيْعِ الرِّبَا وَقَعَ فِي الرِّبَا وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْإِثْمِ صُورَةُ الْبَيْعِ، وَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ النِّكَاحِ التَّحْلِيلَ كَانَ مُحَلِّلًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةُ النِّكَاحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ بِهِ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَانَ إِثْمًا.
وَلَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ فِي التَّحَيُّلِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ بَيْنَ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَالْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ إِذَا جُعِلَ ذَرِيعَةً لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنَ الْكَافِرِ وَلَا الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى سُقُوطِ الْقَوَدِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ، وَعَلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ كَالْمَالِكِيَّةِ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ الْحَاكِمَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ بِالْقَرَائِنِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَظْهَرَ الْمُطَابَقَةُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا غَالِبًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي مَعْنَاهُ وَيَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي إِرَادَةِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ لِمَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ يُخَالِفُ كَلَامَهُ وَجَبَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا ظَهَرَتْ إِرَادَتُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوْ يُعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ إِرَادَتِهِ؟
فَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ يَفْسُدُ بِأَنْ يُقَالَ هَذِهِ الصِّيغَةُ فِيهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا وَنِيَّةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهَا فَاسِدَةٌ لَكَانَ إِفْسَادُ الْبَيْعِ بِمَا يَتَحَقَّقُ تَحْرِيمُهُ أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ هَذَا الظَّنِّ، كَمَا لَوْ نَوَى رَجُلٌ بِشِرَاءِ سَيْفٍ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً جَزْمًا، فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَفْسُدُ بِمِثْلِ هَذَا فَلَا يَفْسُدُ بِالظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَاسْتُدِلَّ لِلثَّانِي بِأَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلِ فَيَصِيرُ بِهَا تَارَةً حَرَامًا وَتَارَةً حَلَالًا كَمَا يَصِيرُ الْعَقْدُ بِهَا تَارَةً صَحِيحًا وَتَارَةً فَاسِدًا، كَالذَّبْحِ مَثَلًا فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَحِلُّ إِذَا ذُبِحَ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَيَحْرُمُ إِذَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالصُّورَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
((٩٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الحِيَلِ) جمع: حيلةٍ، وهي (١) ما يُتوصَّل به إلى المراد بطريقٍ خفيٍّ.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي تَرْكِ الحِيَلِ) وشطب في «اليونينيَّة» على (٢): «في» فـ «باب» مضافٌ لتاليهِ (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة (وَغَيْرِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وغيرهِ» بالتَّذكير على إرادةِ اليمين المستفاد من صيغةِ الجمع، وقولهُ: «في الأيمان (٣) وغيرها» تفقهٌ (٤) من البخاريِّ لا من الحديثِ.
٦٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، اللَّيثيِّ المدنيِّ أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ) على المنبر (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)
بالإفراد، والجملة مقولُ القولِ «وإنَّما» من أدوات الحصرِ. قال السَّكاكِي في «إعجاز القرآن»: إنَّ (١) الواقعَ بعد «إنَّما» إذا كان مبتدأ وخبرًا فالمحصور (٢) الثَّاني، فإذا قلنا: إنَّما المال لزيدٍ، فالمال لزيدٍ لا لغيره، وإذا قلنا (٣): إنَّما لزيدٍ المالُ فالمحصور المال (٤) تقديره: لا غيره (٥)، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقدير مضافٍ، أي: إنَّما صحَّةُ الأعمال، والخبرُ الاستقرار الَّذي تعلَّق (٦) به حرفُ الجرِّ، والباء في «بالنيَّة» (٧) للسببيَّة، أي: إنَّما الأعمالُ ثابتٌ ثوابها بسببِ النِّيَّة، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد (٨) يقومُ مقام الجمعِ، وإنَّما يُجمع (٩) لاختلافِ الأنواع (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى). وفي التَّعليق السَّابق كرواية أوَّل الكتاب [خ¦٥٤] «لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وقع في الرِّبا، ولا يُخلِّصه من الإثمِ (١٠) صورة البيع، ومن نَوى بعقد النِّكاح التَّحليل كأنَّه (١١) محلِّلًا ودخل في الوعيد على ذلك باللَّعن، ولا يُخلِّصه من ذلك صورة النِّكاح، وكلُّ شيءٍ قُصِد به تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله كان إثمًا، واستَدلَّ به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها؛ لأنَّ مرجع كلٍّ من الفريقين إلى نيَّة العامل، فإن كان في ذلك خلاص مظلومٍ مثلًا فهو مطلوبٌ، وإن كان فيه فوات حقٍّ فهو مذمومٌ، وقد نصَّ إمامنا الشَّافعيُّ على كراهةِ تَعاطي الحيل في تفويتِ الحقوق. فقال بعضُ أصحابه: هي كراهة تنزيهٍ. وقال كثيرٌ من محقِّقيهم كالغزاليِّ: هي كراهةُ تحريمٍ. وقد نقل صاحب «الكافي» من الحنفيَّة عن محمَّد بن الحسن قال: ليس من أخلاقِ المؤمنين الفِرار من أحكامِ الله بالحيلِ الموصلة إلى إبطال الحقِّ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) من مكَّة إلى المدينة (١٢)
(إِلَى اللهِ) أي: إلى طاعةِ الله (وَرَسُولِهِ) وجواب الشَّرط قولهُ: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فهو كقوله: مَن أكلَ أكلَ، ومَن شربَ شربَ، وذلك غير مفيدٍ. وأجاب عنه ابنُ دقيق العيد بأنَّ التَّقدير: فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله قصدًا ونيَّةً (١) فهجرته إلى اللهِ ورسوله ثوابًا وأجرًا. قال ابنُ مالك: هو كقولهِ: لو متَّ متَّ على غيرِ الفطرة. قال ابنُ فَرْحون: وإعراب «قصدًا ونيَّة» يصحُّ أن يكون خبر كان، أي: ذات قصدٍ وذات نيَّةٍ، وتتعلَّق إلى بالمصدرِ، ويصحُّ أن يكون «إلى اللهِ» الخبر، وقصدًا مصدرٌ في محلِّ الحال، وأمَّا قوله: ثوابًا وأجرًا فلا يصحُّ فيهما إلَّا الحال من الضَّمير في الخبر. انتهى.
وسبق مزيد لذلك أوَّل هذا الشَّرح [خ¦١].
(وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا) بضم الدال، وحكى ابنُ قتيبة كسرها، ولا تنوَّن على المشهور؛ لأنَّها فُعْلى من الدُّنوِّ وألف التَّأنيث تمنعُ من الصَّرف وحكى تنوينهَا. قال ابن جنِّي: وهي لغةٌ نادرةٌ، والدُّنيا ما على الأرض مع الجوِّ والهواء، أو كلُّ مخلوقٍ من الجواهر والأعراضِ الموجودة قبل الدَّار الآخرة، والمراد بها في الحديث: المال ونحوه (يُصِيبُهَا) جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ ومفعولٍ في موضع جرِّ (٢) صفةٌ لـ «دنيا»، ومتى تقدَّمت النَّكرة على الظَّرف أو المجرورات أو الجمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفةُ كانت أحوالًا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) وجواب الشَّرط قوله: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ).
ووجه مطابقة الحديثِ للترجمة الَّتي هي لتركِ الحيل أنَّ مهاجر أمِّ قيسٍ جعل الهجرةَ حيلةً في تزوّج أمِّ قيسٍ.
والحديث سبق مرارًا [خ¦١] [خ¦٥٤] [خ¦٢٥٢٩].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان دخول الحيلة (فِي الصَّلَاةِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَأما الاحتيال لإبطال حق الْمُسلم فإثم وعدوان. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي الْكَافِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ: لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ الْفِرَار من أَحْكَام الله بالحيل الموصلة إِلَى إبِْطَال الْحق.
٢ - (بابٌ فِي الصلاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُخُول الْحِيلَة فِي الصَّلَاة.
٦٩٥٤ - حدّثني إسْحَاق بنُ نَصْرِ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عنْ مَعْمَرِ، عنْ هَمَّامٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقْبَلُ الله صَلاةَ أحَدِكُمْ إِذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوضَّأ
انْظُر الحَدِيث ١٣٥
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بِالْكتاب؟ . قلت: قَالُوا مَقْصُود البُخَارِيّ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ صححوا صَلَاة من أحدث فِي الجلسة الْأَخِيرَة، وَقَالُوا: إِن التَّحَلُّل يحصل بِكُل مَا يضاد الصَّلَاة فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث. وَوجه الرَّد أَنه مُحدث فِي الصَّلَاة فَلَا تصح لِأَن التَّحَلُّل مِنْهَا ركن فِيهَا لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، كَمَا أَن التَّحْرِيم بِالتَّكْبِيرِ ركن مِنْهَا، وَحَيْثُ قَالُوا: الْمُحدث فِي الصَّلَاة يتَوَضَّأ وَيَبْنِي، وَحَيْثُ حكمُوا بِصِحَّتِهَا عِنْد عدم النِّيَّة فِي الْوضُوء بعلة أَنه لَيْسَ بِعبَادة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْمُنِير: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد قَول من قَالَ بِصِحَّة صَلَاة من أحدث عمدا فِي أثْنَاء الْجُلُوس الْأَخير، وَيكون حَدثهُ كسلامه بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة مَعَ الْحَدث. انْتهى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ رد على من قَالَ: إِن من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة إِن صلَاته صَحِيحَة. انْتهى. وَقيل: التَّحْرِيم يُقَابله التَّسْلِيم لحَدِيث: تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم، فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا
قلت: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة أصلا فَإِنَّهُ لَا يدل أصلا على شَيْء من الْحِيَل، وَقَول الْكرْمَانِي: فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث، كَلَام مَرْدُود غير مَقْبُول أصلا لِأَن الْحَنَفِيَّة مَا صححوا صَلَاة من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة بالحيلة، وَمَا للحيلة دخل أصلا فِي هَذَا، بل حكمُوا بذلك بقوله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِابْنِ مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا قلت هَذَا أَو فعلت هَذَا فقد تمت صَلَاتك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَلَفظه: إِذا قلت هَذَا أَو قضيت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهَذَا يُنَافِي فَرضِيَّة السَّلَام فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خير الْمُصَلِّي بعد الْقعُود بقوله إِن شِئْت أَن تقوم ... إِلَى آخِره، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: السَّلَام فرض وَمَا حملهمْ على هَذَا الْكَلَام السَّاقِط إلَاّ فرط تعصبهم الْبَاطِل.
وَقَوله: وَجه الرَّد أَنه مُحدث فِي صلَاته، فَلَا تصح غير صَحِيح لِأَن صلَاته قد تمت. وَقَوله: لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، اسْتِدْلَال غير صَحِيح، لِأَنَّهُ خبر من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يدل على الْفَرْضِيَّة، وَكَذَلِكَ استدلالهم على فَرضِيَّة تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح بقوله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير، غير صَحِيح لما ذكرنَا، بل فرضيته بقوله تَعَالَى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} المُرَاد بِهِ فِي الصَّلَاة إِذْ لَا يجب خَارج الصَّلَاة بِإِجْمَاع أهل التَّفْسِير، وَلَا مَكَان يجب فِيهِ إلَاّ فِي افْتِتَاح الصَّلَاة. وَقَوله: بعلة أَنه لبس بِعبَادة، كَلَام سَاقِط أَيْضا، لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا: إِن الْوضُوء لَيْسَ بِعبَادة مُطلقًا، بل قَالُوا: إِنَّه عبَادَة غير مُسْتَقلَّة بذاتها بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة، وَقَول ابْن الْمُنِير أَيْضا، بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة، مَرْدُود كَمَا ذكرنَا وَجهه، وَقَول ابْن بطال: فِيهِ رد ... الخ كَذَلِك مَرْدُود. لِأَن الحَدِيث لَا يدل على مَا قَالَه قطعا. وَقَول من قَالَ: فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا، غير سديد وَلَا موجة أصلا لعدم استلزام ذَلِك على مَا لَا يخفى.
قَوْله: حَدثنِي إِسْحَاق ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق، وَهُوَ ابْن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب سعد، يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه الأبناوي الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٣ - (بابٌ فِي الزَّكاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحِيَل فِي إِسْقَاط الزَّكَاة، وَفِيه خلاف سَيَأْتِي.
وأنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
أَي: وَفِي بَيَان أَن لَا يفرق. . إِلَى آخِره، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الأول فِي الْبَاب، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل مضى فِي الزَّكَاة بالسند الْمَذْكُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٦٩٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنصارِيُّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْده الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنَساً حَدَّثهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمثنى بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ يروي عَن عَمه ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم.
قَوْله: وَلَا يجمع عطف على: فَرِيضَة، أَي: لَو كَانَ لكل شريك أَرْبَعُونَ شَاة فَالْوَاجِب شَاتَان لَا يجمع بَينهمَا ليَكُون الْوَاجِب شَاة وَاحِدَة. وَلَا يفرق كَمَا لَو كَانَ بَين الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِئَلَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة لِأَنَّهُ حِيلَة فِي إِسْقَاطهَا أَو تنقيصها.
٦٩٥٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ أبي سُهَيْلٍ، عنْ أبِيهِ عنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله: أنَّ أعْرَابِيّاً جاءَ إِلَى رسولِ الله ثائِرَ الرَّأسِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله أخْبِرْنِي مَاذَا فَرضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ إلَاّ أنْ تَطَوَّعَ شَيْئاً فَقَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصِّيامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إلَاّ أنْ تَطوَّعَ شَيْئاً قَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَض الله عَلَيَّ مِنَ الزِّكاةِ؟ قَالَ: أخْبَرَهُ رسولُ الله شَرائِعَ الإسْلام، قَالَ: والَّذي أكْرَمَكَ لَا أتَطوَّعُ شَيْئاً وَلَا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئاً، فَقَالَ رسولُ الله أفْلَحَ إنْ صَدَقَ أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بالتعسف، وَأَبُو سُهَيْل مصغر السهل اسْمه نَافِع بن مَالك، وَطَلْحَة بن عبيد الله مُصَغرًا التَّيْمِيّ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَتله مَرْوَان بن الحكم يَوْم الْجمل.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: شرائع الْإِسْلَام أَي: وَاجِبَات الزَّكَاة وَغَيرهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الشَّرْط يُوجب أَنه إِن تطوع لَا يفلح. قلت: شَرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة عدم مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهَاهُنَا مَفْهُوم الْمُوَافقَة ثَابت، إِذْ من تطوع يفلح بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ ومِائَةِ بَعيرٍ حِقَّتانِ، فَإِن أهْلَكَها مُتَعَمِّداً أوْ وَهَبَها أوِ احْتالَ فِيها فِراراً مِنَ الزَّكاةِ، فَلا شَيْءَ عَليْهِ.
قيل: أَرَادَ بعض النَّاس أَبَا حنيفَة والتشنيع عَلَيْهِ لِأَن مذْهبه أَن كل حِيلَة يتحيل بهَا أحد فِي إِسْقَاط الزَّكَاة فأثم ذَلِك عَلَيْهِ. وَأَبُو حنيفَة يَقُول: إِذا نوى بتفويته الْفِرَار من الزَّكَاة قبل الْحول بِيَوْم لم تضره النِّيَّة، لِأَن ذَلِك لَا يلْزمه إلَاّ بِتمَام الْحول، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ معنى قَوْله خشيَة الصَّدَقَة إلَاّ حينئذٍ، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على جَوَاز التَّصَرُّف قبل دُخُول الْحول كَيفَ شَاءَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا، فَكيف يُرِيد بقوله: بعض النَّاس أَبَا حنيفَة على الْخُصُوص؟ وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَبَا يُوسُف، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي عشْرين وَمِائَة
بعير. . إِلَى آخِره، وَقَالَ: لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ امْتنَاع عَن الْوُجُوب لَا إِسْقَاط الْوَاجِب، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره لم فِيهِ من الْقَصْد إِلَى إبِْطَال حق الْفُقَرَاء بعد وجود سَببه، وَهُوَ النّصاب.
٦٩٥٧ - حدّثنا إسْحاق، حدّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، حدّثنا مَعْمَرٌ، عنْ هَمَّام، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعاً أقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ ويَقُولُ أَنا كنْزُكَ قَالَ: وَالله لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فيُلْقِمَها فاهُ
٠ - انْظُر الحَدِيث ١٤٠٣ ف
٦٩٥٨ - وَقَالَ رسولُ الله إِذا مَا رَبُّ النَّعْمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّها تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَخْبطُ وَجْهَهُ بأخْفافِها
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع الزَّكَاة بِأَيّ وَجه كَانَ من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة.
وَإِسْحَاق قيل: إِنَّه ابْن رَاهَوَيْه كَمَا جزم بِهِ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ عَن عبد الرَّزَّاق. انْتهى. قلت: مُقْتَضى كَلَام الْكرْمَانِي أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِغَيْر تعْيين. والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة.
قَوْله كنز أحدكُم الْكَنْز المَال الَّذِي يخبأ وَلَا تُؤَدّى زَكَاته. قَوْله: شجاعاً من المثلثات وَهُوَ حَيَّة، والأقرع بِالْقَافِ أَي المتناثر شعر رَأسه لِكَثْرَة سمه. قَوْله: لن يزَال وَفِي رِوَايَة الْكشميهني. لَا يزَال. قَوْله: حَتَّى يبسط يَده أَي: صَاحب المَال. قَوْله: فيلقمها أَي: يَده.
قَوْله: وَقَالَ رَسُول الله وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: إِذا مَا رب النعم كلمة: مَا، زَائِدَة والرب الْمَالِك وَالنعَم بِفتْحَتَيْنِ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ هُنَا هُوَ الْإِبِل بِقَرِينَة ذكر أخفافها لِأَنَّهُ لِلْإِبِلِ خَاصَّة وَهُوَ جمع خف والخف لِلْإِبِلِ كالظلف للشاة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، فِي رَجُلٍ لهُ إبِلٌ فَخافَ أنْ تَجِبَ عَليْهِ الصَّدَقَة فباعَها. بإبِلٍ مِثْلها أوْ بِغَنَمٍ أوْ بِبَقرٍ أوْ بِدَراهمَ فِراراً مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيالاً: فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ، وهْوَ يَقُولُ: إنْ زَكَّى إبلَهُ قَبْلَ أنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمِ أوْ بِسَنَةٍ جازَتْ عَنْهُ.
قَالَ بعض الشُّرَّاح أَرَادَ البُخَارِيّ بِبَعْض النَّاس أَبَا حنيفَة يُرِيد بِهِ التشنيع عَلَيْهِ بِإِثْبَات التَّنَاقُض، فَمَا قَالَه بَيَان مَا يُريدهُ من التَّنَاقُض. هُوَ أَنه: نقل مَا قَالَه فِي رجل لَهُ إبل ... إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ يَقُول: أَي: وَالْحَال أَن بعض النَّاس الْمَذْكُور يَقُول: إِن زكى إبِله ... الخ، يَعْنِي: جَازَ عِنْده التَّزْكِيَة قبل الْحول بِيَوْم، فَكيف يسْقطهُ فِي ذَلِك الْيَوْم؟ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح مَا ألزم البُخَارِيّ أَبَا حنيفَة من التَّنَاقُض فَلَيْسَ بتناقض لِأَنَّهُ لَا يُوجب الزَّكَاة إلَاّ بِتمَام الْحول، وَيجْعَل من قدمهَا كمن قدم دينا مُؤَجّلا، وَقد سبقه بِهَذَا ابْن بطال.
٦٩٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا لَ يْثٌ، عنِ ابنِ شهابٍ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بنُ عبادَةَ الأنْصاري رسولَ الله فِي نذْرٍ كَانَ عَلى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضَيَهُ، فَقَالَ رسولُ الله اقْضِهِ عَنْها
انْظُر الحَدِيث ٢٧٦١ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر بتعسف من كَلَام الْمُهلب حَيْثُ قَالَ: فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة على أَن الزَّكَاة لَا تسْقط بالحيلة وَلَا بِالْمَوْتِ، لِأَن النّذر لما لم يسْقط بِالْمَوْتِ وَالزَّكَاة أوكد مِنْهُ فَلَا تسْقط. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. أما الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يدل على حكم الزَّكَاة لَا بالسقوط وَلَا بِعَدَمِ السُّقُوط، وَأما قِيَاس عدم سُقُوط النّذر بِالْمَوْتِ فَقِيَاس غير صَحِيح. لِأَن النّذر حق
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١ - بَاب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا
٦٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحِيَلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ التَّرْكَ فِي التَّرْجَمَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَيْ مِنَ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى - إِجَازَةُ الْحِيَلِ. قَالَ: وَهُوَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ بَلْ دَعَا لَهُ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَقُلْ بَابُ تَرْكِ بَيْعَةِ الصَّغِيرِ وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَتَهُ لَوْ وَقَعَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِنْكَارٌ، بِخِلَافِ الْحِيَلِ فَإِنَّ فِي الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا عُمُومًا إِبْطَالَ حُقُوقٍ وَجَبَتْ وَإِثْبَاتَ حُقُوقٍ لَا تَجِبُ فَتَحَرَّى فِيهَا لِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَطْلَقَ أَوَّلًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مِنَ الْحِيَلِ مَا يُشْرَعُ فَلَا يُتْرَكُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَغَيْرِهِ وَجَعَلَ الضَّمِيرَ مُذَكَّرًا عَلَى إِرَادَةِ الْيَمِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اتَّسَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ النُّظَّارِ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَحَمَلَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَتَبِعَ مَالِكًا فِي الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ، فَلَوْ فَسَدَ اللَّفْظُ وَصَحَّ الْقَصْدُ أُلْغِيَ اللَّفْظُ وَأُعْمِلَ الْقَصْدُ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالًا، قَالَ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَإِبْطَالِ التَّحَيُّلِ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ، وَوَجْهُ التَّعْمِيمِ أَنَّ الْمَحْذُوفَ الْمُقَدَّرَ الِاعْتِبَارُ، فَمَعْنَى الِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَادَاتِ إِجْزَاؤُهَا وَبَيَانُ مَرَاتِبِهَا، وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ الرَّدُّ إِلَى الْقَصْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا جَاءَ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ تَصْرِيحُ الْبُخَارِيِّ بِدُخُولِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَنَقَلْتُ هُنَاكَ كَلَامَ ابْنِ الْمُنِيرِ فِي ضَابِطِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ التَّيْمِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَحْدِيثِ عَلْقَمَةَ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَهُ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْوَحْيِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: يَخْطُبُ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ أَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: بِالنِّيَّاتِ، وَفِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ كَمَا هُنَا مَعَ حَذْفِ إِنَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ بِلَفْظِ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَهُوَ الَّذِي عَلَّقَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي أَنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْ نَوَى الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَكَانَ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَنْقَلِبُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ.
وَاحْتُجَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شُبْرُمَةَ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَأَجَابُوا أَنَّ الْحَجَّ خَرَجَ عَنْ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ يَمْضِي فَاسِدُهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ بِأَثْنَاءِ الْحَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْخَبَرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ بِالْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَالْأَجْرِ
الْحَاصِلِ لِلْمَرِيضِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ عَلَى الصَّبْرِ لِثُبُوتِ الْأخْبَارِ بِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّمَا يَقَعُ الْأَجْرُ عَلَى الصَّبْرِ وَحُصُولِ الْأَجْرِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ لِمَنْ قَصَدَ الْعِبَادَةَ فَعَاقَهُ عَنْهَا عَائِقٌ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ، وَكَمَنْ لَهُ أَوْرَادٌ فَعَجَرَ عَنْ فِعْلِهَا لِمَرَضٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُهَا كَمَنْ عَمِلَهَا. وَمِمَّا يُسْتَثْنَى عَلَى خُلْفٍ مَا إِذَا نَوَى صَلَاةَ فَرْضٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا فَرْضًا هَلْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا؟ وَهَذَا عِنْدَ الْعُذْرِ، فَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ مَثَلًا قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا يَنْقَلِبُ نَفْلًا إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ.
وَمِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُثَابُ الْمَسْبُوقُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ عَلَى مَا إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً أَوْ يَعُمُّ، وَهَلْ يُثَابُ مَنْ نَوَى صِيَامَ نَفْلٍ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ مِنْ حِينَ نَوَى؟ وَهَلْ تُكْمَلُ الْجُمُعَةُ إِذَا خَرَجَ وَقْتُهَا فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا جُمُعَةً أَوْ ظُهْرًا وَهَلْ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا أَوْ تَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ؟
وَالْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ الِاعْتِدَالَ الثَّانِيَ مَثَلًا هَلْ يَنْوِي الْجُمُعَةَ أَوِ الظُّهْرَ؟ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ هَلْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً أَوْ لَا؟ وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ وَمَنْ قَالَ بِإِعْمَالِهَا، لِأَنَّ مَرْجِعَ كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَى نِيَّةِ الْعَامِلِ، وَسَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْأَبْوَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إِشَارَةٌ إِلَى بَيَانِ ذَلِكَ.
وَالضَّابِطُ مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ فِيهِ خَلَاصُ مَظْلُومٍ مَثَلًا فَهُوَ مَطْلُوبٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَوَاتُ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ تَعَاطِي الْحِيَلِ فِي تَفْوِيتِ الْحُقُوقِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُحَقِّقِيهِمْ كَالْغَزَالِيِّ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَيَأْثَمُ بِقَصْدِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ الْبَيْعِ الرِّبَا وَقَعَ فِي الرِّبَا وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْإِثْمِ صُورَةُ الْبَيْعِ، وَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ النِّكَاحِ التَّحْلِيلَ كَانَ مُحَلِّلًا وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّعْنِ وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةُ النِّكَاحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ بِهِ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَانَ إِثْمًا.
وَلَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ فِي التَّحَيُّلِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ بَيْنَ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَالْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ إِذَا جُعِلَ ذَرِيعَةً لَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنَ الْكَافِرِ وَلَا الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى سُقُوطِ الْقَوَدِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ، وَعَلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ كَالْمَالِكِيَّةِ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَلَا تَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ، وَعَكَسَهُ غَيْرُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَيْمَانِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ الْحَاكِمَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ بِالْقَرَائِنِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ تَظْهَرَ الْمُطَابَقَةُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا غَالِبًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَمْ يُرِدْ مَعْنَاهُ إِمَّا يَقِينًا وَإِمَّا ظَنًّا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي مَعْنَاهُ وَيَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي إِرَادَةِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ لِمَعْنَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدٌ يُخَالِفُ كَلَامَهُ وَجَبَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِذَا ظَهَرَتْ إِرَادَتُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْتَمِرُّ الْحُكْمُ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوْ يُعْمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ إِرَادَتِهِ؟
فَاسْتُدِلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَوْ كَانَ يَفْسُدُ بِأَنْ يُقَالَ هَذِهِ الصِّيغَةُ فِيهَا ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا وَنِيَّةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهَا فَاسِدَةٌ لَكَانَ إِفْسَادُ الْبَيْعِ بِمَا يَتَحَقَّقُ تَحْرِيمُهُ أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ هَذَا الظَّنِّ، كَمَا لَوْ نَوَى رَجُلٌ بِشِرَاءِ سَيْفٍ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً جَزْمًا، فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ بُطْلَانَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ لَا يَفْسُدُ بِمِثْلِ هَذَا فَلَا يَفْسُدُ بِالظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَاسْتُدِلَّ لِلثَّانِي بِأَنَّ النِّيَّةَ تُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلِ فَيَصِيرُ بِهَا تَارَةً حَرَامًا وَتَارَةً حَلَالًا كَمَا يَصِيرُ الْعَقْدُ بِهَا تَارَةً صَحِيحًا وَتَارَةً فَاسِدًا، كَالذَّبْحِ مَثَلًا فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَحِلُّ إِذَا ذُبِحَ لِأَجْلِ الْأَكْلِ وَيَحْرُمُ إِذَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالصُّورَةُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
((٩٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم، كِتَابُ الحِيَلِ) جمع: حيلةٍ، وهي (١) ما يُتوصَّل به إلى المراد بطريقٍ خفيٍّ.
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي تَرْكِ الحِيَلِ) وشطب في «اليونينيَّة» على (٢): «في» فـ «باب» مضافٌ لتاليهِ (وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الأَيْمَانِ) بفتح الهمزة (وَغَيْرِهَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وغيرهِ» بالتَّذكير على إرادةِ اليمين المستفاد من صيغةِ الجمع، وقولهُ: «في الأيمان (٣) وغيرها» تفقهٌ (٤) من البخاريِّ لا من الحديثِ.
٦٩٥٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديُّ الجهضميُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، وسقطَ لأبي ذرٍّ «ابن سعيد» (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، اللَّيثيِّ المدنيِّ أنَّه (٥) (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ) على المنبر (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)
بالإفراد، والجملة مقولُ القولِ «وإنَّما» من أدوات الحصرِ. قال السَّكاكِي في «إعجاز القرآن»: إنَّ (١) الواقعَ بعد «إنَّما» إذا كان مبتدأ وخبرًا فالمحصور (٢) الثَّاني، فإذا قلنا: إنَّما المال لزيدٍ، فالمال لزيدٍ لا لغيره، وإذا قلنا (٣): إنَّما لزيدٍ المالُ فالمحصور المال (٤) تقديره: لا غيره (٥)، و «الأعمالُ» مبتدأ بتقدير مضافٍ، أي: إنَّما صحَّةُ الأعمال، والخبرُ الاستقرار الَّذي تعلَّق (٦) به حرفُ الجرِّ، والباء في «بالنيَّة» (٧) للسببيَّة، أي: إنَّما الأعمالُ ثابتٌ ثوابها بسببِ النِّيَّة، وأفردَها؛ لأنَّ المصدر المفرد (٨) يقومُ مقام الجمعِ، وإنَّما يُجمع (٩) لاختلافِ الأنواع (وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى). وفي التَّعليق السَّابق كرواية أوَّل الكتاب [خ¦٥٤] «لكلِّ امرئٍ ما نوى»، فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وقع في الرِّبا، ولا يُخلِّصه من الإثمِ (١٠) صورة البيع، ومن نَوى بعقد النِّكاح التَّحليل كأنَّه (١١) محلِّلًا ودخل في الوعيد على ذلك باللَّعن، ولا يُخلِّصه من ذلك صورة النِّكاح، وكلُّ شيءٍ قُصِد به تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله كان إثمًا، واستَدلَّ به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها؛ لأنَّ مرجع كلٍّ من الفريقين إلى نيَّة العامل، فإن كان في ذلك خلاص مظلومٍ مثلًا فهو مطلوبٌ، وإن كان فيه فوات حقٍّ فهو مذمومٌ، وقد نصَّ إمامنا الشَّافعيُّ على كراهةِ تَعاطي الحيل في تفويتِ الحقوق. فقال بعضُ أصحابه: هي كراهة تنزيهٍ. وقال كثيرٌ من محقِّقيهم كالغزاليِّ: هي كراهةُ تحريمٍ. وقد نقل صاحب «الكافي» من الحنفيَّة عن محمَّد بن الحسن قال: ليس من أخلاقِ المؤمنين الفِرار من أحكامِ الله بالحيلِ الموصلة إلى إبطال الحقِّ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ) من مكَّة إلى المدينة (١٢)
(إِلَى اللهِ) أي: إلى طاعةِ الله (وَرَسُولِهِ) وجواب الشَّرط قولهُ: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ) ظاهره اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فهو كقوله: مَن أكلَ أكلَ، ومَن شربَ شربَ، وذلك غير مفيدٍ. وأجاب عنه ابنُ دقيق العيد بأنَّ التَّقدير: فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله قصدًا ونيَّةً (١) فهجرته إلى اللهِ ورسوله ثوابًا وأجرًا. قال ابنُ مالك: هو كقولهِ: لو متَّ متَّ على غيرِ الفطرة. قال ابنُ فَرْحون: وإعراب «قصدًا ونيَّة» يصحُّ أن يكون خبر كان، أي: ذات قصدٍ وذات نيَّةٍ، وتتعلَّق إلى بالمصدرِ، ويصحُّ أن يكون «إلى اللهِ» الخبر، وقصدًا مصدرٌ في محلِّ الحال، وأمَّا قوله: ثوابًا وأجرًا فلا يصحُّ فيهما إلَّا الحال من الضَّمير في الخبر. انتهى.
وسبق مزيد لذلك أوَّل هذا الشَّرح [خ¦١].
(وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا) بضم الدال، وحكى ابنُ قتيبة كسرها، ولا تنوَّن على المشهور؛ لأنَّها فُعْلى من الدُّنوِّ وألف التَّأنيث تمنعُ من الصَّرف وحكى تنوينهَا. قال ابن جنِّي: وهي لغةٌ نادرةٌ، والدُّنيا ما على الأرض مع الجوِّ والهواء، أو كلُّ مخلوقٍ من الجواهر والأعراضِ الموجودة قبل الدَّار الآخرة، والمراد بها في الحديث: المال ونحوه (يُصِيبُهَا) جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ ومفعولٍ في موضع جرِّ (٢) صفةٌ لـ «دنيا»، ومتى تقدَّمت النَّكرة على الظَّرف أو المجرورات أو الجمل كانت صفات، وإن تقدَّمت المعرفةُ كانت أحوالًا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) وجواب الشَّرط قوله: (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ).
ووجه مطابقة الحديثِ للترجمة الَّتي هي لتركِ الحيل أنَّ مهاجر أمِّ قيسٍ جعل الهجرةَ حيلةً في تزوّج أمِّ قيسٍ.
والحديث سبق مرارًا [خ¦١] [خ¦٥٤] [خ¦٢٥٢٩].
(٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه بيان دخول الحيلة (فِي الصَّلَاةِ).
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَنْدُوب إِلَيْهِ، وَأما الاحتيال لإبطال حق الْمُسلم فإثم وعدوان. وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي الْكَافِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ: لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ الْفِرَار من أَحْكَام الله بالحيل الموصلة إِلَى إبِْطَال الْحق.
٢ - (بابٌ فِي الصلاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان دُخُول الْحِيلَة فِي الصَّلَاة.
٦٩٥٤ - حدّثني إسْحَاق بنُ نَصْرِ، حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عنْ مَعْمَرِ، عنْ هَمَّامٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَقْبَلُ الله صَلاةَ أحَدِكُمْ إِذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوضَّأ
انْظُر الحَدِيث ١٣٥
وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تعلق الحَدِيث بِالْكتاب؟ . قلت: قَالُوا مَقْصُود البُخَارِيّ الرَّد على الْحَنَفِيَّة حَيْثُ صححوا صَلَاة من أحدث فِي الجلسة الْأَخِيرَة، وَقَالُوا: إِن التَّحَلُّل يحصل بِكُل مَا يضاد الصَّلَاة فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث. وَوجه الرَّد أَنه مُحدث فِي الصَّلَاة فَلَا تصح لِأَن التَّحَلُّل مِنْهَا ركن فِيهَا لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، كَمَا أَن التَّحْرِيم بِالتَّكْبِيرِ ركن مِنْهَا، وَحَيْثُ قَالُوا: الْمُحدث فِي الصَّلَاة يتَوَضَّأ وَيَبْنِي، وَحَيْثُ حكمُوا بِصِحَّتِهَا عِنْد عدم النِّيَّة فِي الْوضُوء بعلة أَنه لَيْسَ بِعبَادة. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْمُنِير: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى رد قَول من قَالَ بِصِحَّة صَلَاة من أحدث عمدا فِي أثْنَاء الْجُلُوس الْأَخير، وَيكون حَدثهُ كسلامه بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة مَعَ الْحَدث. انْتهى. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ رد على من قَالَ: إِن من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة إِن صلَاته صَحِيحَة. انْتهى. وَقيل: التَّحْرِيم يُقَابله التَّسْلِيم لحَدِيث: تَحْرِيمهَا التَّكْبِير وتحليلها التَّسْلِيم، فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا
قلت: لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة أصلا فَإِنَّهُ لَا يدل أصلا على شَيْء من الْحِيَل، وَقَول الْكرْمَانِي: فهم متحيلون فِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ وجود الْحَدث، كَلَام مَرْدُود غير مَقْبُول أصلا لِأَن الْحَنَفِيَّة مَا صححوا صَلَاة من أحدث فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة بالحيلة، وَمَا للحيلة دخل أصلا فِي هَذَا، بل حكمُوا بذلك بقوله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِابْنِ مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا قلت هَذَا أَو فعلت هَذَا فقد تمت صَلَاتك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَلَفظه: إِذا قلت هَذَا أَو قضيت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَهَذَا يُنَافِي فَرضِيَّة السَّلَام فِي الصَّلَاة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، خير الْمُصَلِّي بعد الْقعُود بقوله إِن شِئْت أَن تقوم ... إِلَى آخِره، وَهُوَ حجَّة على الشَّافِعِي فِي قَوْله: السَّلَام فرض وَمَا حملهمْ على هَذَا الْكَلَام السَّاقِط إلَاّ فرط تعصبهم الْبَاطِل.
وَقَوله: وَجه الرَّد أَنه مُحدث فِي صلَاته، فَلَا تصح غير صَحِيح لِأَن صلَاته قد تمت. وَقَوله: لحَدِيث: وتحليلها التَّسْلِيم، اسْتِدْلَال غير صَحِيح، لِأَنَّهُ خبر من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يدل على الْفَرْضِيَّة، وَكَذَلِكَ استدلالهم على فَرضِيَّة تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح بقوله تَحْرِيمهَا التَّكْبِير، غير صَحِيح لما ذكرنَا، بل فرضيته بقوله تَعَالَى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} المُرَاد بِهِ فِي الصَّلَاة إِذْ لَا يجب خَارج الصَّلَاة بِإِجْمَاع أهل التَّفْسِير، وَلَا مَكَان يجب فِيهِ إلَاّ فِي افْتِتَاح الصَّلَاة. وَقَوله: بعلة أَنه لبس بِعبَادة، كَلَام سَاقِط أَيْضا، لِأَن الْحَنَفِيَّة لم يَقُولُوا: إِن الْوضُوء لَيْسَ بِعبَادة مُطلقًا، بل قَالُوا: إِنَّه عبَادَة غير مُسْتَقلَّة بذاتها بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى إِقَامَة الصَّلَاة، وَقَول ابْن الْمُنِير أَيْضا، بِأَن ذَلِك من الْحِيَل لتصحيح الصَّلَاة، مَرْدُود كَمَا ذكرنَا وَجهه، وَقَول ابْن بطال: فِيهِ رد ... الخ كَذَلِك مَرْدُود. لِأَن الحَدِيث لَا يدل على مَا قَالَه قطعا. وَقَول من قَالَ: فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ ركنا كَانَ الطّرف الآخر ركنا، غير سديد وَلَا موجة أصلا لعدم استلزام ذَلِك على مَا لَا يخفى.
قَوْله: حَدثنِي إِسْحَاق ويروى: حَدثنَا إِسْحَاق، وَهُوَ ابْن نصر أَبُو إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ البُخَارِيّ كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب سعد، يروي عَن عبد الرَّزَّاق بن همام عَن معمر بن رَاشد عَن همام بتَشْديد الْمِيم ابْن مُنَبّه الأبناوي الصَّنْعَانِيّ.
والْحَدِيث مضى فِي الطَّهَارَة وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٣ - (بابٌ فِي الزَّكاةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ترك الْحِيَل فِي إِسْقَاط الزَّكَاة، وَفِيه خلاف سَيَأْتِي.
وأنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
أَي: وَفِي بَيَان أَن لَا يفرق. . إِلَى آخِره، وَهُوَ لفظ الحَدِيث الأول فِي الْبَاب، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل مضى فِي الزَّكَاة بالسند الْمَذْكُور، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
٦٩٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنصارِيُّ، حدّثنا أبي، حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْده الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنَساً حَدَّثهُ أنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن الْمثنى بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ يروي عَن عَمه ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس، وثمامة بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَخْفِيف الْمِيم.
قَوْله: وَلَا يجمع عطف على: فَرِيضَة، أَي: لَو كَانَ لكل شريك أَرْبَعُونَ شَاة فَالْوَاجِب شَاتَان لَا يجمع بَينهمَا ليَكُون الْوَاجِب شَاة وَاحِدَة. وَلَا يفرق كَمَا لَو كَانَ بَين الشَّرِيكَيْنِ أَرْبَعُونَ، لِئَلَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة لِأَنَّهُ حِيلَة فِي إِسْقَاطهَا أَو تنقيصها.
٦٩٥٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ أبي سُهَيْلٍ، عنْ أبِيهِ عنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ الله: أنَّ أعْرَابِيّاً جاءَ إِلَى رسولِ الله ثائِرَ الرَّأسِ فَقَالَ: يَا رسولَ الله أخْبِرْنِي مَاذَا فَرضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسَ إلَاّ أنْ تَطَوَّعَ شَيْئاً فَقَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصِّيامِ؟ قَالَ: شَهْرَ رَمَضَانَ إلَاّ أنْ تَطوَّعَ شَيْئاً قَالَ: أخْبِرْنِي بِما فَرَض الله عَلَيَّ مِنَ الزِّكاةِ؟ قَالَ: أخْبَرَهُ رسولُ الله شَرائِعَ الإسْلام، قَالَ: والَّذي أكْرَمَكَ لَا أتَطوَّعُ شَيْئاً وَلَا أنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئاً، فَقَالَ رسولُ الله أفْلَحَ إنْ صَدَقَ أوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ.
وَجه الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بالتعسف، وَأَبُو سُهَيْل مصغر السهل اسْمه نَافِع بن مَالك، وَطَلْحَة بن عبيد الله مُصَغرًا التَّيْمِيّ أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ. قَتله مَرْوَان بن الحكم يَوْم الْجمل.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: شرائع الْإِسْلَام أَي: وَاجِبَات الزَّكَاة وَغَيرهَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَفْهُوم الشَّرْط يُوجب أَنه إِن تطوع لَا يفلح. قلت: شَرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة عدم مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَهَاهُنَا مَفْهُوم الْمُوَافقَة ثَابت، إِذْ من تطوع يفلح بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فِي عِشْرِينَ ومِائَةِ بَعيرٍ حِقَّتانِ، فَإِن أهْلَكَها مُتَعَمِّداً أوْ وَهَبَها أوِ احْتالَ فِيها فِراراً مِنَ الزَّكاةِ، فَلا شَيْءَ عَليْهِ.
قيل: أَرَادَ بعض النَّاس أَبَا حنيفَة والتشنيع عَلَيْهِ لِأَن مذْهبه أَن كل حِيلَة يتحيل بهَا أحد فِي إِسْقَاط الزَّكَاة فأثم ذَلِك عَلَيْهِ. وَأَبُو حنيفَة يَقُول: إِذا نوى بتفويته الْفِرَار من الزَّكَاة قبل الْحول بِيَوْم لم تضره النِّيَّة، لِأَن ذَلِك لَا يلْزمه إلَاّ بِتمَام الْحول، وَلَا يتَوَجَّه إِلَيْهِ معنى قَوْله خشيَة الصَّدَقَة إلَاّ حينئذٍ، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على جَوَاز التَّصَرُّف قبل دُخُول الْحول كَيفَ شَاءَ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي أَيْضا، فَكيف يُرِيد بقوله: بعض النَّاس أَبَا حنيفَة على الْخُصُوص؟ وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَبَا يُوسُف، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي عشْرين وَمِائَة
بعير. . إِلَى آخِره، وَقَالَ: لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ امْتنَاع عَن الْوُجُوب لَا إِسْقَاط الْوَاجِب، وَقَالَ مُحَمَّد: يكره لم فِيهِ من الْقَصْد إِلَى إبِْطَال حق الْفُقَرَاء بعد وجود سَببه، وَهُوَ النّصاب.
٦٩٥٧ - حدّثنا إسْحاق، حدّثنا عبْدُ الرَّزَّاقِ، حدّثنا مَعْمَرٌ، عنْ هَمَّام، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله يَكُونُ كَنْزُ أحَدِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعاً أقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ ويَقُولُ أَنا كنْزُكَ قَالَ: وَالله لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فيُلْقِمَها فاهُ
٠ - انْظُر الحَدِيث ١٤٠٣ ف
٦٩٥٨ - وَقَالَ رسولُ الله إِذا مَا رَبُّ النَّعْمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّها تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَخْبطُ وَجْهَهُ بأخْفافِها
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ منع الزَّكَاة بِأَيّ وَجه كَانَ من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة.
وَإِسْحَاق قيل: إِنَّه ابْن رَاهَوَيْه كَمَا جزم بِهِ أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ الكلاباذي: يروي البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم السَّعْدِيّ عَن عبد الرَّزَّاق. انْتهى. قلت: مُقْتَضى كَلَام الْكرْمَانِي أَن إِسْحَاق هُنَا يحْتَمل أَن يكون أحد الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِغَيْر تعْيين. والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة.
قَوْله كنز أحدكُم الْكَنْز المَال الَّذِي يخبأ وَلَا تُؤَدّى زَكَاته. قَوْله: شجاعاً من المثلثات وَهُوَ حَيَّة، والأقرع بِالْقَافِ أَي المتناثر شعر رَأسه لِكَثْرَة سمه. قَوْله: لن يزَال وَفِي رِوَايَة الْكشميهني. لَا يزَال. قَوْله: حَتَّى يبسط يَده أَي: صَاحب المَال. قَوْله: فيلقمها أَي: يَده.
قَوْله: وَقَالَ رَسُول الله وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: إِذا مَا رب النعم كلمة: مَا، زَائِدَة والرب الْمَالِك وَالنعَم بِفتْحَتَيْنِ الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم، وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ هُنَا هُوَ الْإِبِل بِقَرِينَة ذكر أخفافها لِأَنَّهُ لِلْإِبِلِ خَاصَّة وَهُوَ جمع خف والخف لِلْإِبِلِ كالظلف للشاة.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ، فِي رَجُلٍ لهُ إبِلٌ فَخافَ أنْ تَجِبَ عَليْهِ الصَّدَقَة فباعَها. بإبِلٍ مِثْلها أوْ بِغَنَمٍ أوْ بِبَقرٍ أوْ بِدَراهمَ فِراراً مِنَ الصَّدَقَةِ بِيَوْمٍ احْتِيالاً: فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ، وهْوَ يَقُولُ: إنْ زَكَّى إبلَهُ قَبْلَ أنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمِ أوْ بِسَنَةٍ جازَتْ عَنْهُ.
قَالَ بعض الشُّرَّاح أَرَادَ البُخَارِيّ بِبَعْض النَّاس أَبَا حنيفَة يُرِيد بِهِ التشنيع عَلَيْهِ بِإِثْبَات التَّنَاقُض، فَمَا قَالَه بَيَان مَا يُريدهُ من التَّنَاقُض. هُوَ أَنه: نقل مَا قَالَه فِي رجل لَهُ إبل ... إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ يَقُول: أَي: وَالْحَال أَن بعض النَّاس الْمَذْكُور يَقُول: إِن زكى إبِله ... الخ، يَعْنِي: جَازَ عِنْده التَّزْكِيَة قبل الْحول بِيَوْم، فَكيف يسْقطهُ فِي ذَلِك الْيَوْم؟ وَقَالَ صَاحب التَّلْوِيح مَا ألزم البُخَارِيّ أَبَا حنيفَة من التَّنَاقُض فَلَيْسَ بتناقض لِأَنَّهُ لَا يُوجب الزَّكَاة إلَاّ بِتمَام الْحول، وَيجْعَل من قدمهَا كمن قدم دينا مُؤَجّلا، وَقد سبقه بِهَذَا ابْن بطال.
٦٩٥٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حدّثنا لَ يْثٌ، عنِ ابنِ شهابٍ، عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بنُ عبادَةَ الأنْصاري رسولَ الله فِي نذْرٍ كَانَ عَلى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أنْ تَقْضَيَهُ، فَقَالَ رسولُ الله اقْضِهِ عَنْها
انْظُر الحَدِيث ٢٧٦١ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة تظهر بتعسف من كَلَام الْمُهلب حَيْثُ قَالَ: فِي هَذَا الحَدِيث حجَّة على أَن الزَّكَاة لَا تسْقط بالحيلة وَلَا بِالْمَوْتِ، لِأَن النّذر لما لم يسْقط بِالْمَوْتِ وَالزَّكَاة أوكد مِنْهُ فَلَا تسْقط. قلت: فِيهِ نظر لَا يخفى. أما الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يدل على حكم الزَّكَاة لَا بالسقوط وَلَا بِعَدَمِ السُّقُوط، وَأما قِيَاس عدم سُقُوط النّذر بِالْمَوْتِ فَقِيَاس غير صَحِيح. لِأَن النّذر حق
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56