«أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٨١

الحديث رقم ٦٩٨١ من كتاب «كتاب الحيل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب احتيال العامل ليهدى له.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٩٨١ في صحيح البخاري

«أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا بِأَرْبَعِمِائَةِ

⦗٢٩⦘

مِثْقَالٍ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَ.»

بَابُ التَّعْبِيرِ

وَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٩٨١

٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٩٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِائَةِ مِثْقَالٍ قال: وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْهِبَةِ وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُ وَضَبْطُ اللُّتَبِيَّةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَأْتِي اسْتِيفَاءُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا أُهْدِيَ لَهُ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ لَهُ يَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي عَمِلَ لِأَجْلِهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِهْدَاءِ لَهُ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يُهْدَ لَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحِلَّهَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: حِيلَةُ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ تَقَعُ بِأَنْ يُسَامِحَ بَعْضَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلِذَلِكَ قَالَ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ لِيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوْلَا الطَّمَعُ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ مَا أُهْدِيَ لَهُ، قَالَ: فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ أَخْذَ الْهَدِيَّةِ وَضَمَّهَا إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَذَا قَالَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُ صَرِيحًا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْعَامِلِ تَكُونُ لِشُكْرِ مَعْرُوفِهِ أَوْ لِلتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ إِلَى أَنَّهُ فِيمَا يُهْدَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ إِنْ وَقَعَتْ لَمْ تَحِلَّ لِلْعَامِلِ جَزْمًا وَمَا قَبْلَهَا فِي طَرَفِ الِاحْتِمَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ إِلَخْ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِبَابِ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ هُنَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فَلَمَّا جَعَلَ التَّرْجَمَةَ مُشْتَرَكَةً جَمَعَ مَسَائِلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ إِنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ هُنَا بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ فَقَطْ أَوْ بَيَّضَ لَهَا فِي الْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنِ اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَ دَارٍ (بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ) أَيْ عَلَى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، (حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ) أَيْ يَنْقُدَ الْبَائِعَ (تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ أَلْف) أَيْ مُصَارَفَةً عَنْهَا. (فَإِنْ طَالَبَهُ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) أَيْ إِنْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ) أَيْ لِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ لِكَوْنِهِ امْتَنَعَ مِنْ بَدَلِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِ الْبَائِعِ (رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافٍ إِلَخْ) أَيْ لِكَوْنِ الْقَدْرِ الَّذِي تَسَلَّمَهُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ اسْتُحِقَّ) أَيْ لِلْغَيْرِ (انْتَقَضَ الصَّرْفُ) أَيِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ (بِالدِّينَارِ)، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، فِي الدِّينَارِ وَهُوَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ) أَيْ لَمْ تَخْرُجْ مُسْتَحَقَّةً (فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا) أَيْ وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ

وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْأَوَّلِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى شِرَاءِ الدَّارِ وَهُوَ مُنْفَسِخٌ. وَيَلْزَمُ عَدَمُ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدِّينَارُ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي. وَأَمَّا بَيْعُ الصَّرْفِ فَكَانَ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِ هَذَا بُطْلَانُ هَذَا.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خُصَّ الْقَدْرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمِثَالِ لِأَنَّ بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ فَبَنَى الْقَائِلُ أَصْلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَازَ صَرْفَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَعَلَ الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَجَعَلَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ جَعَلَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ لِيَسْتَعْظِمَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ الَّذِي انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ فَيَتْرُكَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فَتَسْقُطَ شُفْعَتُهُ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا أَنْقَدَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَجَاوَزَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ النَّقْدِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ النَّقْدُ الَّذِي حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَبِهِ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا نَقَدَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَنَاقُضِ الَّذِي احْتَالَ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ أَيْ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ إِلَخْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النُّكْتَةُ فِي جَعْلِهِ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ عَشَرَةِ آلَافٍ وَدِرْهَمٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ آلَافِ فَقَطْ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الْحَقِيقَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ بِقَرِينَةِ نَقْدِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ، فَلَوْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ وَالدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ الْحَقِيقِيِّ لَلَزِمَ الرِّبَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ وَالْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا فِي مُقَابَلَةِ الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ تَفَاضُلٍ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَبَرَ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِالْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ أَنْ يُرْفَقَ بِهِ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ عُرُوضٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدَّمَ الْجَارَ فِي الْعَقْدِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِقَدْرِ رُبْعِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْجَارِ الَّذِي أَمَرَ الشَّارِعُ بِمُرَاعَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ) أَيِ الْحِيلَةَ فِي إِيقَاعِ الشَّرِيكِ فِي الْغَبْنِ الشَّدِيدِ إِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ إِبْطَالِ حَقِّهِ إِنْ تَرَكَ خَشْيَةً مِنَ الْغَبْنِ فِي الثَّمَنِ بِالزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِحْقَاقِ الَّتِي مَضَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلْحِيلَةِ فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ، وَعَقَّبَ بِذِكْرِ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ تَحَكُّمٌ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ : بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ ولَا خِبْثَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ لُغَتَانِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ غَيْرَ طَيِّبٍ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ سَبْيُهُمْ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ.

قُلْتُ: إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهِ. قَالَ: وَالْغَائِلَةُ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا سِرًّا كَالتَّدْلِيسِ وَنَحْوِهِ.

قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزًا ابْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنَ النَّبِيِّ عَبْدًا أَوْ أَمَةً وَكَتَبَ لَهُ الْعُهْدَةَ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ طُرُقٌ إِلَى الْعَدَّاءِ وَذُكِرَ هُنَاكَ تَفْسِيرُ الْغَائِلَةِ بِالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّرْفِ الْمَذْكُورِ وَلَا غَيْرِهِ.

قُلْتُ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة الطَّائفيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين والشين المعجمة آخره دال مهملة (أَنَّ أَبَا رَافِعٍ) مولى رسولِ الله اسمه أسلم (سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ) أبا وقَّاص بن وهيب (١) بن عبد مناف، أحد العشرة، وأوَّل من رَمى بسهمٍ في سبيلِ الله (بَيْتًا) في دارِه (بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ. وَقَالَ) أبو رافعٍ بعد قولهِ: أُعطيت خمس مئة نقدًا فمنعتُه: (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد، ولأبي ذرٍّ بالسين (مَا أَعْطَيْتُكَ) البيت.

قال في «فتح الباري»: قوله: حَدَّثنا أبو نُعيم: حَدَّثنا سفيان … إلى آخره، كذا وقع للأكثر هذا الحديث، وما بعده متَّصلًا «بباب احتيالِ العامل»، وأظنُّه وقع هنا تقديمٌ وتأخيرٌ، فإنَّ الحديثَ وما بعده يتعلَّقان (٢) بباب الهبة والشُّفعة، فلمَّا جعل التَّرجمة مُشتركة جمعَ بين مسائلها، ومن ثمَّ قال الكِرْمانيُّ: إنَّه من تصرُّف النَّقلة (٣)، وقد وقعَ عند ابن بطَّال هنا: باب، بلا ترجمة، ثمَّ ذكر الحديث وما بعده، ثمَّ ذكر «باب احتيالِ العامل»، وعلى هذا فلا إشكالَ؛ لأنَّه حينئذٍ كالفصلِ من الباب، ويحتملُ أن يكونَ في الأصل بعد قصَّة ابنِ اللُّتَبيَّة باب بلا ترجمة، فسقطَتِ التَّرجمة فقط، أو بيَّض لها في الأصلِ.

((٩١)) (بسم الله الرحمن الرحيم): ثبتت البسملةُ هنا للجميع.

(١) (باب التَّعْبِيْرِ) أي: تفسير الرُّؤيا، وهو العبورُ من ظاهرهَا إلى باطنِها، قاله الرَّاغب. وقال في «المدارك»: حقيقةُ عبرت الرُّؤيا ذكرتُ عاقبتَها وآخر أمرهَا، كما تقول: عبرتُ النَّهر، إذا قطعتَه حتَّى تبلغَ آخر عرضهِ وهو عَبره (١)، ونحوه أوَّلتُ الرُّؤيا إذا ذكرت مآلها، وهو مرجعُها. وقال البيضاويُّ: عبارةُ الرُّؤيا الانتقال من الصُّور الخياليَّة (٢) إلى المعانِي النفسانيَّة الَّتي هي مِثالها من العبورِ وهو المجاوزةُ. انتهى.

وعَبَرْت الرُّؤيا -بالتَّخفيف- هو الَّذي اعتمدَه الأثباتُ، وأنكروا التَّشديد، لكن قال الزَّمخشريُّ: عثرتُ على بيتٍ أنشدَه المبرِّد في «كتاب الكامل» لبعضِ الأعراب:

رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وَكُنْتُ لِلأَحْلَامِ عَبَّارَا

وقال غيرُه: يُقال: عَبَرت الرُّؤيا -بالتخفيف- إذا فسَّرتَها، وعبَّرتها -بالتَّشديد- للمبالغةِ في ذلك، ولأبي ذرٍّ: «كتاب التَّعبير».

(وَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «أوَّل ما بُدئ بهِ رسولُ الله» ( مِنَ الوَحْيِ) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: الحسنة أو الصَّادقة، والمرادُ

بها: صحَّتها، والرُّؤيا كالرُّؤية غير أنَّها مختصَّة بما يكون في النَّوم، ففرق بينهما بتاء التَّأنيث كالقُرْبة والقربى. وقال الرَّاغب: بالهاء إدراكُ المرئيِّ بحاسَّة البصرِ، ويُطلق على ما يدركُ بالتَّخيُّل، نحو: أرى أنَّ زيدًا سافر، وعلى التَّفكُّر (١) النَّظري نحو: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وعلى الرَّأي وهو اعتقادُ أحدِ النَّقيضين من غلبة الظَّنِّ. وقال ابنُ الأثير: الرُّؤيا والحلم عبارةٌ عمَّا يراه النَّائم في النَّوم من الأشياء، لكن غلبت الرُّؤيا على ما يراهُ من الخيرِ والشَّيء الحسن، وغلبَ الحُلمُ على ما يراهُ من (٢) الشَّرِّ والقبيحِ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم (٣) لام الحلُم وتسكَّن، وفي الحديث [خ¦٥٧٤٧] «الرُّؤيا من اللهِ، والحُلْم من الشَّيطان».

قال التُّورِبشتيُّ: الحلُم عند العربِ مستعمل استعمال الرُّؤيا، والتَّفريق بينهما إنَّما كان من الاصطلاحاتِ الشَّرعيَّة الَّتي لم يضعْها حليمٌ (٤) ولم يهتدِ إليها حكيمٌ، بل سنَّها (٥) صاحب الشَّرع للفصلِ بين الحقِّ والباطل، كأنَّه كرهَ أن يسمِّي ما كانَ من الله وما كانَ من الشَّيطان باسمٍ واحدٍ، فجعلَ الرُّؤيا عبارة عمَّا كان من الله، والحلُم عمَّا كان من (٦) الشَّيطان؛ لأنَّ الكلمة لم تستعملْ إلَّا فيما يخيَّلُ للحالم في منامهِ من قضاءِ الشَّهوة ممَّا لا حقيقةَ له.

قال صاحب «فتوح الغيب»: ولعلَّ التُّوربشتيَّ أراد بقولهِ: ولم يهتدِ إليها حكيم، ما عرفتهَا الفلاسفةُ على ما نقله القاضِي البيضاويُّ في تفسير الرُّؤيا: انطباعُ الصُّورة (٧) المنحدرةِ من أُفق المتخيِّلة إلى الحسِّ المشتركِ، والصَّادقة منها إنَّما تكون باتِّصال النَّفس بالملكوتِ لما بينهما من التَّناسب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغ، فتتصوَّر بما فيها ممَّا (٨) يليقُ بها

من المعاني الحاصلةِ هناك، ثمَّ إنَّ المتخيِّلة تحاكيهِ بصورةٍ تُناسبه فترسلُها إلى الحسِّ المشتركِ فتصيرُ مشاهدةً، ثمَّ إن كانتْ شديدةَ المناسبةِ لذلك المعنى بحيثُ لا يكون التَّفاوت إلَّا بأَدنى شيءٍ استغنتِ الرُّؤيا عن التَّعبير، وإلَّا احتاجتْ إليه. انتهى.

وقال من ينتمي إلى الطِّبِّ: إنَّ جميع الرُّؤيا تنسبُ إلى الأخلاطِ فيقول: من غلب عليه البلغمُ رأى أنَّه يسبحُ في الماء ونحو ذلك؛ لمناسبة الماء طبيعةَ البلغمِ، ومن غلبتْ عليه الصَّفراءُ رأى النِّيران والصُّعود في الجوِّ، وهكذا إلى آخرهِ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٩٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بَيْتًا بِأَرْبَعِ مِائَةِ مِثْقَالٍ قال: وَقَالَ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسقَبِهِ مَا أَعْطَيْتُكَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي الْهِبَةِ وَتَقَدَّمَتْ تَسْمِيَتُهُ وَضَبْطُ اللُّتَبِيَّةِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَيَأْتِي اسْتِيفَاءُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَمَلُّكَهُ مَا أُهْدِيَ لَهُ إِنَّمَا كَانَ لِعِلَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الَّذِي أُهْدِيَ لَهُ يَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ أَنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي عَمِلَ لِأَجْلِهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْإِهْدَاءِ لَهُ وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ لَمْ يُهْدَ لَهُ شَيْءٌ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحِلَّهَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ ذَاكَ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: بَصُرَ عَيْنِي وَسَمِعَ أُذُنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ.

قَالَ الْمُهَلَّبُ: حِيلَةُ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ تَقَعُ بِأَنْ يُسَامِحَ بَعْضَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلِذَلِكَ قَالَ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ لِيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوْلَا الطَّمَعُ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ مَا أُهْدِيَ لَهُ، قَالَ: فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ أَخْذَ الْهَدِيَّةِ وَضَمَّهَا إِلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، كَذَا قَالَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ مِنْهُ صَرِيحًا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِلْعَامِلِ تَكُونُ لِشُكْرِ مَعْرُوفِهِ أَوْ لِلتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ أَوْ لِلطَّمَعِ فِي وَضْعِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَأَشَارَ النَّبِيُّ إِلَى أَنَّهُ فِيمَا يُهْدَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْثَارُ بِهِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ إِنْ وَقَعَتْ لَمْ تَحِلَّ لِلْعَامِلِ جَزْمًا وَمَا قَبْلَهَا فِي طَرَفِ الِاحْتِمَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ إِلَخْ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِبَابِ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَأَظُنُّهُ وَقَعَ هُنَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فَلَمَّا جَعَلَ التَّرْجَمَةَ مُشْتَرَكَةً جَمَعَ مَسَائِلَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ إِنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ هُنَا بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَابُ احْتِيَالِ الْعَامِلِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ قِصَّةِ ابْنِ اللُّتَبِيَّةِ بَابٌ بِلَا تَرْجَمَةٍ فَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ فَقَطْ أَوْ بَيَّضَ لَهَا فِي الْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنِ اشْتَرَى دَارًا) أَيْ أَرَادَ شِرَاءَ دَارٍ (بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ) أَيْ عَلَى إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، (حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ) أَيْ يَنْقُدَ الْبَائِعَ (تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنَ الْعِشْرِينَ أَلْف) أَيْ مُصَارَفَةً عَنْهَا. (فَإِنْ طَالَبَهُ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) أَيْ إِنْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الدَّارِ) أَيْ لِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ لِكَوْنِهِ امْتَنَعَ مِنْ بَدَلِ الثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْعَقْدُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ أَيْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِ الْبَائِعِ (رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ تِسْعَةُ آلَافٍ إِلَخْ) أَيْ لِكَوْنِ الْقَدْرِ الَّذِي تَسَلَّمَهُ مِنْهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ اسْتُحِقَّ) أَيْ لِلْغَيْرِ (انْتَقَضَ الصَّرْفُ) أَيِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ (بِالدِّينَارِ)، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، فِي الدِّينَارِ وَهُوَ أَوْجَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَجَدَ بِهَذِهِ الدَّارِ عَيْبًا وَلَمْ تُسْتَحَقَّ) أَيْ لَمْ تَخْرُجْ مُسْتَحَقَّةً (فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا) أَيْ وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ

وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) وَالْفَرْقُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْأَوَّلِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى شِرَاءِ الدَّارِ وَهُوَ مُنْفَسِخٌ. وَيَلْزَمُ عَدَمُ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدِّينَارُ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَنْفَسِخُ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي. وَأَمَّا بَيْعُ الصَّرْفِ فَكَانَ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِ هَذَا بُطْلَانُ هَذَا.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خُصَّ الْقَدْرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمِثَالِ لِأَنَّ بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ فَبَنَى الْقَائِلُ أَصْلَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَجَازَ صَرْفَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا جَعَلَ الْعَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَجَعَلَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ جَعَلَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ لِيَسْتَعْظِمَ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ الَّذِي انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ فَيَتْرُكَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فَتَسْقُطَ شُفْعَتُهُ وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَا أَنْقَدَهُ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَجَاوَزَ لِلْبَائِعِ عِنْدَ النَّقْدِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ النَّقْدُ الَّذِي حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَبِهِ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا نَقَدَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَنَاقُضِ الَّذِي احْتَالَ فِي إِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ حَيْثُ قَالَ: فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ أَيْ إِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ إِلَخْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النُّكْتَةُ فِي جَعْلِهِ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ عَشَرَةِ آلَافٍ وَدِرْهَمٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَشَرَةِ آلَافِ فَقَطْ لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الْحَقِيقَةِ عَشَرَةُ آلَافٍ بِقَرِينَةِ نَقْدِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ، فَلَوْ جَعَلَ الْعَشَرَةَ وَالدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ الْحَقِيقِيِّ لَلَزِمَ الرِّبَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَقَصَ دِرْهَمًا فَإِنَّ الدِّينَارَ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ وَالْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا فِي مُقَابَلَةِ الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدًا بِغَيْرِ تَفَاضُلٍ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَبَرَ لَمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِالْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ أَنْ يُرْفَقَ بِهِ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ عُرُوضٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَقَدْ فَهِمَ الصَّحَابِيُّ رَاوِي الْخَبَرِ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدَّمَ الْجَارَ فِي الْعَقْدِ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ بِقَدْرِ رُبْعِهِ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْجَارِ الَّذِي أَمَرَ الشَّارِعُ بِمُرَاعَاتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَجَازَ هَذَا الْخِدَاعَ) أَيِ الْحِيلَةَ فِي إِيقَاعِ الشَّرِيكِ فِي الْغَبْنِ الشَّدِيدِ إِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ إِبْطَالِ حَقِّهِ إِنْ تَرَكَ خَشْيَةً مِنَ الْغَبْنِ فِي الثَّمَنِ بِالزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ مَسْأَلَةَ الِاسْتِحْقَاقِ الَّتِي مَضَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلْحِيلَةِ فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ، وَعَقَّبَ بِذِكْرِ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ تَحَكُّمٌ، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ إِلَّا مَا قَبَضَهُ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ النَّبِيُّ : بَيْعُ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ ولَا خِبْثَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَقِيلَ هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ لُغَتَانِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ غَيْرَ طَيِّبٍ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ سَبْيُهُمْ لِعَهْدٍ تَقَدَّمَ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ.

قُلْتُ: إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِيهِ. قَالَ: وَالْغَائِلَةُ أَنْ يَأْتِيَ أَمْرًا سِرًّا كَالتَّدْلِيسِ وَنَحْوِهِ.

قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ طَرَفٌ تَقَدَّمَ بِكَمَالِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَهْمُوزًا ابْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنَ النَّبِيِّ عَبْدًا أَوْ أَمَةً وَكَتَبَ لَهُ الْعُهْدَةَ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَلَهُ طُرُقٌ إِلَى الْعَدَّاءِ وَذُكِرَ هُنَاكَ تَفْسِيرُ الْغَائِلَةِ بِالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّرْفِ الْمَذْكُورِ وَلَا غَيْرِهِ.

قُلْتُ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ لَكِنَّ مَعْنَاهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٩٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو: ابنُ مُسَرْهد قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بنُ سعيد القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة الطَّائفيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين والشين المعجمة آخره دال مهملة (أَنَّ أَبَا رَافِعٍ) مولى رسولِ الله اسمه أسلم (سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ) أبا وقَّاص بن وهيب (١) بن عبد مناف، أحد العشرة، وأوَّل من رَمى بسهمٍ في سبيلِ الله (بَيْتًا) في دارِه (بِأَرْبَعِ مِئَةِ مِثْقَالٍ. وَقَالَ) أبو رافعٍ بعد قولهِ: أُعطيت خمس مئة نقدًا فمنعتُه: (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) بالصاد، ولأبي ذرٍّ بالسين (مَا أَعْطَيْتُكَ) البيت.

قال في «فتح الباري»: قوله: حَدَّثنا أبو نُعيم: حَدَّثنا سفيان … إلى آخره، كذا وقع للأكثر هذا الحديث، وما بعده متَّصلًا «بباب احتيالِ العامل»، وأظنُّه وقع هنا تقديمٌ وتأخيرٌ، فإنَّ الحديثَ وما بعده يتعلَّقان (٢) بباب الهبة والشُّفعة، فلمَّا جعل التَّرجمة مُشتركة جمعَ بين مسائلها، ومن ثمَّ قال الكِرْمانيُّ: إنَّه من تصرُّف النَّقلة (٣)، وقد وقعَ عند ابن بطَّال هنا: باب، بلا ترجمة، ثمَّ ذكر الحديث وما بعده، ثمَّ ذكر «باب احتيالِ العامل»، وعلى هذا فلا إشكالَ؛ لأنَّه حينئذٍ كالفصلِ من الباب، ويحتملُ أن يكونَ في الأصل بعد قصَّة ابنِ اللُّتَبيَّة باب بلا ترجمة، فسقطَتِ التَّرجمة فقط، أو بيَّض لها في الأصلِ.

((٩١)) (بسم الله الرحمن الرحيم): ثبتت البسملةُ هنا للجميع.

(١) (باب التَّعْبِيْرِ) أي: تفسير الرُّؤيا، وهو العبورُ من ظاهرهَا إلى باطنِها، قاله الرَّاغب. وقال في «المدارك»: حقيقةُ عبرت الرُّؤيا ذكرتُ عاقبتَها وآخر أمرهَا، كما تقول: عبرتُ النَّهر، إذا قطعتَه حتَّى تبلغَ آخر عرضهِ وهو عَبره (١)، ونحوه أوَّلتُ الرُّؤيا إذا ذكرت مآلها، وهو مرجعُها. وقال البيضاويُّ: عبارةُ الرُّؤيا الانتقال من الصُّور الخياليَّة (٢) إلى المعانِي النفسانيَّة الَّتي هي مِثالها من العبورِ وهو المجاوزةُ. انتهى.

وعَبَرْت الرُّؤيا -بالتَّخفيف- هو الَّذي اعتمدَه الأثباتُ، وأنكروا التَّشديد، لكن قال الزَّمخشريُّ: عثرتُ على بيتٍ أنشدَه المبرِّد في «كتاب الكامل» لبعضِ الأعراب:

رَأَيْتُ رُؤْيَا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا … وَكُنْتُ لِلأَحْلَامِ عَبَّارَا

وقال غيرُه: يُقال: عَبَرت الرُّؤيا -بالتخفيف- إذا فسَّرتَها، وعبَّرتها -بالتَّشديد- للمبالغةِ في ذلك، ولأبي ذرٍّ: «كتاب التَّعبير».

(وَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بابٌ» بالتَّنوين «أوَّل ما بُدئ بهِ رسولُ الله» ( مِنَ الوَحْيِ) إليه (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) أي: الحسنة أو الصَّادقة، والمرادُ

بها: صحَّتها، والرُّؤيا كالرُّؤية غير أنَّها مختصَّة بما يكون في النَّوم، ففرق بينهما بتاء التَّأنيث كالقُرْبة والقربى. وقال الرَّاغب: بالهاء إدراكُ المرئيِّ بحاسَّة البصرِ، ويُطلق على ما يدركُ بالتَّخيُّل، نحو: أرى أنَّ زيدًا سافر، وعلى التَّفكُّر (١) النَّظري نحو: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] وعلى الرَّأي وهو اعتقادُ أحدِ النَّقيضين من غلبة الظَّنِّ. وقال ابنُ الأثير: الرُّؤيا والحلم عبارةٌ عمَّا يراه النَّائم في النَّوم من الأشياء، لكن غلبت الرُّؤيا على ما يراهُ من الخيرِ والشَّيء الحسن، وغلبَ الحُلمُ على ما يراهُ من (٢) الشَّرِّ والقبيحِ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] وتضم (٣) لام الحلُم وتسكَّن، وفي الحديث [خ¦٥٧٤٧] «الرُّؤيا من اللهِ، والحُلْم من الشَّيطان».

قال التُّورِبشتيُّ: الحلُم عند العربِ مستعمل استعمال الرُّؤيا، والتَّفريق بينهما إنَّما كان من الاصطلاحاتِ الشَّرعيَّة الَّتي لم يضعْها حليمٌ (٤) ولم يهتدِ إليها حكيمٌ، بل سنَّها (٥) صاحب الشَّرع للفصلِ بين الحقِّ والباطل، كأنَّه كرهَ أن يسمِّي ما كانَ من الله وما كانَ من الشَّيطان باسمٍ واحدٍ، فجعلَ الرُّؤيا عبارة عمَّا كان من الله، والحلُم عمَّا كان من (٦) الشَّيطان؛ لأنَّ الكلمة لم تستعملْ إلَّا فيما يخيَّلُ للحالم في منامهِ من قضاءِ الشَّهوة ممَّا لا حقيقةَ له.

قال صاحب «فتوح الغيب»: ولعلَّ التُّوربشتيَّ أراد بقولهِ: ولم يهتدِ إليها حكيم، ما عرفتهَا الفلاسفةُ على ما نقله القاضِي البيضاويُّ في تفسير الرُّؤيا: انطباعُ الصُّورة (٧) المنحدرةِ من أُفق المتخيِّلة إلى الحسِّ المشتركِ، والصَّادقة منها إنَّما تكون باتِّصال النَّفس بالملكوتِ لما بينهما من التَّناسب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغ، فتتصوَّر بما فيها ممَّا (٨) يليقُ بها

من المعاني الحاصلةِ هناك، ثمَّ إنَّ المتخيِّلة تحاكيهِ بصورةٍ تُناسبه فترسلُها إلى الحسِّ المشتركِ فتصيرُ مشاهدةً، ثمَّ إن كانتْ شديدةَ المناسبةِ لذلك المعنى بحيثُ لا يكون التَّفاوت إلَّا بأَدنى شيءٍ استغنتِ الرُّؤيا عن التَّعبير، وإلَّا احتاجتْ إليه. انتهى.

وقال من ينتمي إلى الطِّبِّ: إنَّ جميع الرُّؤيا تنسبُ إلى الأخلاطِ فيقول: من غلب عليه البلغمُ رأى أنَّه يسبحُ في الماء ونحو ذلك؛ لمناسبة الماء طبيعةَ البلغمِ، ومن غلبتْ عليه الصَّفراءُ رأى النِّيران والصُّعود في الجوِّ، وهكذا إلى آخرهِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد