ووجهُ إدخال هذا الحديث هنا أنَّ المؤلِّف ﵀ فَهِمَ من قولهِ ﷺ: «أفلحَ إن صدق» أنَّ مَن رام أن ينقص شيئًا من فرائضِ الله بحيلةٍ يحتالها أنَّه (١) لا يفلحُ، ولا يقومُ له بذلك عند الله عذرٌ، وما أجازَه الفقهاء من تصرُّف صاحبِ المال في مالهِ قُرْب حلولِ الحول، لم يريدوا بذلك الفرارَ من الزَّكاة، ومن نَوى ذلك فالإثم عنه غيرُ ساقط، قاله في «المصابيح».
والحديث سبق في «الإيمان» [خ¦٤٦].
(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) وهم الحنفيَّة، كما قيل فيما مرَّ: (فِي عِشْرِينَ وَمِئَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانِ) بكسر المهملة وتشديد القاف تثنية حقَّة، وهي الَّتي لها ثلاث سنين (فَإِنْ أَهْلَكَهَا) أي: العشرين ومئة (مُتَعَمِّدًا) بأن ذبحها (أَوْ وَهَبَهَا، أَوِ احْتَالَ فِيهَا) قبل الحول بيوم (فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لأنَّ ذلك لا يلزمه إلَّا بتمام الحول ولا يتوجَّه إليه معنى قولهِ: «خشية الصَّدقة»، إلَّا حينئذٍ، وهذا يقتضِي على اصطلاحِ المؤلِّف بإرادة الحنفيَّة اختصاصَهم (٢) بذلك، لكن الشَّافعي وغيره يقولون بذلك أيضًا. وأُجيب بأنَّ الشَّافعيَّ وغيره وإن قالوا: لا زكاةَ عليه، لا يقولون: لا شيءَ عليه؛ لأنَّهم يلومونه على هذه النِّيَّة، لكن قال البَرْماويُّ: إنَّما يُلام إذا كان حرامًا، ولكن هو مكروه. وقال مالك: من فوَّت من ماله شيئًا ينوي به الفرارَ من الزَّكاة قبل الحول بشهرٍ أو نحوه لزمتْه الزَّكاة عند الحول لقولهِ ﷺ: «خشية الصَّدقة».
٦٩٥٧ - ٦٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو: ابنُ رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيم في «المستخرج» قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بنُ همَّام بن نافع
الحميريُّ، مولاهم أبو بكر الصَّنعانيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشد الأزديُّ مولاهم أبو عروة البصريُّ (عَنْ هَمَّامٍ) هو: ابنُ منبِّه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ) وهو المال الَّذي يُخبَّأ من غير أن تُؤدَّى زكاته (يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا) بضم الشين المعجمة بعدها جيم، ذَكَرُ الحيَّات، أو الَّذي يقومُ على ذنبهِ ويواثب الرَّجل والفارس، وربَّما بلغ الفارس (أَقْرَعَ) لا شعرَ على رأسهِ؛ لكثرةِ سُمِّه وطولِ عُمُره (يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ) ولأبي ذرٍّ: «ويطلبُه» «بالواو» بدل: «الفاء»، (وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، قَالَ) ﷺ: (وَاللهِ لَنْ يَزَالَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «لا يزال» (يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ) صاحب المال (يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا) بضم التحتية وفتح الميم (فَاهُ) أي: يُلقم صاحبُ المال يدَه فَمَ الشُّجاع، وفي رواية أبي صالحٍ عن أبي هُريرة في «الزَّكاة» [خ¦١٤٠٣] «فيأخذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» (١) أي: يأخذ الشُّجاعُ يدَ صاحب المال بشدقيهِ، وهما اللِّهْزِمَتان (٢).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بالسَّند السَّابق: (إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ) بفتح النون والمهملة و «ما» زائدةٌ، أي: إذا مالك الإبل (لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا) أي: زكاتها (تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ تَخْبِطُ) بفتح الفوقية وسكون المعجمة وكسر الموحدة بعدها طاء مهملة، ولأبي ذرٍّ: «فتخبط» (وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا) جمع: خفٍّ، وهو للإبلِ كالظُّلف للشَّاة.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه منع الزَّكاة بأيِّ وجه كان من الوجوه المذكورة، قاله العينيُّ (٣). وقال في «الفتح»: وفي رواية أبي صالحٍ: «مَن آتاهُ اللهُ مالًا فلم يؤدِّ زَكاته مُثِّل له يومَ القيامة شجاعًا أقرع» [خ¦١٤٠٣] … فذكرَ نحو حديثِ الباب، قال: وبه تظهرُ مُناسبة ذكرهِ في هذا الباب.
(وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) يريدُ الإمام أبا حنيفةَ (فِي رَجُلٍ لَهُ إِبِلٌ فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَبَاعَهَا بِإِبِلٍ مِثْلِهَا، أَوْ بِغَنَمٍ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمَ فِرَارًا مِنَ الصَّدَقَةِ) الواجبةِ قبل الحول (بِيَوْمٍ احْتِيَالًا فَلَا بَأْسَ) ولأبي ذرٍّ: «فلا شيءَ» (عَلَيْهِ وَهْوَ) أي: والحال أنَّه (يَقُولُ: إِنْ زَكَّى إِبِلَهُ قَبْلَ