الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٦١
الحديث رقم ٧١٦١ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهْوَ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الْحُدُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْقَاضِي وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسِ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ
⦗٦٧⦘
أَبِي لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهْوَ بِالْكُوفَةِ وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي شَهَادَةٍ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ
٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي الْأُمِّ: أَكْرَهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ جَائِعٌ أَوْ تَعِبٌ أَوْ مَشْغُولُ الْقَلْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُ الْقَلْبَ.
(فَرْعٌ):
لَوْ خَالَفَ فَحَكَمَ فِي حَالِ الْغَضَبِ صَحَّ إِنْ صَادَفَ الْحَقَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ قَضَى لِلزُّبَيْرِ بِشِرَاجِ الْحَرَّةِ بَعْدَ أَنْ أَغْضَبَهُ خَصْمُ الزُّبَيْرِ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِرَفْعِ الْكَرَاهَةِ عَنْ غَيْرِهِ لِعِصْمَتِهِ ﷺ فَلَا يَقُولُ فِي الْغَضَبِ إِلَّا كَمَا يَقُولُ فِي الرِّضَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ: فِيهِ جَوَازُ الْفَتْوَى فِي حَالِ الْغَضَبِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَيَنْفُذُ وَلَكِنَّهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي حَقِّنَا، وَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ فِي الْغَضَبِ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ وُصُولِهِ فِي الْغَضَبِ إِلَى تَغَيُّرِ الْفِكْرِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْغَضَبِ وَلَا أَسْبَابِهِ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَفَصَّلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْبَغَوِيُّ فَقَيَّدَا الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا كَانَ الْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتَغْرَبَ الرُّويَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْرُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَوَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلِلْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نُهِيَ عَنِ الْحُكْمِ حَالَ الْغَضَبِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَ لَهُ الْحُكْمُ فَلَا يُؤَثِّرُ وَإِلَّا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ مُعْتَبَرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ الدَّالَّ عَلَى الْمَنْعِ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْجَوَازَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّهِ وَالْأَمْنِ مِنَ التَّعَدِّي، أَوْ أَنَّ غَضَبَهُ إِنَّمَا كَانَ لِلْحَقِّ فَمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ إِنْ كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً رُدَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ دِينِيَّةً لَمْ تُرَدَّ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْكِتَابَةَ بِالْحَدِيثِ كَالسَّمَاعِ مِنَ الشَّيْخِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَأَمَّا فِي الرِّوَايَةِ فَمَنَعَ مِنْهَا قَوْمٌ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ الْإِجَازَةِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. نَعَمْ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنْ لَا يُطْلَقَ الْإِخْبَارُ بَلْ يَقُولُ كَتَبَ إِلَيَّ أَوْ كَاتَبَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي فِي كِتَابِهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ دَلِيلِهِ فِي التَّعْلِيمِ، وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْفَتْوَى. وَفِيهِ شَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ وَإِعْلَامُهُ بِمَا يَنْفَعُهُ وَتَحْذِيرُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا يُنْكَرُ. وَفِيهِ نَشْرُ الْعِلْمِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلِ الْعَالِمُ عَنْهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ (جَاءَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَزْمُ بْنُ كَعْبٍ وَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِفُلَانٍ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْغَضَبِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ.
الحديث الثالث: حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض.
قَوْلُهُ: (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.
قَوْلُهُ (فَتَغَيَّظَ فِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِيهِ يَعُودُ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الطَّلَاقُ الْمَوْصُوفُ، وَفِي عَلَيْهِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
١٤ - بَاب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا
٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ
يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ لَهَا: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ) أَشَارَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِه فِي حُقُوقِ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَالْحُدُودِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَلَهُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ تَفْصِيلٌ، قَالَ: إِنْ كَانَ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَمْ يَحْكُمْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الشُّهُودِ وَهُوَ غَيْرُ حَاكِمٍ، بِخِلَافِ مَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ فَقَيَّدَ بِهِ قَوْلَ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ مُطْلَقًا اعْتَلُّوا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَلْحَقَهُ التُّهْمَةُ إِذَا قَضَى بِعِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ لِصَدِيقِهِ عَلَى عَدُوِّهُ فَحُسِمَتِ الْمَادَّةُ، فَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إِذَا لَمْ يَخَفِ الْحَاكِمُ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ أَجْلِ حَسْمِ الْمَادَّةِ أَنْ يَسْمَعَ مَثَلًا رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا.
ثُمَّ رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَأَنْكَرَ، فَإِذَا حَلَّفَهُ فَحَلَفَ لَزِمَ أَنْ يُدِيمَهُ عَلَى فَرْجٍ حَرَامٍ فَيَفْسُقَ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ، فَإِنْ خَشِيَ التُّهْمَةَ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَيُقِيمَ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ وَالصِّدْقِ وَلَمْ يُعْرَفْ بِكَبِيرِ زَلَّةٍ وَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ خَرِبَةٌ بِحَيْثُ تَكُونُ أَسْبَابُ التُّقَى فِيهِ مَوْجُودَةً وَأَسْبَابُ التُّهَمِ فِيهِ مَفْقُودَةً، فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا. قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) هَذَا اللَّفْظُ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي النَّفَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ سَاقَ الْقِصَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَشْهُورِ الشَّيْءُ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ هند بِنْتِ عُتْبَةَ.
قَوْلُهُ (مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الْمَنَاقِبِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَفِيهِ بَيَانُ اسْتِدْلَالِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ وَرَدُّ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَضَى لَهَا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَلِوَلَدِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ وَلَمْ يَلْتَمِسْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّ عِلْمَهُ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ مَا عَلِمَهُ، وَالشَّهَادَةُ قَدْ تَكُونُ كَذِبًا، وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ قَوْلُهُ في حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ إِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا أَسْمَعُ وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَعْلَمُ.
وَقَالَ لَلْحَضْرَمِيِّ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَفِيهِ وَلَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ وَلِمَا يُخْشَى مِنْ قُضَاةِ السُّوءِ أَنْ يَحْكُمَ أَحَدُهُمْ بِمَا شَاءَ وَيُحِيلَ عَلَى عِلْمِهِ احْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا بِالتُّهْمَةِ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَصَّلَ بِأَنَّ الَّذِي عَلِمَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَحَكَمَ بِشَهَادَةِ نَفْسِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَضَى بِدَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَيَكُونُ كَالْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَعْلِيلٌ آخَرُ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْقَضَاءِ فَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْ شَاهِدٍ أَوْ مُدَّعٍ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ بَطَّالٍ لِمَقْصُودِ الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ احْتَجَّ لِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ بِقِصَّةِ هِنْدٍ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْفُتْيَا وَكَلَامُ الْمُفْتِي يَتَنَزَّلُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إِنْهَاءِ الْمُسْتَفْتِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْنَعُكَ حَقَّكَ جَازَ لَكَ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ.
قَالَ: وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ الْحُكْمُ وَالْإِلْزَامُ، فَيَجِبُ تَنْزِيلُ لَفْظِهِ عَلَيْهِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ مَا ذَكَرَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ أَنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَهَا، بَلْ ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِلَّا مِنْهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ادَّعَى نَفْيَهُ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْأَخْذِ؛ وَاطِّلَاعُهُ عَلَى صِدْقِهَا مُمْكِنٌ بِالْوَحْيِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ عِلْمٍ، وَيُؤَيِّدُ اطِّلَاعَهُ عَلَى حَالِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَذْكُرَ مَا ذَكَرَتْ مِنَ الْمُصَاهَرَةِ، وَلِأَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهَا إِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَاكْتَفَى فِيهِ بِالْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا تَأْخُذُ، فَلَمَّا أَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ خُذِي دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا: لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى مَعْرِفَةَ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، كَذَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ، وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِ
وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عمالِهِ، وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ، فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الحدود، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَاضِي، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ، فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ. وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا. وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ: إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ السِّتْرِ: إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلَّا تعرفها فَلَا تَشْهَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال: أخبرني» بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌُ) بالصَّرف وعدمه؛ لسكون وسطه (بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد شمس بن عبد منافٍ القرشيَّة العَبْشَميَّة، والدة معاوية، وسقط لأبي ذرٍّ «بن ربيعة» إلى رسول الله ﷺ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ (١) أَهْلُ خِبَاءٍ) بكسر الخاء المعجمة والمدِّ (أَحَبَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَنْ يَذِلُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر المعجَمة (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ) أرادت بيته (٢) ﷺ، فكنَّت عنه بأهل الخباء؛ إجلالًا له، أو أرادت أهل بيته أو صحابته (٣)، فهو من المجاز والاستعارة (وَمَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر العين المهملة وتشديد الزَّاي (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ قَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجي (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) بكسر الميم والسِّين المهملة المشدَّدة، بصيغة المبالغة، من مسك اليد؛ يعني: بخيلٌ جدًّا، ويجوز فتح الميم وكسر السِّين مخفَّفةً بوزن «أميرٍ»، وهو أصحُّ عند أهل العربيَّة، والأوَّل هو الأشهر في رواية المحدِّثين، و «رجلٌ» خبر «إنَّ»، ولو قالت: إنَّ أبا سفيان مِسِّيكٌ؛ صَحَّ وحصَلت الفائدة، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان البخل مذمومًا؛ قالت: رجلٌ، وفي روايةٍ: «شحيحٌ (٤)» بدل «مِسِّيكٌ»، وهو أشدُّ البخل، وقيل: الشُّحُّ: الحرص على ما ليس عنده (٥)، والبخل: بما عنده، وقال رجلٌ لابن عمر: إنِّي شحيحٌ، فقال له: إن كان شحُّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك؛ فليس بشحِّك بأسٌ، وعن ابن مسعودٍ: الشُّحُّ: منع الزَّكاة، وقال القرطبيُّ: المراد: أنَّه شحيحٌ بالنِّسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا؛
لأنَّ الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته؛ لأنَّه يرى أنَّ (١) غيرهم أحوج وأَولى، وإلَّا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل، فلا يستدلُّ بهذا الحديث على أنَّه بخيلٌ مطلقًا (فَهَلْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ حَرَجٍ) مِنْ (٢) إثمٍ (أَنْ أُطْعِمَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مِنَ الذي» (لَهُ عِيَالَنَا؟) وهمزة «أُطْعِمَ» مضمومةٌ (قَالَ) ﷺ (لَهَا: لَا حَرَجَ) لا إثمَ (عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي: الإطعام الذي هو المعروف بألَّا يكون فيه إسرافٌ ونحوه.
وفي هذا أنَّ للقاضي أن يقضيَ بعلمه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلم أنَّها زوجة أبي سفيان، ولم يكلِّفْها البيِّنة؛ لأنَّ علمه أقوى من الشَّهادة؛ لتيقُّن (٣) ما علمه، والشَّهادة قد تكون كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلِّف في «باب الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء» [خ¦٧١٧٠] عن آخرين من أهل العراق أنَّه يقضي بعلمه؛ لأنَّه مؤتَمنٌ، وإنَّما يُراد من الشَّهادة معرفة الحقِّ، فعلمه أكثر من الشَّهادة، واستدلَّ المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أمِّ سلمة: «إنَّما أقضي له بما أسمع»، ولم يقل: بما أعلم، وقال للحضرميِّ (٤): «شاهداك أو يمينُه، ليس لك إلَّا ذلك»، ويُخشى من قضاة السُّوء أن يحكم أحدهم بما شاء (٥) ويُحيل على علمه، وتعقَّب ابن المُنَيِّر البخاريَّ بأنَّه لا دلالة له (٦) في الحديث للتَّرجمة؛ لأنَّه خرج مخرج الفُتيا، قال: وكلام المفتي يتنزَّل على تقدير صحَّة إنهاء المستفتي، فكأنَّه قال: إن ثبت أنَّه يمنعك حقَّك؛ جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم بأنَّ الأغلب من أحوال النَّبيِّ ﷺ الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه عليه، وبأنَّه لو كان (٧) فتيا؛ لقال مثلًا: لكِ أن تأخذي، فلمَّا أتى بصيغة الأمر بقوله: «خُذي» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٢١١] دلَّ على الحكم، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «باب القضاء على الغائب» [خ¦٧١٨٠] وفي «باب
الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته (١) القضاء» [خ¦٧١٧٠].
تنبيه: لو شَهِدَتِ البيِّنة مثلًا بخلاف ما يعلمه علمًا حسِّيًّا؛ لمشاهدةٍ (٢) أو سماعٍ، يقينًا أو ظنًّا (٣) راجحًا؛ لم يَجُزْ له أن يحكم بما قامت به البيِّنة، ونقل بعضهم فيه الاتِّفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم.
والحديث سبق في «باب (٤) النَّفقات» [خ¦٥٣٧٠].
(١٥) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ عَلَى الخَطِّ المَخْتُومِ) أنَّه خطُّ فلانٍ، وقال: المختوم؛ لأنَّه أقرب إلى عدم تزوير الخطِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «المحكوم» بالحاء المهملة بدل المعجمة، والكاف بدل الفوقية، أي: المحكوم به (وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الشَّهادة على الخطِّ (وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ) وللأَصيليِّ زيادة: «فيه» فلا يجوز لهم الشَّهادة به، ولأبي ذرٍّ: «عليه» أي: الشَّاهد، فالقول بذلك ليس على التَّعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يُمنَع مطلقًا؛ لما فيه من تضييع الحقوق، ولا يُعمَل به مطلقًا؛ إذ لا يُؤمَن فيه التَّزوير (وَ) حكم (كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، وفي الفرع كأصله: «إلى عامله» بلفظ الإفراد (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أبو حنيفة وأصحابه: (كِتَابُ الحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الحُدُودِ، ثُمَّ) ناقض بعض النَّاس حيث (قَالَ: إِنْ كَانَ القَتْلُ خَطأً فَهْوَ) أي: كتاب الحاكم (جَائِزٌ؛ لأَنَّ هَذَا) أي: قتل الخطأ في نفس الأمر (مَالٌ بِزَُعْمِهِ) بضمِّ الزَّاي وفتحها، وإنَّما كان عنده مالًا؛ لعدم القصاص فيه، فيلحقُ (١) بسائر الأموال في هذا الحكم، ثمَّ ذكر المؤلِّف وجه المناقضة فقال: (وَإِنَّمَا صَارَ) قتل الخطأ (مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يثبت» (القَتْلُ) عند الحاكم (فَالخَطَأُ وَالعَمْدُ) في أوَّل الأمر حكمهما (وَاحِدٌ) لا تفاوت في كونهما حدًّا (وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (إِلَى عَامِلِهِ فِي الحُدُوْدِ) بالحاء والدَّالين المهملات، والعامل المذكور هو يَعْلى بن أميَّة عامله على اليمن، كتب إليه في قصَّة رجلٍ زنى بامرأةٍ مضيفةٍ: إن كان عالمًا بالتَّحريم فحُدَّه، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «في الجارود» بالجيم بعدها ألفٌ فراءٌ فواوٌ فدالٌ مهملةٌ، ابن المعلَّى أبي المنذر العبديِّ، وله قصَّة مع قدامة بن مظعونٍ عامل عمر على البحرين، ذكرها عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعونٍ، فقدم الجارود سيِّدُ (٢) عبد القيس على عمر، فقال: إنَّ قدامة شرب فسكر، فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصَّة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي ردِّ عمر عليه وجلده الحدَّ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ إلى عامله زريق بن حكيمٍ (فِي) شأن (سِنٍّ كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف وكسر السِّين، وهذا وصله أبو بكر الخلَّال في «كتاب القصاص والدِّيات» من طريق
عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زُريق بن حكيمٍ عن أبيه بلفظ: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجلٍ على سنٍّ كُسِرَت (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ؛ ممَّا وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه: (كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ) القاضي المكتوبُ إليه (الكِتَابَ وَالخَاتَمَ) الذي يُختَم به عليه؛ بحيث لا يلتبسان بغيرهما (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، ممَّا وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزَّة (يُجِيزُ الكِتَابَ المَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ القَاضِي، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (نَحْوُهُ) أي: نَحْوَ ما رُوِيَ عن الشَّعبيِّ، قال في «فتح الباري»: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ) المعروف بالضَّالِّ؛ بضادٍ معجمةٍ ولامٍ مشدَّدةٍ، سمِّي به؛ لأنَّه ضَلَّ في طريق مكَّة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت (عَبْدَ المَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ البَصْرَةِ) اللَّيثيَّ التَّابعيَّ، ولَّاه عليها يزيد بن هبيرة لمَّا وُلِّيَ إمارتها من قِبَلِ يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ كما ذكره عمر بن شبَّة في «أخبار البصرة» (وَ) شهدتُ (إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، المزنيَّ، وكان وُلِّيَ قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قِبَلِ عَديِّ بن أرطاة عامل عمر بن عبد العزيز عليها (وَالحَسَنَ) البصريَّ، وكان قد وُلِّي القضاء بالبصرة مدَّةً قليلةً، ولَّاه عَديُّ بن أرطاة عاملها (وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، وكان قاضيَ البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ (١) (وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعريَّ، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ قضاء البصرة (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة (الأَسْلَمِيَّ) التَّابعيَّ المشهور، وُلِّيَ قضاء مَرْو (وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة بعدها تحتيَّةٌ، مصحَّحٌ عليه في الفرع وأصله، وزاد في «فتح الباري»: عَبْدَةَ، بفتح العين وسكون الموحَّدة وفتحها، وقال (٢): ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وعامرٌ هو أبو (٣) إياسٍ البجليُّ الكوفيُّ (وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة، النَّاجي -بالنُّون والجيم- يُكنَّى أبا سلمة؛ الثَّمانية حال كونهم (يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ) بضمِّ الشِّين (٤)،
ولأبي ذرٍّ: «مِنَ المَشْهود» بزيادة ميمٍ وسكون الشِّين (فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالكِتَابِ) بكسر الجيم وسكون التَّحتيَّة بعدها همزةٌ: (إِنَّهُ) أي: الكتاب (زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ) بفتح الميم والرَّاء بينهما معجمةٌ ساكنةٌ، أي: اطلب الخروج من عُهْدة ذلك، إمَّا بالقدح في البيِّنة بما يقبله (١)؛ فتبطل الشَّهادة، وإمَّا بما (٢) يدلُّ على البراءة من المشهود به، وقال المالكيَّة: إذا جاء كتابٌ من قاضٍ إلى قاضٍ آخر مع شاهدين؛ فإنَّه يعتمد على ما شهد به الشَّاهدان ولو خالفا (٣) ما في الكتاب، وقيَّد ذلك في «الجواهر» بما إذا طابقت شهادتهما الدَّعوى، قال: ولو شهدا (٤) بما فيه وهو مفتوحٌ؛ جاز ونُدِبَ ختمه، ولم يُفِدْ وحده، فلا بدَّ من شهودٍ بأنَّ هذا الكتاب كتاب فلانٍ القاضي، وزاد أشهب: ويشهدون أنَّه أشهدهم بما فيه. انتهى. واحتجَّ من لم يشترط الإشهاد بأنَّه ﷺ كتب إلى الملوك، ولم يُنقَل أنَّه أشهد أحدًا على كتابه، وأجيب بأنَّه لمَّا حصل في الناس الفساد؛ احتيط للدِّماء والأموال، قال البخاريُّ: (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ القَاضِي البَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) محمَّد بن عبد الرَّحمن قاضي الكوفة، وأوَّل ما وُلِّيها في زمن يوسف بن عمر الثَّقفيِّ في خلافة (٥) الوليد بن يزيد، وهو صدوقٌ، لكنَّه اتُّفِق على ضعف حديثه لسوء حفظه (وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح السِّين المهملة والواو المشدَّدة وبعد الألف راءٌ، العنبريُّ قاضي البصرة من قِبَلِ المنصور.
قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ مذاكرةً: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الرَّاء بعدها زايٌ، الكوفيُّ قال: (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ التَّابعيِّ (قَاضِي البَصْرَةِ وَ) كنتُ (أَقَمْتُ عِنْدَهُ البَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَهْوَ) أي: فلانٌ (٦) (بِالكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ) بالواو، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «فجئت به» أي: بالكتاب (القَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي عبد الله بن مسعودٍ المسعوديَّ
التَّابعيَّ، قاضي الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز (فَأَجَازَهُ) بجيمٍ وزايٍ: أمضاه (١) وعمل به (وَكَرِهَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَأَبُو قِلَابَةَ) الجَرْمِيُّ؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء وكسر الميم (أَنْ يَشْهَدَ) -بفتح أوَّله- الشَّاهد (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا؛ لأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا) أي: باطلًا، وقال المالكيَّة: وهذا هو الصَّواب، وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّها إذا كان فيها جَورٌ؛ لم يمنعِ التَّحمُّل؛ لأنَّ الحاكم قادرٌ على ردِّه إذا أوجب حكم الشَّرع ردَّه، وما عداه يُعمَل به، فليس خشية الجَور فيها مانعًا من التَّحمُّل، وإنَّما المانع الجهل بما يشهد به، ومذهب مالكٍ ﵀ جواز الشَّهادة على الوصيَّة وإن لم يعلمِ الشَّاهد ما فيها؛ وكذا الكتاب المطويُّ، ويقول الشَّاهدان للحاكم: نشهد على إقراره بما في الكتاب؛ لأنَّه ﷺ كتب إلى عمَّاله من غير أن يقرأها على مَنْ حملها، وهي مشتملةٌ على الأحكام والسُّنن، وأثر الحَسَن وصله الدَّارميُّ بلفظ: لا تَشهدْ على وصيَّةٍ حتَّى تُقرَأ عليك، ولا تشهد على من لا تَعرف. وأثر أبي قِلابة وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان بلفظ: قال أبو قِلابة في الرَّجل يقول: اشهدوا على ما في هذه الصَّحيفة، قال: لا، حتَّى نعلم ما فيها، زاد يعقوب: وقال: لعلَّ فيها جَورًا، وفي هذه الزِّيادة بيان السَّبب في المنع المذكور (وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ) في قصَّة حُوَيِّصة ومُحَيِّصة: (إِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (أَنْ تَدُوا) بالفوقيَّة والتَّحتيَّة (صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن سهلٍ، أي: تُعطوا دِيَتَه، وأضافه (٢) إليهم؛ لكونه وُجِد قتيلًا بين اليهود بخيبر، والإضافة تكون بأدنى ملابسةٍ وهذا إن كان «تدوا» بتاء الخطاب، وإن كان بالتَّحتيَّة؛ فظاهرٌ (وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ) أي: تُعلمِوا به، وهذا طرفٌ من حديث سبق في «باب القسامة» من «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٨].
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ؛ فيما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (فِي شَهَادَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «في الشَّهادة» (عَلَى المَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) بكسر السِّين المهملة (٣): (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) عليها (وَإِلَّا) أي: وإن لم تعرفها (فَلَا تَشْهَدْ) ومقتضاه: أنَّه لا يُشتَرط أن يراها حالة الإشهاد، بل تكفي معرفته لها بأيِّ طريقٍ كان، وقال الشَّافعيَّة: لا تصحُّ شهادةٌ على متنقِّبة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي الْأُمِّ: أَكْرَهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ جَائِعٌ أَوْ تَعِبٌ أَوْ مَشْغُولُ الْقَلْبِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُ الْقَلْبَ.
(فَرْعٌ):
لَوْ خَالَفَ فَحَكَمَ فِي حَالِ الْغَضَبِ صَحَّ إِنْ صَادَفَ الْحَقَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ قَضَى لِلزُّبَيْرِ بِشِرَاجِ الْحَرَّةِ بَعْدَ أَنْ أَغْضَبَهُ خَصْمُ الزُّبَيْرِ، لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِرَفْعِ الْكَرَاهَةِ عَنْ غَيْرِهِ لِعِصْمَتِهِ ﷺ فَلَا يَقُولُ فِي الْغَضَبِ إِلَّا كَمَا يَقُولُ فِي الرِّضَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ اللُّقَطَةِ: فِيهِ جَوَازُ الْفَتْوَى فِي حَالِ الْغَضَبِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ وَيَنْفُذُ وَلَكِنَّهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي حَقِّنَا، وَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ فِي الْغَضَبِ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْحُكْمِ قَبْلَ وُصُولِهِ فِي الْغَضَبِ إِلَى تَغَيُّرِ الْفِكْرِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْغَضَبِ وَلَا أَسْبَابِهِ، وَكَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، وَفَصَّلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْبَغَوِيُّ فَقَيَّدَا الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا كَانَ الْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَاسْتَغْرَبَ الرُّويَانِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ وَاسْتَبْعَدَهُ غَيْرُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِظَوَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلِلْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نُهِيَ عَنِ الْحُكْمِ حَالَ الْغَضَبِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَ لَهُ الْحُكْمُ فَلَا يُؤَثِّرُ وَإِلَّا فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ مُعْتَبَرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَدْخَلَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ الدَّالَّ عَلَى الْمَنْعِ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ الدَّالَّ عَلَى الْجَوَازِ تَنْبِيهًا مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْجَوَازَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّهِ وَالْأَمْنِ مِنَ التَّعَدِّي، أَوْ أَنَّ غَضَبَهُ إِنَّمَا كَانَ لِلْحَقِّ فَمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِ جَازَ وَإِلَّا مُنِعَ، وَهُوَ كَمَا قِيلَ فِي شَهَادَةِ الْعَدُوِّ إِنْ كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً رُدَّتْ، وَإِنْ كَانَتْ دِينِيَّةً لَمْ تُرَدَّ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْكِتَابَةَ بِالْحَدِيثِ كَالسَّمَاعِ مِنَ الشَّيْخِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَأَمَّا فِي الرِّوَايَةِ فَمَنَعَ مِنْهَا قَوْمٌ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنِ الْإِجَازَةِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. نَعَمْ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنْ لَا يُطْلَقَ الْإِخْبَارُ بَلْ يَقُولُ كَتَبَ إِلَيَّ أَوْ كَاتَبَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي فِي كِتَابِهِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ دَلِيلِهِ فِي التَّعْلِيمِ، وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْفَتْوَى. وَفِيهِ شَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ وَإِعْلَامُهُ بِمَا يَنْفَعُهُ وَتَحْذِيرُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا يُنْكَرُ. وَفِيهِ نَشْرُ الْعِلْمِ لِلْعَمَلِ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ وَإِنْ لَمْ يُسْأَلِ الْعَالِمُ عَنْهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ (جَاءَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ مِنْ أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَزْمُ بْنُ كَعْبٍ وَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِفُلَانٍ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْغَضَبِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ.
الحديث الثالث: حديث ابن عمر في طلاق امرأته وهي حائض.
قَوْلُهُ: (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ.
قَوْلُهُ (فَتَغَيَّظَ فِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَيْهِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِيهِ يَعُودُ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الطَّلَاقُ الْمَوْصُوفُ، وَفِي عَلَيْهِ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ.
١٤ - بَاب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا
٧١٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ
يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ لَهَا: لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ) أَشَارَ إِلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِه فِي حُقُوقِ النَّاسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَالْحُدُودِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَلَهُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ تَفْصِيلٌ، قَالَ: إِنْ كَانَ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَمْ يَحْكُمْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنَ الشُّهُودِ وَهُوَ غَيْرُ حَاكِمٍ، بِخِلَافِ مَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ فَقَيَّدَ بِهِ قَوْلَ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ مُطْلَقًا اعْتَلُّوا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيَجُوزُ أَنْ تَلْحَقَهُ التُّهْمَةُ إِذَا قَضَى بِعِلْمِهِ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ لِصَدِيقِهِ عَلَى عَدُوِّهُ فَحُسِمَتِ الْمَادَّةُ، فَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ مَحَلَّ الْجَوَازِ مَا إِذَا لَمْ يَخَفِ الْحَاكِمُ الظُّنُونَ وَالتُّهْمَةَ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ أَجْلِ حَسْمِ الْمَادَّةِ أَنْ يَسْمَعَ مَثَلًا رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا.
ثُمَّ رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَأَنْكَرَ، فَإِذَا حَلَّفَهُ فَحَلَفَ لَزِمَ أَنْ يُدِيمَهُ عَلَى فَرْجٍ حَرَامٍ فَيَفْسُقَ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَيَحْكُمَ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ، فَإِنْ خَشِيَ التُّهْمَةَ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَيُقِيمَ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ وَالصِّدْقِ وَلَمْ يُعْرَفْ بِكَبِيرِ زَلَّةٍ وَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ خَرِبَةٌ بِحَيْثُ تَكُونُ أَسْبَابُ التُّقَى فِيهِ مَوْجُودَةً وَأَسْبَابُ التُّهَمِ فِيهِ مَفْقُودَةً، فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا. قُلْتُ: وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ مَشَايِخِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) هَذَا اللَّفْظُ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي النَّفَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ سَاقَ الْقِصَّةَ فِي هَذَا الْبَابِ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَشْهُورِ الشَّيْءُ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ هند بِنْتِ عُتْبَةَ.
قَوْلُهُ (مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الْمَنَاقِبِ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَفِيهِ بَيَانُ اسْتِدْلَالِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ وَرَدُّ قَوْلِ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ بِحَدِيثِ الْبَابِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَضَى لَهَا بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا وَلِوَلَدِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ وَلَمْ يَلْتَمِسْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، وَمِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّ عِلْمَهُ أَقْوَى مِنَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ مَا عَلِمَهُ، وَالشَّهَادَةُ قَدْ تَكُونُ كَذِبًا، وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ قَوْلُهُ في حَدِيث أُمِّ سَلَمَةَ إِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِمَا أَسْمَعُ وَلَمْ يَقُلْ بِمَا أَعْلَمُ.
وَقَالَ لَلْحَضْرَمِيِّ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَفِيهِ وَلَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ وَلِمَا يُخْشَى مِنْ قُضَاةِ السُّوءِ أَنْ يَحْكُمَ أَحَدُهُمْ بِمَا شَاءَ وَيُحِيلَ عَلَى عِلْمِهِ احْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا بِالتُّهْمَةِ، وَاحْتَجَّ مَنْ فَصَّلَ بِأَنَّ الَّذِي عَلِمَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ الْقَضَاءِ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الشَّهَادَةِ، فَلَوْ حَكَمَ بِهِ لَحَكَمَ بِشَهَادَةِ نَفْسِهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَضَى بِدَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَيْضًا فَيَكُونُ كَالْحَاكِمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَعْلِيلٌ آخَرُ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْقَضَاءِ فَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَمَاعِهِ مِنْ شَاهِدٍ أَوْ مُدَّعٍ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَتَعَرَّضِ ابْنُ بَطَّالٍ لِمَقْصُودِ الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ احْتَجَّ لِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ بِقِصَّةِ هِنْدٍ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأَنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْفُتْيَا وَكَلَامُ الْمُفْتِي يَتَنَزَّلُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ إِنْهَاءِ الْمُسْتَفْتِي، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْنَعُكَ حَقَّكَ جَازَ لَكَ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ الْإِمْكَانِ.
قَالَ: وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ الْحُكْمُ وَالْإِلْزَامُ، فَيَجِبُ تَنْزِيلُ لَفْظِهِ عَلَيْهِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ مَا ذَكَرَ فِي قِصَّةِ هِنْدٍ أَنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَهَا، بَلْ ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِلَّا مِنْهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ؟ قُلْتُ: وَمَا ادَّعَى نَفْيَهُ بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهَا لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْأَخْذِ؛ وَاطِّلَاعُهُ عَلَى صِدْقِهَا مُمْكِنٌ بِالْوَحْيِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ عِلْمٍ، وَيُؤَيِّدُ اطِّلَاعَهُ عَلَى حَالِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَذْكُرَ مَا ذَكَرَتْ مِنَ الْمُصَاهَرَةِ، وَلِأَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَهَا إِنَّهَا زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَاكْتَفَى فِيهِ بِالْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ فُتْيَا لَقَالَ مَثَلًا تَأْخُذُ، فَلَمَّا أَتَى بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ خُذِي دَلَّ عَلَى الْحُكْمِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَيْضًا: لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى مَعْرِفَةَ الْمَحْكُومِ بِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، كَذَا قَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ، وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِ
وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عمالِهِ، وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ، فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الحدود، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَاضِي، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ: شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ، فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ. وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا. وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ: إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ السِّتْرِ: إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلَّا تعرفها فَلَا تَشْهَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧١٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «قال: أخبرني» بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ) بن الزُّبير: (أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌُ) بالصَّرف وعدمه؛ لسكون وسطه (بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد شمس بن عبد منافٍ القرشيَّة العَبْشَميَّة، والدة معاوية، وسقط لأبي ذرٍّ «بن ربيعة» إلى رسول الله ﷺ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ (١) أَهْلُ خِبَاءٍ) بكسر الخاء المعجمة والمدِّ (أَحَبَّ إِلَيَّ) بتشديد الياء (أَنْ يَذِلُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر المعجَمة (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ) أرادت بيته (٢) ﷺ، فكنَّت عنه بأهل الخباء؛ إجلالًا له، أو أرادت أهل بيته أو صحابته (٣)، فهو من المجاز والاستعارة (وَمَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا) بفتح التَّحتيَّة وكسر العين المهملة وتشديد الزَّاي (مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ قَالَتْ): يا رسول الله (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ زوجي (رَجُلٌ مِسِّيكٌ) بكسر الميم والسِّين المهملة المشدَّدة، بصيغة المبالغة، من مسك اليد؛ يعني: بخيلٌ جدًّا، ويجوز فتح الميم وكسر السِّين مخفَّفةً بوزن «أميرٍ»، وهو أصحُّ عند أهل العربيَّة، والأوَّل هو الأشهر في رواية المحدِّثين، و «رجلٌ» خبر «إنَّ»، ولو قالت: إنَّ أبا سفيان مِسِّيكٌ؛ صَحَّ وحصَلت الفائدة، إلَّا أنَّ ذكر الموصوف مع صفته يكون لتعظيمه؛ نحو: رأيت رجلًا صالحًا، أو لتحقيره؛ نحو: رأيت رجلًا فاسقًا، ولمَّا كان البخل مذمومًا؛ قالت: رجلٌ، وفي روايةٍ: «شحيحٌ (٤)» بدل «مِسِّيكٌ»، وهو أشدُّ البخل، وقيل: الشُّحُّ: الحرص على ما ليس عنده (٥)، والبخل: بما عنده، وقال رجلٌ لابن عمر: إنِّي شحيحٌ، فقال له: إن كان شحُّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك؛ فليس بشحِّك بأسٌ، وعن ابن مسعودٍ: الشُّحُّ: منع الزَّكاة، وقال القرطبيُّ: المراد: أنَّه شحيحٌ بالنِّسبة إلى امرأته وولده لا مطلقًا؛
لأنَّ الإنسان قد يفعل هذا مع أهل بيته؛ لأنَّه يرى أنَّ (١) غيرهم أحوج وأَولى، وإلَّا فأبو سفيان لم يكن معروفًا بالبخل، فلا يستدلُّ بهذا الحديث على أنَّه بخيلٌ مطلقًا (فَهَلْ عَلَيَّ) بتشديد الياء (مِنْ حَرَجٍ) مِنْ (٢) إثمٍ (أَنْ أُطْعِمَ الَّذِي) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «مِنَ الذي» (لَهُ عِيَالَنَا؟) وهمزة «أُطْعِمَ» مضمومةٌ (قَالَ) ﷺ (لَهَا: لَا حَرَجَ) لا إثمَ (عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي: الإطعام الذي هو المعروف بألَّا يكون فيه إسرافٌ ونحوه.
وفي هذا أنَّ للقاضي أن يقضيَ بعلمه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلم أنَّها زوجة أبي سفيان، ولم يكلِّفْها البيِّنة؛ لأنَّ علمه أقوى من الشَّهادة؛ لتيقُّن (٣) ما علمه، والشَّهادة قد تكون كذبًا، ويأتي إن شاء الله تعالى عند المؤلِّف في «باب الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء» [خ¦٧١٧٠] عن آخرين من أهل العراق أنَّه يقضي بعلمه؛ لأنَّه مؤتَمنٌ، وإنَّما يُراد من الشَّهادة معرفة الحقِّ، فعلمه أكثر من الشَّهادة، واستدلَّ المانعون من القضاء بالعلم بقوله في حديث أمِّ سلمة: «إنَّما أقضي له بما أسمع»، ولم يقل: بما أعلم، وقال للحضرميِّ (٤): «شاهداك أو يمينُه، ليس لك إلَّا ذلك»، ويُخشى من قضاة السُّوء أن يحكم أحدهم بما شاء (٥) ويُحيل على علمه، وتعقَّب ابن المُنَيِّر البخاريَّ بأنَّه لا دلالة له (٦) في الحديث للتَّرجمة؛ لأنَّه خرج مخرج الفُتيا، قال: وكلام المفتي يتنزَّل على تقدير صحَّة إنهاء المستفتي، فكأنَّه قال: إن ثبت أنَّه يمنعك حقَّك؛ جاز لك أخذه، وأجاب بعضهم بأنَّ الأغلب من أحوال النَّبيِّ ﷺ الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه عليه، وبأنَّه لو كان (٧) فتيا؛ لقال مثلًا: لكِ أن تأخذي، فلمَّا أتى بصيغة الأمر بقوله: «خُذي» كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٢١١] دلَّ على الحكم، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته في «باب القضاء على الغائب» [خ¦٧١٨٠] وفي «باب
الشَّهادة تكون عند الحاكم في ولايته (١) القضاء» [خ¦٧١٧٠].
تنبيه: لو شَهِدَتِ البيِّنة مثلًا بخلاف ما يعلمه علمًا حسِّيًّا؛ لمشاهدةٍ (٢) أو سماعٍ، يقينًا أو ظنًّا (٣) راجحًا؛ لم يَجُزْ له أن يحكم بما قامت به البيِّنة، ونقل بعضهم فيه الاتِّفاق وإن وقع الاختلاف في القضاء بالعلم.
والحديث سبق في «باب (٤) النَّفقات» [خ¦٥٣٧٠].
(١٥) (باب) حكم (الشَّهَادَةِ عَلَى الخَطِّ المَخْتُومِ) أنَّه خطُّ فلانٍ، وقال: المختوم؛ لأنَّه أقرب إلى عدم تزوير الخطِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «المحكوم» بالحاء المهملة بدل المعجمة، والكاف بدل الفوقية، أي: المحكوم به (وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ) أي: من الشَّهادة على الخطِّ (وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ) وللأَصيليِّ زيادة: «فيه» فلا يجوز لهم الشَّهادة به، ولأبي ذرٍّ: «عليه» أي: الشَّاهد، فالقول بذلك ليس على التَّعميم إثباتًا ونفيًا، بل لا يُمنَع مطلقًا؛ لما فيه من تضييع الحقوق، ولا يُعمَل به مطلقًا؛ إذ لا يُؤمَن فيه التَّزوير (وَ) حكم (كِتَابِ الحَاكِمِ إِلَى عُمَّالِهِ) بضمِّ العين وتشديد الميم، وفي الفرع كأصله: «إلى عامله» بلفظ الإفراد (وَ) كتاب (القَاضِي إِلَى القَاضِي، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ) أبو حنيفة وأصحابه: (كِتَابُ الحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الحُدُودِ، ثُمَّ) ناقض بعض النَّاس حيث (قَالَ: إِنْ كَانَ القَتْلُ خَطأً فَهْوَ) أي: كتاب الحاكم (جَائِزٌ؛ لأَنَّ هَذَا) أي: قتل الخطأ في نفس الأمر (مَالٌ بِزَُعْمِهِ) بضمِّ الزَّاي وفتحها، وإنَّما كان عنده مالًا؛ لعدم القصاص فيه، فيلحقُ (١) بسائر الأموال في هذا الحكم، ثمَّ ذكر المؤلِّف وجه المناقضة فقال: (وَإِنَّمَا صَارَ) قتل الخطأ (مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يثبت» (القَتْلُ) عند الحاكم (فَالخَطَأُ وَالعَمْدُ) في أوَّل الأمر حكمهما (وَاحِدٌ) لا تفاوت في كونهما حدًّا (وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (إِلَى عَامِلِهِ فِي الحُدُوْدِ) بالحاء والدَّالين المهملات، والعامل المذكور هو يَعْلى بن أميَّة عامله على اليمن، كتب إليه في قصَّة رجلٍ زنى بامرأةٍ مضيفةٍ: إن كان عالمًا بالتَّحريم فحُدَّه، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: «في الجارود» بالجيم بعدها ألفٌ فراءٌ فواوٌ فدالٌ مهملةٌ، ابن المعلَّى أبي المنذر العبديِّ، وله قصَّة مع قدامة بن مظعونٍ عامل عمر على البحرين، ذكرها عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعونٍ، فقدم الجارود سيِّدُ (٢) عبد القيس على عمر، فقال: إنَّ قدامة شرب فسكر، فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصَّة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة، وفي ردِّ عمر عليه وجلده الحدَّ (وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) ﵀ إلى عامله زريق بن حكيمٍ (فِي) شأن (سِنٍّ كُسِرَتْ) بضمِّ الكاف وكسر السِّين، وهذا وصله أبو بكر الخلَّال في «كتاب القصاص والدِّيات» من طريق
عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زُريق بن حكيمٍ عن أبيه بلفظ: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز كتابًا أجاز فيه شهادة رجلٍ على سنٍّ كُسِرَت (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخَعيُّ؛ ممَّا وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عنه: (كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ) القاضي المكتوبُ إليه (الكِتَابَ وَالخَاتَمَ) الذي يُختَم به عليه؛ بحيث لا يلتبسان بغيرهما (وَكَانَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، ممَّا وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزَّة (يُجِيزُ الكِتَابَ المَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنَ القَاضِي، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﵄ (نَحْوُهُ) أي: نَحْوَ ما رُوِيَ عن الشَّعبيِّ، قال في «فتح الباري»: ولم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن (وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ) المعروف بالضَّالِّ؛ بضادٍ معجمةٍ ولامٍ مشدَّدةٍ، سمِّي به؛ لأنَّه ضَلَّ في طريق مكَّة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت (عَبْدَ المَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ البَصْرَةِ) اللَّيثيَّ التَّابعيَّ، ولَّاه عليها يزيد بن هبيرة لمَّا وُلِّيَ إمارتها من قِبَلِ يزيد بن عبد الملك بن مروان؛ كما ذكره عمر بن شبَّة في «أخبار البصرة» (وَ) شهدتُ (إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ) بكسر الهمزة وتخفيف التَّحتيَّة، المزنيَّ، وكان وُلِّيَ قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز من قِبَلِ عَديِّ بن أرطاة عامل عمر بن عبد العزيز عليها (وَالحَسَنَ) البصريَّ، وكان قد وُلِّي القضاء بالبصرة مدَّةً قليلةً، ولَّاه عَديُّ بن أرطاة عاملها (وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، وكان قاضيَ البصرة في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ (١) (وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة، عامر أو الحارث بن أبي موسى الأشعريَّ، ولَّاه خالدٌ القَسْريُّ قضاء البصرة (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ) بضمِّ الموحَّدة (الأَسْلَمِيَّ) التَّابعيَّ المشهور، وُلِّيَ قضاء مَرْو (وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ) بفتح العين وكسر الموحَّدة بعدها تحتيَّةٌ، مصحَّحٌ عليه في الفرع وأصله، وزاد في «فتح الباري»: عَبْدَةَ، بفتح العين وسكون الموحَّدة وفتحها، وقال (٢): ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وعامرٌ هو أبو (٣) إياسٍ البجليُّ الكوفيُّ (وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ) بفتح العين والموحَّدة المشدَّدة، النَّاجي -بالنُّون والجيم- يُكنَّى أبا سلمة؛ الثَّمانية حال كونهم (يُجِيزُونَ كُتُبَ القُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الشُّهُودِ) بضمِّ الشِّين (٤)،
ولأبي ذرٍّ: «مِنَ المَشْهود» بزيادة ميمٍ وسكون الشِّين (فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالكِتَابِ) بكسر الجيم وسكون التَّحتيَّة بعدها همزةٌ: (إِنَّهُ) أي: الكتاب (زُورٌ، قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ فَالتَمِسِ المَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ) بفتح الميم والرَّاء بينهما معجمةٌ ساكنةٌ، أي: اطلب الخروج من عُهْدة ذلك، إمَّا بالقدح في البيِّنة بما يقبله (١)؛ فتبطل الشَّهادة، وإمَّا بما (٢) يدلُّ على البراءة من المشهود به، وقال المالكيَّة: إذا جاء كتابٌ من قاضٍ إلى قاضٍ آخر مع شاهدين؛ فإنَّه يعتمد على ما شهد به الشَّاهدان ولو خالفا (٣) ما في الكتاب، وقيَّد ذلك في «الجواهر» بما إذا طابقت شهادتهما الدَّعوى، قال: ولو شهدا (٤) بما فيه وهو مفتوحٌ؛ جاز ونُدِبَ ختمه، ولم يُفِدْ وحده، فلا بدَّ من شهودٍ بأنَّ هذا الكتاب كتاب فلانٍ القاضي، وزاد أشهب: ويشهدون أنَّه أشهدهم بما فيه. انتهى. واحتجَّ من لم يشترط الإشهاد بأنَّه ﷺ كتب إلى الملوك، ولم يُنقَل أنَّه أشهد أحدًا على كتابه، وأجيب بأنَّه لمَّا حصل في الناس الفساد؛ احتيط للدِّماء والأموال، قال البخاريُّ: (وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ القَاضِي البَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى) محمَّد بن عبد الرَّحمن قاضي الكوفة، وأوَّل ما وُلِّيها في زمن يوسف بن عمر الثَّقفيِّ في خلافة (٥) الوليد بن يزيد، وهو صدوقٌ، لكنَّه اتُّفِق على ضعف حديثه لسوء حفظه (وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح السِّين المهملة والواو المشدَّدة وبعد الألف راءٌ، العنبريُّ قاضي البصرة من قِبَلِ المنصور.
قال البخاريُّ بالسَّند إليه: (وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكينٍ مذاكرةً: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون المهملة وكسر الرَّاء بعدها زايٌ، الكوفيُّ قال: (جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ التَّابعيِّ (قَاضِي البَصْرَةِ وَ) كنتُ (أَقَمْتُ عِنْدَهُ البَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَهْوَ) أي: فلانٌ (٦) (بِالكُوفَةِ، وَجِئْتُ بِهِ) بالواو، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «فجئت به» أي: بالكتاب (القَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن أبي عبد الله بن مسعودٍ المسعوديَّ
التَّابعيَّ، قاضي الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز (فَأَجَازَهُ) بجيمٍ وزايٍ: أمضاه (١) وعمل به (وَكَرِهَ الحَسَنُ) البصريُّ (وَأَبُو قِلَابَةَ) الجَرْمِيُّ؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء وكسر الميم (أَنْ يَشْهَدَ) -بفتح أوَّله- الشَّاهد (عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا؛ لأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا) أي: باطلًا، وقال المالكيَّة: وهذا هو الصَّواب، وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّها إذا كان فيها جَورٌ؛ لم يمنعِ التَّحمُّل؛ لأنَّ الحاكم قادرٌ على ردِّه إذا أوجب حكم الشَّرع ردَّه، وما عداه يُعمَل به، فليس خشية الجَور فيها مانعًا من التَّحمُّل، وإنَّما المانع الجهل بما يشهد به، ومذهب مالكٍ ﵀ جواز الشَّهادة على الوصيَّة وإن لم يعلمِ الشَّاهد ما فيها؛ وكذا الكتاب المطويُّ، ويقول الشَّاهدان للحاكم: نشهد على إقراره بما في الكتاب؛ لأنَّه ﷺ كتب إلى عمَّاله من غير أن يقرأها على مَنْ حملها، وهي مشتملةٌ على الأحكام والسُّنن، وأثر الحَسَن وصله الدَّارميُّ بلفظ: لا تَشهدْ على وصيَّةٍ حتَّى تُقرَأ عليك، ولا تشهد على من لا تَعرف. وأثر أبي قِلابة وصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان بلفظ: قال أبو قِلابة في الرَّجل يقول: اشهدوا على ما في هذه الصَّحيفة، قال: لا، حتَّى نعلم ما فيها، زاد يعقوب: وقال: لعلَّ فيها جَورًا، وفي هذه الزِّيادة بيان السَّبب في المنع المذكور (وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ) في قصَّة حُوَيِّصة ومُحَيِّصة: (إِمَّا) بكسر الهمزة وتشديد الميم (أَنْ تَدُوا) بالفوقيَّة والتَّحتيَّة (صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن سهلٍ، أي: تُعطوا دِيَتَه، وأضافه (٢) إليهم؛ لكونه وُجِد قتيلًا بين اليهود بخيبر، والإضافة تكون بأدنى ملابسةٍ وهذا إن كان «تدوا» بتاء الخطاب، وإن كان بالتَّحتيَّة؛ فظاهرٌ (وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ) أي: تُعلمِوا به، وهذا طرفٌ من حديث سبق في «باب القسامة» من «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٨].
(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ؛ فيما وصله أبو بكر بن أبي شيبة (فِي شَهَادَةٍ) ولأبي ذرٍّ: «في الشَّهادة» (عَلَى المَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) بكسر السِّين المهملة (٣): (إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ) عليها (وَإِلَّا) أي: وإن لم تعرفها (فَلَا تَشْهَدْ) ومقتضاه: أنَّه لا يُشتَرط أن يراها حالة الإشهاد، بل تكفي معرفته لها بأيِّ طريقٍ كان، وقال الشَّافعيَّة: لا تصحُّ شهادةٌ على متنقِّبة