«اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٢١

الحديث رقم ٧٥٢١ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٢١ في صحيح البخاري

«اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.»

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وَ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وَأَنَّ حَدَثَهُ لَا يُشْبِهُ حَدَثَ الْمَخْلُوقِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ

⦗١٥٣⦘

عَنِ النَّبِيِّ إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ

إسناد حديث البخاري رقم ٧٥٢١

٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالَ قَالُوا اللَّهُ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.

قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْمَالِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.

قَوْلُهُ: وَأَكْسَابِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَاكْتِسَابِهِمْ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْكَسْبِ وَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾

قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْكَسْبُ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ يَعْنِي بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ أَيْضًا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَيْمَا أَسْأَلُ مَنْ أَرْسَلْتُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ.

قَوْلُهُ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ عِنْدَنَا) هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ، وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُوَ مُحَمَّدٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الْآيَةَ.

وأما حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَذَكَرْتُ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي وَائِلٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ من زَعْمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ يَكُونُ كَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ حَرَامًا.

٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾

٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَفِيهِ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ () أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (ثَقَفِيَّانِ) بالمثلَّثة القاف ثمَّ الفاء (وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ) هما صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلفٍ (١) (وَثَقَفِيٌّ) هو عبد ياليل بن عمرو بن عُمَيرٍ، وقيل: حبيب بن عمرٍو، وقيل: الأخنس بن شريقٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند ابن بشكوال: القرشيُّ الأسود بن عبد يغوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان الأخنس بن شريقٍ، والآخر لم يُسَمَّ (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة «شحم» لتاليه، وللأَصيليِّ: «شحوم» بلفظ الجمع (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بالإضافة أيضًا، وقوله: «كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم» قال الكِرمانيُّ وغيره: «بطونهم» مبتدأٌ «كثيرةٌ شحم» خبره إن كان «البطون» مرفوعًا، والكثيرة مضافةٌ إلى الشَّحم. وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضافٌ مرفوعًا بالابتداء و «كثيرةٌ» خبره مقدَّمًا، وهذا الثَّاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنَّث الشَّحم والفقه؛ لإضافتهما إلى البطون والقلوب، والتَّأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف (٢)، قال في «المصابيح»: وهذا غلطٌ؛ لأنَّ المسألة مشروطةٌ بصلاحيَّة المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلام هندٍ ذهبت، ومن ثمَّ ردَّ ابن مالكٍ في «التَّوضيح» قولَ أبي (٣) الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: (يوم لا تنفع نفسًا إيمانها) [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنَّه من «باب قُطِعت بعض أصابعه» لأنَّ المضاف هنا لو سقط لقيل: «نفسًا لا تنفع» بتقديم المفعول؛ ليرجع إليه الضَّمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعليَّة، ويلزم من ذلك تعدِّي فعل المضمر (٤) المتَّصل إلى ظاهره نحو قولك: زيدٌ (٥) أظلم،

تريد أنَّه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، وإنَّما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشَّحم والفقه، والمراد الشُّحوم والفهوم لأمن اللَّبس؛ ضرورة أنَّ البطون لا تشترك في شحمٍ واحدٍ، بل لكلِّ بطنٍ منها شحمٌ يخصُّه، وكذلك الفقه بالنِّسبة إلى القلوب. انتهى.

(فَقَالَ أَحَدُهُمْ) للآخرَين: (أَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وتُضَمُّ (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ) للآخرَين (١): (يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ) وهو أفطن أصحابه: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ (٢) يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة في قوله: «إن كان يسمع» أنَّ جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السَّواء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … الآيَةَ [فصلت: ٢٢]) قال ابن بطَّالٍ فيما نقلوه عنه: غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات السَّمع لله، وإثبات القياس الصَّحيح وإبطال القياس الفاسد؛ لأنَّ الذي قال: «يسمع إن جهرنا ولا يسمع (٣) إن أخفينا» قاس قياسًا فاسدًا؛ لأنَّه شبَّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السِّرَّ، والذي قال: «إن كان يسمع إن جهرنا فإنَّه يسمع إن أخفينا» أصاب في قياسه حيث لم يشبِّه الله تعالى بخلقه ونزَّهه عن مماثلتهم، وإنَّما وصف الجميع بقلَّة الفقه؛ لأنَّ هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال، بل شكَّ بقوله: «إن كان».

والحديث سبق في «سورة فُصِّلت» [خ¦٤٨١٧].

(٤٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي: كلَّ وقتٍ وحينٍ يحدث أمورًا ويجدِّد أحوالًا كما رُوِي (٤) ممَّا سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء قال: «﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنبًا،

ويكشف كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين» [خ¦٦٥ - ٧١٦٦]، وعن ابن (١) عيينة: الدَّهر عند الله يومان: أحدهما: اليوم الذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء، واستُشكِل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأُجيب بأنَّها شؤونٌ يبديها لا شؤونٌ يبتديها.

(وَ) قولِه تعالى: (﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد (٢) لهم الذِّكر في (٣) كلِّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السُّورة؛ ليكرّر على أسماعهم الموعظة لعلَّهم يتَّعظون، فما يزيدهم ذلك إلَّا استسخارًا، فمعنى ﴿مُّحْدَثٍ﴾ هو أنَّ يحدث الله الأمر بعد الأمر، أو مُحدَثٌ في التَّنزيل، فالإحداث بالنِّسبة للإنزال، وأمَّا المنزَّل (٤) فقديمٌ، وتعلُّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمةٌ، فالمذكور -وهو القرآن- قديمٌ، والذِّكر حادثٌ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله (٥) وتحذيره إيَّاهم عن معاصي الله، فسُمِّي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى لأنَّه فاعله في الحقيقة، ومقدِّرٌ رسوله على اكتسابه.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وإنَّ حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) لعلَّ مراده أنَّ (٦) المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخيِّ وأتباعه، وقد تقرَّر أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّةٌ وتُسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّةٌ حقيقةً كالعلم والإرادة والقدرة وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالَ قَالُوا اللَّهُ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.

قَوْلُهُ: وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَعْمَالِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.

قَوْلُهُ: وَأَكْسَابِهِمْ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَاكْتِسَابِهِمْ بِزِيَادَةِ مُثَنَّاةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْكَسْبِ وَيَأْتِي الْإِلْمَامُ بِهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾

قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ عُمُومُ قَوْلِهِ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْكَسْبُ شَيْءٌ فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ يَعْنِي بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.

قَوْلُهُ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ) هُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ أَيْضًا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَخَذْتُ الْمِيثَاقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ كَيْمَا أَسْأَلُ مَنْ أَرْسَلْتُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ.

قَوْلُهُ: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ عِنْدَنَا) هُوَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ، وَصَدَّقَ بِهِ: الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ يَجِيئُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُونَ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتُمُونَا عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ بِالْقُرْآنِ وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ هُوَ مُحَمَّدٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ كُلُّ مَنْ دَعَا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ وَالْمُصَدِّقُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الْآيَةَ.

وأما حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ وَذَكَرْتُ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ عَلَى أَبِي وَائِلٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ من زَعْمَ أَنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ يَكُونُ كَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فَيَكُونُ اعْتِقَادُهُ حَرَامًا.

٤١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾

٧٥٢١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ الْآيَةَ) سَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا فِيهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَفِيهِ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ) هو ابن المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر المكِّيِّ (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة الأزديِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ () أنَّه (قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ) الحرام (ثَقَفِيَّانِ) بالمثلَّثة القاف ثمَّ الفاء (وَقُرَشِيٌّ، أَوْ قُرَشِيَّانِ) هما صفوان وربيعة ابنا أميَّة بن خلفٍ (١) (وَثَقَفِيٌّ) هو عبد ياليل بن عمرو بن عُمَيرٍ، وقيل: حبيب بن عمرٍو، وقيل: الأخنس بن شريقٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وعند ابن بشكوال: القرشيُّ الأسود بن عبد يغوث الزُّهريُّ، والثَّقفيَّان الأخنس بن شريقٍ، والآخر لم يُسَمَّ (كَثِيرَةٌ) بالتَّنوين (شَحْمُ بُطُونِهِمْ) بإضافة «شحم» لتاليه، وللأَصيليِّ: «شحوم» بلفظ الجمع (قَلِيلَةٌ) بالتَّنوين (فِقْهُ قُلُوبِهِمْ) بالإضافة أيضًا، وقوله: «كثيرةٌ شحم بطونهم، قليلةٌ فقه قلوبهم» قال الكِرمانيُّ وغيره: «بطونهم» مبتدأٌ «كثيرةٌ شحم» خبره إن كان «البطون» مرفوعًا، والكثيرة مضافةٌ إلى الشَّحم. وإن كان بطونهم مجرورًا بالإضافة فيكون الذي هو مضافٌ مرفوعًا بالابتداء و «كثيرةٌ» خبره مقدَّمًا، وهذا الثَّاني هو الذي في الفرع قالوا: وأنَّث الشَّحم والفقه؛ لإضافتهما إلى البطون والقلوب، والتَّأنيث يسري من المضاف إليه إلى المضاف (٢)، قال في «المصابيح»: وهذا غلطٌ؛ لأنَّ المسألة مشروطةٌ بصلاحيَّة المضاف للاستغناء عنه، فلا يجوز: غلام هندٍ ذهبت، ومن ثمَّ ردَّ ابن مالكٍ في «التَّوضيح» قولَ أبي (٣) الفتح في توجيه قراءة أبي العالية: (يوم لا تنفع نفسًا إيمانها) [الأنعام: ١٥٨] بتأنيث الفعل: إنَّه من «باب قُطِعت بعض أصابعه» لأنَّ المضاف هنا لو سقط لقيل: «نفسًا لا تنفع» بتقديم المفعول؛ ليرجع إليه الضَّمير المستتر المرفوع الذي ناب عن الإيمان في الفاعليَّة، ويلزم من ذلك تعدِّي فعل المضمر (٤) المتَّصل إلى ظاهره نحو قولك: زيدٌ (٥) أظلم،

تريد أنَّه ظلم نفسه، وذلك لا يجوز، وإنَّما الوجه في الحديث أن يكون أفرد الشَّحم والفقه، والمراد الشُّحوم والفهوم لأمن اللَّبس؛ ضرورة أنَّ البطون لا تشترك في شحمٍ واحدٍ، بل لكلِّ بطنٍ منها شحمٌ يخصُّه، وكذلك الفقه بالنِّسبة إلى القلوب. انتهى.

(فَقَالَ أَحَدُهُمْ) للآخرَين: (أَتَرَوْنَ) بفتح الفوقيَّة وتُضَمُّ (أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ) للآخرَين (١): (يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ) وهو أفطن أصحابه: (إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ (٢) يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا) ووجه الملازمة في قوله: «إن كان يسمع» أنَّ جميع المسموعات نسبتها إلى الله تعالى على السَّواء (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ … الآيَةَ [فصلت: ٢٢]) قال ابن بطَّالٍ فيما نقلوه عنه: غرض البخاريِّ في هذا الباب: إثبات السَّمع لله، وإثبات القياس الصَّحيح وإبطال القياس الفاسد؛ لأنَّ الذي قال: «يسمع إن جهرنا ولا يسمع (٣) إن أخفينا» قاس قياسًا فاسدًا؛ لأنَّه شبَّه سمع الله تعالى بأسماع خلقه الذين يسمعون الجهر ولا يسمعون السِّرَّ، والذي قال: «إن كان يسمع إن جهرنا فإنَّه يسمع إن أخفينا» أصاب في قياسه حيث لم يشبِّه الله تعالى بخلقه ونزَّهه عن مماثلتهم، وإنَّما وصف الجميع بقلَّة الفقه؛ لأنَّ هذا الذي أصاب لم يعتقد حقيقة ما قال، بل شكَّ بقوله: «إن كان».

والحديث سبق في «سورة فُصِّلت» [خ¦٤٨١٧].

(٤٢) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]) أي: كلَّ وقتٍ وحينٍ يحدث أمورًا ويجدِّد أحوالًا كما رُوِي (٤) ممَّا سبق معلَّقًا عن أبي الدَّرداء قال: «﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يغفر ذنبًا،

ويكشف كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين» [خ¦٦٥ - ٧١٦٦]، وعن ابن (١) عيينة: الدَّهر عند الله يومان: أحدهما: اليوم الذي هو مدَّة الدُّنيا، فشأنه فيه الأمر والنَّهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، والآخر: يوم القيامة، فشأنه فيه الحساب والجزاء، واستُشكِل بأنَّه قد صحَّ أنَّ القلم جفَّ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وأُجيب بأنَّها شؤونٌ يبديها لا شؤونٌ يبتديها.

(وَ) قولِه تعالى: (﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) ذكر الله تعالى ذلك بيانًا لكونهم معرضين في قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وذلك أنَّ الله تعالى يجدِّد (٢) لهم الذِّكر في (٣) كلِّ وقتٍ، ويظهر لهم الآية بعد الآية، والسُّورة بعد السُّورة؛ ليكرّر على أسماعهم الموعظة لعلَّهم يتَّعظون، فما يزيدهم ذلك إلَّا استسخارًا، فمعنى ﴿مُّحْدَثٍ﴾ هو أنَّ يحدث الله الأمر بعد الأمر، أو مُحدَثٌ في التَّنزيل، فالإحداث بالنِّسبة للإنزال، وأمَّا المنزَّل (٤) فقديمٌ، وتعلُّق القدرة حادثٌ، ونفس القدرة قديمةٌ، فالمذكور -وهو القرآن- قديمٌ، والذِّكر حادثٌ لانتظامه من الحروف الحادثة، فلا تمسُّك للمعتزلة بهذه الآية على حدوث القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالذِّكر هنا هو وعظ رسول الله (٥) وتحذيره إيَّاهم عن معاصي الله، فسُمِّي وعظه ذكرًا، وأضافه إليه تعالى لأنَّه فاعله في الحقيقة، ومقدِّرٌ رسوله على اكتسابه.

(وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وإنَّ حدثه لا يشبه حدث المخلوقين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]) لعلَّ مراده أنَّ (٦) المحدث غير المخلوق كما هو رأي البلخيِّ وأتباعه، وقد تقرَّر أنَّ صفات الله تعالى إمَّا سلبيَّةٌ وتُسمَّى بالتَّنزيهات، وإمَّا وجوديَّةٌ حقيقةً كالعلم والإرادة والقدرة وأنَّها قديمةٌ لا محالة، وإمَّا إضافيَّةٌ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر