«إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٣٣

الحديث رقم ٧٥٣٣ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٣٣ في صحيح البخاري

«إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ الْقُرْآنَ، فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.»

بَابٌ: وَسَمَّى النَّبِيُّ الصَّلَاةَ عَمَلًا، وَقَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ

إسناد حديث البخاري رقم ٧٥٣٣

٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٣٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ، وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقَالُ: يُتْلَى: يُقْرَأُ، حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ، ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا، وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ لِبِلَالٍ: أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلَّا صَلَّيْتُ، وَسُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ.

٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، فقَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ مُرَادُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّلَاوَةِ الْقِرَاءَةُ، وَقَدْ فُسِّرَتِ التِّلَاوَةُ بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ مِنْ فِعْلِ الْعَامِلِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ، وَبَعْضَهُمْ يَنْقُصُ، فَهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي التِّلَاوَةِ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَأَمَّا الْمَتْلُوُّ وَهُوَ الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْقِرَاءَةِ وَرَدِيءُ الْقِرَاءَةِ وَلَا يُقَالُ حَسَنُ الْقُرْآنِ وَلَا رَدِيءُ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يُسْنَدُ إِلَى الْعِبَادِ الْقِرَاءَةُ لَا الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الرَّبِّ وَالْقِرَاءَةَ فِعْلُ الْعَبْدِ، وَلَا يَخْفَى هَذَا إِلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ ثُمَّ قَالَ تَقُولُ قَرَأْتَ بِقِرَاءَةِ عَاصِمٍ وَقِرَاءَتُكَ عَلَى قِرَاءَةِ عَاصِمٍ، وَلَوْ أَنَّ عَاصِمًا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَأَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَرَأْتَ أَنْتَ عَلَى قِرَاءَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ هُوَ قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا تُعْجِبُنِي قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَلَا يُقَالُ: لَا يُعْجِبُنِي الْقُرْآنُ، فَظَهَرَ افْتِرَاقُهُمَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ : أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ إِلَخْ) وَصَلَهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ أُوتِيَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأُوتِيتُمْ وَقَدْ مَضَى فِي اللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ أُعْطِيَ وَأُعْطِيتُمْ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ) بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ هُوَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ يَتْلُونَهُ: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وَهَذَا وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَافَقَ أَبَا رَزِينٍ عِكْرِمَةُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ أَيْ تَبِعَهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

قَدْ جَعَلْتُ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ آمَنُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: يُتْلَى: يُقْرَأُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ مَا كُنْتَ تَقْرَأُ كِتَابًا قَبْلَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) قَالَ الرَّاغِبُ: التِّلَاوَةُ الِاتِّبَاعُ وَهِيَ تَقَعُ بِالْجِسْمِ تَارَةً وَتَارَةً بِالِاقْتِدَاءِ فِي الْحُكْمِ وَتَارَةً بِالْقِرَاءَةِ وَتَدَبُّرُ الْمَعْنَى، وَالتِّلَاوَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ تَخْتَصُّ بِاتِّبَاعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَةِ تَارَةً بِالْقِرَاءَةِ وَتَارَةً بِامْتِثَالِ مَا فِيهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَكُلُّ قِرَاءَةٍ تِلَاوَةٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الْمُؤْمِنُ. (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وَحَاصِلُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ لَا يَجِدَ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ الْمُطَهَّرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ لَا الْغَافِلُ عَنْهُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ، فَيَكُونُ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ مَا لَا يَدْرِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا) أَمَّا تَسْمِيَتُهُ الْإِسْلَامَ عَمَلًا فَاسْتَنْبَطَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لِجِبْرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بِلَفْظِ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكُ لِلَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، الْحَدِيثَ، وَسَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ قَالَ: فَسَمَّى الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ وَالصَّلَاةَ بِقِرَاءَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حَرَكَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِعْلًا انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَسْنَدَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْإِيمَانِ عَمَلًا فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ فِي الْبَابِ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَعَادَهُ فِي بَابِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الصَّلَاةِ عَمَلًا فَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ لِبِلَالٍ إِلَخْ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَشْرُوحًا فِي مَنَاقِبِ بِلَالٍ مِنْ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ، وَدُخُولُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ.

قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) وَهُوَ حَدِيثٌ وَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مُرَادِهِ لَكِنْ لَيْسَ سَنَدُهُ عَلَى شَرْطِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَيَاءٌ كَيَاءِ النَّسَبِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ نَحْوُ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِمَعْنَاهُ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِكِتَابِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ وَالْجِهَادَ وَالْحَجَّ عَمَلًا، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ مُعَاذٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى

اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَ فَبَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن (١) عبد الله بن (٢) عمر (٣) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أبيه (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء (٤) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه بأن ماتوا قبل النَّسخ (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) بالتَّكرار مرَّتين، وفيه كلامٌ سبق في «الصَّلاة» في «باب من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب» [خ¦٥٥٧] (ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ) من نصف النَّهار (حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حتَّى (٥) غروب الشَّمس» (فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتَّثنية فيهما (فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى: (هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللهُ) ﷿: (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) نقصتكم (مِنْ حَقِّكُمْ) الذي شرطته لكم (شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ) أي: كلّ ما أعطيه من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ).

والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٥٧] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «أوتي أهل التَّوراة».

(٤٨) (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، فهو كالفصل من السَّابق (٦)، ولذا عطف عليه قوله: (وَسَمَّى النَّبِيُّ الصَّلَاةَ عَمَلًا) في حديث الباب (وَقَالَ) : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ، وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، يُقَالُ: يُتْلَى: يُقْرَأُ، حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ، ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا، وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ لِبِلَالٍ: أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ إِلَّا صَلَّيْتُ، وَسُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ.

٧٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمْ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، فقَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ مُرَادُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّلَاوَةِ الْقِرَاءَةُ، وَقَدْ فُسِّرَتِ التِّلَاوَةُ بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ مِنْ فِعْلِ الْعَامِلِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: ذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَزِيدُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ، وَبَعْضَهُمْ يَنْقُصُ، فَهُمْ يَتَفَاضَلُونَ فِي التِّلَاوَةِ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَأَمَّا الْمَتْلُوُّ وَهُوَ الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ حَسَنُ الْقِرَاءَةِ وَرَدِيءُ الْقِرَاءَةِ وَلَا يُقَالُ حَسَنُ الْقُرْآنِ وَلَا رَدِيءُ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يُسْنَدُ إِلَى الْعِبَادِ الْقِرَاءَةُ لَا الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ الرَّبِّ وَالْقِرَاءَةَ فِعْلُ الْعَبْدِ، وَلَا يَخْفَى هَذَا إِلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ ثُمَّ قَالَ تَقُولُ قَرَأْتَ بِقِرَاءَةِ عَاصِمٍ وَقِرَاءَتُكَ عَلَى قِرَاءَةِ عَاصِمٍ، وَلَوْ أَنَّ عَاصِمًا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَأَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَرَأْتَ أَنْتَ عَلَى قِرَاءَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ هُوَ قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا تُعْجِبُنِي قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَلَا يُقَالُ: لَا يُعْجِبُنِي الْقُرْآنُ، فَظَهَرَ افْتِرَاقُهُمَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ النَّبِيِّ : أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ إِلَخْ) وَصَلَهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ أُوتِيَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأُوتِيتُمْ وَقَدْ مَضَى فِي اللَّفْظِ الْمُعَلَّقِ أُعْطِيَ وَأُعْطِيتُمْ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ) بِرَاءٍ ثُمَّ زَايٍ بِوَزْنِ عَظِيمٍ هُوَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ يَتْلُونَهُ: يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، وَهَذَا وَصَلَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قَالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَافَقَ أَبَا رَزِينٍ عِكْرِمَةُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ أَيْ تَبِعَهَا، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

قَدْ جَعَلْتُ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي

وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ آمَنُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ: يُتْلَى: يُقْرَأُ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ مَا كُنْتَ تَقْرَأُ كِتَابًا قَبْلَ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: حَسَنُ التِّلَاوَةِ: حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) قَالَ الرَّاغِبُ: التِّلَاوَةُ الِاتِّبَاعُ وَهِيَ تَقَعُ بِالْجِسْمِ تَارَةً وَتَارَةً بِالِاقْتِدَاءِ فِي الْحُكْمِ وَتَارَةً بِالْقِرَاءَةِ وَتَدَبُّرُ الْمَعْنَى، وَالتِّلَاوَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ تَخْتَصُّ بِاتِّبَاعِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَةِ تَارَةً بِالْقِرَاءَةِ وَتَارَةً بِامْتِثَالِ مَا فِيهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَكُلُّ قِرَاءَةٍ تِلَاوَةٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ لَا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُوقِنُ) وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الْمُؤْمِنُ. (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وَحَاصِلُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ لَا يَجِدَ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ الْمُطَهَّرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلَّا الْمُطَهَّرُ مِنَ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ لَا الْغَافِلُ عَنْهُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ، فَيَكُونُ كَالْحِمَارِ الَّذِي يَحْمِلُ مَا لَا يَدْرِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ عَمَلًا) أَمَّا تَسْمِيَتُهُ الْإِسْلَامَ عَمَلًا فَاسْتَنْبَطَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لِجِبْرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بِلَفْظِ فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكُ لِلَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، الْحَدِيثَ، وَسَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ قَالَ: فَسَمَّى الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ وَالصَّلَاةَ بِقِرَاءَتِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حَرَكَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِعْلًا انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَسْنَدَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْإِيمَانِ عَمَلًا فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ فِي الْبَابِ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَعَادَهُ فِي بَابِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الصَّلَاةِ عَمَلًا فَهُوَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ لِبِلَالٍ إِلَخْ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مَشْرُوحًا فِي مَنَاقِبِ بِلَالٍ مِنْ مَنَاقِبِ الصَّحَابَةِ ، وَدُخُولُهُ فِيهِ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ.

قَوْلُهُ: (وَسُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ الْجِهَادُ ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) وَهُوَ حَدِيثٌ وَصَلَهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ الْحَدِيثَ، وَهُوَ أَصْرَحُ فِي مُرَادِهِ لَكِنْ لَيْسَ سَنَدُهُ عَلَى شَرْطِهِ فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ وَيَاءٌ كَيَاءِ النَّسَبِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ نَحْوُ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِمَعْنَاهُ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَتَصْدِيقٌ بِكِتَابِهِ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ الْإِيمَانَ وَالتَّصْدِيقَ وَالْجِهَادَ وَالْحَجَّ عَمَلًا، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ مُعَاذٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى

اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قَالَ فَبَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن (١) عبد الله بن (٢) عمر (٣) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أبيه (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ) أجزاء (٤) وقت (صَلَاةِ العَصْرِ) المنتهية (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن استيفاء عمل النَّهار كلِّه بأن ماتوا قبل النَّسخ (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا) بالتَّكرار مرَّتين، وفيه كلامٌ سبق في «الصَّلاة» في «باب من أدرك ركعةً من العصر قبل الغروب» [خ¦٥٥٧] (ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ) من نصف النَّهار (حَتَّى صُلِّيَتِ العَصْرُ، ثُمَّ عَجَزُوا) عن العمل، أي: انقطعوا (فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حتَّى (٥) غروب الشَّمس» (فَأُعْطِيتُمْ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ) بالتَّثنية فيهما (فَقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ) اليهود والنَّصارى: (هَؤُلَاءِ أَقَلُّ مِنَّا عَمَلًا وَأَكْثَرُ أَجْرًا، قَالَ اللهُ) ﷿: (هَلْ ظَلَمْتُكُمْ) نقصتكم (مِنْ حَقِّكُمْ) الذي شرطته لكم (شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهْوَ) أي: كلّ ما أعطيه من الثَّواب (فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ).

والحديث سبق في «الصَّلاة» [خ¦٥٥٧] ومطابقته للتَّرجمة هنا في قوله: «أوتي أهل التَّوراة».

(٤٨) (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ، فهو كالفصل من السَّابق (٦)، ولذا عطف عليه قوله: (وَسَمَّى النَّبِيُّ الصَّلَاةَ عَمَلًا) في حديث الباب (وَقَالَ) : (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده